الفصل 28 | من 36 فصل

رواية انصاف القدر الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
24
كلمة
5,057
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

في بيت الخطيب كان الموقف مشتعل. عامر يعطيهم ظهره يبتسم بخبث وانتصار. خلفه يقف محمد وناهد يتوسلان له. كل ذلك وهى متخشبة.. متسيبة.. لا تربط أي حدث بأي حديث ولا تعي أو تستجمع أي شيء... لا تستطيع حقًا. تحدث محمد قائلاً: يا عامر... مش هو ده اللي انت كنت عايزه... مش جيت قولتلي بحبها. كبت ضحكته... يعاني كثيراً كي يرسم ملامح الجدية على وجهه. تدخلت ناهد: يابني اسمع الكلام بقا... أنا مش فاهمة انت ليه بتعمل كده...

مش جيت قدام الكل وقولت بحب مليكة... إيه اللي حصل... ما إحنا بنقولك اتجوزها اهو.. في إيه بقا. على حاله هكذا وهو يتلاعب بهم قليلاً باستمتاع. جاء صوت صاحبة الشأن والتي على ما يبدو أنهم قد نسوا أمرها تقريباً... إنها لابد وأن توافق... ولماذا يعتبرونها موافقة مثلاً. قالت مليكة: هو انتو بتتكلموا في إيه معلش... أنا عمري ماهوافق. كان مازال يعطي الجميع ظهره.. هو يتلاعب بهم... لكنه يعلم نبرة حديثها تلك...

يحفظ مليكة عن ظهر قلب... تتحدث بجدية شديدة لا تلاعب أو عبث بها. تخشبت ملامح وجهه واستدار لها يواجهها كالجميع. قالت ناهد: إيه اللي بتقوليه ده بس يابنتي. قال محمد: هو مش ده اللي كنتي بتغنيلوا حبيبي اه من حبيبي وكنتي نجاة الصغيرة من كام يوم... إيه اللي حصل بقا. مازال ينظر لها بعينين ثابتة.. تتطلق سهام مشتعلة. نظرت له... ثم للجميع وقالت: الكلام ده كان من فترة... بس الظاهر إنكوا نسيتوا إني مخطوبة دلوقتي...

عدي شاب كويس وبيحبني.. ماشفتش منه حاجة وحشة. عادت النظر لاعين عامر تقول: أنا أكتر واحدة جربت كسرة القلب... يعني إيه أبقى بحب حد ويمشي مع غيري ويسبني... يعني إيه أقدر حد وهو ما يقدرنيش... وعدي شاريني ومن زمان.. جه وقعد واستحمل كل اللي حصل فيه... طلبني وعززني وكرمني... ما عملش حاجة يستاهل عليها إني أمشي وأسيبه. نسي لعبته... نسي عبثه وتلاعبه بالجميع... تقدم منها بغيرة يقول: انتي شكلك اتجننتي...

انتي واقفة قدامي تقولي كده... جرى لمخك حاجة ولا إيه. رفعت وجهها بشموخ تقول: أنا عارفة أنا بقول إيه.. والنهاردة غير امبارح يا أبيه. قال عامر: أنا مش أبيه. قالت مليكة: أبيه مش أبيه... مش قصتي... أنا اللي عندي قولته. همت لتغادر فقبض على يديها وأوقفها قائلاً: هو انتي فاكرة إنه بمزاجك مثلاً. قالت مليكة: أمال بمزاج مين.. انت مثلاً. صك على أسنانه وقال: آه يا مليكة... بمزاجي أنا... وكل حاجة تخصك بإيدي أنا. نفضت يده تقول:

وأنا قولت لأ. نظر حوله لهم... ووجدهم يشاهدون كل ما يحدث... فهم الجميع أنه موافق. كان يتلاعب بهم فقط... المعضلة الآن بمليكة. مليكة الصغيرة تلك بيدها مصير الجميع. تحدث لهم قائلاً: سيبونا لوحدنا لو سمحتوا. هم الجميع للمغادرة بصمت ولكن تحدثت ناهد: مليكة... استهدي بالله يا حبيبتي.. انتي دلوقتي في إيدك مصير العيلة كلها. وأضاف محمد هو الآخر: اقعدوا مع بعض وياريت نوصل لحل. أنا رايح أتصل بالمأذون عشان يلحق ييجي.

قالت مليكة بغضب: ما تتصلش بحد.. أنا مش موافقة ومش هوافق. قالت ناهد: استهدي بالله يا ميكا.. إحنا هنسيبكوا لوحدكوا وعامر هيقنعك.. طول عمره الوحيد اللي بيعرف يقنعك.. كلم المأذون يا محمد. استشاطت غضباً من إيقان الكل بتأثيره عليها وأنها حتماً ستوافق صرخت بغضب: قولت مش هوافق... انتو سامعين. احتدمت عينيه ينظر إليها لكنه يخاطب محمد: سيبونا لوحدنا زي ما قولت... وانت يا محمد كلم المأذون. قالت مليكة: قولت لأ. قال عامر:

روح يا محمد اعمل اللي قولت عليه. تحرك محمد سريعاً ينفذ وناهد صعدت لغرفتها. وهو يتقدم منها ببطء وغضب. كل هذا يحدث للعائلة بالداخل.. الكل مشغول بتلك المفاجأة التي قلبت كل الموازين.. والكل متناسي أن عدي يجلس الآن بالقصر. لكن أين عدي المناويشي الآن ياترى؟؟ ...... لا يعلم لما أثرت به كلماتها... حزنها الظاهر بعينيها... من أول يوم بعث له محمد رسالة بصورتها وهى لها سحر عليه.

في البداية امتثل لرغبة محمد ولم يجلب أي معلومة عنها سوى عنوانها فقط. ولكن لا يعرف لما أمر أحد العاملين معه بجلب بعض المعلومات عنها. لم يكن الأمر سهل... حتى أهل المنطقة التي تقطن بها هي وشقيقتها لا يعلمون عنهما الكثير... فقط معلومات بسيطة عنهما وعن والدهما ووالدتهما... سيرة طيبة... أنهما يعملان بأحد المولات... فقط... هذا كل ما استطاع جمعه من معلومات عنها.

وجد قدماه تسوقانه رغماً عنه ناحية المطبخ من الناحية المطلة على الحديقة. استمع لشقيقتها تقول: توتا.. اهدى بقا... مالك اتعصبتي فجأة كده. قالت توتا: تعبت وزهقت.. عمالين نقاوح ونناطح في الدنيا بعزم ما فينا واحنا أصلاً ضعاف... عاجبك اللي إحنا فيه ده. تنهدت تحية وقالت: ومين سمعك... بنضحك ونهزر لكن القلب من جوا حزين. صمتت الشقيقتان قليلاً إلى أن أكملت تحية: بس هنعمل إيه... هي الدنيا كده...

ماينفعش نضعف.. لو ضعفنا بان الناس هتاكلنا.. اللي بيقع الناس مش بتسنده يقف لأ دي بتخطى عليه ويمكن تقف على جثته عشان تبان.. مش لازم نضعف أبداً يا توتا. قالت توتا بحزن: ياااااه... يعني حتى الدنيا مستكتره علينا الضعف. قالت تحية: أيوه يا تغريد.. الضعف مش لينا... ومش عايزة أشوفك كده تاني. وضعت يدها على الطاولة تستند بوجهها عليه بحزن. أي حديث لن يصف أو يكفي... تشعر بثقل كبير على عاتقها هي وشقيقتها. تحدثت تحية:

أنا هروح أغير وأجي.. مش عايزة أرجع ألاقيكي زعلانة والنبي... ده أنا باخد فرحتي وضحكتي منك... عايزين نهونها على بعض يا توتا. أومأت بوجهها تحاول أن تبتسم... ابتسمت لها تحية هي الأخرى وغادرت بحزن. مرت عليها لحظات من الصمت والحزن... انتفضت فجأة وهي تشعر بيد تغرس في شعرها. رفعت وجهها وجدت عدي المناويشي هو من يفعل ذلك... ينظر داخل عينها بنظرة غريبة. وقفت بسرعة فانسحبت يده تبعاً من شعرها. قالت بتلعثم: عدي باشا... في حاجة؟!

قال عدي: بتعيطي ليه؟ حمحمت بجدية تقول: لا ما فيش حاجة.. أنا أعيط؟! ... ما فيش الكلام ده. أغمض عينيه يبتسم ثم قال: بس انتي كنتي بتعيطي... قوللي فيكي إيه. نظرت له بضيق وأشاحت بوجهها... لم يكن ينقصها هو الآخر... جاء ليتسلى قليلاً حتى تعود له خطيبته.. جاء إليها هي. في ذلك الوقت تحديداً.. الجميع يعتبرها هي وشقيقتها سلعة. لاحظ ضيقها.. بل اشمئزازها منه فقال باستغراب: مالك يابنتى بتبصيلي كده ليه؟

لن تحتمل.. أو حتى تنمق وتختار عباراتها.... ستقذف الحديث ربما ترتاح. انفجرت به: انت عايز إيه... في حاجة ياباشا... القهوة خلصت مثلاً عايز غيرها.. ولا الست مليكة عندها مكالمة وقاعد زهقان قولت تشوف فين البت أم دم خفيف تسليك شوية على ما خطيبتك ترجع... هو انتو إيه... شايفنا مش بني آدمين... اللي ما يتسمى اللي اسمه محمد يجيبنا هنا ويشغلنا خدامين عند اللي خلفوه... عمال يتقرب ويتمحك شوية وانت شوية...

إحنا مش خدامين ولا لعبة.. روح شوف سكتك بعيد عني الله يخليك أنا مش أراجوز جايلى أسليك. كان يستمع لها... يتوقع ويريد أن تنفجر به... هيئتها يبدو عليها أنها تريد الانفجار... تحملت كثيراً وتريد أن تخرج تلك الشحنة السلبية. لكنه اقترب منها معلقاً: محمد بيتمحك فيكي إزاي... قرب منك.. غصبك على حاجة؟ قالت توتا بحدة: ألزم حدودك.. مش أنا اللي أتسأل السؤال ده... ده أنا توتا. ابتسم قائلاً: ودى أكتر حاجة عجبا ني فيكي.. دكر.

عادت تنظر له بحزن قائلة: دكر... كتر خيرك. قال عدي: أحلى دكر شوفته. قالت توتا: طب روح شوف طريقك.. يالا. قال عدي: انتي يابنتي عمالة توزعي فيا كده ليه أنا مستغربك أوي... انتي عارفة أنا مين وكم واحدة تتمنى تقعد تتكلم معايا؟! قالت توتا: يخربيت الكبر يا أخي... مش عارفة وما يلزم نيش أعرف. قال عدي: يابنتي مش حكاية كبر.. بس دي حقيقة أنا بفهمهالك.. انتي بقى ليه مش طيقاني. صمتت لدقيقة ثم قالت:

أنا مش طايقة حد ولا طايقة نفسي.. وبصراحة مش ناوية أبقى البلياتشو بتاعك دلوقتي عشان قاعد فاضي وعايز حد يحكي معاك... شوف طريقك بعيد عني الله يسهلك أنا مش رايقة. كل تلك الضغوطات التي تحدثت بها وعبرت نبرة الشجن في حديثها عنها جعلته يتهور قائلاً: تمشي من هنا؟ لو قولتلك تيجي معايا تيجي؟ مُتَّ شفتيها باستياء... هممم يريد خادمة... أو ربما يريد انتقال البلياتشو لبيته. تحدثت وهي تبتسم بسماجة: لا ياسيدي...

أنا مرتاحة في الشغل هنا. قال عدي: شغل إيه افهمي.... أنا عايزك معايا. قالت توتا: معاك إزاي مش فاهمة. رفع كتفيه بعصبية يجيب: ولا أنا نفسي عارف بس... مش عارف.. أنا عايزك قدام عيني. ضحكت بسخرية وقالت: إيه.. لأ لأ ماتقوليش.. ماتصدمنيش.. ماتفاجئنيش.... هيييييييح.. حبتني. نظر لها بانبهار... يبدو أن حديثها صحيح... عينيه متسعة يدرك ذلك ببطء. رفعت شفتها العليا باستنكار وقالت:

شوف سكتك الله يسهلك أنا مش ناقصة لعب.. اللي فيا مكفيني. نظر لها مطولاً وقال: أنا مش بلعب. قالت توتا بتنهيدة.. تضع وجهها على رأسها تغمض عينيها تستعد للنوم قائلة بخمول: وأنا مش رايقة لا لهزار ولا لعب دلوقتي الله لا يسيئك... تعالى بكرة ممكن يبقى مزاجي حلو ونهزر. صمت قليلاً وقال: هاجي بكرة... بس اوعديني تفكري في كلامي. رفعت وجهها له تقول بسخرية: هفكر حاضر... يالا مع السلامة. أخذ نفس عميق يصك أسنانه من سخريتها به وقال:

لا أنا مطول بالي عليكي بالعافية.... لكن خلي بالك أنا مش بالأخلاق العاليا دي... قولتلك همشي دلوقتي وفكري في كلامي. نظرت له بعدم اهتمام ثم أعادت وضع رأسها على يديها تغمض عينيها مدعية النوم. ركل قدم المقعد المجاور لها وتحرك ناحية الحديقة مجدداً. بمجرد شعورها أنها أصبحت بمفردها... فتحت عينيها مجدداً تنظر أمامها بشرود تتذكر حديث عامر بأحد الأيام مع محمد. فلاش باااك كانت تمر في الحديقة تنظر حولها بانبهار

لتلك الورود الجميلة: ياحليييله.... أول مرة أشوف ورد كتير كده وفى حتة واحدة. انتبهت إلى صوت أحدهم يتحدث ببعض الغضب... اقتربت قليلاً وجدت نفسها بجوار شرفة مكتب عامر المطلة على الحديقة. وصل إلى أذنيها القليل من الكلمات: محمد.. لو عاجباك قول... وما يهمكش لا سمعة العيلة ولا الكلام ده. جذب الحديث فضولها... تقدمت أكثر بخبث تدعو الله ألا يراها أحد. التصقت أكثر بالشرفة واستمعت له يجيب:

سبق وسألتني وأنا سبق وقولتلك.. آه عاجباني... أوي.. بس ماتنفعنيش. تملكتها الحيرة... تريد أن تعلم عمن يتحدثون. إلى أن نطق عامر فجحظت عينيها: تغريد بنت كويسة وباين عليها مؤدبة... ده غير أنها جميلة. لكن جاءت الصاعقة الأكبر من حديث محمد: جميلة آه... عجبا ني مش هنكر... بس نصابة.. وجبتها بيتي خدامة... تفتكر ينفع أربط اسمي بواحدة زيها. ابتعدت سريعاً بصدمة... لم تخطط لاصطياد محمد يوماً...

حتى لم تقع بهواه.. لكن مجرد سماعها رفضه لها بهذه الطريقة رغم اعترافه أنها جميلة وتعجبه صادم... بل قاتل. فكرة أن المجتمع من حولها لا يتقبلها هي وشقيقتها... أحدهم يعرض عقدي زواج عرفها على أختها والثاني يرفضها بهذه الطريقة رغم أنها تعجبه... هل هم قليلي الشأن لهذه الدرجة. باااااك أغمضت عينيها تفر منها دمعة ألم وحسرة تضع رأسها على يديها تتذكر كلمات أختها: الضعف مش لينا. هبت من مقعدها... لابد ألا تجلس هكذا...

هذه الجلسة وذلك الشرود لا يجلب سوى سوء التفكير... ستشغل نفسها بأي شيء. وقفت سريعاً على حوض المطبخ تقوم بجلي بعض الأشياء وبعدها ستعد قهوة.. وربما كيكة لذيذة بمقادير من مطبخ آل الخطيب لها ولأختها.. نعم.. أموالهم حلال لها... هذه هي توتا. _أما عند عامر كان ينظر لها يراها تقف أمامه بتحدي. تقدم منها وهي تعود للخلف بظهرها. تقدم أكثر.. وهي عادت أكثر. إلى أن اصطدمت بأحد الأعمدة خلفها.. التصق بها ومال عليها قائلاً:

قولي بقا كنتي بتقولي إيه من شوية؟ قالت مليكة: بقول إني مش موافقة.. وأني دلوقتي مخطوبة لحد تاني.. مش هجرحه ومش هسيبه. قال عامر: انتي شكلك اتجننتي... انتي واقفة قدامي خلي بالك... المفروض تراعي مشاعري وأنتي عارفة إني بحبك. اهتزت قليلاً من اقترابه منها بهذه الطريقة المهلكة... كلمة بحبك زلزلتها... لن تنكر... ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وقالت: لا انت مش بتحبني. تحدث بوله ولهفة: والله العظيم بحبك.. أوي...

كل اللي حصل ده أنا اللي عامله. قالت مليكة: إزاي؟!! قال عامر: هقولك... بس خلي كل حاجة تمشي زي ما خططت. عادت صورة عدي وهو يبتسم لها تلوح بعقلها.... أغمضت عينيها تهز رأسها يميناً ويساراً تقول: مش هينفع. اتسعت عينيه لا يصدق: إيه؟!! هو إيه اللي مش هينفع؟! قالت مليكة: انت اتأخرت... اتأخرت أوووي. قال عامر بجنون: اتأخرت على إيه؟ قالت مليكة:

اتأخرت عليا.. بقالنا قد إيه في المتاهة دي.. بقالي سنين بتعذب وانت خايف على شكلك وعلى الكل إلا أنا. قال عامر: كنت غلط... كنت غلط وفقت.. ماتقفيش في وشي بقا ياحبيبتي.. أنا بحبك أوي... مش عارف أبعد. قالت مليكة: لا يا عامر انت اتأخرت... دلوقتي ما بقتش مليكة بس.. انت اتأخرت لدرجة أن في واحد تالت ملوش ذنب بقى جوه حكايتنا.. جه وخطبني واتعشم فيا...

مش هعمل فيه اللي انت عملته فيا.. انت مش فاهم ولا حاسس.. أنا بس اللي فاهمة وحاسة.. أنا بس اللي أقدر أتوقع هو هيحس بإيه. قال عامر: يا حبيبتي... يا حبيبتي حسي بيا أنا كمان... اعتبري إني غلط وبصلح غلطي... لكن إنك ماتبقيش ليا ده صعب... مش هينفع أصلاً. وضعت يدها على صدره.. أزاحته عنها قليلاً وقالت: مش هينفع... حكايتنا خلصت. تحركت من أمامه فقبض على يدها وأوقفها قائلاً: الحكاية أنا بس اللي أخلصها مش انتي...

وأنا هكتب عليكي النهاردة يعني هكتب عليكي. قالت مليكة بتحدي: هتعمل كده إزاي غصب عني؟ قال عامر: غصب بقا رضا مش فارقة... أنا عملت اللي عليا عشان أوصل إنهم هما اللي يجوزونا تيجي انتي وتقولي لأ... مش هيحصل.. وهتجوزك. حلت يدها من قبضته ونظرت له داخل عمق عينيه وقالت: مليكة الصغيرة كبرت على فكرة. تحركت من أمامه بغضب... ذهبت تجاه الحديقة حيث تركت عدي.

وهو يتابعها بعينين يخرج منها لهب حارق تجلس لجواره تبتسم له تجذب أطراف الحديث معه. جاء محمد من خلفه ينظر إليهم. ضرب مقدمة جبهته بعنف وقال: يانهار أبيض... أنا إزاي فاتتني دي... هنعمل إيه في المصيبة دي؟ التف له عامر بضيق وقال: مصيبة إيه انت كمان؟ قول لي الأول كلمت المأذون. قال محمد: مأذون إيه وزفت إيه.. إحنا نسينا عدي خالص. قال عامر بغيرة: إيه عدي ده كمان اللي هنعمل له حساب في إيه؟ قال محمد:

عامر.. ركز حبيبي.. ده ابن وزير الداخلية وإحنا أصلاً بنعمل كل ده عشان الانتخابات.. إيه ماسمعتش عن حاجة اسمها الأمن الوطني... أي حد مقدم في الانتخابات ورقة لازم يعدي من هناك ويتوافق عليه... يعني سهل أوي كلمة صغيرة في نص ملفك توقف حالك. قال عامر: أنا سمعتي زي الفل والكل يشهد بكده مش خايف أنا. قال محمد: استهدي بالله كده وقول هديت عشان هي مش بالسمعة...

إحنا لازم نأجل كل حاجة يومين نحاول فيها نحل الموضوع بشكل ودي معاه لكن يبقى قاعد مع خطيبته برة وإحنا جوه بنكتب كتابها على واحد تاني ماينفعش خالص. قال عامر بعصبية: إيه اللي بتقولوه ده.. انت ناسي الورقة اللي مع معتز موسى.. هيوديها بكرة لكل الصحف... وأنا هقعد لما عدي باشا يحن عليا. جلس محمد يفكر قليلاً وقال: مش عارف... من ناحية عدي وأبوه ومن ناحية الورقة اللي مع الزفت معتز. صمت قليلاً وأخرج هاتفه يقول:

استنى كده هكلم سيف أشوف هيقدر يعطل الموضوع قد إيه؟ وقف يتحدث بهاتفه تاركاً عامر على وضعه يغلي من الغضب وهو ينظر لها تتحدث مع ذلك العدي. بالخارج في الحديقة... يجلس معها بحيرة شديدة... أليست تلك هي مليكة التي أعجبته من أول مرة رآها بها.. لطالما غازلها وتحين أي فرصة كي يكن معها.. فعل وتحمل الكثير كي يقوم بخطبتها... ماذا حدث له الآن وأين شغفه بها... أين حتى عقله... عقله لا يزال بداخل مطبخ بيت الخطيب.

ينظر ويبتسم وربما يتفاعل مع حديث مليكة.. لكن جزء كبير به غير حاضر.. غائب. أنهى محمد مكالمته يأخذ نفس عميق ووقف خلف عامر يقول: الحمد لله.. لقينا حل مؤقت. قال عامر وهو مازال ينظر ناحيتها: إيه هو؟ قال محمد: سيف هيقنعه يأجل كام يوم تكون الانتخابات حمية وسخنت عشان يأثر علينا بجد لكن لو عمل كده من دلوقتي الناس ممكن تنسى أو إحنا نعرف نلم الموضوع...

لكن هما يومين بس يا عامر.. يعني على آخر الأسبوع لازم نكون كتبنا الكتاب.. خلينا نفكر بقا هنعمل إيه مع عدي المناويشي. لم يهتم بحديثه... إنما تحرك بغضب... لن يتركها تجلس لجواره هكذا. خرج لهم ووقف أمامهم بغضب. انتشلها من جوار غريمه وأوقفها بجانبه يقول: أظن كفاية كده... اطلعى أوضتك. وقف عدي يدرك حجم تلك الإهانة: إيه اللي بتعمله ده يا عامر. وقف يحاول لملمة الأمر بدبلوماسية.. عدي ضيفه وببيته فقال:

عايزك في موضوع مهم في المكتب.. اطلعى انتي يا حبيبتي أوضتك. قال الأخيرة يتكئ على كل حرف... وعدي ينظر له بتمعن. ذهبت لغرفتها تدب الأرض بغضب... وهو أخذ عدي يبعده عنها يلهيه بأي حديث. أما محمد.. فقد ذهب إلى شغفه.. موطن المرح الوحيد الذي أصبح بحياته، المطبخ.... توتا. وجدها تجلي بغض الأواني النظيفة بالفعل بغضب.. ثم تغسلها بالماء وتعاوذ جليها من جديد. قال محمد: إيه يا بنتي... الحلة بتستغيث.. خلاص نضفت.

توقفت يديها.. نظرت إليه نظرة تحمل الكثير... هههمم.. انتهى يومه وجاء كي يمرح قليلاً مع فقرة الساحر التي جلبها على بيته. لكن الأمر أصبح فوق طاقتها حقاً.. نظرت له بصمت ولم تجيب. الجميع يأتي إليها يضع حزنه ويأخذ طاقة ومرح... وهي لا شيء لديها اليوم لتعطيه لأحد... هي كتلة كبيرة من الشحنات السلبية. استغرب كثيراً رد فعلها الصامت هذا.. أين توتا بروحها المرحة ولسانها السليط. قال محمد:

إيه ده.. تتحسدي.. مش هتطولي لسانك عليا وتردي الكلمة بعشرة؟ قالت توتا: لا لا سمح الله... وهي العين تعلى عن الحاجب بردوا يامحمد بيه. رفع حاجبه مندهش وردد: ده من إمتى العقل ده. نظرت أمامها تعاود جلي الأواني: من دلوقتي... كنت جاي عايز حاجة. قال محمد بتعثر: اا.. للا. آآآ.. عايز ساندويتش. ألقت ما بيدها بعنف وقالت: العيش قدامك اهو.. طلع واعمل... أنا رايحة أنام.. واه.. اعمل حسابك إني آخر معاكوا الأسبوع ده وهمشي من هنا...

أنا مش خدامة لا أنا ولا أختي. صدم.. بل صعق ولجم لسانه لكن تحدث قائلاً: إيه... تمشي إزاي يعني؟ قالت توتا: هو إيه اللي إزاي يا خويا.. همشي.. يعني أذهب.. ماخدتوهاش في المدرسة؟ قال محمد: وتمشي ليه أصلاً. قالت توتا: إحنا آه نصابين بس مش خدامين. قال محمد بسخرية: لا انعم وأكرم... تصدقي طلع النصب أشرف من الشغل. قالت توتا: بقولك إيه مش ناقصة...

انت ما عيشتش ظروفنا عشان تحكم علينا ولا أنا جايه أعطيلك وأحكيلك مأساتي أنا وأختي أول حاجة عشان أنا ماليش في جو الصعبانيات ده والحاجة الأهم إنك مش بتحس عشان تفهمه... واوعى بقا من خلقتي على المسا. همت تغادر بغضب فاوقفها قائلاً: أنا ممكن أبلغ عنك الصبح ودي صورك النيابة. نظرت له باستفزاز: طظظظظ... اعمل اللي تعمله. تركته مزهول وغادرت.. إلى هنا ويكفي.. نفذت كل طاقتها. جلست كارما في غرفتها...

تتذكر ما فعلته هي ومليكة بنادر كي تثير غيرته.. كرد منها على تلك الرسالة التي جاءت إليه على هاتفه وقرأتها بالصدفة. فتاة أجنبية تتغزل به وهو يلعن الحظ.. أرسلت له فتاة معجبة به رسالة في نفس الوقت الذي تقوم به كارما بالتقاط الصور لهم معاً. أرادت رد الضربة له وخططت مع مليكة بأن تستعين بمازن المسكين لإثارة غيرته وقد فعلها مازن بجداره واستحقاق. وها هي الآن تفكر كيف تقوم بمصالحته. انتفضت بخوف وهي تشعر باهتزاز هاتفها.

رفعت الهاتف على أذنها وكان الحديث جملة واحدة غاضبة مختصرة: أنا جاي أنا وأمي وأبويا وهديل بكرة عشان أخطبك ويبقى ليا عين آلمك يامتربية. ثم أغلق الهاتف بوجهها وهي فقط متسعة العين والفم. _مرت أيام على الجميع تمت فيها خطبة كارما على نادر بترحيب كبير من كلا العائلتين... أيضاً بقى أيام على زفاف كارم ونهى. محمد يحاول التمهيد لعدي بشأن مليكة. وعامر في أقصى درجات العذاب والغيرة وهو يراها يومياً مع شخص آخر...

كان يعلم بأنها تتعذب وهو خاطب لهديل... لكن العلم وحده ليس بكافٍ... تجربة الشعور مؤلمة كثيراً... وهو الآن يحترق. _عند قاسم مهران جلس أمام صديقه يقول: مش هتقولي مالك بقا. قال عادل: حبييييت. قال قاسم: انت... ما أصدقش. قال عادل: ليه يعني؟ مش بني آدم. قال قاسم: لا ياسيدي بني آدم... بس قولي هي مين؟ حمحم عادل قليلاً وتحدث بتلعثم: هديل... بنت خالة عامر الخطيب. صدم قاسم قائلاً: لأ وانت الصادق قصدك خطيبته. قال عادل:

أيوه بس هي مش بتحبه. قال قاسم: وانت عرفت منين. مش يمكن بيحبها.. هو في حد دلوقتي بيخطب غصب عنه. قال عادل: مش غصب.. بس هو شايفها مناسبة مش أكتر.. هي عارفة كده.. ومش بتحبه.. أنا حاسس إنها بتحبني برضو بس مستنية مني أنا خطوة جريئة. قال قاسم: عادل.. انت اتجننت.. أنا مش عايز مشاكل مع عامر الخطيب.. وبعدين البنت دي أكبر منك بكتير. قال عادل: وإيه المشكلة مانت أكبر من جودي بكتير. قال قاسم:

أيوه بس أنا الراجل وطبيعي وعادي وبيحصل.. لكن إن الست تبقى أكبر من الراجل لأ. قال عادل: لأ فيه... والمهم إني أبقى أنا اللي مسيطر على العلاقة. نظر له قاسم بيأس وصمت... لا يدري ماذا يقول أمام إصرار صديقه. _في مكان آخر بتلك الحارة الشعبية وعقب صلاة العصر جلس الجميع بحضرة رجب.... سيد... خالد.... شكري.. توفيق. الشيخ منتصر. بعض رجال المنطقة. بما يعرف بمجلس رجال... أصوات عالية متداخلة...

اتهامات بالتحايل.. وأن رجب خدع الجميع. الكل يتحدث... ضجة عالية إلى أن تحدث أحد الرجال يبدو أنه الأكبر سناً وقال: وحدوا الله... إيه هتضربوا بعض قدامي ولا إيه. قال شكري: مانت سامع يا حاج بنفسك المعلم لعب على الكل وأكلنا البوظة. قال رجب: الزم حدك يا حاج شكري أنا ما عملتش حاجة عيب ولا حرام. تدخل ذلك الرجل بحسم وقال: صح... انت اتجوزت الست نجلاء على سنة الله ورسوله مش هننكر... بس في حاجة انت مش واخد بالك منها...

هي اتجوزتك على أساس أنك الحل الوحيد عشان تقدر ترجع لجوزها أبو بنتها... مش يمكن هي عايزة ترجع دلوقتي وانت اللي مانع عشان عصمتها في إيدك؟! صمت تاااااام خيم على الجميع... وهو كأنه بحلم جميل واستفاق منه للتو... لا حل أمامه... سيخيرونها.. الآن الحل والعقد بيدها... هي من تملك حياته القادمة بكلمة بسيطة منها. يسير الآن مع جمع الرجال متجه إلى شقته حيث تركها... يشعر أنه يسير للخسارة بقدميه...

المعادلة محسوم نتيجتها لصالح غريمه. زوجها السابق. الباشمهندس المتعلم.. والد ابنتها. وهو.. من هو.. رجب. الأمي.. جزار الحي.. لا يوجد وجه مقارنة على الإطلاق. جسد بلا روح... يسير معهم وهو يتذكر كل ما كان بينهم الأيام السابقة... تدليله لها.. قربها منه... تلك الهدايا التي جلبها... الطعام الجاهز... ورداته الحمراء التي كان يخبئها لها بجلبابه... كل شيء فعله... سيظل معه ليعينه على فراقها. فتح الباب ودلفا جميعاً...

وها هي المواجهة. توفيق يرفع رأسه بانتصار وهي تقف لا تعلم ماذا تفعل تستمع لحديث أخيها المبطن: إحنا جيناك عشان تختاري زي ما المجلس حكم ولو إن الإجابة معروفة بس عشان يبقى عدانا العيب... توفيق.. الباشمهندس توفيق.. أبو بنتك جاي عايز يرجعك. لو كان الأمر بيده لترك دمعته تخرج من عينه... لكنه لا يستطيع... أحكم جفنيه عليها يمنعها من الخروج. فتح عينيه مجدداً ينتظر حكم الإعدام ووجه الجميع منتظراً شيئاً واحداً.

شاهدها وهي لم تعترض.. موافقة... حسرة كبيرة ألقت على قلبه وهو يتذكر ما كان يفعله لأجلها وهي ببساطة عند أول مواجهة تركته... تركت أمره لله ماذا سيفعل هو. لكن تسارعت دقات قلبه وتعالت أنفاسه وهو يراها تحركت. سقط فم الجميع أرضاً... مذهولين... وهو توقف به الزمن... يشعر بها تتحرك تقف خلف ظهره. حركة واحدة تعني الكثير... تشعره أنه ملك مقاليد العالم كله.......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...