حين أخذها باحتضانه غضباً من نفسه ومنها، كان يريد أن يهدّئ من روعها. لكن من سيهدّئ من روعه الآن وهو فجأة قد تحولت يديه التي تهدهدها إلى يد تضمها له بتملك شديد. يمرر يده على طول ظهرها كأنه يكتشفها من جديد. رغماً عنه، وجد شفتيه تتجه بالحاح غير قادر على السيطرة عليه، وتقبّل عنقها بقبلات بطيئة متفرقة وهي لا تزال تبكي.
دقات عالية على الباب جعلته يتوقف بصدمة. تدلت يديه عن ضمها المجنون كي يزرعها داخله. توقفت شفتيه منفردة أمام رقبتها. شملته الصدمة مما هو به وفعله، بالأكثر مما أراد. مليكة؟! مليكة؟! أيعقل؟! هذا ما كان يصرخ به عقله، يحاول صم أذنيه عن قلبه وما يريد الآن. لا يريد لهذا الباب أن يفتح، ولا أن تخرج الآن، أو يأتي إليها أحد. كل ما يريده أن يظلا على هذا الوضع، ويا حبذا لو تتطور وضعهما أكثر من هذا.
كان ما زال متصنماً، يديه مرتخية بعض الشيء عن ضمها. شفتيه مقابل عنقها يغطيه شعرها الكثيف. فجأة خاف عليها من نفسه، من جنونه وتملكه. يعرف أنها لا تتحمل صفاته هذه. ابتعد قليلاً ينظر لها بوله وتفحّص. كانت صامتة. على الجانب الآخر، ومنذ أن شعرت بيديه تضمها له بتلك القوة، تلك القبلات على نحرها الجميل، كالعادة سرت القشعريرة بجسدها. مثلها مثل أي مرة اقترب منها يضمها له.
ضحكت بسخرية وألم. هه، ولما لا وهو يعتبرها ابنته. عند هذه النقطة انتهى أي احتمال داخلها بتفسير قبلته لشيء آخر. لطالما كانت الطفلة المتيمة بغباء شديد، تفسر أي شيء منه على أنه حب. اهتمامه، حديثه، ضمه لها. بالتأكيد هذه المرة هكذا أيضاً. تعالت شهقاتها من جديد. لقد فشلت حتى بعد كل تخطيها هذا، للان لم ولن يراها. هل هي صغيرة إلى هذا الحد، أم أنها بشعة؟ كل هذا يدور داخل كل منهم، والطارق ما زال على الباب. استمعوا
من الخارج لصوت كارما يقول: مليكة.. مليكة انتي صاحية؟ لو صاحية يالا تعالي افطري معانا. مليكة.. مليكة. حاولت إخراج نفسها من أحضانه وتحدثت بنبرة متوسطة: حاضر يا كارما. نظر لها ينتظر أي رد فعل على حضنه وقبلاته، لكنه لم يجد. أليست هذه مليكة التي جاءت منذ شهر تقريباً يوم عيد ميلادها تعترف بحبها الكبير له؟ ما الذي حدث أو تغير؟ هل فعلاً توقفت عن ذلك؟ هنا صرخ عقله: أوليس هذا كل ما تريده؟ هي تفعل الآن ماذا تريد أنت؟
رافضاً بشدة فكرة توقفها عن حبه، ينظر لها ببعض الغضب يقول: إيه؟! رفعت عينيها له تقول: إيه؟! نعم!! كان يريد أي شيء، أي فرحة أو رد فعل سعيد بما فعله، وليس أن تصمت باعتياد هكذا كأنه لم يفعل أو يحدث بينهم شيء. تحدث ببعض الجدية: انتي مش عايزة تقوللي حاجة. مليكة: آه.. اتفضل اطلع عشان أكمل لبس. اتسعت عيناه بزهول منها، من جفائها وردها. لم يكن يتوقع أبداً.
أمام إصرار عينيها بأن يذهب الآن، ذهب. خرج وهو لأول مرة بحياته يشعر بذلك التيه. إنه ترك جزءاً منه مهم بالداخل. عاود الجلوس على طاولة الطعام من جديد، لكن هذه المرة بقلب وعقل شارد. انتهى نادر من الحديث بهاتفه وانضم لهم يقول: هي مليكة لسه مانزلتش؟ معقول كل ده نايمة؟ مش عوايدها. رفع عينيه له والغضب يسيطر عليه مهما حاول أن يتمالك حاله: وانت تعرف منين عوايدها؟ انت مابقالكش يومين هنا. قضم نادر طعامه يقول:
مش بكتر الأيام يا عموري. ثم رفع له حاجبه بتحدي ومكر لذلك الذي يشتعل غيظاً منه. لما لا يطيق وجوده الآن؟ أليس هذا نادر، صديقه من سنوات وليس فقط ابن خالته؟ نادر خفيف الظل المحب للمرح وللحياة، وكان قديماً يرحب جداً بوجوده معهم ويصر على استضافته هنا. ما الذي تغير الآن وغيره هكذا؟ ظلت نظراته مسلطة بغضب عليه إلى أن وجده يبتسم باتساع وإعجاب.
نظر خلفه وجدها تتقدم. ترتدي فستاناً صيفياً رقيقاً عاري الكتفين، يضيق من الخصر وينزل باتساع حتى ركبتيها. حاول أن يبدو وقوراً، لكن رغماً عنه كان كاللصوص والمراهقين. يختلس النظر إلى قدميها البيضاء، وهي تسير هكذا أمام عينيه تتجه لمقعدها. رفع عينيه بصمت. غاضب منها ومن نادر ومن الجميع. فهو وهو يسترق النظر إليها تذكر وجود نادر، ذلك المعجب الجديد.
غضبه يتفاقم وهو يراها بكل هذا الجمال. يمرر عينيه عليها من شعرها الذي فردته على ظهرها كالعادة، وجهها الجميل المشرق تضع به بعض الزينة الخفيفة. هبط بعينيه إلى جسدها الناعم وذلك الفستان يحتضن ويفصل كل منحنياتها بروعة مستفزة. لما هي جميلة اليوم هكذا؟
يتمعن بالنظر إليها وهي تجلس هكذا على كرسيها. ناعمة وصغيرة. تمسك قطعة خبز بيدها تقضمها بهدوء. تبدو لطيفة جداً وهي هكذا، فرغماً عنه وجد شفتيه تبتسم بخفة. واكتمل الأمر حين تذكر ضمه لها. وقبلاته على عنقها جعلت رجفة لذيذة تستحوذ عليه. حالته غريبة جداً. كان ذلك هو الرأي الذي يندلع من أعين الكل. حين فتح عينيه وجد الجميع يحدقون به بتعجب. ناهد: عامر. مالك. فيك حاجة؟ حاول التماسك يقول بخشونة: مالي؟ أنا كويس.
كارما: كده وكويس... هو انت كنت فين صحيح. أنا روحت جناحك أدور عليك لما اختفيت فجأة مالقتش. حتى بعدها روحت أصحّي ميكا... أصلاً افتكرنا إنك طالع لها، بس لما روحت لها ماسمعتش أي صوت ليك جوا. ابتسم داخلياً بخبث وانتشاء. وهل للقبلات صوت؟
رفع عينيه مجدداً فاصطدمت بأعين الفت. تنظر له بخبث ومكر شديد، وهو يقسم داخله أن تلك الداهية الفت تعلم عنه أشياء هو نفسه لا يعرفها. فهي بنظراتها هذه تشعره أنها هي التي كانت تقبل مليكة بدلاً منه. كل ذلك يدور ولا أحد من الجالسين يدري بشيء. لكن هناك شخص واحد، شخص واحد يراقب كل شيء ويخشى من أن يفسد كل ما يخطط له. نظرات عامر تجاه تلك الصغيرة متغيرة، ليست ككل مرة تأتي فيها إلى هنا.
يجب أن تسيطر على الأمور قبل أن يخرج كل شيء عن سيطرتها. بحسبة بسيطة، هي تريد عامر لابنتها. وترى الإعجاب بعين نادر لتلك التي تشكل خطراً على ما تفكر به. لما لا يزداد الخير خيرين وتزوج مليكة لنادر وتضمن إرثاً آخر من عائلة الخطيب لها ولأولادها؟ حسناً، لن تضيع هذه الفرصة أبداً. أجّلت صوتها تتحدث بنعومة تقول: بس إيه الجمال ده كله يا ميكا... احلويتي وكبرتي. مليكة: شكراً يا طنط ربنا يخليكي.
هدى: انتي عارفة إن نادر ابني ده مش بيعجبه العجب، بس من ساعة ما جه وهو مش مبطل كلام عنك... دي مش بتحصل أبداً، خلي بالك ههههه. ابتسمت لها مجاملة تقول: شكراً. هدى: طب انتي وراكي إيه النهارده؟ كنا خرجنا كلنا مع بعض... إيه رأيكوا يا جماعة بدل ما نقعد في البيت؟ شوية وعامر هيروح شغله واحنا نخرج. أيد الجميع الفكرة وهو يجلس ينظر للكل بحدة. ناهد متدخلة: طب ما تيجي معانا يا عامر تغير جو الشركة ده.
هدى: عامر مستحيل.. لو انطبقت السما على الأرض. خليه هو يا حبيبي يشوف مصالحه ونخرج إحنا، وأهو نادر معانا أهو. لو قام وقطع عنق خالته هل سيحدث شيء؟ لن يحدث شيء؟ هممم. إذاً سيذهب هو لعمله اللعين، يتابع سير العمل ويراجع الحسابات ويستقبل عملاء جدد، ونادر اللطيف الخفيف سيذهب للتنزه معهم. هو عامر الغاضب العصبى وذاك هو نادر المنطلق والمحب للحياة. ماشاء الله.
قرر بشيء لا يقبل التفكير أنه لن يذهب لعمله وسيرافقهم، أو بالأحرى يرافقها هي. لكن... احمم، كيف يقولها وبنفس الوقت يحافظ على هيبته. أتته النجدة منها وهي تقول بإحراج: أنا آسفة يا جماعة لازم أروح لندى صاحبتي دلوقتي عشان عندها مشكلة كبيرة ولازم أبقى جنبها. اخرجوا انتوا واتبسطوا. هدى: أبداً... لازم تبقي معانا مش هنخرج من غيرك أبداً. حمحم هو بوقار وخشونة يقول:
خلاص روحوا انتوا وأنا هخلص كام حاجة مهمة في الشغل وأعدي أجيبها من عند صاحبتها ونيجيلكوا. ناهد بزهول: تيجيولنا؟! معقول يعني هتسيب شغلك. كارما: زمن المعجزات صحيح... دي عمرها ما حصلت. لم يجيب على أحد وتصنع الانشغال بطعامه يهرب من نظرات الكل، خصوصاً تلك الماكرة الفت. بينما هدى تتابع كل شيء بغيظ شديد، تلكز ابنتها بكتفها كي تتحدث أو تفعل أي شيء يلفت انتباهه لها، لكنها لا تستجيب. ***
كان يجلس على كرسيه بالحارة كأنه يجلس على جمر مشتعل. لا يطيق تلك الجلسة المعقودة بشقتها. الجميع مجتمع عندها بالتأكيد يبحثون عن حل كي يعيدوها له. لا، لن يجلس ينتظر أكثر. وقف يعدل من هيئته وذهب ينادي صديقه الأسطى سيد. رجب: سيد.. يا سيد. سيد: أهلاً... ازيك يا معلم صباح الخير. رجب: لا صباح ولا مساء. بقولك إيه؟ انت قلت إيه لخالد؟ سيد: خالد مين؟ آآآه أخو الست نجلاء... مش انت قلت يا معلم سيبه يستوي على نار هادية.
رجب: لحد إمتى؟ مابدهاش بقى... يلا بينا. سيد: على فين بس يا ريس. رجب: فوت قدامي وأنا هفهمك واحنا ماشيين.. يلا خلص. ببيت نجلاء، تجلس بصمت تام تراقب الكل. يتحدثون بصوت عالٍ. عتاب.. شجار.. وبحث عن حل. كأنها غير موجودة. يريدون إرجاعها له حتى بعد كل ما قالته وانفجرت به بوجه أمها من أيام. في تلك الأثناء، كانت ندى بغرفتها تجلس مع مليكة. مليكة: يعني إيه يعني مش فاهمة.
ندى: ولا أنا بردوا فاهمة. فجأة اتغير، ولا بيتصل ولا بيبص حتى ناحيتي لو عديت من قدامه أو طلعت البلكونة. حتى بتصل بيه في اليوم 200 مرة مش بيرد. رفعت مليكة حاجبيها وقالت بعصبية وغضب أكبر من الموقف: خلاص ماتكلميهوش تاني. إحنا هنتحايل على أهله؟
رضينا بالجزار والجزار مش راضي بينا. بقولك إيه يا بت انتي، حسك عينك أعرف إنك كلمتيه ولا عبرتيه تاني. يا حلاوة، لاهو كمان اللي هيتنك علينا. صوني نفسك وكرامتك وكفاية بعزقة فيها يمين وشمال بلا قرف. رجالة مش بتحس، ده إيه الحظ ده ياربّي. لا وكمان مش عاجبهم. ندى: براحة يا بت في إيه؟ مالك انفجرتي مرة واحدة كده؟ مش شايفة إنك أوفر؟ مليكة: بلا أوفر بلا زفت. وبدل ما انتي مركزة في سي يوسف بتاعك، شوفي المشكلة اللي برا دي.
ندى: لا، اللي بيحصل ده أنا تقريباً اتعودت عليه. وما تحوريش وتتوهي الموضوع، اخلصي انطقي في إيه. صمتت مليكة بحزن وقالت: تعبت خلاص. مش شايفني ولا هيشوفني حتى بعد كل الشقلبظات اللي عملتها دي. أنا في مستوى النظر حتى. خلاص روحي وقلبي تعبوا. تعبوا من كتر الذل والإهانة وأنا بحاول أتودد لواحد بيقابل كل ده بولا حاجة. يعني حتى مش بالرفض، لا ده مش شايف ولا واخد باله أصلاً عشان يرفض. دي بتوجع أكتر.
ندى: طب ليه يا مليكة ليه كملتي وعملتي كل ده؟ ماهو سبق ورفضك بأبشع الطرق. المفروض كنتي لميتي اللي باقي من قلبك وبعدتي عنه. مليكة: أبعد إزاي وأنا عايشة معاه في مكان واحد؟ ندى: خلاص روحي عند خالتك. مش كنتي كل إجازة بتروحي لها أسبوع ولا اتنين؟ وكنتي دايماً بتروحي غصب عنك، مش عايزة تسيب سي عامر بتاعك. لولا خوفك من زعل خالتك وعيالها ما كنتيش ترضي تسيبيه أبداً. روحي...
روحي وابعدي شوية عن كل ده. يمكن هو وبحر إسكندرية ينسوكي شوية. مليكة: خالته.. صحيح وحشتني أوي. أنا فعلاً محتاجة أبعد فترة. طب تعالي معايا. ابعدي عن مشاكل البيت وابعدي عن الزفت جو ده وتعالي معايا. أنا هكلم مامتك. فكرت ندى قليلاً وقالت: يا ستي لا، هتحرج. مليكة: من إيه بس؟ جوز خالتو الأيام دي من السنة بيبقى مسافر في شغله، وخالتو وولادها من كتر حكيي عنك نفسهم يشوفوكي. وافقي بقى... خلينا نفك.
ندى: خلاص ماشي، أنا فعلاً عايزة أغير جو. سامعة صوت خناقهم جايب لآخر الشارع إزاي؟ مصرين يرجعوهم لبعض عشاني. ههه، قال يعني كده أنا هبقى تمام وهما ليل نهار خناق ومش متفقين أبداً. أنا بجد تعبت. لا ومن كل ناحية جه يوسف وكملها. بالخارج. كان الشد والجذب بين كل الأطراف وللان لا يوجد حل. تحدث خالد يقول: إحنا ماسكين في خناق بعض على الفاضي ليه؟ هي قفلت. البيه قفلها لما رمى آخر يمين، مالهاش مخرج غير بالمحلل. انتفض
شقيق توفيق الكبير يقول: إيه؟ محلل إيه يا خالد؟ انت عايز تجرسنا. خالد: خلاص يديها بقى كل حقوقها ويروح يطلع قسيمة طلاق وكل واحد مننا يروح بيته ومالهاش لازمة القعدة دي. بقولك إيه يا حاج شكري، أنا لفيت على كل المشايخ وروحت دار الإفتاء. كله أجمع إنها خلاص ماتحلش ليه وإنه طلقها طلاق نهائي. شكري: وهما يعني اللي قالوا إن المحلل حلال؟ خالد: لا طبعاً ماقالوش... بس هي معروفة مابيننا إن ده حلها. الله...
هو أكل ولا بحلقة، قال يعني لاقيين اللي يوافق بكده. أنا شخصياً بقالي قد إيه بدور اهو وسألت توب الأرض ومش لاقي. تعالت الأصوات المعترضة من توفيق وإخواته، كذلك خالد وأمه. إلى أن دلف رجب وسيد من الباب الذي كان مفتوحاً. سيد: خير يا أخونا، كفا الله الشر. صوتكوا جايب لأول الشارع. شكري: مشكلة كده يا سطا سيد وبنحاول نلاقي حل. سيد: خير... خلونا نفكر مع بعض ونرد الشور على بعض، يمكن حد فينا يوصل لحل بدل ما هي مقفلة كدا.
أمام تلك العقدة، لم يجدوا بد من أن يقصوا لهم. ربما وجدوا حل أو شخص يوافق على تلك الزيجة. تحدث رجب: يااااه... دي مشكلة عويصة أوي، ودي هتحلوها إزاي. سيد: كده لازمهم محلل.. ولا فيش حد هيرضى بكده أبداً. أنا شخصياً ماعرفش حد. شكري: والعمل يا جماعة.... خلاص هنسيب البيت يتخرب؟ سيد: لكن أنا شايف الباشمهندس ساكت، يعني كأنه مش هو سبب كل ده. شكري: خلاص يا سطا، اللي حصل حصل وهو بإيده إيه دلوقتي يعني. رجب باستخفاف:
بس مايبقاش قاعد ساكت كده وكلنا بننشال ونتنهبد وهو راسي كده... دي مصيبة وسبحان من يحلها. سيد بمكر ومراوغة: يحلها.. يحلها إزاي يا معلم؟ هو مين هيرضى بكده أبداً؟ نظر ناحية نجلاء الصامتة تماماً بعجز وصدمة وقال: أنا مش قصدي يا ستي أم ندى، ده انتي فوق راسي. بس أنا أقصد ظروف الجوازة يعني انتي فاهمة.
بعد مدة طويلة، خرج كل من رجب وسيد يبتسمون لبعض بخبث وانتصار بعد أن تمت مهمتهم. فقد ظلا يغنيا عليهم ويلقّفانهم لبعض، سيد بكلمة ورجب بكلمة، إلى أن اقترح سيد اسم المعلم رجب وأن يتطوع مجبراً ويحل تلك المعضلة ويأخذ بهم الثواب، خصوصاً وهو الوحيد بدون امرأة سترفض ذلك الوضع بعدما طلق حكمت.
وأبدى رجب زهوله وتضرره الشديد على الأمر كله، لكن ماذا يفعل هو بشهامته ومروءته التي تجبره على فعل ذلك. حسناً، سيوافق وأمره إلى الله، كله فداء ألا يخرب هذا البيت. نظروا لبعض وانفجرا ضاحكين بما فعلوه، تاركين أسرتان كل منهم بصدمة مختلفة. نجلاء لا تصدق إلى أين وصل الأمر. وتوفيق ينظر لها بشماتة. سيعقد قرانها على جزار. ابتسم بسخرية ومن ذا الذي كان سيأتي لها أفضل منه. وقف وهو يهم بالرحيل يقول بإذنها:
والله هو ده يادوب توبك.. جزار... يلا اتجوزيه يوم ولا اتنين عشان لما نرجع تاني تبقى مخروصة وبايسة ايدك وش وضهر بعد ما عرفتي مقامك العالي. تركها يغادر ولا على باله شيء، وهي تفكر مما صنع هو وما هذا الذي يسري بعروقه، بالتأكيد ليس بدم. أخذت تتمتم بأنه (مريض نفسي) . أما باقي العائلة، فالكل يحمد الله أنه أخيراً وجدوا الحل. بنفس الوقت، وصل عامر أسفل بيت ندى، كله شوق لذلك اليوم.
يفكر: لما لا يأخذها ويخرجا سوياً بعيداً عن أعين الجميع. لكن عاودت هيبة عامر تلومه: كيف وبأي حجة سيفسر لهم الأمر؟ استفاق على حاله وإلى أي درجة من التصابي والجنون وصل به التفكير، فنهر عقله بشدة وحاول التماسك قدر المستطاع. أشرقت ابتسامته تدريجياً وهو يجدها تخرج بهدوء من بيت صديقتها بعدما هاتفه. تفتح الباب وتجلس لجوارة دون قول أي شيء. أين مليكة تلك التي تعشقه؟ هل توقفت عن حبه كما قال كارم؟ أم هل وهل وهل.
أشياء كثيرة تندلع لعقله وهو فقط يراقبها تجلس تنظر من نافذة السيارة بشرود. لم تنطق بأي حرف، وللعجيب أنه لا يجد ما يقوله. عامر الخطيب المتحدث اللبق لا يجد ما يقوله أو يفتح به حديث. بـنهاية اليوم الأكثر من كارثي بالنسبة له. أوقف سيارته بغضب أفزع الجميع وهم لا يجدون أي سبب لغضبه.
وحده فقط من يعلم السبب. طوال الوقت وهي تجلس بعيدة عنه. ظن أن هذه فرصة جيدة ستقتنصها وتتقرب منه، تحادثه، تشاكسه كما كانت تفعل طوال تلك السنوات عندما يخرجون سوياً. لكن لم يحدث. بل ما حدث أن ذلك السمج نادر، يجلس يحدثها، يفتح معها أي حوار. اشتعل غضبه من جديد وهو يتذكر حينما أخرج هاتفه يود التقاط بعد الصور معها. هل جن هذا؟ انتهى اليوم بخلاف بينهم. حاول هو بعدها مراضاته، فبالنهاية هو ابن خالته وضيف ببيته.
صعدت بسرعة لغرفتها بعدما أصبحت رؤيته وفكرة وجوده أمامها وهو لا يشعر بها تسبب لها الاختناق. كل تصرفاته تدل على ذلك، حتى شجاره منذ قليل مع نادر لا يدل إلا على شيء واحد يشعر به ناحيتها: المسؤولية. إنها مسؤوليته وفقط.
في يوم جديد، كان يجلس في مكتبه بالشركة يعود بظهره على كرسيه للخلف مسترخياً بشدة. اليوم هو الثلاثاء. مليكة تعامله جيداً يوم الثلاثاء منذ فترة، وهو يراقب كل تصرفاتها. لاحظ أنها تتعامل بحب وتظهر عشقها وتقترب منه بيوم الثلاثاء. أغمض عينيه باستمتاع وهيام. همممم، يريد أن ينهي عمله اليوم والعودة للبيت سريعاً كي يحظى بقربها وعشقها. فتح عينيه وجد كارم يقف ينظر له كأنه برأسين. انتفض من مجلسه يقول: يخرب بيتـك، أنت دخلت امتى.
رفع كارم حاجبه يقول: مالك ياض ساهيان على نفسك كده ليه؟ عامر: إيه ساهيان دي؟ يخربيت ألفاظك على بيت شغلتك دي. جلس كارم يقول: همممم، خلصت شتيمة يا حيوان. قول لي بقى مالك كده مش على بعضك ليه. عامر بدون تفكير ابتسم باتساع: أصل النهاردة التلات. كارم: وهو ده اللي باسطك أوي كده؟ النهاردة التلات. ده الشعب المصري كله بيكره يوم التلات. عامر: ليه؟ كارم: ماعرفش، ولا حد عارف. بس هو كده. عامر: إيه اللي جابك؟ كارم:
تشكر يا ذوق. هي دي مقابلة؟ عامر: أصلاً إزاي تدخل كده؟ ماعدتش على السكرتيرة برا. كارم: آه، اللي بتبقى قاعدة كل ما بأجي دي. لا، بتقابل. عامر: بتقابل؟ كارم: آه، الجو بتاعها. شوفتها واقفة مع موظف هنا ونازلين حب في بعض. خلينا أنا وانت كده مناحيس مش لاقيين حتى كلبة. عامر باندفاع: ما تلم نفسك يالا، إيه كلبة دي؟ كارم: إيه ده إيه ده؟ هو انت فيه واحدة معينة؟ عامر: وواحدة؟ واحدة مين؟ قصدك إيه؟ كارم:
همممم، أنا التأتأة دي عارفها. بتأتأ ليه؟ وإيه سر انشكاحك النهاردة ده؟ تلجلج عامر قليلاً إلى أن وقف يقول: ولا.. انت شكل مهنتك طبعت عليك. إيه هتستجوبني؟ أنا رايح وأنت يالا من غير مطرود. وقف كارم يقول: إيه بدري كده؟ إيه عايز تلحق يوم التلات من بدري في البيت. زاغت عينا عامر يميناً ويساراً، يبدو أنه كُشف. كارم: استنى أنا جاي معاك، عايز أجرب أجواء التلات في بيتكم. شكلها أحسن من عندنا. نظر له بغضب وخرج بغيظ.
جلسوا على سفرة الطعام لتناول الغداء، وهي تجلس بكل هدوء ينتظر أي حديث منها. لما هذا الصمت؟ أليس اليوم هو الثلاثاء؟ صامتة صامتة وهو مترقب، ولما نطقت كانت الصدمة. مليكة: أنا مسافرة بكرة عند خالتي تيتا، هقضي الإجازة هناك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!