جلست لجواره وهو يقود شاردة. تفكر بكل شيء... ما زال طعم ذلك المرار في فمها حين سافرت وهو حتى لم يهتم بتوديعها. فعل أشياء كثيرة أحزنتها، ولكن ذلك اليوم وهي تراه لم يبالِ حتى إن ظلت معهم أو سافرت، الأمران سيان. ألهذه الدرجة لا يشعر أو يبالي بها؟ أشاحت عينيها عن الطريق ونظرت له. تمعنت به... هي الوحيدة التي تعرفه، والفضل لعشقها الغبي له...
بفضل ذلك العشق الذي للأسف شبت عليه، فهي تعلم كل تفاصيل وجهه. حتى حركة يديه وذراعيه... تستطيع بنظرة واحدة أن تفرق بين تنهيدة حزن... تنهيدة راحة... تنهيدة فرحة... تنهيدة تعب. وهو الآن سعيد... يتنهد براحة... ملامح وجهه مرتاحة... يغمض عينيه كل ثانية أو اثنتين، يسحب أكبر كمية من الهواء داخله ويزفره بهدوء. ينظر لها كأنها كنزه الثمين... كان في رحلة بحث طويلة عنه وأخيرًا وصل له.
عادت تنظر أمامها مجددًا، فمنذ متى كانت نظرتها صحيحة كما تعتقد أو تظن. أليست هي من اعتقدته يعشقها وذهبت كالبلهاء تعترف له كي يتجرأ ويزيل أي عواقب تقف أمامه، وبالنهاية حطم قلبها ولم يكن تحطيمًا عاديًا... هو حتى لم يشعر أنه حطمها... حتى لم يلحظ أنها ظلت مريضة وطريحة الفراش لأيام. تعامل مع الأمر ومع غيابها بمنتهى الاعتياد... وكأنه لا يوجد فرد ناقص في عائلته.
كل تلك الشحنات العكسية كانت تتدفق على قلبها وعقلها. ولكن شحنة الخذلان منه كانت أقوى... لن تسير خلف قلبها الأحمق مجددًا. قلبها الذي يصر بأن يموت على يدي ذلك العامر. كان هذا هو القرار النهائي الذي اتخذته وهي توبخ نفسها على موافقتها له، وأيضًا فرحتها واستعدادها السريع للذهاب معه. أما هو، فلا شيء يصف حالته الآن...
كلمة سعادة وراحة أقل بكثير من أن تصفه. ما يشعر به أكبر من أي صفة أو أي كلام. ينظر لها بين لحظة والأخرى، يلاحظ شرودها... يتذكر كل كلمة خرجت منها بمنتهى القوة تخبره كم كانت تحبه وكم خذلها هو. عامر الخطيب.... آآآه وألف آآآه من عامر الخطيب... ذلك الرجل ذو المظهر المهيب والنفوذ بالمال والمعارف... من يراه يقسم أنه أكثر الأشخاص اتزانًا وعقلًا... أكثرهم حكمة ونجاح. ألف آآه وأخرى لو يعلمون.... عامر بداخله شخص مذبذب...
متردد... لم ينجح بأي شيء غير عمله... شخص يعتقد أنه يفعل دائمًا ما عليه وأكثر... أنه يفعل ما يريد وسيأخذ ما يريد... لو اقتحم أحدهم شخصيته لكانت الطامة الكبرى، وهو يجده غير قادر على اتخاذ أهم القرارات في حياته... حتى الأقل من اتخاذ القرار هو غير قادر عليه. هو حتى غير قادر على مواجهة نفسه ليرى ماذا يريد من ربيبته.
عامر الخطيب، والذي يعتمد عليه الجميع لحل مشاكلهم، وهو بكل جدارة وحسم يحلها، غير قادر على حل مشاكله النفسية... أزمات قلبه الذي يخفق الآن بجنون. صراعه ما بين العقل والقلب... ما بين الصح والأصح. عامر دائمًا ما يفعل الأصح... منتظر منه دائمًا أن يفعل الأصح... وهذه هي مشكلته مع تلك التي بجواره، يقسم أنها لا تطيق النظر إليه مما فعله مسبقًا، ومعها كل الحق. آه لو تعلم أنه حتى يخشى مواجهة نفسه بما يكنه لها...
لو تعلم أنه يتهرب من أن يحدد هذا الشيء لأجلها. هل أحبها.. أم أنه العشق... هل هو عشق فقط أم سيتخطى كل الحواجز ويصبح جنونًا يجعلها تفر منه كما فرت من قبل غيرها. الطامة الكبرى أن هذه المرة لن يستطيع... حينما حدث ذلك مسبقًا كان على استعداد ولم يتأثر إلا قليلاً، ولكن مع مليكة لو حدثت ستكون فاجعة بالنسبة له.
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء، يرتب أفكاره التي بعثرها منذ قليل، وهو يقول إنه قد قفز سلم قلبه سريعًا. من قال إنه أحبها حتى يصل لمرحلة العشق ثم للجنون... هو لم يقر ويحدد ذلك، فليهدأ إذا. كل ما هو به الآن لا يتخطى مرحلة الأب الذي يصالح ابنته الصغيرة... آخر العنقود ذات المكانة الخاصة. هذا وفقط... أخذ يفكر كيف يسعدها ليرى تلك الضحكة التي تثلج قلبه مجددًا. توقف أمام أحد المطاعم الشهيرة. فسألت: "وقفنا ليه؟! ابتسم لها وقال:
"مش نفطر أحلى مليكة الأول." ومن التي لا تعشق الدلال حتى لو كانت حزينة من ذلك الشخص. كائنات رقيقة نحن ونعشق الدلال. لذا وسريعا ارتسمت على وجهها أجمل ابتسامة وقفزت من السيارة تسير لجواره. طلب له ولها وجبتين من الفاست فود. استغربت كثيرًا، بل صعقت، وهي تراه يأخذ الطعام دليفري. "مش هنقعد ناكل." "لا ناكل هنا إيه... تعالي بس."
اتسعت عينها وهي تجده بعد قيادته لمدة عشر دقائق يتوقف بالسيارة أمام الكورنيش. ترجل من سيارته وقام بسحب يدها لداخل أحد الشواطئ. رغم معرفتها الجيدة به، بل تركيزها به على مدار حياتها كلها، أو كما تقول ندى (معاكي ماجستير ودكتوراه في عامر الخطيب) ، إلا أن هذا العامر الذي أمامها الآن لا تعرفه ولم تره من قبل. يقوم بفتح أغلفة الطعام ويضعه على الأرض الرملية مقابل موج البحر مباشرة، يدعوها أن تجلس لتأكل. من هذا العامر المتحرر...
أولًا من بذلته... ثانيًا من غطرسته... والآن من قيوده. جلست تتكئ على ركبتيها أمامه وهو يطعمها أحيانًا ويأكل أحيانًا. يطلب منها أن تحدثه عن كل تلك الأيام التي قضتها هنا... كلما انتهت من إخباره باستفاضة عن شيء، يعاود سؤالها عن شيء آخر حتى يطول الحديث ولا ينقطع... أو ربما شيء آخر... عامر يريد أن يجعلها سعيدة، أن تحب الجلوس معه، أن تشعر أن سعادتها معه...
لا يصدق أنه الآن كما القرد الذي يصنع حركات بهلوانية كي يرى استحسان الجمهور له... بالضبط هو الآن (بيعمل شقلبظات عشان يعجبها) بعد مرور وقت طويل... وجدوا أنهم قد قضوه في الطعام والحديث... صاعقة ألجمت اثنتين وهما تنظران لتلك الوجبات التي تكفي على الأقل أربعة رجال أو خمسة... لقد قضوا عليها ولم يبقَ أي شيء. مهلًا، لقد مرت ساعات وهما يأكلان. "يانهار أسود... حد يعمل كده... انت عارف احنا كلنا قد إيه...
أنا بطني بتوجعني من الأكل." "الحق عليا عايز أغذيك عشان تكبر." "بذمتك بطنك مش وجعاك؟ "وجعاني بصراحة... أقولك... قومي نتمشى على البحر شوية عشان نهضم." "إحنا كده محتاجين نرجع للقاهرة مشي عشان نهضم كل ده." وقف، مادا يده لها يقول: "قومي بس تعالي." جذبها لجواره يسير معها... حديث طويل مع هواء البحر ورائحة اليود... شمس يوم ربيعي كأنها اتفقت مع الهواء لتصنع يومًا أكثر من رائع كي يظل ذكراه لسنين. مر وقت طويل وهما على سيرهما...
أوقف أحد الباعة كي يشتري لها (فريسكا) . طعام لذيذ ويوم جميل... أفعال مجنونة يبادر بها هو كي يخطف تركيزها وعقلها... قلبها... كل شيء. بدأ يسرع بخطواته... يجذبها للركض معه... وهي بدأت تسايره... بدأ المرح وهو أكثر من سعيد... وهي نسيت كل شيء أو لا تتذكر الآن، لقد أنساها. مع حلول الليل كان اللهو ما زال قائمًا... حتى توقف يقول بعينين تشع حماس: "تيجي ننزل الميا." "ميا إيه بالليل ومش معانا لبس غير ده."
"ده العوم بالليل ده حاجة تانية." "مش معانا لبس... مستحيييييل." بعد مرور مدة طووويلة... كانت تخرج من المياه معه وهي ترتجف وتضحك قائلة: "يا مجنون! أنا مش عارفة إزاي طاوعتك... هموت من البرد." وهو يضحك كثيرًا. لقد زاد جنونه اليوم بعض الشيء. "يالااااا بسرعة على بيت خالتك عشان تغيري." "عاااااا... الهوا ساقع أوي وهدومي كلها اتبلت." لم تستطع كبت ضحكاتها على جنونهم اليوم أكثر من ذلك...
هو أيضًا انفجر بالضحك وبلا مقدمات ضمها لحضنه. أخذها لحضنه يعتصرها بداخله وهو يغمض عينيه يحدث نفسه (كدااااااااب ياعامر... أنت بتحبها) . أخرجها من حضنه ينظر لها بوله... مليكة الجميلة... هو بالفعل أحبها. ذلك الحضن جعلها تشعر ببعض الدفء... والخجل أيضًا بملابسها الملتصقة عليها هكذا... لا تريد أن تنصاع مع قلبها الأبله. تحدثت بتوتر: "طب يالا عشان أرجع لخالتو وأغير."
كان ما زال ينظر لها بعشق اعترف به لنفسه توا. هز رأسه فقط وهو يبتسم ابتسامة جديدة كليًا. يقود بسيارته متجهًا لبيت خالتها وكل دقيقة ينظر لها ثم يعاود التركيز على الطريق. كل ما فعله اليوم لم يكن بذلك الجنون أو كونه عامر الخطيب لم يفعلها لاااا... لقد مارس كل هذا الجنون وأكثر مسبقًا... فعل أشياء حتى لن تخطر على بال أحد... لكنه يومًا لم تسعده هذه الأفعال قدر اليوم...
الغريب أن الفتيات كن يفعلن كل ذلك من أجله كي يشعر بالحياة وأن السعادة معهن... بعضهن بخبث وخبرة وذكاء، بعضهن ببراءة شديدة كي تعجله يرى أن السعادة معها، ولكن لم يحدث... كل ما حاولن فعله، فعله هو لمليكة. كي تشعر أن لا طعم للسعادة والجنون إلا معه... هو ذلك الشخص الذي سيجعلها تشعر بالسعادة... هو من يفعل الأشياء الفريدة لا غيره. ودعها بابتسامة عاشقة وقال: "هجيلك الصبح بدري عشان نخرج تاني."
أومأت له بسعادة كبيرة تبتسم بحماس. أوقفها بصوت غاضب وهي على أعتاب البناية. ينظر بتفحص لملابسها الملتصقة باستفزاز على منحنياتها... هل سيبدأ الجنون من الآن. "في حاجة؟ ضغط على أسنانه يقول: "خدي ده البسيه عليكي لحد ما تدخلي أوضتك." نظرت لذلك الجاكيت وقالت: "جبته منين ده؟ "إلى كنت لابسه امبارح وقلعته ونسيته في العربية." "أنت صحيح كنت جاي من غير لبس... جبت لبس ليك إزاي." زم شفتيه بغضب وهي ما زالت تقف أمام المارة هكذا:
"حطي الجاكيت عليكي... أكيد يعني اشتريت أون لاين... اطلعي حالا وداري جسمك كويس فاهمة لحد ما تدخلي أوضتك وتغيري واول ما تغيري كلميني." "ها؟! قاطعها: "إيه؟ ها إيه؟! ... يالا ماتقفيش في الشارع كده." سارت من أمامه سريعًا وهي مستغربة من تحكماته وتزمته الجديد عليها ولا تجد له تفسير...
لكنها اليوم سعيدة ولن تفكر في شيء يضيع سعادتها. دلفت للمنزل بتلك النسخة التي أعطتها لها خالتها. تعلم أن ندى مع مازن وخالتها بالخارج. كانت تسير بهيام إلى أن اصطدمت بأحدهم. "هيييييى... حرام عليكي يا نهى خضتيني." نظرت لها تلك الفتاة ذات الوجه الخمري المستدير... ضغطت على نظارتها من بين عينيها تقول كأنها المحقق كونان: "هممم... كنتي فين كده وجاية مبلولة... وجاكيت مين ده؟ "ده جاكيت عامر." "عامر.... تاني عامر....
مش قولتي هتشيلي الموضوع ده من دماغك... يابنتي بقا هتجنيني أنتِ وأمي اللي ممشياكي وراها بالروايات الهبلة بتاعتها دي." "بصي مش هجادلك... اليوم كان حلو وأنا مش ناوية أختمه.. يالا تصبحي على خير." أعادت نهى الضغط على نظارتها بغيظ وغضب تقول: "هبلة... وهتفضلي طول عمرك هبلة... أنا مالي أولعوا أنتم الاتنين أنا ورايا حاجات أهم." ثم أخذت إحدى المراجع وبدأت في التركيز فيهم بشدة. _صباح يوم جديد
استيقظ عامر من النوم وجد أنه قد غفى وهو يرتدي رداء الحمام الأبيض. كل ذلك بسبب التعب. أول ما خرج من حمامه ليلة أمس ولمس جسده فراش الفندق المريح غرق في نوم عميق جدًا. انتبه على صوت هاتفه... نظر لرقم المتصل وكان يعلم ما هو آتٍ من صديقه المجنون: "أنت فين يا جدع أنت... مش عارف إن اليومين دول إجازتي وأنا كل فين وفين لما أعرف آخد إجازة... ماترد... ساكت ليه يا بجم." قلب عينيه بملل وأجاب:
"مستني تخلص شتيمة وتفكر في وصلة شتايم غيرها لما تعرف إني أصلاً مش في القاهرة." على صوت كارم بغضب قال: "نعم.... هتهزر يالا... مانت عارف إني هاخد النهاردة وبكرة إجازة من الأسبوع اللي فات.... أنت فين ومسافر أنهي داهية على دماغ اللي خلفوك." عامر بهدوء لأنه سعيد: "بطل طول لسان يابن ال**** بدل ما أجيلك." "اخلص وانطق... أنت في أنهي مصيبة؟ "يخربيت شغلتك دي يا أخي حولتك شتيمة شتيمة شتيمة إيه." "انجزيييي ياض."
"مانا مش هقولك إني في إسكندرية عش...... اتسعت عينيه وهو ينظر للهاتف بتفاجؤ... همممم بالطبع أخذ المعلومة وأغلق الهاتف بوجهه. تنهد مغمضًا عينيه وهو يتذكر يومه أمس معها.... كارم بالتأكيد سيأتي... صديقه الغبي ماذا يفعل به؟ ذهب ليأخذ حمامًا سريعًا يزيل أثر النوم. بعد مرور وقت طويل استغرقه في الحمام. خرج يجهز ثيابًا جديدة مريحة لنزهة اليوم مع مليكة قلبه. وجد الهاتف يعاود الاتصال... وضع ما بيده بملل وأجاب على الهاتف:
"همممم... أشجيني." "عامر يا حبيبي أنت في أوتيل إيه عشان أنا جايلك." "خلي عندك دم وارجع وأنا جايلك بكرة." "أنت واطي وزبالة ومش هتيجي بكرة ولا حتى بعده سو.. أنا قررت أجيلك." "لم نفسك وارجع يا كارم." "مش هينفع يا عامر أنا خلاص.. عديت البوابات." "أنت لحقت؟! "آه مابخفش من الرادار... يالا يالا زي الشاطر كده قولي اسم الفندق يالا.. يالا يا بابا قول لعمو." تنهد بغيظ وهو يخبره عن اسم الفندق الشهير الذي ينزل به. _في بيت دلال
استيقظت مليكة من النوم على صوت دقات مازن العالية على الباب. وندى تقف تعبث بأغراضها. "خلصي يالا كل ده بتلبسي." "ماتعليش صوتك... الله... خلاص نص ساعة وأجي." "ماشي.. بس لو اتأخرتي أنتِ حرة." استدارت تنظر لمليكة تعلم... سيل من الأسئلة الملحة سيهبط فوق رأسها الآن... وقبل أن تهم بفتح فمها قالت ندى: "بصي هو مهتم بيا أوي... ودمه خفيف.... وسنه قريب مني... وبيقولي كلام حلو...
وخالتك بتقولي هتيجي القاهرة لما باباه يرجع كمان أسبوع تخطبني ليه.. إيه رأيك." راقصت مليكة حاجبيها لها تقول: "رأيي إيه بقا ده أنتي اخترتي اسم العيال كمان... بس أحسن خلينا نغيظ الجحش اللي اسمه يوسف ده." امتعض وجه ندى تقول: "اقفلي على السيرة دي مش عايزة أفتكر عمايله كان شايف نفسه أوي...
فرق كبير بينه وبين مازن. مازن بيعاملني حلو أوي يا مليكة.. طب عارفة طول ما أنا مع يوسف ده كنت ببقى حاسة إني بمشي الخطوات اللي هتخليني نسخة من أمي ومعاملة بابا ليها بس مش عارفة أوقف نفسي. الحمد لله إنها جت منه أو هي وقفت من ربنا... ربنا هو اللي اختارلي عشان كده أنا ما زعلتش كتير... لما بصيت للموضوع من الناحية دي بطلت زعل عليه. بعدها لقيت ربنا رمى قدامي موضوع مازن فهمت إنه بيقولي أنا وقفت ده عشان كنت باعِتلك ده...
وأنا فرحانة أوي." ضمتها مليكة بسعادة تقول: "وأنا مبسوطة عشانك أوي." انتفضوا اثنتين على صوت نهى تقول: "مراهقات... أنتم الاتنين... وحتى أمي كمان.... مراهقات... أنا عايشة وسط شوية مراهقين... فين النضوج؟ اعمل إيه... أعمل فيكوا إيه." "إيه بس يا نهى في إيه.. هو إحنا عملنا حاجة غلط؟ "أكبر غلط... أكبر غلط... في السن ده حب وخطوبة... ده كل تفكيركم... فين الأحلام...
الخطط.. الطموحات.. مخططات لمستقبل كبير.. خلاص كلكم هتتجوزوا وتقعدوا في البيت." "براحة بس.. هو إيه اللي هيخلي الخطوبة تقف قدام المستقبل.. دي دبلة... بس." "لا.. هتقف... أنتم لسه صغيرين... اكبروا.. انضجوا.. عشان حتى تختاروا صح." ابتسمت ندى واقتربت منها تتمسح بها وقالت: "يعني.. يعني أنتِ يعني عمرك ما حبيتي." زاغت عيني نهى وقالت: "ها." "إيه؟ احتد صوت نهى من جديد وقالت: "ححححب إيه. اتلمي وعيب كده...
أوعى.. أنا بتكلم مع مين أصلًا شوية عيال.... أنا أكبر من كده... أنا هروح أكمل شغلي في الصالة." تعالي أصوات ضحكاتهم فنظرت لهم بغيظ وهي تغلق الباب تضغط على نظارتها مرددة: "مراهقات." _وصل كارم لعند صديقه وهو بالطبع يمارس عمله عليه... تحقيق طويل عريض لكن بالطبع لم يخرج بإجابة مفيدة من صديقه. "طب اخلص هنخرج فين؟ "أنت حيوان يالا... هو أنا الجو بتاعك هخرجك.. حد قالك تيجي يا اللي ما عندكش دم."
"لم لسانك.. وآه هخرج معاك يعني هخرج معاك." بعد مرور ساعتين... خلافات بين كل الأطراف. قررت دلال أن يقضوا جميعًا اليوم معها على البحر. مازن لجوار ندى وعامر منشغل بمليكته... وكارم..... كارم يجلس لجوار صاحبه النظارة السميكة. عينه عليها وهي عينها على الطعام. تأكل ولا تهتم لأحد... مسك الشوكة منها وهي في طريقها لفمها وقال: "ما كفاية بقا وحسي على دمك أنا بقالي كتير سنجل مش كده." رفعت حاجبها تقول: "أنت أهبل؟
"لأ أنا صايع وقليل الأدب ومش لاقي حد يلمني من الشوارع وما فيش واحدة هتقدر تربيني غيرك." أما هي فظلت تنظر له بعينين متسعتين وهي تراه على وشك جلب مأذون واثنين شهود. _في تلك الحارة. كانت الحياة أكثر بهجة... تفتح ذراعيها للمعلم رجب. لكنه الآن غاضب بشدة... يوم الذبح الأسبوعي وصبيانه متغيبين لظروف طارئة... حتى يوسف يدعي أنه مريض ولم يأتِ. زحام أمام المحل وهو يقطع اللحم على عجالة...
جلبابه متسخ بقطرات الدم. كل تلك الزحمة لم تمنعه أن يراها تخرج من البيت. خرج من بين كل تلك الجموع ينادي عليها: "ست أم ندى... ست أم ندى." توقفت تقول: "مساء الخير يا معلم." "رايحة فين؟ "هشترى طماطم لاحسن خلصت." "رايحة كده." قالها وهو يشير بغضب لعباءتها الضيقة قليلاً. أكمل حديثه يقول: "اطلعي أنتِ وأنا هبعت حد يجبلك... يالا."
لا تعلم لما انصاعت لأمره وهي تراه غاضبًا هكذا. دلفت للبناية تصعد السلم لكن وجدته يناديها وقد دلف خلفها. توقفت تقول: "نعم." وضع يديه في سروال جلبابه. فجأة وجدته يخرج من جلبابه الملوث بالدم بين يديه وردة حمراء قصيرة. وردة حمراء خرجت من جلباب تقريبًا قذر... ويد عالقة بها دماء ذبيحته... لكن والله هو جميل...
المعلم رجب إنسان أكثر من ذلك الباشمهندس البارد. أعطاها الوردة بتوتر وخرج سريعًا من شدة ارتباكه. وهي تحتضن الوردة لا تصدق ما يحدث. _بنفس الحارة وفي أحد البنايات... يجلس يوسف يدلك قدمي جدته المغتاظة لما قصه عليها: "أنت متأكد من اللي بتقوله ده يا يوسف؟ رجب ابني عمل كده." "آه والله زي ما بقولك كده يا ستي." "وأمك الخايبة النيابة دي كانت فين...
قوم معايا ساعدني البس وأروح لها أشوف هتفضل حاطة إيدها في المية الباردة كده لأمتى؟ قوم وصلني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!