الفصل 8 | من 36 فصل

رواية انصاف القدر الفصل الثامن 8 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
24
كلمة
3,965
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

جلست هديل مقابل أخيها في أحد المقاهي الشهيرة، وكان عصبياً جداً يقول: هديل، أنا مش عايز أسمع أي كلام منك، اللي في دماغك ده مرفوض. أخذت نفساً عميقاً وردت: نادر، هو أنت عمرك شفت واحدة راحت خطبت واحد؟ نادر بضيق: يعني إيه، وضحي كلامك، أنا على آخري أصلاً. هديل بهدوء: هقولك... دلوقتي السيد والدنا حاططني تحت ضغط، يا أوقع عامر وأخليه يخطبني، يا يحرمني من حقي، صح؟ نادر: هممم. هديل: طيب، هو أنا المطلوب مني إيه؟

أصلاً عامر ابن خالتنا، وهو بني آدم كويس، وإحنا من الأساس بنتعامل حلو... يبقى أنا هعمل إيه غير إني أزود الاهتمام بيه قدام ماما شوية؟ عامر مش بيحبني، وأنا زي أخته بالظبط، دي حقيقة مش هتتغير. كل اللي هعمله إني هلاعب بابا وأكسب وقت، أهو أبقى عملت اللي عليا. مش هروح أغصبه يتجوزني يعني... اللي هو أنا، أنا عملت كل حاجة، هو اللي ما جاش واتقدملي، يبقى خلاص. نادر: برضه لا، شوفي حل غيره. هديل:

بقولك إيه، أنا بقالي أسبوعين بلفها في دماغي، لما دماغي ورمت. هو ده الحل الوحيد. عامر مش هيخطبني أبداً، بس أنا هاخد شركتي، اللي هي تعبي ومجهودي. قولت إيه؟ هتقف جنبي ولا هتكبر وتعيش أنت مع البنات؟ نادر: ليه؟ هو أنا مطلوب مني إيه؟ هديل: مطلوب إنك تبقى أخ عدل وتفضل جنبي في المحنة دي. نادر: ما أنا برضه مش بلعها الحكاية دي. هديل: معلش، هي فترة وهتعدي، وكل حاجة هتخلص. قولت إيه... معايا؟ زفر بضيق وقال على مضض:

معاكي يا ستي، أما نشوف آخرتها. *** في الإسكندرية جلست مليكة بفستان صيفي مناسب للبحر على الرمال، شاردة كأنها في عالم آخر. شعرت بأحدهم يجلس بجوارها، ولم تكن سوى خالتها، التي قالت: بتفكري في إيه وشاغلك كده؟ ابتسمت مليكة: ولا حاجة. دلال: على خالتو... يعني ماروحتش لحد عامر كده ورجعتي؟ تلاشت ابتسامتها وقالت بحزن: مابقاش ينفع بقى... أنا تعبت... هو لا حبني ولا هيحبني، كفاية كده. دلال: أنا من الأول كنت رافضة الموضوع ده.

نظرت لها مليكة كأنها كائن فضائي وقالت: والله... ما عرفتكش أنا كده، يعني؟ ده أنتِ أكتر واحدة كنتي مشجعاني. دلال: أنا؟! إعدمك ما حصل. مليكة بجنون: يانهار أسود ومنيل. اقتربت ندى منهم تقول: إيه ده؟ مالكم في إيه؟ دلال: تعالي... تعالي يابنتي، تعالي شوفي صاحبتك قاعدة لا بيا ولا عليا، إلا والاقيها لكِ ملبسانى مصيبة. قال إيه أنا كنت مشجعاها تحب عامر. اتسعت عينا ندى وقالت لمليكة: احيييه... هي عارفة؟ مليكة: هه، عارفة...

دي ماشية معايا خطوة بخطوة ومن زمان. اللي قدامك دي هي السبب في إن عقلي يبوظ بسبب الروايات اللي خلتني أدمنها زيها... عايشة في عالم وردي بأبطال على ورق، وعيشتني معاها فيه. حسبنا الله ونعم الوكيل. دلال: أنتِ هتحاسبيني عليا في وشي؟ وأنا مالي؟ أنا دايماً أقرأ عن البطل الكبير اللي حب البنت الصغيرة اللي رباها، ما كنتش أعرف إنه جبله كده. ندى: لأ، هو أنتِ اللي ضيعتي دماغ البت كده يا طنط بالروايات والهبل ده. احتدمت دلال تقول:

ماتقوليش على حاجة أنا بحبها هبل... لأنها مش هبل. والعيب مش في الروايات، العيب فينا... إحنا اللي بنستسلم للواقع ومش بنحاول نغير أي حاجة فيه. مع إن أي رواية بنشوف إزاي البطلة بتعافر عشان توصل لحبها أو للحياة اللي هتسعدها... أنا كنت شخصية انطوائية وماليش لا تجارب ولا علاقات، تفتكري إيه اللي كان ممكن يديني خبرة غير الروايات؟ لما تكشفلي عن قصص وأفكار نصها من الواقع ونصها خيال...

حتى لو في رواية ما طلعتش منها بعبرة، على الأقل فصلتني عن العالم شوية وخلتني أستمتع بيها. فما تجيش أنتِ تتريقي عليها وعلى اللي بيقرأوها. ندى: اهدّي يا طنط، في إيه؟ أنا مش قصدي. دلال: أصلك مش أول واحدة تقولي كده. جوزي دايماً يتريق عليا كده برضه. فيها إيه لما أكون بحب الروايات؟

ما ناس بتموت في الأفلام والمسلسلات الهندي، وأنا بشوف إنها مش بس هبل، لا دي حاجة كده ميكس بين هبل على تخلف على عبط على عدم احترام لعقلنا، بس مش بقول حاجة ولا بتريق على اللي بيتفرجوا عليها. كل واحد حر... العيب على اللي استسلم للواقع بتاعه وعاش فيه. أنا كبرت وولادي كبروا، بس لحد دلوقتي بحاول لو عرفت أعيش أي لحظة أو لقطة شفتها في رواية أشوفها...

بحاول أخلي جوزي يعيشني أي لقطة منها. صحيح بتبقى بمعاناة وساعات بتريقة أو من غير نفس، بس مش مهم... المهم إني عشتها. لحد دلوقتي لسه بطلب منه شوكولاتة، ولما يجيبها بفرح بيها زي العيال، مع إن عيالي بقوا أطول مني. خديها نصيحة مني، ماتسمحيش لحد يهدمك أو يتريق على الحاجة اللي هتبسطك. اللحظة اللي تقدري تخطفيها من الحياة بالغصب أو بالرضا، اخطفيها وعيشيها. العمر ما بيرجعش وماحدش هيتبسطلك... فاعملي اللي يفرحك وبس.

كانوا يستمعون لها بهدوء وشرود، مقتنعين بكل حرف يقال. ظلوا على صمتهم وشرودهم إلى أن قطع ذلك الصمت رنين هاتف مليكة. على الجهة الأخرى كان يجلس على مائدة الطعام على مضض... يوجد شيء ناقص... شيء مهم... أهو الهواء كي يتنفس؟ أم الشهية كي يأكل؟ أم روحه أو قلبه... أو أن كل شيء تلخص بها ولم يعد موجود بغيابها. وقف عامر حين فجأة فقالت ناهد: رايح فين يا عامر؟ عامر وهو يسير لمكتبه: تليفون شغل مهم كنت ناسيه يا أمي.

نظرت هدى لابنتها، لكن هديل تصنعت أنها فعلاً تهتم، ثم ما لبثت أن أكملت طعامها. هي جائعة جداً الآن، ترجو دائماً ألا يسألها أحد عن شيء أو يطلب منها أن تفكر حتى وهي جائعة. وقف في شرفة مكتبه يهاتفها، يتصل وهي لا تجيب. منذ متى وهي تتجاهل اتصالاته هكذا؟ عاود الاتصال مجدداً بإصرار، إلى أن فتح الخط. فتحدث بلهفة: ألو. مليكة... مش بتردي على طول ليه؟ أغمضت عينيها بغضب... عامر سيظل عامر، تحكمات فقط، أسئلة فقط. أجابت

بهدوء قاتل له ولأعصابه: ما سمعتش. عامر: كنتي فين كل ده؟ مليكة: يا "أبيه"، ما سمعتش؟ في إيه بتحصل؟ عامر: والله بتحصل... اممم... وإنتي بقا من ساعة ما سافرتي، إن ما كنتش أكلمك، ماتكلميش؟ مليكة: عادي... بنسى. مش بييجي على بالي. اتسعت عيناه وهي تخبره عن عمد أنه لا يخطر على بالها ولو صدفة. هو مشغول بها، وهي بالمقابل لمجرد عدم وجوده أمامها تنسى أنه بالحياة من الأساس. عامر: إيه اللي بتقوليه ده؟ مليكة: قولت إيه؟

بص، هو أنا ممكن أقفل، بس دلوقتي عشان بينادولي. كل ثانية يتلقى صفعة أجد من الأولى. انتهى شغفها به، تبخرت لهفتها، وهو يحرقه الشوق. هم ليجيب عليها بحدة، لكن احمر وجهه غضباً وهو يستمع لصوت شاب بجوارها يناديها (يالا يا ميكا عشان ننزل الميا) تحدث من بين أسنانه يقول بهدوء مرعب: مين ده؟ ومية إيه اللي هتنزليها معاه يا هانم؟ مليكة: ده مازن. ثم أبعدت الهاتف وقالت بصوت عالٍ وصل له بالطبع: حاضر يا مازن، جايه. عادت تقول:

طب أنا هقفل دلوقتي... سلام. حاول التحدث لينذرها ألا تفعل، لكنها أغلقت الخط وهو في قمة غضبه. وضع هاتفه في جيب بدلته وخرج سريعاً. ناهد: رايح فين يا عامر؟ عامر بغضب وهو يغادر: رايح أجيب مليكة. احتدمت عينا هدى ونظرت لابنتها، التي فهمت على الفور وتصنعت الاهتمام: عامر... خد، هقولك. رفعت كتفيها لأمها ببراءة مصطنعة: يا خسارة، مشي... قلقني عليه والله. هاتلي يا كارما بانيه من اللي قدامك ده... أيوه، أيوه الحتة العريضة دي.

نظرت لها هدى بغيظ، بينما الفت تبتسم باستمتاع شديد. في الإسكندرية دلال: يعني بيغير من مازن؟ أنا إزاي ما جتش على بالي الحكاية دي؟ ده أنا قريتها في ولا 100 رواية. بس... إحنا نخلي مازن يخطبك عشان نخليه يغير وينطق. تناولت مليكة كف دلال تقبله قائلة بترجّي: أبوس إيدك يا شيخة، كفاية خططك دي. دلال: يابت، اسمعي ده، أنا بهديكِ أحلى هدية والله. مليكة: مالقتيش إلا مازن الهبل؟ دلال: فشرررر... قطع لسانك ده، دكتور قد الدنيا.

أشاحت مليكة بيدها: هو بالشهادة... أهبل وأنا وإنتي عارفين. دلال: احمم... مش أوي يعني، ييجي منه والله... استني بس يا مازن، مازن. جاء إليها من بعيد وقال: نعم. دلال: بقولك إيه، ماتيجي أخطبلك مليكة. مازن: نعم؟ مليكة إيه؟ هو أنا طايقها؟ نظر ناحية ندى وقال بغزل: أنا عايز أتزوج البنت الحلوة العاقلة دي. تخضب وجه ندى بالخجل، بينما مليكة ودلال أعينهم متسعة فرحة وتفاجؤ. بعد مرور أكثر من ساعتين

توقف أمام المبنى السكني الذي تقطن به خالتها. ترجل بغضب وصعد سريعاً يدق الباب. مازن: حاضر، حاضر، جاي والله. فتح الباب فوجد عامر، شاب وسيم إلى درجة كبيرة في مقتبل العمر. عامر: انت مين؟ يريد أن يتأكد إن كان هو ذلك المازن أم لا. مازن: عامر بيه، أنت مش عارفني؟ أنا مازن. عامر: آه... معلش، أصل آخر مرة شفتك كنت عيل. مازن: لا، أنا كبرت... أنت كمان كبرت شويتين. اتفضل، اتفضل.

تقدم وهو ينظر له ولكلامه المبطن بغيظ. دلف للداخل وهو يبحث بعينيه عنها. صك أسنانه وهو يجدها تخرج من المطبخ بتلك المنامة القصيرة تقول بغضب: انت يا بارد، انت إزاي تاكل الآيس كر... قطعت حديثها وهي متسعة العين من وجود عامر أمامها ينظر لها بحاجب مرفوع والغضب يقفز من عينيه قفزاً. مليكة: أبيه عامر!!! عامر: آه، شفتي أبيه عامر؟ اتفضلي يالا، البسي عشان هنرجع القاهرة. يالا بسرعة عشان مستعجل.

اغتظت كثيراً من نبرة حديثه وأوامره، ذلك التغطرس الذي لم ولن يتخلى عنه. أظهرت اللين والهدوء على ملامحها وقالت: بس أنا مش هرجع معاك يا أبيه... لسه الإجازة ما خلصتش، وأنا مش عايزة أرجع دلوقتي. عامر من بين أسنانه: مش شايفه إنك طولتي هنا أوي؟ للصبر حدود يا مليكة. مليكة: والله أنا مش عارفة ده يضايقك في إيه؟ إيه اللي جد مثلاً؟ زم شفتيه بغيظ وقال: خلصي يا مليكة، عايزين نبقى في البيت قبل الليل. مليكة: أنا لسه عايزة أقعد...

قولتلك إنه خلاص، أنا مش هعمل غير اللي عايزاه وبيريحني وبس. جاءت دلال على صوتهما وقالت: إيه ده؟ في إيه؟ عامر؟! أهلاً وسهلاً، نورتنا. اتفضل واقف كده ليه؟ مش كنت تناديني يا مازن؟ مازن: هو ساب لحد فرصة يا أمي. دلال: طب اتفضل يا عامر بيه، اتفضل. كان مازن نظره مسلط بغضب على تلك التي تتحدّاه... تربت على يده، وأول ما كبرت، كبرت عليه هو. دلال: عامر بيه... عامر بيه، اتفضل اقعد. انتبه إليها وقال: ها...

لا، ما فيش وقت. لازم نرجع دلوقتي... مش عايز أسوق بالليل. مليكة: أيوه، أنا قولت إني مش هرجع دلوقتي. هم ليجيب عليها بحدة، فتدخلت دلال تقول: استهدوا بالله يا جماعة. إيه يا عامر بيه؟ ده أنت بقالك مدة ما جتش إسكندرية... هتيجي صد رد كده؟ طب ده اسمه كلام بالذمة؟! أنت تقعد وتاخدلك إجازة يومين هنا... تريح أعصابك وتتفسح. كمان عشان خاطر ندى، البنت جاية ضيفة مع مليكة، ولا أنت ناسي؟ هدأ قليلاً أمام حديثها اللين وجلس قائلاً:

أيوه بس... قاطعته وقالت بخبث: ولا بس ولا حاجة... بالمرة تشوف لي حل، أنا تعبت... كذا عريس اتقدم لميكا، وأنا مش عارفة أتصرف. نظر لها بتفاجؤ يؤكد: عريس؟ دلال: عريس إيه؟ أنا قولت عرسان... عرسان يا عامر بيه، وأنا... أنا خلاص مابقتش عارفة أتحكم في الموضوع، الموضوع خرج من إيدي. عامر: اممم... وشافوها فين؟ دلال: معايا. بصراحة بفكر أوافق على واحد فيهم ده كل... قاطعها بصرامة: توافقي وترفضي إزاي يا مدام؟

مليكة مسؤوليتي، مش مسؤولية أي حد تاني، وأنا بس اللي أحدد إمتى الوقت المناسب للجواز. نظرت له مطولاً ثم تحدثت بهدوء وقالت: أنت مصدق اللي بتقوله؟ هو أنت عشان بتديها اللي يكفيها من المصاريف، يبقى أنت كده مربيها؟ طب أنت عمرك خرجتها؟ فسحتها؟ عمر كان فيه اهتمام خاص منك ليها، حتى لو على سبيل الأبوة أو الإخوة؟ ما حصلش. عامر: غريبة. دلال: إيه اللي غريب؟ عامر: لا، بس أصلها قريب قالت لي كلام شبه ده. دلال:

لأن للأسف دي الحقيقة. في ناس بتفضل طول حياتها كده فاكرة إنها عاملة اللي عليها وزيادة، بس هي يا دوب بتقدم للي قدامها أبسط حقوقه. يعني أنت مثلاً، يا دوب بتديها اللي يكفيها من مصاريفها وزيادة، بس هي أصلاً الوريثة الوحيدة لأبوها طبعاً مع ولاد عمها، لأن ما عندهاش أخ، بس برضه نصيبها كبير. هي عايشة في بيتك، اللي هو بالأساس بيت عيلة الخطيب كلها، يعني ليها ورث فيه. أنت مش مقدم لها أي حاجة سبيشال. بلاش تعيش فاكر إنك عامل لها كتير يديلك الحق إن يبقى ليك كتير عندها. ومليكة بنت ذكية ولامحة وعارفة إنك مالكش أي فضل عليها...

فما تنتظرش منها أي مكانة خاصة أو إنها تديك حقوق مش ليك، زي إنك تحدد مصيرها مثلاً. يستمع لها بإمعان... يعلم أن كل حرف تقوله خلفه ألف هدف ومعنى. لا يود أن يحتد عليها بالحديث... وبأي عين سيحتد وهي تتحدث عن حقيقة؟ بالفعل هذه هي الصورة الصحيحة. كانت تنظر له تتفرس ملامحه تحاول سبر أغواره. شعرت بقرب الوصول لتلك النقطة فقالت بمهادنة: إيه رأيك تفتح معاها صفحة جديدة؟ يعني تحتويها أكتر؟ تخرجوا؟ تبقى حنين عليها أكتر وقريب منها؟

أنت مش بتقول إنها بنوتك؟ استساغ الفكرة كثيراً، ولكن نظر لها بغيظ وهي تكمل بخبث، تكتم ضحكتها: أهو حتى عشان لما هي تتجوز وتخلف، يبقى ولادها يقولوا لك يا جدو. عامر: جدو؟ أنا مش كبير أوي كده. دلال: أيوه، ده على اعتبار يعني إنك بتعتبرها بنتك. زم شفتيه بغيظ منها ومن ابنة أختها تلك. لكن أخذ نفساً عميقاً يتنهد وهو يفكر: لما لا؟ يومين إجازة معها... معها فقط. ***

على باب شقة نجلاء وقف المعلم رجب يهندم ملابسه وبضربات قلب عالية. درجة حرارته تعلو وتهبط في الدقيقة هبوطاً وصعوداً. يحمر وجهه من الحرارة وبعدها بثانية يشحب من البرودة. كأنه مراهق يقابل حبيبته لأول مرة. لما لا تفتح ذلك الباب وترحمه. ثوانٍ وفتحت نجلاء الباب بتلك العباءة الذهبية تضع وشاحاً ثقيلاً على شعرها. نظرت له بحرج. كلما تتذكر ذلك الموقف والوضع الذي وضعت فيه معه تشعر بالحرج. حمحمت بتوتر قائلة:

مساء الخير يا معلم. في حاجة؟ نظر لها بوله ونفسه يعلو ويهبط بعشق: مساء النور يا ست البنات... أنا... احمم. أخذ الأمر منه ثانية حتى وجد الحجة: أنا قولت أجي أشقر عليكِ، إلا تكوني محتاجة حاجة... ناقصك حاجة. نجلاء: كتر خيرك يا معلم، كلك واجب. رجب: اا... يعني ما يلزمش أي خدمة، أي طلبات... أنا مش بشوفك تخرجي تجيبي طلباتك. نظرت له بتركيز... يبدو أنه يراقب أفعالها. لم تحظ أو تجرب أن يهتم أحد أو يراقب تفاصيلها هكذا. طال الصمت

وشعر بالحرج فحك رأسه وقال: طب بالاذن أنا بقى... ولو عاوزتي أي حاجة... أي حاجة، أنا عيني على الشباك، نزلي بس السبت وفيه ورقة بالطلبات، وكل حاجة تكون عندك. كانت مصدومة من ذلك الاهتمام الذي لم تحظ به من قبل، وعندما يأتي يكن من الشخص الخطأ. تحرك ليغادر بحرج ولكن عاد بتردد يقول: اااه... كان فيه حاجة جايبها لك معايا.

سريعاً سريعاً أخرج مغلفاً من الشيكولاتة وأعطاه لها بيدها وهرب سريعاً يشعر بالحرج والتوتر. أما هي، فتقف فمها وعينيها متسعتين بنفس المقدار. تنظر للسلم تارة ولما بيدها تارة أخرى، لا تصدق ما حدث ومن من؟ من المعلم رجب الجزار. أغلقت الباب بسعادة كبيرة... جلست على أقرب كرسي تنظر بفرحة كبيرة لذلك اللوح من الشيكولا. همت لفتح الكيس ولكن حدثت نفسها: (لا، ده ما يتاكلش كده... ده عايز يتاكل بمزاج) . وقفت سريعاً وذهبت للمرحاض...

استمتعت بحمام منعش من المياه الباردة. ثم خرجت تجفف شعرها وذهبت لارتداء إحدى المنامات الوردية... صنعت لنفسها قهوة من البن المحوج... جلست أمام التلفاز تفتح الشيكولاتة بهدوء، تضع أول قطعة بفمها تتذوقها باستمتاع. ثوانٍ واستمعت لرنين هاتفها. نجلاء: ألو... مين معايا. تنتحنح الطرف الآخر وقال بتوتر: ده أنا المعلم رجب يا ست البنات. لا تزال تتعجب من هذا اللقب الذي دائماً يلصقه بها. لم يتلقى منها رداً، فقال:

أنا جبت نمرتك من أستاذ خالد على أساس يعني إننا... صمت بتوتر وحرج، فقالت: أيوه، أه، فاهمة. ابتسم وهو يتنفس سريعاً وقال: طب نزلي السبت بس، هحط لك حاجة. ولم يترك لها فرصة للرفض أو الاعتراض، إنما أغلق الهاتف سريعاً. ذهبت بفضول للشرفة، وجدته يقف أسفل البناية ينتظرها. قامت بإنزال ذلك الوعاء المصنوع من الخوص له. وضع به كيساً كبيراً من الكرتون وظل واقفاً ينظر لها بفرحة وسعادة. سحبت السبت حتى وصل لها، ثم اتسعت عيناها لا تصدق،

مرددة: كنتاكي؟!! عاودت النظر له، وكان مازال واقفاً يبتسم. يبتسم لأن فعلته أعجبتها، خصوصاً وهو يرى تلك السعادة، حتى لو كانت تقطن الطابق الثاني. حملت الكيس بفرحة كبيرة لا تصدق... وجدت القهوة التي صنعتها محلها، والشكولاتة كذلك. حدثتهم بسعادة كأنهم أشخاص أمامها: كويس، خليكوا ابقى أحلى بيكم... بعد الكنتاكي... ياااااه. أخذت الطعام سريعاً وشرعت في تناوله بفرحة وشراهة كأنها لم تأكل لأيام. *** صباح يوم جديد

خرج عامر من ذلك الفندق الذي مكث به ليلة أمس. وقد استمع لنصيحة كارم كما قال له: "اخرج بقى من أم البدلة دي ورحرح كده وخليك فريش". وقف أمام شقة خالتها بذلك التيشرت الأبيض مع بنطال من الجينز القصير حتى ركبتيه... وحذاء رياضي أبيض. كان قمة في الشياكة ويتمتع بنفس الفخامة التي لا يتخلى عنها تحت أي سبب. دق الباب ففتح له نفس المازن. مازن: أهلاً وسهلاً، اتفضل. ابتسم له ابتسامة سمجة وقال: لا، ما علش... ناد لي بس مليكة. جاءت

دلال من خلف مازن تردد: أهلاً وسهلاً، اتفضل. عامر: أهلاً بيكي. أمال فين مليكة؟ جاءت سريعاً بتلك الفستان الجميل تقول: أنا اهو. ابتسم لها وهو يمشط هيئتها بإعجاب وقال: طب يالا بينا. همت للخروج معه لكن توقفت قائلة: طب وندى؟ أسرع مازن يقول: لا، ما تشيليش هم... أنا هفسح الغلبانة اللي هتسيبيها لوحدها دي وأمري لله. دلال: مش قولتلك مضحّي. مليكة: أنا همشي قبل ما أدمع. نظرت تجاه عامر، وهي لأول مرة ستخرج معه... معه فقط...

بدون العائلة... بدون الجميع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...