ذهول وصدمة ألجمت الجميع. خطوة غير متوقعة على الإطلاق. هو نفسه لم يتوقع أو يتخيل أن يحدث هذا أبداً. كأنه إنصاف من السماء وسقط عليه، كأنه حقاً إنصاف القدر. منذ ثانية واحدة كان الدم يغلي بعقله، ولكن أطرافه باردة من شدة الخوف، من صعوبة الموقف عليه. يتوقع تحطم قلبه، بل تمزيقه. خصوصاً وهو يواجه توفيق، والذي يرفع رأسه وأنفه بشموخ، يعلم أن النتيجة هي شيء واحد.
لكن انقلب كل شيء للنقيض فجأة، وهو يجدها تتحرك ببطء وحرج. أغمض عينيه بألم، لا يريد رؤيتها وهي تذهب مع غيره. لكنها وقفت خلف ظهره. تصرف لا يحتاج إلى كلمات، بل لو قيلت أي كلمة لأفسدت جمال اللحظة. تختاره هو، بل وتحتمي به، تتخفى بجسده عن الجميع. أدمعت عينه رغماً عنه، وهل يوجد أروع من فعلتها تلك؟ استدار ينظر لها، بعينين مبهورتين، مزهول، غير مصدق. ربما يخشى أن يصدق. وجدها تنظر له نظرة واحدة، ثم تخفض عينيها أرضاً.
نظرة واحدة، كانت نظرة واحدة فقط، كأنها تعطيه توكيل بكل أمورها، وأيضاً الوصاية عليها. ما زال لا يصدق. والله الأمر كبير على قلبه. لم يتخيل يوماً أن تختاره هو، لو وضع في مقارنة مع توفيق بكل الميزات التي يتمتع بها دوناً عنه. بينما بقية الحضور يقفون بريبة من ما حدث، والذي لا يدل إلا على نتيجة واحدة.
شحب وجه توفيق. كان يقف بانتظار نتيجة واحدة فقط. لا يخطر على باله ولو على سبيل العبث أن ترفضه نجلاء. نجلاء التي طالما خطبت وده طوال سنواته معها. ماذا فعل لها ذلك الجزار؟ بالتأكيد جنت. كان الكل مصدوماً، ولكن تحدث أكبرهم سناً: "كده الجواب باين من عنوانه، إحنا عملنا اللي حكم بيه مجلس الرجالة وخيرنا الست نجلاء وهي اختارت." كان رجب يرفع رأسه بشموخ، عن استحقاق وجدارة. صدره منفوخ بعظمة. يحق له. صرخ توفيق: "ايه؟
اختارت إيه وهبل إيه؟ مفيش الكلام ده." نظر ناحيتها يصرخ فيها بغضب: "أنتي أكيد مش في وعيك." وهي تقف خلف رجب، مدت يدها تمسك يده، تستعين وتقوى به. أغمض عينيه باستمتاع، يبتسم. كم لامست حركتها تلك قلبه. تحدث بقوة: "الكلام هنا يبقى معايا أنا." توفيق: "أنا ماليش كلام معاك، إنت مالك إنت." رجب: "إيه؟ مابتعرفش تتكلم مع رجالة؟ كلامك كله مع الحريم ولا إيه." توفيق: "مالكش فيه."
رجب: "ده لما تكون بتكلم أي حد، لكن إنت دلوقتي واقف بتكلم حريم بيتي، يبقى تتعدل وكلامك يبقى مع راجلها." جن جنون الآخر وقال: "راجل مين يا جزار البهايم إنت، إنت صدقت نفسك." تحولت معالم رجب بلحظة إلى وجه شيطاني غاضب، يقول: "أيوه صدقت نفسي، وإنت واللي معاك شفتوا بنفسكم، وعشرة البهايم أحسن مية مرة من عشرة البني آدمين اللي زيك." خرج توفيق عن السيطرة وتقدم كي ينقض على رجب، لكن تدخل كبيرهم بغضب: "جرى إيه؟
مش عاملين احترام لحد ولا إيه." توفيق: "إنت مش شايف يا حج هو بيقول إيه." الرجل: "عداه العيب يا توفيق." توفيق بذهول: "إيه؟! إنت اللي بتقول كده يا حج؟ الرجل: "إحنا قعدنا وعملنا قعدة رجالة، وإنت بنفسك جاي هنا على أساس الحكم ده، إنها تختار، وأهي صاحبة الشأن اختارت، يبقى خلصت يابني." توفيق: "هو إيه اللي خلصت، إيه اللي خلصت ماخلصتش." الرجل: "إنت بتعلي صوتك عليا يا توفيق."
تدخل شكري: "مايقصدش يا با الحج، بس إنت شايف اللي بيحصل ده، مايصحش أبداً." الرجل: "ومايصحش ليه؟ الراجل والست متجوزين علناً على سنة الله ورسوله، حصل ولا لأ يا خالد." خالد بخنوع: "حصل.. حصل يا با الحج." الرجل: "حكمنا إنها تختار وهي اختارت رجب، يبقى كده المولد ده ينفض وكل واحد يروح يشوف أشغاله، وسيبوا الناس في بيتهم." توفيق: "مولد إيه اللي ينفض؟
هو هيطلع من هنا وأنا أرجع لبيتي ولبنتي، ماتتكلم يا خالد ولا إنت مالكش حكم على اختك." حديث توفيق أشعله، جعله يحتد في الحديث عليها قائلاً بصوت حاد: "إيه اللي عملتيه دلوقتي يا نجلاء... هو لعب عيال... قسماً عظماً لو ما... قطع حديثه دخول شقيقاته هو ونجلاء. ينظران للجميع بغضب، يبدو أنهم تكاثروا على شقيقته المسكينة. تحدثت هناء: "في إيه يا خالد، معلي صوتك على اختك قدام اللي يسوى واللي ميسواش ليه."
تدخل توفيق: "قصدك مين باللي ميسواش دي؟ هناء: "والله كل واحد عارف قيمة نفسه، لو إنت شايف نفسك ماتسواش هعملك إيه فيها دي يا مسكين." صفاء: "ماتقول يا خالد، ملمومين كده على البت ليه؟ إيه اللي بيحصل؟ خالد بغضب: "تعالوا... تعالوا شوفوا اختكوا اللي فضحتني وفرجت عليا الناس." هناء بغضب وصياح عالٍ، أصدرت صوت رفيع من حنجرتها يدل على عدم تقبلها حديث شقيقها: "فضييييحة؟ فضيحة إيه يا خوووويا؟
الشر برا وبعيد، قطع لسان اللي يقول على أختنا كده." صفاء: "فضيحة إيه يا حبيبي اللي بتتكلم عنها، إحنا أختنا مالهاش زي." خالد: "مالهاش زي... آآآه... طب خدي عندك بقا، الست هانم اختارت رجب الجزار ورفضت ترجع للمهندس توفيق." أكمل شكري بغضب يعظم من شأن أخيه: "أخويا... ترفض أخويا المهندس." هناء بصياح: "يا خوي.. هندسة الخيبة والندامة، خدنا إيه من هندسته إلا القنطرة والنفخة الكدابة." زجرتها صفاء بعنف: "عيب يا هناء، مايصحش."
هناء: "أوعى سيبيني، ماحدش يحوشني، ده أنا جوايا كل دملة ودملة منه، ياختي ده كان مقندل عيشتها وطافي نور وشها، دي كانت أيام مرار، داهية لا ترجعه لا هو ولا أيامه، أنا عارفة كان لاوي رقبته علينا ليه، يالا... يالا أمشي من هنا وخد الناس دي معاك، يالا خلي النفس يبقى رايح جاي كده." شكري: "هي الحريم اللي بقت تتكلم عندكوا ولا إيه يا خالد؟ إيه يا با الحاج هتسكت على اللي بيحصل ده؟
الرجل: "آه هسكت يا شكري، عشان أخوك اللي بدأ يبقى هو اللي يستحمل." شكري: "بدأ؟ بدأ بإيه يا با الحاج، دي ردحتلنا." الرجل: "الموضوع منتهي وصاحبة الحق اختارت، نقف ليه ونسمعها ونتخانق، أخوك بدأ بالخناق يبقى يتحمل نهايته." شكري: "وهو كل ده ليه؟ ما عشان باقي على بيته، عشان بنته." هنا تحدثت نجلاء لأول مرة في تلك الوقفة: "بيته؟
بيته هو اللي هدّه وهدني معاه، أنا حافظت كتير أوي على البيت ده وجيت على نفسي وعلى أعصابي، وهو كان كل يوم بيدوس أكتر، اليمين بالنسبة له زي صباح الخير، مفيش أي حاجة بعملها عجباه، دايماً مش عاجبه ودايماً وحشة. وحاشه بوحاشه بقا واعمل اللي أنا عايزاه وأوفر على نفسي، ولو على بنتي فأنا استحملت كل اللي فات عشانها وهي شهر والتاني وتتجوز خلاص، وخطيبها ابن ناس ومتفهم كل حاجة. هي نفسها جت تطلب مني إني اختار لمرة واحدة في حياتي اللي أنا عايزاه."
رفعت أنظارها تجاهه، تحاول التخلي عن خجلها الفطري، خصوصاً أمام كل ذلك الجمع: "وأنا اخترت المعلم." ابتسم يقترب منها بصوت هامس جداً: "قلب المعلم." أغمضت عينيها تبتسم بحرج وخجل. هناء: "ياختشي عليهم، جوز عصافير والنعمة." عادت النظر تجاه توفيق تقول: "ماتيلا... هوينا... اتفضل وخد لياليك السودا معاك، يالا داهية تاخد داهية." توفيق بغيظ، لأول مرة يتعرض لكل تلك الإهانات: "فرصتك وجاتلك."
هناء: "حق الله طول عمري نفسي آكل واحد أفكك، من أول يوم شوفتك فيه وأنا بتمنى أفرشلك الملاية، يالا اتوكل، سكتك خضرا." انسحب الرجال واحداً تلو الآخر ورجب يرمق توفيق بنظرات قوية متحدية ومتصرة بنفس الوقت. أخيراً نصفه القدر. *** كل شيء أصبح على ما يرام. هديل اليوم أفضل حالاً عن ذي قبل.
لقد بدأت من جديد. صحيح بإمكانيات تكاد تكون منعدمة، ولكن أفضل من الزواج من شخص لا يريدها ولا تريده. باتت تعلم بحبه العلني لمليكة مهما حاول هو والجميع إخفاءه. العاشق تفضحه عيناه، كل شيء واضح للعيان لا يحتاج لحديث. هي أيضاً بداخلها شعور جديد وجميل ناحية أحدهم. للآن لم تضع له مسمى، ولكنه موجود. ربما تحتاج لجلسة مع نفسها كي تحدد كل تلك الأمور، ولكن الآن الخطوة الأهم، خطوة التحرر. بخطى مريحة، سريعة، متحررة، خطت داخل بيتهم.
تعلم طريقها، متجهة حيث مكتب والدها، دون طرق الباب فتحته. رفع والدها نظره عن حاسوبه، يخفض نظارته يقول باستغراب: "في إيه يا هديل مش تخبطي الأول." لم تهتم. تقدمت مبتسمة تقول: "أنا خلاص... فسخت خطوبتي من عامر." انتفض بحده يقول: "إيه؟! إنتي اتجننتي؟ عملتي كده إمتى؟ هديل: "من نص ساعة بالظبط، لسه راجعة من عنده." الأب: "مجنونة... إنتي أكيد مجنونة." هديل مبتسمة بلا مبالاة: "تؤ.. خالص."
تحدث بغضب: "لو عملتي كده يبقى تنسي شركتك للأبد." هديل براحة: "أوكي بابي... مش مشكلة... أنا زي ما عملتها من مافيش هعمل غيرها من مافيش بردو... أنا أصلاً عملت كده فعلاً اليومين اللي فاتوا... بااااي بابي." تحركت من أمامه خطوتين وهو فقط مصدوم. استدارت بحزن تقول: "عارف... كان نفسي يبقى عندي القوة والشجاعة اللي تخليّني أرفض الخطوبة دي من البداية حتى لو أخدت مني كل حاجة وما بقاش مضطرة أتنازل وأكمل لحد ما ألاقي البديل...
للأسف أنا ماطلعتش بالشجاعة الكافية." أنهت حديثها وخرجت من عنده، عازمة على حياة جديدة بهديل جديدة غير تلك الدمية التي تلاعب بها والديها. لطالما أرادت أن تكون مثل شقيقها نادر، يفعل ما يحلو له طالما لا يؤذي أحد. لكنها تقسم ستفعل بأيامها القادمة. *** يبدو أنها أصبحت عادة لديه. يجلس على مقعده في حديقة القصر، يحرسها ويرقب كل تحركاتها. لن يسمح لها بالاقتراب من ذلك العدو أبداً. أيضاً لابد من إتمام كل أمور زواجه بها سريعاً.
تشنجت معالم وجهه وهو يرى سيارة عدي تسير بطول الحديقة تعبرها للداخل. استقام من جلسته ووقف له بتأهب. تقدم منه عدي يمد يده للسلام: "مساء الخير يا عامر." عامر: "أهلاً.. منورنا." بالطبع استشف عدم التقبل، شيء ظاهر للعيان، كأنه ينافسه على شيء أو شخص ما. لكن فارق العمر بينه وبين مليكة جعله يستبعد الأمر نهائياً. تحدث مجدداً: "مالك يا باشا حد مضايقك... شايفك متعصب."
كاد أن يجيب عليه ولكن تدخل محمد سريعاً. بات على علم بجنون عامر حينما يتعلق الأمر بمليكة. محمد سريعاً: "أهلاً أهلاً يا عدي... نورتنا." عدي وهو مازال ينظر داخل أعين عامر: "مش باين يا محمد.... يظهر أن عامر مش حابب وجودي." محمد: "للالا.... ماتقولش كده ده إنت تنور أي حتة... هو بس في مصيبة وقعت فوق راسنا وبقالنا فترة مش عارفين نحلها إزاي." عدي: "خير؟ محمد: "ااا.. خير خير. اتفضل معايا جوا نتكلم."
سار يقوده أمامه. فتحرك معه خطوتين ثم توقف وعاود النظر لعامر وجده مازال واقفاً. عدي: "وهو عامر مش جاي معانا ولا إيه؟ لم يجبه عليه. إنما ظل على وضعه، صامت، غاضب. تحدث محمد: "هيجي. هيجي.. اتفضل نقعد نتكلم." ذهب معه على مضض، بينما تحرك عامر لأعلى، حيث غرفة تلك التي ستصيبه بنوبة قلبية قريباً. جلس عدي أمام محمد ينتظر حديثه. بينما ناهد تفرك يدها بتوتر. تعلم أن الأمر ليس بالهين.
أشارت من بعيد لمحمد منادية، فوقف قائلاً: "عن إذنك ثواني." رفع عدي حاجبه: "اتفضل." غادر محمد ناحية ناهد، بينما تقدمت توتا تحمل كأسين من العصير. نظر لها بإعجاب. خصلاتها السوداء القصيرة، بشرتها الخمريّة، روعة جسدها، حتى ذوقها في انتقاء ملابسها رائع. بينما هي بوجه خالٍ من أي تعبير تقدمت تضع ما بيدها أمامه دون أي حديث. فقال هو: "أنا جيت أهو." نظرت له باستغراب كأنه تنين برأسين وقالت: "إنت بتكلمني أنا؟
ابتسم باستمتاع قائلاً: "أيوه... مش بينا معاد." رفعت شفتها العليا تقول: "إنت عبيط؟ قول لي ماتتكسفش." عدي: "هممم... أنا بحب روحك وطولة لسانك... بس مش عليا ها؟ توتا: "لا ماهو مش أوبشن.. هو طويل على الكل.. دي حاجة مش بخاطري." عدي: "طب ها... قولتي إيه؟ توتا: "في إيه يا أخ.. ومعاد إيه اللي مابينا ما علش." عدي: "مش قولتي عدي علينا بكرة، أنا ماجتش بكرة وسبتك كذا يوم أهو عشان تفكري." نظرت له بإمعان. بالتأكيد هو أبله.
تحدثت بغرابة: "أفكر في إيه... إنت أكيد جعان.. أنا لما بجوع ببقى كده." أخذ نفس عميق يقول: "هههممممم... هطول بالي للآخر.. ماشي... مش أنا قولتلك فكري في عرضي ليكي." توتا ببوادر عصبية وصوت عالٍ: "عرض إيه.. إنت لسه هتلمح أنا أساساً مش بفهم الكلام المباشر." في نفس الوقت أنهى محمد حديثه مع ناهد وعاود التوجه ناحيتهم. تغيرت كل معالم وجهه وهو يراها تقف معه. ما الشيء المميز بهذا العدي يجعله يعجب كل الفتيات.
وقف أمامهم وقال بغضب: "إنتي واقفة عندك بتعملي إيه؟ اتفضلي روحي على شغلك." توتا: "إنت مالك كده بتكلمني كده ليه... إنت صدقت إني شغالة عندك ولا إيه." محمد: "مش عايز كلام كتير... أخفي دلوقتي." تدخل عدي: "في إيه يا محمد... ماتتكلم معاها كويس." نظر له محمد بتفحص وقال بغيره شديدة: "وإنت مالك إنت.... وإزاي تتدخل مابينا." عدي: "ده على أساس إيه يعني... ما اتدخل عادي." محمد: "لا ماتتدخلش وإنتي ادخلي جوا حالا."
نظرت لهم اثنتيهم باستخفاف. من هم ليقرروا أن تقف أو تغادر. ومن قال إنها تريد المكوث معهم. غادرت وهي موقنة أن اثنتين أصيبوا بجنون أو شيء ما. تقابل محمد مع عدي وجه لوجه كأنهم أعداء. كل منهما ينظر للآخر بتحفز. محمد بدون أي مقدمات: "مالك بتغريد يا عدي." رفع عدي حاجبه وقال: "هو مش كان في موضوع مهم.. مصيبة باين... إيه توتا دلوقتي أهم؟ محمد: "لا هي اسمها تغريد." عدي: "بس توتا أحلى."
محمد: "خلينا نقعد بهدوء نتكلم.. مش عايزين نخسر مصالحنا اللي مع بعض." عدي: "دي مشكلتك، إنت مش عايز تخسر حاجة.. بس أنا ماعندييش مشكلة أخسر حاجة قصاد حاجة عادي... بس إنت عايز كل حاجة وبدون خسائر." محمد: "تمام... طيب بص يا عدي.... دلوقتي إحنا لازم ننهي خطوبتك لمليكه." عدي: "ليه؟ زم محمد شفتيه لا يبدو عليه أي حزن، أي غضب، أي شيء. محمد: "هتتجوز عامر." جلس عدي ووضع قدم فوق الأخرى وقال: "لا بس أنا مش عايز كده."
أمعن محمد النظر له. هيئته تشير لأنه غير غاضب. لم يثور. أي شخص يقال له مثل هذا الحديث يهدم العالم من حوله. مجرد الحديث عن شيء من هذا القبيل يعد إهانة. لكن عدي صمت وجلس. يعني أنه يريد التفاوض. لذا أخذ نفس عميق بهدوء وجلس. وضع ساق على الأخرى مثله مثل مفاوضه بالضبط. محمد: "هممم... طلباتك." ابتسم عدي قائلاً: "وعرفت منين إن هيبقى فيه طلبات." محمد: "من شكلك...
أي حد هيتقاله عايزينك تسيب خطيبتك عشان نجوزها لواحد تاني هيقوم يكسر ويرزع ويهد الدنيا... لكن إنت لأ... إنت قعدت وسكت... يبقى ليك طلبات.. وأنا مستعد." عدي: "برافو عليك.. طول عمرك شاطر وواعي يا محمد.... بس ياترى إنت هتقدر تتفاوض معايا... خصوصاً إنك مش هتبقى حابب تزعلني أبداً." نظر له بإمعان. عدي أدرك ما يجول برأسه. إنه لا يستطيع معاداة ابن وزير الداخلية في هذا الظرف الحرج بالذات. تحدث بتروي: "إن شاء الله مش هنختلف."
*** في شركة عائلة الخطيب. انتهى الدوام ولكن تحية لم ينتهِ عملها بعد. تحضر لاجتماع الغد. تصوير أوراق، نسخ بعض الإيميلات، أشياء كثيرة تحتاج للترتيب، وهي قد تعبت حقاً. شهقت برعب وهي تشعر بمن يقف خلفها يحتضنها من ظهرها قائلاً: "يخربيتك.... صاروخ." انتفضت بعيداً عنه تنظر له بذهول واضطراب صارخة: "إنت اتجننت في مخك ولا هبت منك على المسا يا جدع إنت." تقدم منها بتلاعب قائلاً: "إيه مالك... واحد ومراته."
تحية: "مرات مين يا أخينا إنت مبلبع حاجة؟ زم شفتيه يقول: "تؤتؤ.. كده بردو يا توحا يا حبيبتي.. أنا عارف إنك لاسعة ودماغك ضاربة بس مش كده يعني... مس لدرجة تنسي سموحة جوزك.. طب تحبي أفكرك... العقدين العرفي... مش فاكرة بردو.. طب المحفظة." تحية: "خلاص." أكمل هو: "الموبيل ال... قاطعته بخوف: "خلاص خلاص، إيه هتفضحني." ابتسم بانتصار وقال: "أيوه كده... يالا قدامي." تحية بتوجس: "على فين." سامح: "على شقتي.. عايزك دلوقتي."
صرخت به غير مراعية لا الزمان ولا المكان، فقط تظهر شخصية تحية الحقيقية: "نعم نعم يا دلعدي.... شقق إيه اللي أروحها يا روح النونا... أنا مش بتاعت شقق يا كسر الرجالة يا سلالة الحمير إنت." كان حقاً مصدوماً، وقال: "إيه ده في إيه." تحية: "إنت لسه شفت حاجة... ده أنا هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك." سامح: "أنا كمان هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليا وأنا بعرفهم إني متجوزك عرفي وإنك مضيتي على العقد بمزاجك."
تحية باستهزاء وسخرية: "ثانية واحدة... أروح أناديهم لك وأجي." اتسعت عيناه لا يصدق حقاً. هيئته فعلاً مصدومة. هذه الفتاة مختلفة عن... عن أي شخص قابله مسبقاً. تحية: "مالك كده مصدوم... أمال إنت كنت مفكر إيه... حظك الأسود بقا وقعك في طريقي... أنا لا أهل تلم ولا حكومة تهم." سامح: "خلاص لمي الناس وأنا أقولهم إنك سرقتي موبايلي... سرقتيه لما أنا بكل شهامة ومرؤة ساندتك لما عملتي فيها دايخة."
تحية: "ماشي وأنا أعرفهم إنك ماكنتش بتسندني ولا حاجة... إنت كنت بتتحرش بيا... يعني سبحان الله... أنا بسند عليك عشان أقلبك وإنت سندتني عشان تتحرش." سامح: "شوفتي بقا.. ربك رب قلوب بردو... ما جمع إلا ما وفق." تحية: "يالا يا يابا.. يالا يا يابا سكتك خضرا... مش ناقصة هي... يالاااا." وقف ينظر لها بغضب بائت كل محاولات التهديد معها بالفشل، وهو يشتهيها إلى درجة الجنون. فقال بمهادنة: "طيب هحطلك مبلغ حلو في البنك....
أظن ده عرض حلو." تحية: "ولا كأني سمعت حاجة... اتوكل يالا على الله." سامح: "هسيبك يومين.. مبلغ لو فضلت عمرك كله مش هتحصلي على ربعه... فكري." غادر سريعاً وهي تنظر لأثره بغضب. أصبحت تمقت تلك الحياة. *** خرجت من المرحاض بعدما وضعت على جسدها روب ما بعد الاستحمام الطويل. تجفف شعرها بمنشفة صغيرة. وجدته يجلس على أحد الأرائك بغرفتها يضع قدم فوق الأخرى ويده أسفل فمه ينظر لها بغيره. شهقت بتفاجئ وهي تراه أمامها
داخل غرفتها هكذا وقالت: "إنت بتعمل إيه هنا وازاي تدخل كده." ما زال على جلسته يقول بهدوء مرعب: "إيه بقا كمية الروايح والعطور اللي خارجة من حمامك دي... كل ده ليه... ولا عشان عريس الهنا جه؟ مليكة: "ليه هو أنا قبل كده كانت ريحتي وحشة مثلاً." عامر بحزن: "وهو إنت سامحالى أقرب منك أصلاً." مليكة: "مش وقته يا عامر... كل حاجة انتهت خلاص." عامر: "هممم.. انتهت... انتهت إزاي بقا.. هتقدري تسيبيني؟ أشاحت وجهها بصمت.
فقال: "ردي عليا.. هتقدري تسيبيني... هتعرفي؟ مليكة: "هعرف.. كل حاجة بتعدي وبتخلص." عامر: "طب لو هتعرفي قوليلى إزاي عشان أنا مش عارف." مليكة: "عامر عشان خاطري كفاية عليا كده... أنا بجد مش قادرة." صمت قليلاً وقال: "جهزي نفسك عشان عشر دقايق والماذون يوصل محمد تحت يتفاهم مع عدي." مليكة: "همم عدي.. عشان ابن وزير الداخلية. لكن مافكرتش في هديل... ذنبها إيه؟ عامر: "هديل جت الصبح رجعتلي دبلتي وفركشت الخطوبة...
كانت حاسة إن فيه حاجة بينا... يالا عشان كتب الكتاب." ابتسم بخبث وقال: "يستحسن تخليكي بالبورنص كده زي ما إنتي.. أنا هجبلك العقود لحد هنا." هم للخروج بعدما ألقى عليه أوامره. فصرخت بغضب: "إيه اللي بتعمله ده.. قولتلك أنا مش موافقة إنت سامع." وقف على أعتاب الباب يقول باستمتاع: "ومين قال إني محتاج موافقتك... أنا كل اللي محتاجه إمضتك بس........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!