يجلس مقابل صديقه (كارم) الذي يرمقه بنظرات محتارة. يرتشف بضع من قهوته ويعاود النظر إليه. كارم: في إيه يا عامر مالك كده؟ عامر: مالي؟ كارم: مش عارف.. مش مظبوط خالص.. كأنك مستني حاجة او حد.. قاعد عمال تفرق على الكرسي زي العيال الصغيرين. عامر: إيه اللي بتقوله ده.. ماتلم نفسك يالا. كارم: الله مش بقولك اللي أنا شايفه... انت مش مظبوط والله. عامر: بقولك إيه.. انت هتعمل شغل المباحث ده عليا... اشرب قهوتك وانت ساكت.
كارم: ياخي حرام عليك دي رابع قهوة أشربها، أمال فين الغدا. عامر: قول كده بقا.. حاضر يا سيدي هنأكلك. ثم أخذ يتطلع حوله ربما تكون قد عادت من الخارج. منذ الصباح بعدما رحبت بخالته وابنتها بحفاوة غير عادية أو متوقعة خرجت.. حتى لم تتناول الفطور معهم. وقد قارب المغرب على الأذان ولم تأتي حتى الآن. كارم يجلس يتابعه... كل حركاته.. بحكم مهنته هو متأكد أن صديقه به شئ.
كانت كارما تسير باتجاه هديل تحمل معها بعض المسليات فتحدث عامر سريعاً: كارما... كارما. أتت سريعاً تقول: مساء الخير.. مساء الخير يا حضرة الظابط. كارم: مساء النور ازيك يا كارما. كارما: الحمد لله. عامر: احمم.. اا لو الكل بقى موجود قوليلهم يحضروا الغدا. كارما: ماشي هخليهم يحضروه. عامر: يعني مليكة رجعت؟ أنا قاعد من بدري في الجنينة ماشوفتهاش. كارما: لا ماهي بعتت رسالة على موبيل تيتا إنها هتتغدى برا.
حاول عدم الشعور بالضيق.. عادي... فلتأكل بالخارج وما يعنيه هو بالأساس. ذهبت كارما وظل كارم يسلط نظراته الثاقبة على صديقه. كارم: هي فين مليكة صحيح... وحشتني العفريتة دي.. بقالي مدة ماشوفتهاش. عامر: ها. مش عارف.. خرجت من بدري. كارم: اممم... بس انت بتسأل عليها ليه؟ عامر: إيه يابني مش مسؤلة مني. كارم: مسؤلة منك اااه.. صح عندك حق. نظر له عامر بضيق وصمت. وكارم مازالت نظراته عليه يبتسم بخبث يود الضحك بشدة.
عامر: في إيه ياض انت بتبصلي كده ليه... أنا غلطان إني مصاحب واحد زيك. كارم: والله أنا اللي غلطان في حق نفسي إني مصاحب واحد زيك.. حويط ومش صريح أبداً... قاعد من الصبح فيك حاجة.. عمال تفرك وتتلفت حواليك زي اللي عامل عامله وبتتحجج وتسأل على مليكة... عبط إحنا بقا.. مانا أكيد هربط الأحداث ببعض يعني وأفهم إنك بتتلف تشوفها رجعت ولا لأ. عامر: إيه الهبل اللي بتقوله ده.. انت عبيط.
كارم: بص بس عشان القفشة بتاعتك دي مش هتجيب معايا.. أنا قاريك يالا.. انطق وقولي إيه سر التغيير المفاجئ ده.. في إيه؟ عامر: يابني مفيش.. كل الحكاية إني عايز أتابعها بنفسي.. حصل حاجة كده من فترة خلتني أحس إني لازم أتابعها أكتر. زم كارم شفتيه بعدم اقتناع يضع أصبعيه تحت ذقنه يقول: اممم... بجد.. حاجة إيه دي؟ عامر بلامبالاة وكبر: أبداً يا سيدي.. جت يوم عيد ميلادها تقولي إنها بتحبني وبتاع وكلام كده...
مش عارف إزاي تفكر كده أصلاً.. ولا فاكرة أو بتقول إنها متأكدة إني بحبها بردو.. شغل هبل في هبل كده. ينظر لصديقه ينتظر الانبهار أو الصدمة. كارم يعلم ذلك.. يعلم أن صديقه ينتظر منه أن يصدم ولكنه لن يفعل فليجعله يهبط من سماءه العالية قليلاً ولا يتحدث هكذا عن مشاعر بنت صغيرة كل ذنبها أنها أحبته. كارم بهدوء: طيب وبعدين. عامر: إيه اللي وبعدين.. انت ماسمعتش اللي أنا قولته؟ كارم: لا سمعت.. بس عااادي جداً وبيحصل كتير. زوى عامر
مابين حاجبيه بضيق وقال: هو إيه اللي عادي يابني انت؟ كارم: أيوه.. بص هفهمك... هي قالتلك بحبك صح؟ عامر: هممم صح. كارم: بطل تناكة أهلك دي ورد عليا عدل وحياة أبوك. عامر: احترم نفسك يا***** وكمل.
كارم: ماعلينا.. هبلع الإهانة عشان مش عايز أضربك قدام أهلك.. أول حاجة طبيعي جداً إن بنت في سنها تقريباً انت اللي مربيها تقولك كده.. دي مشاعر مراهقة يعني ممكن حست كده ساعتها بعدها بساعة واحدة لأ.. بطلت.. مابقتش بتحبك ولا حاجة.. في السن ده وخصوصاً البنات بيبقى عندهم تغيرات كبيرة وسريعة.. يعني ممكن اللي تحبه النهاردة تاني يوم تشوفه عادي... مراهقة. صدم عامر كلياً وقال وهو يعتدل قليلاً على مقعده: نعم؟
كارم: إيه أول مرة تسمع الكلام ده.. مادرستش علم نفس قبل كده؟ كان عامر صامتاً فقط مصدوماً مما يقال. فاكمل صديقه: طب احكيلي كده بعدها كانت بتتعامل معاك إزاي؟ تحدث عامر بعد دقيقة من الصمت والزهول يخبره بما حدث وأنها تغيرت كثيراً بل وتتعامل كأنها لم تخبره شيئاً.
كل ذلك وكارم يشعر أنه لا.. تلك الصغيرة حقاً تكن له شيئ.. هذه ليست أول مرة يكن فيها بيته ويلاحظ اهتمامها به.. لكن ليربي عامر قليلاً ربما تحدث المعجزة ويتغير جبل الجليد هذا. كارم بهدوء: طيب شوفت... زي ماقولتلك بالظبط.. والدليل على كده إنها بتتعامل بهدوء وبراحة خالص.. هو حاجة من الاتنين.. يا أما هي كانت بتحبك فعلاً ولما انت قلت كده اتضايقت من نفسها إنها حبت واحد حيوان وجلف زيك. عامر: ولااا.
كارم: اسمع مني أنا بكلمك كأخ.. رد فعلك على كلامها كان بشع يعني لو هي بتموت فيك ردة فعلك كفيلة إنها تكرهك ألف مرة.. مش بتحبها ومش عارف تشوفها كده ترفض أه بس تحترم مشاعرها مش تقعد تضحك وتقرقع أوي.. هي قالتلك نكتة ده انت حيوان أوي. عامر: كاااارم. كارم: بلا كارم بلا زفت على دماغك.. بنوتة صغيرة وحلوة جايه تقولك وبنفسها بمنتهى البراءة أنا بحبك تقوم انت تقعد تتقهقه أوي كده يا اللي ما عندكش دم يا زبالة...
يا خي ياريتها كانت حبتني أنا وأنا كنت فتحت حتة من ضلوعي كده ودخلتها جواها خبيتها وروحت نمت وأنا مرتاح ومبسوط... عارف يعني إيه يا مهزق يا عديم الدم لما بنوتة في سنها تروح تقول لواحد إنها بتحبه عارف ولا أنت أعمى القلب والبصر.... مش كفاية إنها حبت واحد زيك بسنك اللي عجز وتقلت دمك وبرودك.. يخربيتك ده أنت ما فيش فيك ميزة... وكمان بتتنك أوي...
أنت عارف واحدة حلوة جدا جدا جدا زي مليكة وصغيرة كام واحد يتمناها وأنت تقولها انتي بنوتي... يا أخي جتك البلا في تقل دمك وسماجتك. كل هذا وعامر مصدوم. هل كل ما اعتقده غير موجود.. هل فعلاً أصبحت لا تهتم.. توقفت عن حبها له.. والدليل على ذلك تغيرها الكامل. نظر بصدمة ناحية كارم وقال: والاحتمال التاني؟ كارم: الاحتمال التاني إنها مشاعر مراهقة سريعة وجديدة عليها... حست كده وقتها فاجأت تقولك وبعدها مافيش...
هما شوية أحاسيس جديدة حست بيهم وعبرت عنهم وبعدها خلاص مافيش. عامر: إيه؟ كارم: لأ ده في احتمال أنيل وأنيل. عامر: إيه هو؟ كارم بمكر: إنها بتحبك.. أب.. أخ. مش أكتر وهو ده كان قصدها ساعتها. صدم عامر على الأخير يتحدث بزهول: إيييه؟ كارم ببرود: آه.. هي مثلاً قالتلك عايزاك تتجوزيني.. تخطبني.. أي حاجة من الحاجات دي؟ ردد عامر بصدمة: لأ. كارم: طيب ما يمكن قصدها إنها بتحبك بالشكل ده. الأب والأخ.. أنت ليه دماغك راحت في حتة تانية؟
ابتلع لعابه يقول: لأ.. لا يا كارم ماكنش قصدها كده. كارم: وأنت تعرف منين.... ولا أنت اللي من جواك بتتمنى إن ده يكون قصدها. رفع نظره له بتفاجئ يقول: قصدك إيه؟ كارم: مش قصدي.. بص أنا عارف إنك طول عمرك شايفها بنتك.. ولحد دلوقتي أنا عارف ومتأكد إنك يعني ملحقتش تحبها.. بس أنت الكبر اللي بيجري في دم أهلك ده صورلك إنها جايه تقولك بموت فيك.. ما يمكن قصدها حاجة تانية...
هو هو نفس الكبر اللي مخليك دلوقتي مش متقبل فكرة إنها بطلت تجري وراك ويبقى كل اهتمامها متركز عليك أنت لوحدك وأنت لا تهتم ولا تاخد بالك.. عايز ترفض حبها وكمان تهين مشاعرها اللي عبرت عنها بمنتهى الفطرة والبراءة وهي لازم تفضل متجننة بيك بردوا.. طب أنت مين قالك أو فهمك إن ده هيحصل.. هتتصدم شوية وتفوق من الوهم ده... ده كلامي ده كله أصلاً على اعتبار إنها كانت قاصدة تقولك بحبك كحبيب وحبيبة مش أب وبنته. ابتلع عامر
ريقه مرة أخرى بصعوبة وقال: يعني.. يعني دلوقتي إيه اللي حاصل. كارم ببرود: ياسيدي ماتهتمش ولا تاخد في بالك.... كله بيتنسي. احتدمت نبرة عامر قليلاً وقال: ماتنطق يازفت. كارم بمكر: ياسيدي أنت بتكلمني كده ليه... هو أنا دكتور نفسي ده أنا ظابط شرطة.. هما بس كلمتين قاريهم من الكتب بتاعة أمي اللي مالية البيت مش أكتر. عامر: طب قول كلامك للآخر. كارم بخبث: أنت مدي الموضوع أكبر من حجمه ليه بس.. الموضوع خلص خلاص. عامر: خلص؟!
كارم: أيوه أمال أنت مفكر إيه... خلص.. هي تقريباً كده هتلاقيها اتصدمت يومين طبعاً ده بفضل رد فعلك الكيوت الحساس وبعدها فاقت وقررت تخرج من الدايرة اللي هي عملتها لنفسها. عامر: يعني إيه. كارم: هو كل حاجة يعني إيه يعني إيه. مش عارف حاجة في دنيتك خالص فالح بص هقهقه قوي وهي بتقولك. عامر: كاكاااارم.. أخلص أنا مش ناقصك.
كارم: أنا مش عارف الموضوع ده مخلي أعصابك فلتت ليه. بس هفهمك وخد في واحد زيك ثواب.. بص ياسيدي دلوقتي وبحكم إني دخلت بيتكم كتير هقولك إنها كانت مخلية يومها أو مركز حياتها أنت. بمعنى أصح كانت عايشة في عالم عامر الخطيب.. كل حاجة متركزة حواليك أنت.. بعد اللي سيادتك هببته وبعد ما فاقت من الصدمة أول خطوة هتعملها إنها تخرج بره الدايرة دي وتحاول تصنع لنفسها دايرة جديدة تعيش بيها وعليها...
الأيام الجاية هيبقى كل تركيزها إنها إزاي تبسط نفسها.. نفسها وبس. عامر: يعني إيه تخرج بره دايرتي؟! كارم: ومالك مصدوم كده.. مش هو ده اللي أنت عايزه. صمت عامر فقال كارم: هو الخوف الأكبر من حاجات تانية. رفع عيونه له وقال بسرعة: حاجات إيه؟ كارم: يعني.. واحدة مصدومة في حبها الخوف تروح تدور على حب تاني بسرعة عشان تثبت لنفسها إنها حلوة ومرغوبة خصوصاً بعد ما أنت كسرتها بالشكل ده. عامر: كسرتها؟ كارم: أيوه...
أمال أنت مفكر إيه.. أنت حطمتها مش بس كسرتها... الخوف الأكبر هو إنك بقيت تهتم قوي وأنت مش واخد بالك. عامر: إيه اللي بتقوله ده.. دي مسؤولية وأنا دايماً بتابعها. كارم: يبقى خلاص.. اللي حصل حصل وللأسف أنت مش هتقدر تصلح فيه حاجة.. الأمل الوحيد واللي ممكن يبقى زي ما قولتلك احتمال كبير إنها كانت بتعبر عن حبها ليك كأب وأخ حد مربيها وليه فضل عليها يعني مش أكتر. صمت ينظر بخبث لملامح صديقه التي بهتت وقال: ادعي معايا.
أما عامر فلم يدعي بشيء.. بماذا ينصحه أن يدعي ذلك الأبله.. لقد صدم من حديثه الأخير.. لا يتوقع أن يكون اعترافها على أنه أب وأخ... لا أبداً.. كانت تنظر له بعشق وو.. قطع حبل أفكاره المصدومة صوت كارم: إيييه روحت فين... خليهم يحضروا الغدا بدل ما أقلعكوا هنا... يالا أنا جوعت. *** في أحد المقاهي على النيل كانت تجلس مع مجموعة من أصدقائها منهم من يدخن الأرجيلة ومنهم من يشرب سجائر.. الجميع يضحك يتحدثون مع بعض.
على أحد الجوانب كانت تجلس تحتسي مشروب الكوكتيل المثلج تستمع لهم يخططون لرحلة جديدة. ندى: ها إيه رأيك... تعالي نغير جو. مليكة: لا ماليش نفس. ندى: يابنتي فكي بقا... يالا نطلع لنا يومين أنا بجد عايزة أهرب من مشاكل البيت دي. مليكة: أمشي أروح فين وأسيبه؟ اتسعت أعين ندى وقالت بصدمة: ينهار أسود.. هو أنتِ لسه زي ما أنتِ. بادلتها مليكة باستخفاف وقالت: لا مش زي ما أنا.. كل حاجة اتقلبت.. مش هسكت يا ندى على اللي عمله...
مش هسيبه إلا أما يجيب حقي برقبتي.. أنا بني أدمة لحم ودم.. قلبي فيه نار بتغلي ومش هيبردها إلا أما يبقى مكاني. ندى: أنا حاسة بيكي بس هتعملي كده إزاي هو مش شايفك أصلاً.. كان من باب أولى كنتِ عرفتي تخليه يحبك. مليكة: كنت بتعامل بطيبة.. أنتي كان عندك حق.. مفيش حاجة في الدنيا دي بتمشي بالساهل كده.. فعلاً كل حاجة محتاجة حاجة... لازم خطة. لازم يبقى فيه بلان بي.. أنا كنت بتعامل بالفطرة.. خلينا نجرب مخنا بقا. ندى: يخربيتك...
ناوية على إيه. مليكة: كل خييير. اطلبيلي بقا واحدة بيتزا لارج عشان مهبطة. *** في تلك الحارة التي تسكن بها نجلاء. كانت تجلس تقلب في هاتفها بملل.
لقد أخذت دش بارد للتو يقلل من ذلك الحر قليلاً.. ثم قامت بتشغيل المكيف.. وضعت طلاء أظافر من اللون البمبي وأخذت تقلب بهاتفها.. فلتحترق توفيق ولتحترق أيامه.. تدعو الله ألا تعود تلك الأيام ثانية.. كم تشعر بالراحة في البعد عنه.. طوال ما هو موجود تشعر بالتوتر.. الارتباك.. أن لديها ألف شيء وشيء تفعله.. لا وقت لديها لتدليل حالها أبداً... طلاء الأظافر هذا ما كانت تجد وقت حتى لتضعه. أغمضت عينيها لا تريد أن تتذكر تلك الأيام.
أخرجها من شرودها صوت جرس الباب. أحضرت شيئاً طويلاً تغطي به رأسها.. فتحت القليل من الباب تخرج رأسها فقط كي لا يظهر جسدها بمنامة البيت. أطلت برأسها للخارج وجدت المعلم رجب يقوم بتمشيط شعره الأسود على جنب.. يعدله بيده كل ثانية وهو يبتسم باتساع: مساء الخير يا ست أم ندى. نجلاء باستغراب من هيئته ومن وجوده ومن كل شيء: مساء النور.. أهلاً يا معلم. خير في حاجة؟!
رجب بابتسامة واسعة بلهاء: أبداً دول شوية كوارع ولحمة راس لسه طازة يستاهلوا بوقك.. أول ما جالي الطلب الوصاية ده جيتي على بالي على طول. رمشت بعينيها ببلاهة تقول: اا.. ليه يعني يا معلم أنا ما وصيتكش على حاجة أنا أصلاً مش باكل الكوارع ولا لحمة الراس لا أنا ولا ندى. رجب: إزاي بس يا ست البنات.. دول يروموا العضم ويشدوا الجتة ويقووا الصحة. رددت ببلاهة: ست البنات؟!! ... لا كتر خيرك يا معلم متشكرين.
رجب ببعض الحزن الحقيقي: ليه بس كده يا ست البنات ده النبي قبل الهدية. نجلاء: وكمان هدية! لا شكراً يا معلم أنا مش بقبل هدايا من حد غريب. رجب بحزن: وهو أنا غريب بردوا يا ست البنات.. ده إحنا جيران وولاد حتة واحدة.. أحياة النبي ماتكسفيني. أحرجت نجلاء كثيراً وقالت كي تنهي الموقف ويذهب من أمام بيتها: معلش يامعلم أعفيني.. أنا حتى مش بعرف أطبخهم وبقرف من ريحتهم. اتسعت ابتسامته
على الفور يقول بسرعة: لاااا لو على كده محلولة بعون الله... بالاذن أنا دلوقتي يا ست البنات. ذهب سريعاً بفرحة عارمة وهي تنظر لأثره بزهول تردد: ماله الراجل ده... وإيه ست البنات ست البنات هو شايفني راجعة من درس ولا مدرسة.. ده أكيد عبيط. *** في المساء. كان يجلس وحيداً في بهو الفيلا المطل على الحديقة يفكر في كلمات صديقه.. حتى الآن لا يعلم لما هو متضايق من فكرة عدم اهتمامها به كالسابق.
وجدها تدلف بهيئتها تلك التي خرجت بها في الصباح نفس البنطلون الجينز والتيشرت الأبيض وتلك القطتين التي تصنعهم بشعرها البني الجميل... شرد بها قليلاً وهي تتقدم في الحديقة تتصفح هاتفها.. يقر أنها جميلة جداً جداً.. بل رائعة التكوين... ينظر تجاهها وهو يعلم أنها لن تعيره انتباه بالتأكيد.. ربما ستلقي سلام عابر وتصعد لغرفتها. بالفعل تحدثت قائلة: مساء الخير يا أبيه.
نظر لها أووه. إنها تبتسم. رد سريعاً: مساء الخير يا مليكة.. عاملة إيه؟ كان يسأل بصدق.. يود أن يطول الحديث ولو لثواني قبل أن تتركه مع تجاهلها الجديد هذا. لكن.. انشرح صدره وهو يجدها تقترب منه تجلس لجواره قائلة بمرح: الحمد لله كويسة جداً. استغرب كثيراً جلوسها معه كالسابق وقال: كنتِ فين؟ مليكة: كنت مع صحابي. عامر: أكلتي؟ قالها باهتمام حقيقي وهي تنظر له بتتمعن ثم قالت بخبث: مش أوي.. تيجي نعمل حاجة سريعة ناكلها...
ولا.. لا لأ خلاص سوري.. ماكنتش أقصد.. أنا عارفة إن ماينفعش عامر بيه يدخل المطبخ أصلاً.. هروح أنا. وهل سيضيع تلك الفرصة فهي وبعد أيام طويلة من التجاهل عادت تهتم من جديد. رد سريعاً: لا هاجي معاكي.. يالا. ابتسمت بوداعة وقالت: بجد.. طب تعالى. مدت يدها تسحبه خلفها.. وهو.. ينظر ليديها يشعر بأشياء جديدة عليه كلياً وأهمها أنه سعيد جداً. ذهبت به للمطبخ تخرج بعض أنواع من الجبن المختلفة.. تصنع لها وله بعض الشطائر...
وهو يتابعها بعينين متحمسة سعيدة.. كأنه يكتشفها من جديد. انتهت من صنع الشطائر واقتربت منه بهدوء. فجأة وجد نفسه قريب منها جداً... يتنفس بصعوبة وهي ملتصقة به هكذا تقريباً داخل أحضانه.. يغمض عينيه باستمتاع رهيييب وجديد وهو يجدها تحاول أن تطول بيدها ماكينة القهوة التي خلف ظهره. مليكة بهمس: سوري ممكن بس أعمل كوفي لينا. تاه عامر بها وبقربها.. ينظر لها نظرات جدية ولا يجيب.
أخرجته من تلك المتاهة وهي تقول مجدداً: ماكينة القهوة وراك. رمش بعينيه وتزحزح قليلاً لكنه لم يبتعد إنما أفسح لها فقط.. يريد أن يظل على ذلك القرب وتلك المسافة منها.. ملامحها بذلك القرب مذهلة وهي تكاد أن تكون ملتصقة به يشتم رائحتها. كانت منشغلة بصنع القهوة وهو منشغل بمتابعتها.. لا يعرف لماذا يحرقه الشوق لاحتضانها. انتهت سريعاً ونظرت له بابتسامة لطيفة: خلصت... تعالي نقعد. جلست على أحد المقاعد تعطيه القهوة
مع أحد الشطائر تقول: أمال الناس فين... مش شايفة حد هنا خالص؟ لازال سحرها واقع عليه ولم يستفق أو يجيب. مليكة: أبيه.. أبيه عامر. عامر: ها. مليكة: سرحت في إيه؟ عامر: لا ولا حاجة كنتي بتقولي إيه؟ مليكة: كنت بسأل على باقي الناس فين كارما ومحمد وطنط وتيتا وهديل وطنط صفاء. عامر: جدتك أخذت الدوا ونامت من بدري.. وباقي الناس راحوا حفلة لمسرح مصر. مليكة: واااااااو.. بجد طب وما حدش قالي ليه؟
عامر: وأنتِ بقيتِ فاضيلنا أصلاً ولا بنشوفك. مليكة: لا موجودة أهو بس بحب أخرج مع صحابي اللي من سني مش أكتر. عامر: اللي من سنك امم.. ماشي. مليكة: وأنت ماروحتش معاهم ليه؟ عامر: أنا.. أنا أروح أوبرا.. أروح حفلة أوركسترا.. مش الهلس ده لأ لأ. مليكة: امممم.. صح عندك حق. وهي تتمتم داخلياً (بتاع النايت كلوب بيروح أوبرا حور أوي حور يا بتاع الستات أنت) عامر: كنتِ فين بقا؟ مليكة: طب كل الأول عشان أحكيلك.
ابتسم باتساع وانشرح قلبه فقد عادت مليكة القديمة. أخذ يأكل سريعاً يستمع لها تحكي ما فعلته بيومها إلى أن وصلت لرحلتهم جميعاً فقال بسرعة: إيه.. رحلة.. وأنتِ هتروحي معاهم. وضعت يدها على يده بسرعة جعلت القشعريرة تسري بجسده سريعاً وقالت بوداعة وبحة مميزة أغرقته: لأ وأنا من امتى بروح مكان أنت مش فيه أو من غير ما أقولك. لأول مرة يفرح بحديثها الذي طالما كانت تقوله... لكنه الآن سعيد بكل حرف تنطق به...
سعيد جداً بيدها التي على يده ينظر لعيونها تارة وليدها على يده تارة أخرى وهو غارق بأشياء كثيرة لا يعرف لها تفسير إطلاقاً. انتهت من الطعام سريعاً وظلت جالسة معه تختلق الأحاديث كما كانت تفعل قبل ذلك اليوم المخزي... لكن الجديد الآن أنه مهتم جداً وسعيد على عكس الماضي حينما كان يستمع لثرثرتها فقط كي لا يحرجها. يتحدث معها ويسأل عن أشياء كثيرة كي يطول الحديث أكثر وأكثر. وقفت تقول: الوقت اتأخر... يالا نطلع ننام.
عامر: لأ لسه بدري دول حتى لسه ما حدش فيهم رجع. مليكة: لأ مش قادرة أفتح عيوني خالص بنام على نفسي. عامر: لأ خلاص يبقى لازم تنامي. ابتسمت له بلطف وتعلقت بيده تقول: طب يالا وصلني لأوضتي. وهل سيرفض.. هو الآن يحلق في السماء من جديد.. كل أحاديث كارم التي كانت تزعجه طوال يومه غير صحيحة.. لقد عادت له مليكة من جديد... مليكة التي تهتم به أكثر من أي شيء على الإطلاق.
صعد معها السلم وهي تضع يدها بيده.. ينظر على يدها الصغيرة داخل يديه يريد أن يستشعر أصابعها كل على حدى مثل أي مراهق. وقف على باب غرفتها وهم لفتح الباب فقالت: يالا تصبح على خير بقا. عامر: إيه هدخلك تنامي زي ما كنت بعمل زمان. اقتربت من أذنه حد الخطر تهمس بحرارة تقصدها جداً: ده كان زمان وأنا صغيرة مش شايف أنا كبرت إزاي. قالت كل حرف قاصدة به هدفها ببراعة...
تشعر بأن حرارته قد ارتفعت بالفعل وهو يقف متصلباً مزهولاً هكذا وهي كل ما فعلته أنها دلفت لغرفتها وأغلقت الباب. وهو ظل لدقيقة يقف يستوعب ما يحدث له وما أصبح يشعر به. تحرك ببطء لا يقوى عليه وذهب تجاه جناحه.. يلقي بجسده على الفراش بإهمال وهو يغمض عينيه بمتعة رهيبة وكل ما يشغل باله.. لقد عاد اهتمام مليكة من جديد. *** في صباح اليوم التالي.
بشقة نجلاء خرجت من المطبخ تمسح يدها بمنشفة صغيرة خاصة بالمطبخ وهي تسير بسرعة إثر صوت ذلك الجرس المزعج وابنتها نائمة. فتحت ندى باب غرفتها تقول: إيه ده في إيه يا ماما مين اللي بيرن الجرس كده وعلى الصبح. نجلاء بعصبية: أنا عارفة. فتحت الباب وجدت صبي في الثانية عشر من عمره يحمل لفة كبيرة بيده يقول: صباح الخير يا خالتي أم ندى. نجلاء: صباح الخير يا بني أنت مين ولا عايز مين؟ الصبى: أنا حوكشا.. اللي شغال في مسمط أم تغريد.
نجلاء: تشرفنا يا سي حوكشا أمر. حوكشا: ما يأمرش عليكِ ظالم.. الطلب ده ليكوا. رددت ندى التي تقف خلفها بزهول: لينا؟! حوكشا: أيوه. المعلم رجب الجزار موصي عليه بنفسه وقال لازم يجيلكم على الفطار... ده موصي المعلمة وخلاها تفتح بدري مخصوص عشانكم... اتفضلوا... بالاذن أنا بقا. ذهب سريعاً وتركهم ينظرون لبعض ثم لتلك اللفة بصدمة حيرة كأنها قنبلة وعلى وشك الانفجار بوجههم. *** في قصر الخطيب.
استيقظ من نومه وعلى شفتيه ابتسامة تعرف طريقها ذاتياً لوجهه لأول مرة. أخيراً عادت مليكة كالسابق... وقف سريعاً يؤدي روتينه اليومي كي يهبط لهم.. اشتاق لأن تصب اهتمامها عليه.. سيذهب سريعاً كي يحظى به أمام الجميع كما كان. ارتدى بدلة من اللون الأسود.. ساعة يده الماركة. عطره الخاص به وحده وقميص أسود مشدود.. حذاء لامع. هبط الدرج بسرعة ينظر تجاهها هي فقط...
ابتسم براحة وهو يجدها جالسة من قبله كما كانت تحرص دائماً ولم تتأخر مثلما أصبح يحدث منذ أسبوعين. مليكة عادت له. ألقى السلام على الجميع وللعجب وجد نفسه يلقي بسلام خاص لها فقط.. كانت هي تفعلها دائما سلام للجميع ثم سلام خاص به وهو الآن فعلها بفطرة. لكن كانت الصدمة من نصيبه وهو يجدها ترد على سلامه ببرود دون أن تنظر له.. تكمل طعامها وكل تركيزها مع جدتها من جديد. ثم وقفت دون أن تلقي عليه نظرة واحدة.. تخطف
قبلة من وجنة جدتها تقول: أنا رايحة لندى زي ما قولتلك يا تيتا. أومأت لها الفت سريعاً وهي تبتسم بفرحة وتشفي. وهو فقط يشعر أنه بدوامة... تدور به الدنيا من حوله لا يفهم أو يعي شيئاً........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!