الخذلان... أن يُخذل المرء مراراً من أهم الأشخاص في حياته جدير بأن يغيره إلى شخص آخر.. شخص لا يعرفه حتى هو. جلست صامتة... صامتة تماماً.. وهو يقتله الألم... لم ولن تفهمه.. ليس من الطبيعي أبداً ولا من المقبول أن توجد علاقة بينهما... هو رجل تقدم به العمر وهي فتاة صغيرة... ليس من المعقول أن ينسى كل شيء.... نظرة الناس... المجتمع... حتى أقرب الأقربين لا يعلم كيف سيواجههم ويخبرهم.. ليس جبناً ولكن.. هناك أبعاد أخرى...
هو نفسه يشعر بالخجل والتصابى بعشقه لها... ماذا سيحدث بعد عشر سنوات... عشرون سنة... كيف سينسى حياة المظاهر التي اعتاد عليها... مليكة... ما هو شعورها بعدما تصبح زوجته.. هل ستظل على حبها أم؛ أم سيعجبها شاب آخر... هل من الممكن أن يأتي اليوم الذي تخبره فيه برغبتها بالانفصال.. أو أنه مثلاً استغلها... استغل حبها وتعلقها به وتزوجها سريعاً قبلما تنضج وتستفيق من نشوة حبه.
الأهم أنه على يقين بأنها لا تصلح له ولا هو يصلح لها.. أغمض عينيه يتنهد بألم فهو أحبها.. بالفعل أحبها وقضى الأمر... قلبه معها... لكن عقله ما زال معه... ولابد أن يظل معه. عامر الآن في صراع بين الصح والأصح... حبه لتلك التي بجواره... وبين أنها صغيرة... فارق العمر كبير وغير مقبول... كذلك هديل... تلك الفتاة اللطيفة...
يعلم بخطط خالته للزواج منها وقد كانت هديل غير مرحبة أو مهتمة ولكن بعد ذلك التغير الذي يراه منها في الآونة الأخيرة جعله في حيرة ومأزق كبير. لكن لاااا... هو لا يستطيع الاستغناء عن مليكة قلبه.... لا يستطيع الارتباط بغيرها... وأيضاً لا يستطيع الارتباط بها. يقتله الألم وهو يراها بهذه الهيئة تجلس بجواره في طريق عودتهما إلى مصر... وجهها يكسوه الألم وخيبة الأمل... يعلم... لقد خذلها. خذلها بقوة...
مليكة التي بجواره الآن ليست هي تلك التي عهدها حتى في الوقت الذي لم يكن يعشقها به وكانت مجرد فرد في عائلته لم تكن كذلك... كانت كتلة حيوية ومرحة تسكن معهم.... من أروع ما حدث بحياته هو عشقها له. بات متأكداً أنه يستحق الضرب كونه رفضها ذلك اليوم وبهذه الطريقة... ومع ذلك أعطته بدل الفرصة اثنتين وهو أضاعهما وأضاعها... لكن السؤال الآن والذي بات يلح على عقله... هل سيسطيع تركها تبتعد؟ لا يحتاج لتفكير... يعلم لن يستطيع...
حتى لو هي أرادت. اقتربت الطائرة من الوصول لأرض الوطن... استدار لها بإلحاح يقول وهو يتحسس كف يدها وهي تقبضهم بغضب وألم: مليكة... عشان خاطري اسمعيني وأعطيني فرصة أفهمك. ظلت صامتة... كأنها ليست معه... أو لا تعير حديثه اهتماماً قال كما لم يقل. عامر: يا مليكة افهمي... افهمي وحاولي تستوعبي ما ينفعش تشوفي الموضوع من زاويتك أنتِ وبس... الدنيا مش أنا وأنتِ... فيه ناس... ناس كلامهم زي الحجارة وأصعب... والغلط كله هيبقى عليّ...
لأنني أنا الكبير الواعي اللي كان المفروض أتحكم في كل حاجة من الأول ولو شفت بنت صغيرة زيك بتحبني يبقى ذهني حاضر ويوقف كل حاجة... هيتقال إني استغليتك أو ممكن كمان غصبتك... وأنا راجل رأس مالي سمعتي... وسمعة عيلة الخطيب كلها.... أنتِ لو شفتي واحد من سني ماشي جنب بنت صغيرة وبيقول حبيبتي هتقولي عليه إيه... بلاش أنتِ ممكن تتعاطفي معاه لكن أنتِ عارفة كويس الناس هتقول إيه... مليكة لازم تفهمي وتعذريني. أخيراً خرجت عن صمتها
ونظرت له ببرود قائلة: أعذرك على إيه؟ عامر: على اللي حصل من شوية أنا أس... قاطعته تسأل بنبرة باردة كالجليد: وهو كان حصل إيه أصلاً؟! نظر لها باستغراب يقول: لما... لما قلت لمعتز إنك بنت ابن عمي وبس. مليكة بهدوء مميت للماثل أمامها: طب وأنت قلت إيه غلط في كده.... ما أنا بنت ابن عمك.. وبس. عامر بلهفة: لا يا مليكة لا أنتِ مش كده وبس لو سمحتي ما تعمليش كده.. ازعلي مني وزعقي... اعملي أي حاجة بس ما تبقيش ساكتة كده....
هدوءك ده مخوفني. نظرت له بجانب عينها وقالت: لو سمحت أنا مش حابة أتكلم مع حد دلوقتي. وقف يتحدث بقوة وغضب: واحنا مش هننزل من هنا ولا هتروحي في حتة إلا أما تفهميني وتسامحيني.... وتديني فرصة تانية. ردت ببرود صقيعي: اديتك فرص كتير.. خلصت كل الصبر... كتر خيري. عامر بخوف وتوجس: يعني إيه؟ شعروا باهتزاز الطائرة معلنة عن احتكاك عجلاتها بالأرض. عامر: مليكة... ردي عليا.. معناه إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟
جمعت أغراضها وهي تتجه إلى باب الطائرة ولا تجيب. ذهب خلفها قبض على ذراعها يديرها نحوه: مليكة.. ردي.. يعني إيه... عايزة تسيبيني؟!! ابتسمت بجانب فمها تقول بسخرية: هو أنا كنت معاك عشان أسيبك؟ احتدت عينيه وبدأ غضبه يظهر: يعني إيه كلامك ده... أنتِ فاكرة إنك ممكن تبعدي عني عادي.. أنا مش هسمحلك. كان باب الطائرة قد فتح... نظرت له وقالت ببرود: تسمح.. ما تسمحش.. مع نفسك. ردد ببهوت: مع نفسي.. إيه ده أنتِ بتكلمي عيل صغير؟
التفتت خلفها تقول: سلام... يا ابببيه. نظر لأثرها بغضب وهو يراها تغادر... هل ستغادر حياته مطلقاً؟ ... حسناً سيعطيها بعض الوقت كي تهدأ ثم يتحدث معها بعقل قليلاً ولن يتركها قبل أن يراضيها.. هو مخطئ وعليه أن يتركها لتهدأ. *** بعد مرور أسبوعين وقفت حكمت تحمل ذلك الوعاء الساخن تنادي على ابنها. يوسف: نعم.. نعم يا أمي. حكمت: ما بتردش ليه على طول. يوسف: جاي تعبان ومش شايف قدامي وعايز أريح شوية. حكمت: طب خد...
خد حلة الرز دي وديها عند الأسطى سيد جارنا. يوسف: هو إيه الحكاية... ما يجوا يتغدوا ويتعشوا عندنا بالمرة هو كل يومين هتعملي لهم أكلهم ولا إيه؟ حكمت: يا ابني خلي في قلبك شوية رحمة... الراجل مراته ميتة وبنته لسه صغيرة مش عارف يتصرف. يوسف: مين دي اللي صغيرة... دي عيلة لسانها مترين.. بترد الكلمة بعشرة.. أنا نفسي ما بعرفش أحلق على لسانها ده... مش موديهم حاجة... أنا لو شفتها همسك في خناقها.
حكمت: يلا يا يوسف واستهدى بالله.. ده الناس لبعضها. حمل الوعاء الساخن بأحد الأقمشة البالية على مضض وتقدم للخارج. توقف على أعتاب شقة الأسطى سيد وأخذ يدق الباب. سمع صوت من الداخل يردد: أيوه.. حاضر جاية. فتح الباب وظهرت فتاة صغيرة بوجه أبيض مستدير وشعر أسود... ملامحها بريئة جداً ولكن... لسانها سليط وغير بريء بالمرة: نعم خير... هو أنت كل ما تبقى فاضي تقول أما أقوم أخبط على باب الجيران شوية...
مش مكسوف من طولك وأنت بتعمل كده. يوسف: إيه.. بلاعة واتفتحت.. اهدى على نفسك شوية فيه إيه... مش شايفني شايل ولا عميتِ. احتد صوتها قائلة: هي مين دي اللي عميت يا جزار الحمير أنت. يوسف: أنا جزار حمير.. لااا ده أنتِ قليلة الأدب وما لقيتيش حد يربيكي. مي: احترم نفسك يالا بدل ما أفرّج عليك أمة لا إله إلا الله دلوقتي. مع ارتفاع صوت شجارهم خرجت حكمت من شقتها... في نفس الوقت خرج سيد من شقته.
سيد: فيه إيه يا أمي.. إيه يا يوسف هو أنتو ديماً كده زي النار والبنزين. حكمت: فيه إيه يا عيال ده أنتو ولا اللي مولودين فرق روس بعض. يوسف بغضب: أمي دي بت لسانها طويل ومتدلعة وعايزة حد يعدلها. مي: شايف يا بابا.. شايف بيغلط فيك وأنت واقف.. بيقول إنك ما بتعرفش تربي... شفت قلة الأدب. يوسف بجنون قال لوالدته: شايفة يا أمي الافتراء والكدب. سيد وحكمت: بسسس.
سيد: مي خلاص.. يوسف ما يقصدش.. وكثر خيره جايب لنا الغدا أهو تعبناه معانا هو والست حكمت... الأصول نشكرهم مش نتخانق معاهم. مي: طنط حكمت ماشي على عيني وعلى راسي... لكن الواد ده لأ. هاج يوسف يهم ليضربها: واد.. واد مين يا أم واد أنتِ. احترمي نفسك ولمي لسانك. سيد: عيب يا أمي مهما كان ده أكبر منك... يلا اعتذري. مي: هعتذر لطنط حكمت بس. غير كده لا. حكمت: ولا تعتذري ولا حاجة...
أنتو الاتنين ولادي بس يا ريت تطلبوا منقاره كل ما تتقابلوا ولو صدفه لازم تتخانقوا كده... ده انتي خلاص كبرتي ورايحة أولى ثانوي وهي داخلة الجامعة أهو المفروض نعقل بقا ولا إيه. مي: أه. يوسف: شايفة يا أمي.. دي بتحلّن عليكي.. بتتريق. بتستهزئ بينا. مي: والله أنا بهزر مع طنط حكمت أنت بقا خدتها على أنها تهزيق لأنك حاسس نفسك قليل ومهزأ دي حاجة ترجعلك أنت أكتر واحد تحس بنفسك. اغتاظ يوسف أكثر وفهمت أمه أنه على وشك ضربها فعلاً...
أخذت تجرّجه إلى باب شقتهم تحول بينه وبين مي. يوسف: لاااا... دي بت قليلة الأدب... سيبيني عليها يا أمي... والله يا مي لأكون معلمك الأدب.. سيبيني يا أمي.. والله ما حد مربيها غيري البت دي. أما مي فأخذ والدها يدخلها هو الآخر: شايف يا بابا.. شايف قليل الأدب... بيقول عايز يربيني... يقصد إنك مش عارف تربي... ماتسكتلوش... ده زودها أوووي. أدخلها سيد لشقتهم وأغلق الباب يقول: بقا كده يا مي... بتعلي صوتك وأنا واقف.
مي: بابا أنت إزاي تسكتله... ده شتمني وأنت واقف. سيد: ده على أساس إني مش عارف طوله لسانك.. الواد جاي وجايب لنا غدا كمان وبتزعقي له. مي: ياسلام.. يعني هتسكتله.. اللي عمله ده هيعدي عادي... طييب... أنا بقا مش هسكت. هز رأسه بقلة حيلة من ابنته ورأسها اليابس.. ثم فتح ذلك الوعاء من الأرز الساخن وفوقه قطع اللحم تتصاعد منها الأبخرة. سيد: طب تعالى... تعالى اتغدى الأول.
مي: هاجي طبعاً.. ده أنا بحب طبيخ طنط حكمت أوى.. هاكل دلوقتي وبعدين أقوم أتخانق عادي. هز رأسه بأسى ثم شرع في تناول طعام حكمت اللذيذ. أما عند حكمت فكانت ما زالت تدفع ابنها للداخل تحاول تهدئته: خلاص بقا يا يوسف.. اهدى. يوسف: والله ما أنا سايبها...
أنا هعرفها مين يوسف ابن المعلم رجب.. صبرك عليا يا مي يا بنت سيد.. والله ما أنا سايبها وهي كبرت في دماغي بقا أما أشوف إزاي كل ما تشوف وشي تتطول لسانها عليا.. أنا هخليها تخاف من خيالي.. تشوفني تحط وشها في الأرض... ماشي.. صبرك عليا يا بنت سيد. دلف لغرفته بغيظ وأغلق الباب خلفه بينما حكمت تتنهد بقلة حيلة تعلم ابنها حين يضع برأسه شيئاً. ***
جلست ندى وهي تضع الهاتف على أذنها.. كعادتها منذ أسبوعين.. تتحدث بالساعات مع خطيبها.. مازن. ونجلاء تقف بالشرفة تقوم بإنزال (السبت) للمعلم رجب بعدما هاتفها يطلب منها ذلك. وكعادته منذ فترة... يحضر لها الكثير من الحلوى وأحياناً طعام جاهز. وهي لا تعرف من أين لها كل ذلك التعود والقبول... من المفترض أنه شخص غريب عنها.. بأي صفة وتحت أي بند تندرج كل تصرفاتها وتصرفاته أيضاً.
لا تعلم لماذا تجيب كل مرة يتصل بها.. ربما لأنه لا يتعدى حدوده.. ربما لأنها تستمع لصوته يحدثها بنبرة تحمل كل الاحترام بل والفخر والاعتزاز أيضاً. ذلك اللقب الذي لطالما استغربته أصبحت مدمنة عليه.. تحب أن يناديها به.. تعلم سيقال عنها متصابيه أو في مرحلة مراهقة متأخرة ولكن؛ لكن حين يقولها ويناديها بهذا اللقب رغماً عنها تشعر بحالها.. أنها موجودة...
لها وجود وليست أم ندى فقط.. تلك السيدة التي تحيا لتربي ابنتها فقط وتزوجها وتجلس تنتظر أي مشكلة تواجه ابنتها من بعد الزواج كي تتدخل... كل هذا مسؤوليتها الأساسية وهي تعلم ومرحبة ولكن ما المانع من أن يكن لها ركن ولو صغير بحياتها يسعدها... يشعرها أنها من الأحياء على هذا الكوكب. مهلاً نجلاء... إلى أين وصل عقلك... إنه مجرد وسيلة للعودة إلى حياتك العادية مع توفيق وابنتك... اعقلي. تنصح نفسها بالتعقل...
وبعد ثانية واحدة فقط.. ورغماً عنها تولدت من جديد روح الطفلة التي بداخل كل أنثى وهي ترى كل تلك الحلوى التي جلبها لها بجوارها نوع القهوة المفضل لها... ولا تعلم من أين عرف. انتفضت فجأة على صوت ندى: إيه الحاجات دي يا أمي... هو إيه الحكاية. تلعثمت لا تجد رد... وكأن الحال تبدل.. شعرت كأنها هي فتاة الثامنة عشر وندى هي ولي أمرها وهي لا تجد رد منطقي على أسئلتها. نجلاء: ده.. ددده. ده. ده. رفعت
ندى حاجبها تقول باستغراب: ده ده إيه... مالك كده يا أمي وكمان إيه حكاية الأكل الدليفرى.. مرة سي فود ومرة برجر من ماك.. وحلويات وشيكولاتات... وإيه ده.. ده البن اللي أنتِ بتحبيه وبتمشي له مسافة عشان تجيبيه من عند الراجل ده بالذات.... لااااا أنا عايزة أعرف إيه اللي بيحصل من ورا ضهري... قولي... عايزة تشمتي الناس فيا... عايزةيهم يقولوا إيه.. ندى ما عرفتش تربي... قولي. نجلاء
بحدة تداري بها توترها: بنت.. إيه اللي بتقوليه ده... أنا اللي أمك على فكرة. ندى: مش ضروري.... ساعات الدنيا بيتشقلب حالها... وأنا عايزة أعرف أنتِ إيه حكايتك. نجلاء: ده المعلم رجب..... قاطعتها ندى: المعلم رجب... إلا قوليلي يا أمي هو إيه اللي جابه هو وعم سيد قراية فتحتي... مش غريبة شوية. نجلاء بارتباك: أيوه غريبة... مش عارفة. قامت ندى بمد يدها وأخذت إحدى الحلوى.. تحل وثاقها وتضعها بفمها
بتلذذ تقول وهي تلعقها: امممممم.. طعمه أوي... دي كمان من الغالية... لا صارف ومكلف. احتضنت ذلك الكيس البلاستيكي الكبير وقالت: أنا هاخد الكيس الكبير ده أمزمز فيه وأنا بفكر الراجل ده بيعمل كده ليه. ثم ذهبت من أمامها وهي تلعق إحدى الحلوى وتفتح أخرى متمتمة: الا يخيبك يا مازن... مش عارف تبقى ربع المعلم رجب الجزار... تعالى اتعلم. نجلاء بضيق: بنت... طب هاتِ واحدة حتى. رفعت صوتها وقالت: وكمان عايزة واحدة...
أنتِ تدخلي أوضتك لحد ما أشوف الولد ده عايز منك إيه... أنا مش نايمة على وداني. زمّت نجلاء شفتيها بغيظ وندى تسير للداخل متمتمة: الا عمري ما جالي كيس زي ده... بترسم على أمي يا معلم.. ماااشي. *** دلف للبيت وجدهم يجلسون جميعاً... يبدو أن هناك شيء مهم. نظر لها بشوق... أصبح لا يراها كثيراً وهو يترك لها الفرصة وبعض الوقت كي تهدأ. لكنها لا تنظر له... وحتى لو تقابلت عيناه.. تكون نظرة عادية... لا حب.. لا كره...
ولا حتى خطط.. لا شيء.. تلك اللمعة التي كانت تخصها به انعدمت.. حتى في تلك الفترة بعدما رفض حبها يوم اعترافها له لم تكن تلك نظرتها كان ما زال هناك شيء.. لكن الآن.. لا شيء... ولا شيء هذا يقتله... كأنه ينحر عنقه نحراً. ابتلع ألمه داخله يعلم أن الخطأ منذ البداية عنده حتى لو كان معه عذره. تقدم منهم يقول: مساء الخير يا جماعة... إيه بتعملوا إيه كده.
قالها بشموخه المعتاد.. سؤال غير مباشر يحافظ على هيبته وبنفس الوقت يعلم ماذا هناك وهل الأمر يخصها أو لا. كانت الإجابة من طرف كارما التي قالت: دي ميكا.. كانت بتبعت الرغبات بتاعت الكليات على موقع الوزارة... لسه المرحلة الأخيرة فاتحة من يومين. نظر لها بغضب وقال: وأنا مش قلت إن مجموعك ده مش نافع وإنك هتقدمي في جامعة خاصة. وقفت بكبر... لن تسمح له بالتقليل منها ثانية لمجرد أنها لم تصبح دكتورة أو مهندسة...
لمجرد أنها حصلت على درجات سيئة في اختبارها... حتى لو... من قال إن الشأن العالي يكن بدرجات التعليم.. وإن كانت بسذاجتها مرت حديثه القديم فلن تمرره ثانية. مليكة: أنا دي درجاتي وهي عاجباني.. مش مهم هدخل كلية إيه.. المهم هخرج منها إيه... ودرجات الثانوية العامة مش هي نهاية العالم. احتد صوته.. عاد لتحكماته الفطرية: ولو فيه فرصة إنك تحسني كل ده وتدخلي جامعة خاصة خصوصاً إني معايا اللي يكفي ويفيض. نظرت له مباشرة
في بؤبؤ عينيه تقول بقوة: تؤتؤ.. قصدك أنا اللي معايا... مش حضرتك خالص... حضرتك مش بتصرف عليا ولا بتتفضل بفلوسك.. ده ببساطة ورثي... حقي.. حضرتك بس وصي عليا لحد ما قريب إن شاء الله هتم السن القانوني. كان الكل في حالة ذهول... خصوصاً وهم معذورون.. لا يعرفون ماذا حدث معها وجعلها أصبحت تتحدث هكذا وبتلك العجرفة من وجهة نظرهم. أما هو.. فصدمته أيضاً لم تكن قليلة... خصوصاً مع نظرات عيونها تلك.
عامر: امممم.. وإيه كمان يا مليكة... فيه حاجة كمان تحبي تضيفيها. مليكة: لما يبقى فيه حاجة هبقى أعرفك.. لكن أنا هدخل كلية عادية حتى لو جالي معهد سنتين.. وعايزة عربيتي.. أنا قدمت في مدرسة تعليم سواقة وعايزة أسوقها... عن إذنكم. تحركت بقوة... تنهي تلك الجلسة.. تاركة الكل مستغرب.. وهو في حالة صدمة. ظل على وضعه... كأنه صنم... من تلك التي كانت تقف تناظره بقوة وتحدي. أغمض عينيه.... يعلم... لقد أغضبها.. أغضبها كثيراً.
بعد دقائق اجتمع الكل على طاولة الطعام. ناهد: كارما... اطلعي نادي مليكة عشان تيجي تتغدى. كارما: حاضر. في نفس اللحظة... دلف محمد للداخل بغضب: عامر... فيه مشكلة. عامر: خيّر.. مشكلة إيه. محمد: الـ 100 فدان بتوع مشروع العالمين الجديدة.. ألف عين اتفتحت علينا فيه... وبيشككوا إن الأرض مش من حقنا وإننا خدناها برخص التراب رشوة ومحسوبية. عامر: نعم... ده أنا دافع فيها ملايين ما تتعدش.
محمد: بعد الصفقة الأخيرة والمكاسب اللي حققناها والعيون بقت علينا... عامر.. أنا قتيل المشروع ده... أنت سامع.. دول نفس الناس اللي مشاركينهم في مشروع أرض السويس... وعندهم المشروعين مرتبطين ببعض... ده هينقلنا للعالمية... مش هينفع نوقفه. أغمض عينيه يقول: قدامك حلول إيه. تقدم منه بجشع يقول: الحصانة... كرسي في مجلس النواب... والانتخابات قربت... لو نجحت ماحدش هيقدر يفتح بؤه معانا...
واسم الخطيب هيبقى مش في مصر والشرق الأوسط بس.. هنوصل للعالمية بقولك. عامر: لأ لا.. لا يا محمد... أنا ماليش في الجو ده.. ولا عمري فكرت فيه.. السلطة مش حاجة مفيدة دائماً... ساعات بتحطك تحت الميكروسكوب.. خلينا بعيد.. نشتغل ونكسب.. من غير ما نبقى تحت العيون. تدخلت خالته هدى وعيناها تلمعان. ترى به زوج ابنتها... ستكون هديل زوجة لعامر الخطيب.. رجل الأعمال والبرلماني الكبير. هدى: وفيه إيه يا عامر... زيادة الخير خيرين...
وبدل ما تدفع عشان تمشي مصالحك... تبقى أنت نفسك حصانة... بيتك ده.. هيبقى حصانة.. محدش يعرف يكلمك. عامر: لا.. لا برضو.. أنا مش موافق. لكزت هديل بمرفقها فتدخلت: عامر... دي هتبقى حاجة كويسة أوي ليك.. وافق دي ميزة وإضافة ليك. قالت الأخيرة بنعومة.. تعلم أنها مراقبة من قبل أمها. تزامناً مع هبوط مليكة الدرج خلف كارما.. تراها مقتربة منه بعض الشيء تتحدث بنعومة. رفع نظره وجدها تنظر تجاه هديل.. الأكثر أنه لم يزجرها...
لم يوقفها عند حدها.. أبعدت عينها عنه... تحاول تدريب حالها على اعتياد كل تلك الأفعال. مجرد أبعاد عينيها عنهم جعله بحالة ضيق... منذ متى لا تهتم بانتمائه لغيرها. جلست على طاولة الطعام مثلها مثل المقعد الذي تجلس عليه... تستمع لحديث هديل المبالغ فيه معه... ترحاب الكل على وجود علاقة بينهم... تحتسي فقط الشوربة الساخنة... معدتها من كثرة الحزن تؤلمها... والفت تنظر لها وله...
تشعر بتغير كبير.. سعيدة لتغير وقوة مليكة لكنها ليست مرحبة بكل ما يحدث. وبجوار الفت... يجلس نادر يستمع لحديث محمد غير راضٍ عن كل هذا القدر من الجشع... لا يرى أمامه غير ذلك المشروع الذي سيصل بهم للعالمية. ابتلعت بعض من الشوربة الساخنة على مضض.. ثم وضعت ملعقتها وجففت فمها ووقفت تعتذر منهم. ناهد: بس أنتِ ما أكلتيش حاجة.. طبقك زي ما هو. نادر: مليكة مالك... فيكي حاجة. احتدت عينا عامر أمام هذا الاهتمام الموجه منه لمليكته.
والأكثر هو جوابها الرقيق له: لا ما فيش حاجة.. أنا هطلع أنام شوية بس. جوابها عادي... لكن بالنسبة لعامر هو أكثر من رقيق. ذهبت لغرفتها... تشعر بالوحدة... حتى ندى ومنذ خطبتها لمازن أصبحت منشغلة به فقط... فتحت هاتفها... ثم تطبيق الفيس بوك. أخذت ترى المنشورات عليه.. تعلق على أحدهم... دخلت في الحديث بالتعليقات مع إحدى الفتيات بمرح. مرة وأخرى... ثم بعثت لها طلب صداقة.. قبلته الأخرى. تناست قليلاً جرحها
وهي تتعرف على تلك الفتاة: الحمد لله تمام... أنتِ اسمك إيه؟ الفتاة: جودي.. وأنتِ اسمك مليكة.. صح. مليكة: أيوه صح. جودي: شفته مكتوب كده بس بتأكد يكون اسم بنتك أو اسم مستعار. مليكة: لا بنتي إيه.. أنا لسه صغيرة... 18 ونص. جودي: وأنا كمان.. 17 ونص. ثم بدأوا بحديث طويل مع بعضهم... لم تشعر هي بمرور الوقت وهي تتحدث مع تلك الفتاة العفوية الجميلة. لكن تفاجئت بمن يفتح الباب فجأة ويقتحم غرفتها.
أغلقت الهاتف تقول بغضب: إيه ده.. إزاي تدخل كده من غير ما تخبط. لم يهتم أو يبالي بحديثها إنما قال: أظن كده كفاية أوي.. سبتك فترة أهو عشان تهدى.. ياريت نقعد ونتكلم بعقل. مليكة: وحد قالك إني مجنونة مثلاً. عامر: مليكة بلاش طريقة الكلام دي عايزين نتكلم مع بعض. مليكة بغضب: هو حضرتك عايز إيه دلوقتي مخليك جاي لحد أوضتي وداخل بالطريقة دي. عامر: عايزك ترجعيلى... عايز نرجع لبعض. نظرت له تضحك باستنكار: نرجع لبعض؟!
مش تعرف أنت بتقول إيه الأول.. نرجع لبعض دي تتقال لما يبقى كان فيه بنا حاجة... نكون مع بعض في علاقة من أي نوع.. أنا وأنت عمرنا ما كنا حاجة لبعض... أنا لا مراتك.. ولا خطيبتك ولا حبيبتك ولا حتى بنتك أو أختك.. أنا بالنسبة لك مش أي حاجة.. أنا فرد.. فرد عايش معاك في الأوتيل الكبير ده.. جاي إزاي تقول لي نرجع لبعض عايزة أفهم. كل هذا وهو يقف لا يملك إجابة على كل حديثها هذا.......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!