ميسون في غرفتها شارده في أحزانها. رن هاتفها. "نعم جون، ماذا تريد؟ "غدا المحاكمة سيدتي، ونحن جاهزون لها." انقبض قلب ميسون ولا تعرف لماذا. (( يوم المحاكمة ) "أنا أريد أن أرى زوجتي قبل المحاكمة." "غريب، أنا لم أرى أحد مثلك. كل المتهمون قبل المحاكمة يريدون رؤية محاميهم قبل المحاكمة وليس زوجاتهم." "أريد رؤية زوجتي." "حسنا، انتظر. لدينا هنا تصريح بوجودها مع محاميك."
أحمد، أول ما شاف ندى جرئ عليها ذي الطفل اللي منتظر أمه بفارغ الصبر. شدها لحضنه وسط ذهول من حوله، ولم يهتم لنظراتهم. "وحشتيني جدا جدا. أنا آسف، ما قصدتش أضايقك ولا أزعلك. ما قصدتش ولا كلمة من اللي قلتها. بحبك يا ندى قوي، وأنا مبسوط إن ابني أو بنتي اللي جاي انتي هتكوني أمه. بحبك يا ندى عمري." ندى بتبكي من الفرحة وبتحضن أحمد بقوة، وكأنها بتمده بكل طاقة الحب والأمل والأمان، وكأنها
بتقول من غير لغة حوار: "أنا معاك ومش هسيبك أبدا، ديما هكون موجودة." بعدوا عن بعض، وأحمد بص في عينيها. كانت بتقول حاجات كتير، ولسه هيتكلموا، صوت المحامي قاطعهم. "أحمد، من فضلك، مافيش وقت. تعالى نراجع شوية نقط لأني حاسس إن فيه مفاجآت، بس مش عارف هتكون إيه." في قاعة المحكمة@@@@ حضرت ميسون، وكل الحزن والألم جواها. هي متعرفش ليه حضرت، مع أنها رسمياً ليس لها صفة للحضور. لم يلاحظها أحد غير مروان، الذي تجنبها تماماً.
الشرطة قدمت أدلة للقاضي تؤكد تورط أحمد في أعمال مشبوهة داخل إنجلترا. وحاول محامي أحمد أن يشكك في هذه الأدلة، لكن المفاجأة كانت في طلب المحكمة شهادة دكتور هاري ودكتور طارق. كان السؤال الأول من القاضي موجه إلى دكتور طارق. "ماذا طلب أحمد منك تحديداً؟ "طلب مني مقابلة طبيب متخصص في أمراض الذكورة." "لماذا؟ "قال لي إنه يريد أن يسأله عن تأثير بعض أنواع المنشطات." "وهل طلب منك عدم إخبار أحد؟
طارق تذكر عندما طلب أحمد منه عدم إخبار أحد بهذا الموضوع، وخصوصاً ميسون. ولكنه أجاب: "لا، لم يطلب." "ثم بعد ذلك ماذا حدث؟ "أرسلته لصديقي د. هاري." "شكراً.. تفضل أنت، ولكن لا تغادر فقد نحتاج إليك." القاضي: "د. هاري، ماذا كان سؤال أحمد لك بخصوص المنشطات الجنسية؟ هاري: "سألني عن أنواعها، وهل لها تأثير على من يتعاطها، وكيفية استخدامها. باختصار، كان يريد معرفة كل المعلومات عنها." القاضي: "وهل أخبرته؟
هاري: "نعم، أخبرته بالمعلومات الطبية المتداولة والمعروفة." القاضي: "وهل طلب منك كتابة أسمائهم كوصفة علاجية؟ هاري: "نعم، ولكني لم أفعل، لأني لا أكتب أي أدوية بدون تحاليل وتفحص الحالة المرضية. لكني أخبرته عن المواقع الطبية التي تحتوي على معلومات كثيرة، وهي موجودة على الإنترنت بشكل قانوني." القاضي: "وماذا بعد؟
هاري: "كما ذكرت، أخبرته إني لا يمكن أن أصف دواء قبل أن أرى الحالة المرضية بنفسي. ولكنه أخبرني أنها معلومات يريد معرفتها ليس أكثر، وأنه لا يريد استخدامها بشكل شخصي. أيضاً سألني هل يمكن لأحد الحصول على هذه المنشطات بدون وصفة من الطبيب، أي بشكل غير قانوني؟ وأجبته: لا يمكن هذا، لكن النفوس الضعيفة بالمال تفعل الكثير." القاضي: "شكراً وتفضل." القاضي: "أحمد، هل ما قاله د. طارق و د. هاري صحيح؟
أحمد أخذ نفساً عميقاً وأغمض عينيه، ثم قال: "نعم سيدي." ندى بكت بحرقة، ومروان نظر إلى ميسون نظرة غضب. ميسون نظرت إلى الأرض وكأنها تهرب من نفسها وليس من مروان. أحمد أكمل كلامه مع القاضي: "ولكن يا سيدي، ليس كل من يسأل طبيباً على معلومات عن المنشطات بالضرورة يتاجر فيها." القاضي: "إذاً ما هو السبب الذي جعلك تسأل مثل هذه الأسئلة؟ أحمد ينظر إلى ندى، ثم إلى مروان. هل يبوح بما فعلته ميسون؟
هل سيخبر الجميع عن الحقيقة المرعبة لهذه المرأة؟ القاضي: "أحمد، جاوب على سؤالي من فضلك." أحمد: "لا شيء، سوى أنني مريض وكنت أريد أن أسأل بدون أن أخبره إني رجل عاجز. فهذا أمر صعب عليا كرجل أن أعترف بعجزي." ميسون لم تستطع أن تستوعب ما حدث. أحمد لم يخبر أحد بحقيقة ما حدث بينهما. اختار أن يكذب، ولكن على الرغم مما فعلته ميسون سابقاً وما تفعله حتى الآن مع أحمد، إلا أنه رفض أن يأتي بذكر اسمها.
ميسون تقريباً انهارت، لم تعد تقوى على النهوض من مكانها. وانتهت المحكمة بالتأجيل لعرض أحمد على الأطباء. في مكتب مروان "اللي حصل النهارده كان غير متوقع، وطبعاً التقرير الطبي هيثبت كذب أحمد، وبكده للأسف القضية في غير صالحه." "عارف.. على فكرة ميسون كانت في المحكمة النهارده." "بجد؟ طيب ليه معرفتنيش؟ "كنتي هتعملي إيه يا ندى؟ "كنت هترجاها تخرج أحمد من الورطة دي."
"صدقيني الكلام ده مالهوش لازمة. الموضوع كبر وميسون مش هتتراجع عشان أي حد.. أنا أعرفها كويس." "طيب وإيه الحل؟ "أكيد فيه خير كبير، ربنا وحده هو اللي عارف فين الخير. وعلى العموم، عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيراً لكم. سيبي بكرة لبكرة. المهم عندي ليكي خبر مهم جداً." "مافيش عندي أهم من موضوع أحمد." "طيب اسمعيني الأول... جدي يا ندى كتب البيت بتاعه اللي موجود في لندن باسمك، ودي الأوراق اللي تثبت ملكيتك للبيت."
ندى تكاد تذهل مما سمعت. "أنا مش فاهمة حاجة يا مروان. بيت مين وأوراق إيه؟ مروان أعتدل في جلسته. "شوفي يا ندى، انتي تعرفي كويس مدى حب جدي لأحمد، وبالتالي ليكي أنتِ كمان. وهو بيعتبركم زي أحفاده تماماً. وطبعاً عرف موضوع إنك اشتغلتي من ورانا وإنك تعبتي من كتر الإجهاد والحمل. وعلى فكرة، أنا ماقلتش لأحمد إنك اشتغلتي وتعبتي في مكان شغلك، وحتى المستشفى...
لكن جدي عارف إنك مش هتقبلي تاخدي أي فلوس، وطبعاً ما ينفعش تشتغلي تاني وإنتي حامل. عشان كده قرر يأمن مستقبل مرات حفيده. والبيت اللي جدي كتبهولك أنا هاجره، والإيجار بيكون سنوي يا ندى. يعني إيجار السنة دي في حسابك في البنك، ودي الفيزا بتاعتك. أنا فتحتلك حساب في البنك من يومين، وتقدري في أي وقت تسحبي أي فلوس ليكي. على فكرة، الإيجار مش بسيط، ده 50 ألف جنيه استرليني في السنة."
ندى المرة دي فتحت بوقها من الصدمة، مش مصدقة حاجة خالص. "ندى، فوقي مالك؟ وشك اتغير خالص." ندى بتحاول تستوعب. "هو أنت قلت إيه؟ أنا تقريباً مش فاهمة حاجة... طيب ليه البيت يتكتب باسمي أنا مش أحمد؟ مروان: "بصي يا ندى، علشان أكون صريح معاكي، القضية تكاد تكون منتهية، مافيش منها مخرج لحد دلوقتي، لكن الأمل دايماً موجود. كل اللي بنحاول نعمله إننا نقلل سنين السجن، مش أكتر."
ندى بتسمع مروان ومش قادرة تمسك نفسها من الدموع اللي بتنزل من عينيها من غير صوت، لكن صوت الوجع جواها مالهوش آخر. مروان بيكمل كلامه: "علشان كده، أي حاجة باسم أحمد هتتصادر، لأنها هتعتبر من أموال مشبوهة ومصدرها غير قانوني للشرطة. فالبيت مش هينفع يكون باسم أحمد، لكن لو حبيتي تتنازلي عنه لأحمد بعد ما يخرج من حبسه، دي بقى حاجة ترجعلك." "هو أحمد خلاص هيدخل السجن ويقضي أجمل سنين عمره محبوس؟ "ندى، ما ينفعش اليأس ده...
لازم تكوني أقوى من كده علشان أحمد يستمد منك القوة ويقدر يقاوم. أنا عارف إنه أمر صعب، بس ده قدر لا مفر منه. ربنا سبحانه وتعالى جعلنا في الدنيا امتحانات وابتلاءات، لازم نعديها بقوة وإيمان وصبر وأمل في الله كبير لا ينقطع أبداً مهما ساءت الظروف." "ونعم بالله."
في مكان ما.. ميسون تجلس أمام شاطئ البحر تبكي بشكل غير طبيعي. بداخلها الكثير من التناقضات. جزء منها غير راضٍ، يلومها، يقسو عليها وعلى ما فعلته.. ليس فقط بالنسبة لأحمد، ولكن لما فعلته بنفسها. نعم، لقد حولت نفسها من إنسان صالح بريء ذو فطرة ربانية سليمة إلى ماكينة بلا مشاعر، بلا أمل، بلا حياة. كل ما تريده هو أن تظل رقم واحد، وحتى لو وصل الأمر أن تكون رقم واحد رغماً عن الجميع بأموالها...
تعتقد أنها تستطيع أن تشتري الاحترام، المودة، الحب الصادق بالمال. ولكن هيهات لها أن يحدث ذلك، فالقلوب الحرة لا تُباع ولا تُشترى. الحب لا يُباع ولا يُشترى، بل يُكتسب ويُروى بالاهتمام مع الأيام، فيكبر وينمو مع الأيام. لأول مرة تفكر في أمر ما. ميسون تحدث نفسها: "لماذا لم أُرزق بالأطفال؟ فأنا حتى لم أذهب لأي طبيب وأسأل هل أنا طبيعية أم امرأة عاقر؟ لماذا لم أهتم؟
هل لأنه يوجد شيء ما في نفسي يكرهني ويكره أن أنجب للدنيا نسخة مكررة مني؟ في تلك اللحظة قطع تساءلها اتصال من جون. "سيدتي، أعتذر إذا اتصلت وأنا أعلم بأنك لا تريدين أي اتصالات أو إزعاج، لكن السيد مروان كان هنا منذ لحظات، وعندما علم بعدم وجودك، وأيضاً لا أحد يعلم مكانك، جن جنونه لأنه يعلم أنك قد هربت بعيداً. لهذا دخل إلى مكتبك وقام بتحطيم كل شيء تقريباً. وقبل أن يغادر، ترك لكِ رسالة شفوية معي." ميسون ردت بهدوء،
أو ربما بلا مبالاة: "نعم جون، ما هي الرسالة؟ "يقول السيد مروان إنه يعلم أن السيد أحمد لن يخرج من هذه القضية، لكن يحذرك إن اتجه انتقامك لندى أو لابنتها، فهو لن يقف مكتوف الأيدي." "وماذا بعد؟ "هكذا، كل شيء. انتهت الرسالة." "حسناً جون، انتهى الأمر. أحمد سيظل في محبسه، وأنت ابتعد نهائياً عن ندى." (وأخذت نفساً عميقاً) "لقد انتهت اللعبة جون، انتهت، وانتهى معها كل شيء." تم الحكم على أحمد بخمس سنوات.
ندى وأحمد فوضا أمرهما لله، وحاولت تقبل الأمر بنفس راضية صبورة. ميسون تركت عملها، بل تركت إنجلترا كلها وسافرت إلى فرنسا، حيث تنفي ما تبقى منها هناك. فما بداخلها من بركان قد انفجر بشكل صاخب، ولم يستطع أحد أن يقف أمامه. وبدأت تخضع لجلسات العلاج النفسي. يا ترى ماذا ستحمل الأيام القادمة للجميع؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!