الفصل 40 | من 46 فصل

رواية انسان سافل بس محترم الفصل الأربعون 40 - بقلم رانيا محمود

المشاهدات
19
كلمة
2,732
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

ندي رجعت بيتها وحاولت تمارس حياتها بشكل منظم، وساعدها وجود مرات أخوها معاها. أما جمال فكان في المستشفى بيعمل جلسات علاج طبيعي. دايمًا مراته وابنه وبنته وكمان ليلي بيزوروه، لكن ندى ماكنتش بتقدر تروح المستشفى لأنها تعبانة. بعد أسبوع قدرت تروح لأخوها، وراحت من غير ما تقوله وعملتله مفاجأة. جمال: الو، إزيك يا حبيبة قلبي؟ وحشاني. ومروان حبيب خالو عامل إيه؟ ندي: الحمد لله يا جيمي. عامل إيه النهارده يا أبو عمر؟

جمال: وحشتيني أوي يا أم ليلى. أنا كويس الحمد لله، بس إنتي وحشاني. ندي: تحب أجلك؟ جمال: لا يا حبيبتي بلاش، أنتي تعبانة. خلي بالك من نفسك ومن ولادك. ندي: حاضر. طيب يا جمال، أنا مضطرة أقفل عشان عندي مشوار مهم. جمال: ندى، أنتي لسه تعبانة إزاي تخرجي؟ ندي: أنا بقالي أسبوع يا جمال. متخافش، أنا كويسة. جمال: إزاي مقلقش عليكي؟

طالما هتنزلي، خدي عمر معاكي وسيبي ابنك مع هند مراتي، ومتتأخريش ومتجهديش نفسك. أنا مش عارف أنتي عاوزة تنزلي ليه، أنتي لسه والدة من أسبوع، ارتاحي يا بنتي. ندي: طيب حاضر، هروح مشواري وبعد كده هبقى أرتاح. جمال: هموت وأعرف مشوار إيه اللي يخليكي تنزلي بعد ولادتك بأسبوع وأنتي تعبانة. ندي: بعد الشر عليك من الموت. ربنا يطول في عمرك. جمال: حبيبتي، أنا بس عاوز أعرف هتنزلي ليه؟ هو المشوار ده ضروري يعني؟

ندي: أيوه ضروري جدًا جدًا. جمال: أكيد عشان أحمد صح؟ ندي: هههههههه، لا يا سيدي مش عشان أحمد. جمال: هههههههههه، ماشي ياستي. طيب لمين المشوار المهم ده؟ ندي: هتعرف حالا. ندي دخلت معاها العيلة كلها، وتورتة مكتوب عليها (عيد ميلاد سعيد) ليلي وعمر وأمل، أخت عمر، معاهم بالونات هيليوم. وهند معاها التورتة. ومريان مع ندى داخلين بيضحكوا وكلهم بيغنوا. (Happy birthday)

جمال مكنش مصدق المفاجأة دي لدرجة إنه ماسك التليفون لسه ومش فاهم حاجة. بس لما شاف التورتة افتكر النهارده عيد ميلاده. ومن السعادة بكي. أما ندى فقربت من أخوها. ندي: حبيبي، إيه رأيك في المفاجأة دي؟ (وحضنت أخوها وباسته من راسه وباست إيده كمان) ندي: كل سنة وأنت طيب يا خويا، ربنا يبارك في عمرك يارب وتفضل دايما منور حياتنا، وإن شاء الله تقوم قريب وتنور بيتك. هند: كل سنة وأنت طيب يا حبيبي. ليه الدموع يا جمال؟

إحنا جايين النهارده عشان نحتفل مع بعض، ارجوك بلاش تبكي لحسن أنا هعيط كمان. ومرة واحدة ولاد جمال جريوا على أبوهم وحضنوه، وهو حضنهم وفضل يبوس فيهم. جمال: ربنا يخليكم ليا وما يحرمنيش منكم أبدًا. مريان: كل سنة وأنت طيب يا أستاذ جمال. جمال: وأنتي طيبة يا دكتورة مريان. مريان: أنا اسمي مريان بس من غير دكتورة. أنا زي ندى، ولا حضرتك شايف حاجة تانية؟ جمال: ربنا يخليكوا ليا ويبارك لي فيكم دايما. منورين حياتي.

حقيقي مافيش أجمل ولا أروع من إحساس الواحد إنه مش لوحده وعيلته معاه. (الجملة دي على قد ما فرحت ندى، على قد ما وجعها أوي إن أحمد مش معاها) مريان: إيه يا ندى؟ روحتِ فين؟ تعالي شيلي قدامي الترابيزة دي عشان التورتة. عمر: لا، عن إذن حضرتك أنتي وكمان عمتو. أنا وليلى وأمل هنشيل الترابيزة وكمان هنجهز لحفلتنا. اتفضلوا أنتوا استريحوا. هند: اقعد يا ندى. وبعدين ابنك مش مبطل عياط، أكيد جعان.

(ندي قعدت فعلاً ترضع ابنها، بس هي لسه في عالمها مع أحمد) مريان: شو بيكي يا أم مروان الصغير؟ ندي: (بتهريج) ما في شي يا أم حزلقوم. مريان: شو حزلقوم؟ لا يمكن ابني هيكون برنس زي الأمير هاري. ندي: ههههههه، طيب بطلي هاري في الكلام وشوفي كنتي بتعملي إيه وردي على تليفونك بسرعة اللي مش مبطل رن. أنا صدعت منه. مريان: الو، حبيبي كيفك؟ أنا آسفة حبيبي، نسيت أقولك إننا عند الأستاذ جمال بالمستشفى. مروان: (بغضب مكتوم) ليه؟

خير، حصل حاجة جديدة؟ مريان: لا، ما فيش شيء يقلق، هو كويس. بس اليوم عيد ميلاده، كنا بنحتفل. مروان: طيب أنا جاي. قدامي 7 دقايق وأكون عندكم. مريان: تمام حبيبي، مستنينك. أحمد: لسه قدامي أسبوع عشان أشوفك يا ندى. يارب هون عليا. يارب. الضابط: بتتكلم مع نفسك يا أحمد؟ أحمد: ادعوا الله أن أرى زوجتي سريعًا. الضابط: نعم، كنت أعلم. أحمد: كنت تعلم ماذا؟ الضابط: كنت أعلم أنك تدعو من أجل زوجتك... أحمد: وكيف علمت؟

الضابط: الحب. إنه الحب. قلت لك من قبل، لم أرَ مثلكم. أتمنى أن يستجيب الله لك. في المستشفى. مروان يدخل إلى غرفة جمال، لكنه يحاول أن يبدو هادئًا. مروان: السلام عليكم يا جماعة. عاملين إيه؟ مريان تذهب لزوجها: حبيبي، كويس إنك جيت بسرعة. مروان: (ويتكلم لكن دون أن ينظر لها) ولو قولتيلي من بدري كنت جيت أسرع من كده. أنا آسف يا أستاذ جمال، ما كنتش أعرف حقيقي إن عيد ميلادك النهارده.

جمال: ولا يهمك يا مروان. أنا شخصيًا ما كنتش عارف إن النهارده عيد ميلادي. الكل ضحك من قلبه، لكن مروان اكتفى بابتسامة عشان ما يبانش إنه متضايق. أما مريان وندي لاحظوا إن مروان مش في طبيعته. انتهى اليوم بشكل كويس، ومروان اعتذر وقام يمشي. مروان: كل سنة وحضرتك طيب يا أستاذ جمال. اسمحلي أمشي لأني تعبان شوية. كان عندي شغل طول اليوم، محتاج أروح. (وبعدين كمل) تحبي يا مريان تروحي معايا ولا لسه عاوزة تقعدي؟

ندي بسرعة قالت: لا، استني إيه؟ يلا يا مزة، مع السلامة من غير مطرود. مريان: هههههه، ماشي. بس افتكريها. يلا سلام، أشوفكم بكرة. ندي: ولا بكرة وبعده. روحي وارتاحي، وأنا هبقى أجي بنفسي أطمئن عليكي وأطمنك عليا. مريان: طيب، أوك. نتكلم فون. يلا سلام. بعد شوية....... هند: ليه كده يا ندى؟ أحرجتي مريان. الست كتر خيرها سايبة بيتها وجوزها وديما معانا.

جمال: استني انتي يا ندى، أنا اللي هرد. بصي يا هند، أديكي قولتيها، أنا مريان سايبة بيتها وجوزها. وده كتير. الراجل كان باين على وشه إنه جاي متفاجئ، لأن مراته ما عرفتهوش إنها جايه هنا ولا إن فيه مناسبة أساسًا. وكان بيتكلم باقتضاب، وباين فعلاً إنه قاعد مخنوق. وده واضح من طريقة كلامه مع مراته وهما ماشيين. فكان لازم ندى تقول كده. هند: أنا آسفة، مش قصدي أزعلك يا ندى. حقيقي، أنا ما جاش في بالي خالص الموضوع كده.

ندي: ولا يهمك يا هند. ربنا يستر عليهم النهاردة. مريان تعبانة فعلاً، ومروان مخنوق. أتمنى إن الليلة تعدي على خير.

مروان بيسوق وطول الطريق مش بيتكلم، ولا حتى بيبص على مراته، وكأنها مش موجودة. مريان بإحساسها كزوجة وكدكتورة نفسية، حاسة إن مروان هينفجر منها. بس هي فعلاً مش عارفة هي غلطت في إيه. بتحاول تسترجع الأيام اللي رجع فيها مروان من سفره، بس ملاقتش حاجة حصلت بينهم ممكن تخليه متضايق منها للدرجة دي. بس فضلت ساكتة عشان ما توترهوش وهو سايق. في البيت......... مريان: اتفضل يا مروان، أنا مستعدة. مروان باستغراب: مستعدة لإيه؟

مريان: مروان، أنا عارفة إنك متضايق مني وفيه حاجة حصلت مني خليتك متنرفز كده. أنت مش شايف حالك ولا واخد بالك من تعبيرات وشك؟ أنت متغير معايا أوي النهارده. مروان: وده بقى اسميه تحليلات الطب النفسي ولا هرمونات حمل؟ مريان اتأكدت من ظنونها، وإن مروان فعلاً متضايق منها. بس حاولت تحتوي الموقف، لأنه حبيبها وجوزها. ولو فيه حاجة مضايقاه هي لازم تحتويه. قربت منه وحطت إيديها الاتنين حوالين وشه واتنفست نفسه.

مريان: لا حبيبي، ولا هرمونات حمل ولا طب نفسي. ده حب. أنا مراتك حبيبتك، حاسة بيك يا عمري. مروان شال إيديها بهدوء ونزلها لتحت، وفضل ماسك إيديها. مروان: وبما إنك مراتي وحاسة بيا، ما حسيتيش إن من وقت ما رجعت من السفر وأنا مش لاقي مراتي؟ دايماً مشغولة بندي، وحمل ندى، وولادة ندى، وأخيرًا بأخو ندى.

مريان في لحظات استرجعت شريط الأيام السابقة. فعلاً، ولا مرة من وقت ما رجع مروان وهما قعدوا مع بعض، أو حتى أكلوا مع بعض. دايماً يمشي وهي نايمة، وهي طول اليوم مع ندى وترجع البيت تعبانة وتنام على طول. مريان: آسفة والله، آسفة. وحياة الله أنا آسفة ومش هقول أي مبررات، لأن ما عنديش عذر. بعتذر منك حبيبي، من فضلك اقبل اعتذاري، أرجوووك.

(ورمت نفسها في حضنه. ومروان ما قدر يعمل شيء غير إنه يحضنها من وسطها، لأنه عارف قد إيه بتحبه وما كانش أبدًا قصدها تزعله) مروان: خلاص يا حبيبتي، ما فيش حاجة. أنا بس عاوزك دايماً ليا يا قلبي. أنتِ مراتي حبيبتي وكل الدنيا. أنتِ وبس، وبحب تكوني جانبي على طول. مريان. مريان، أنتي نمتي ولا إيه؟ مريان: ههههههه، ضحكت عليك صح؟ ههههههههه. لو أنت مروان الترك صح، تعرف تمسكني. (وجريت من قدامه زي الأطفال) مروان واقف بيضحك

من طفولتها اللي بيعشقها: يا بنتي بطلي جري، أنتي حامل هتولدي قبل ميعادك. وعلى العموم، من غير ما تجري، أنا همسك. ونسيبهم مع بعض يجروا ويهزروا ويعيشوا يوم من أجمل أيامهم كله حب وعتاب أحبه. بعد مرور أسبوع من لقاء أبو عمار بميسون. أبو عمار يتحدث إلى نفسه: أظاهر يا أكرم إنك حبيت!! معقول قلبك انفتح مرة ثانية بعد مراتك؟ عرفت تحب؟

أنا مش عارف ليه دلوقتي، بس اللي عارفه ومتاكد منه إني فعلاً مقدرش أكمل حياتي من غيرها. بس يا ترى هي هتقبل حبي ده؟ هي جواها وجع، جواها معركة بقالها فترة طويلة. أنا لازم أعمل حاجة، ماينفعش أفضل منتظر. ما فيش حاجة بتيجي بالانتظار. لازم أتحرك ومش هستنى. أبو عمار: الو ميسون. حاولت كتير أكلمك ما كنتيش بتردي، بس كنت عارف إني لو كلمتك من رقم غير رقمي هتردي، وفعلاً اللي استنتجته طلع صح.

ميسون في حالة ذهول من المكالمة، تسمع فقط ولا تتكلم. أبو عمار: ممكن أعرف ليه مش بتردي؟ هقولك أنا، واسمحي لي بقى المرة دي الدور عليا. ميسون بتسأل باستغراب: دور إيه؟ أبو عمار: الحمد لله سمعت صوتك وكمان مبسوط إني أثرت فضولك. ميسون وشها أحمر فعلاً وارتبكت: أنا... أنا... احمم مش فاهمة... أنت.. أنتة.

أبو عمار: خلاص يا أميرتي، أنا بقى هرفع عنك الحرج ده. اسمعي، عشان إحساس الإثارة والساسبنس ده عجبني كتير. لو عاوزة تعرفي إجابة السؤال، نتقابل النهارده. ميسون: ومين قالك إني عندي فضول؟ ده مجرد تخيل في دماغك، وكمان.... أبو عمار بابتسامة رضا: لأ مش بتخيل، وكمان هقابلك النهارده. أقولك دلوقتي حالا، وفي نفس المكان عند البحيرة. ميسون: الو الو... أكرم... الو... ده قفل الخط. راجل مجنون.

ميسون تتحدث لنفسها: ولا يهمني. أما إنسان مغرور بشكل. لا مش مغرور أنا اللي طول عمري مغرورة. وبعد مرور ساعة انتظارها أكرم لم تحضر ميسون، لكنه لم يقطع الأمل وظل منتظر. وفي النهاية جاءت ميسون تمشي على استحياء. أكرم: كنتي للدرجة دي زعلانة مني؟ ميسون: لأ.. ليه؟ أكرم: بصي من غير لف ودوران، أنا قولتلك في التليفون الدور عليا وهقواك. دور إيه؟

إحنا كنا هنا من أسبوع، انتي اتكلمتي وحكيتي حاجات كتير جواكي وأنا كنت بسمع. المرة دي أنا اللي هتكلم وانتي اللي هتسمعي. ميسون كانت عاوزة تتكلم، لكن أكرم أشار إليها بالصمت، والعجب أنها استجابت وصمتت. أكرم: أولاً وقبل ما أقولك أي حاجة، أنا عاوز أعتذر منك إني كلمتك من تليفون غريب، بس أنا والله كلمتك كتير جداً وكنت هتجنن لأنك مش بتردي عليا. ميسون: ليه؟

أكرم: لأنك أخدتي عني فكرة إني غير مهتم وإني سمعتك وبس، وكمان إني اتغيرت بعد ما سمعتك. أما أنا يا ميسون، كنت عاوزك تحكي كل حاجة بدك تحكيها من غير ما أسألك حاجة، بالعكس كنت عاوزك تحكي مش تردي على أسئلتي. ميسون: أنت في أول الكلام اعتذرت، بس ليه؟ مع إن أنا المفروض اللي أعتذر بصراحة. أكرم: علشان يعني، لطعتيني ساعة كاملة، لأ يا أميرتي، انتي من حقك تتأخري. (وأكمل كلامه دون أن يعطيها مجالاً للتساؤل)

أكرم: المهم دلوقتي، تعالي نقعد، أنا تعبت من الوقفة دي. (وأخدها من إيدها زي الطفلة لما تخرج مع باباها) أكرم: هتكلم أنا وانتي اسمعي وبس. أنا أكرم مأمون الجبلي، عندي 50 سنة، أو بالدقة هتم الـ 50 بعد 26 يوم بالظبط. ودي دعوة صريحة علشان دي أول مرة أعمل فيها عيد ميلادي، وبفكر أعملها هنا عند البحيرة دي وهتكوني انتي المشرفة عليها.

أنا حلواني أباً عن جد، كان عندي أكبر مصنع بحلب للحلويات السوري، وكمان 3 محلات، واحد بدمشق والاتنين بحلب. عيلتي كلها بتشتغل بالحلويات. متزوج وزوجتي كانت ست طيبة بنت صديق والدي. أنا اتجوزت كبير، كان عندي وقتها 39 سنة، لأني أكبر إخواتي، عندي أختين ووالدي مات صغير. كان لازم أشتغل وأصرف على البيت. أمي كانت ست مريضة بالقلب، تركت دراستي وأخدت الثانوية فقط واشتغلت، وكان همي بالحياة أخواتي البنات يكملوا تعليمهم، وأجوزهم، وأعمل عملية القلب لأمي. كل الالتزامات دي خلتني أنسى نفسي.

(لحظات صمت.. ثم أكمل كلامه) أكرم: ربنا قدرني أجوز أخواتي، وعملت عملية لأمي، لكن شاء الله إنها تتوفى بعد شهرين من العملية. البيت بقى بلا طعم، وكل أخت انشغلت ببيتها وأولادها. فاخواتي اقترحوا عليا إني لازم أتزوج. والحمد لله ربنا كان راضي عني ولقيت بنت الحلال اسمها حور، وهي فعلاً حور من الجنة. ربنا تم فضله عليا ورزقني بنور عيوني عمار وحنين. عمار كان أكبر من حنين بسنتين، بس لما تشوفيهم تقولي توأم.

(أكرم كان بيتكلم ودموعه غلبته وصوته اتخنق ومقدرش يكمل) ميسون حست وقتها إن الأرض بتلف بيها، لأنها مش مستعدة تسمع باقي الحكاية، لأن أكيد النهاية لا تحتمل. أكرم استجمع نفسه وكمل، لكن من غير ما يبص لميسون، وكأنه بيشوف الأحداث على الشاشة وبينقلها لميسون:

أكرم: في 2011 الربيع العربي انتقل لسوريا، ومن يومها انتهت سوريا. آآآآآه يالله، على صار سنتين بحاول أتعايش مع الوضع وعندنا أمل إن الأمور تستقر، لكن كل يوم الأحوال من سيء لأسوأ. المحلات خسرت بضاعتها، الشغل اتوقف، القصف ما كان بيبطل ولا ليل ولا نهار. كان عمار وقتها عنده حوالي 4 سنين وحنين سنتين. قررت أسيب سوريا وأطلع على لبنان. تركت كل شيء، البيت والمحلات، حتى المصاري اللي بالبنك ما عرفت غير أسحب منها جزء صغير. ذهب

مراتي بعته بأبخس الأسعار، تجار الحرب ما كفاهم الخراب اللي إحنا فيه، لا كمان كانوا بيتاجروا بينا ويستغلونا. المهم اتفقت مع أخواتي البنات إننا نتقابل على الحدود علشان ناخد سيارة توصلنا إلى لبنان. وشاء الله إني أتأخر أنا ومراتي وعيالي نصف ساعة، كانت كفيلة إنها تنجينا.

السيارة اللي اخواتي وازواجهم واطفالهم ركبوها تم قصفها. أقسم لك ما عرفت حتى أدفنهم، كانوا أشلاء. (حالة من البكاء الشديد...... أكرم قام من مكانه ووقف أمام البحيرة، لعله يلتمس بعض الهواء لأنه كان يشعر بالاختناق كلما تذكر ما حدث) أما ميسون فلم تنطق بكلمة، ظلت في بكاء صامت ولكنه موجع.

أكرم: بعد أسبوع من العذاب وقلة الأكل والمياه النظيفة، قدرنا نوصل للمخيمات الموجودة على الحدود مع لبنان. عشنا فيها مثل المساجين، نقف بالساعات علشان وجبة الأكل، أو نجيب مياه نظيفة، أو حتى نقدر نروح للعيادة لما الأولاد بيتعبوا. ست شهور كاملة واحنا مدمرين تماماً. وفي يوم جاء لي صديق عرفته من المخيم، قال لي عن رحلة طالعة لأوروبا، زي ما تقولي كده هجرة غير شرعية. فكرت

في الموضوع وقلت لحالي: إحنا كده ميتين وكده ميتين، بس يمكن يكون فيه أمل لو سافرنا لأوروبا وقدرنا نبعد عن الحرب والجوع والحياة البشعة اللي إحنا عشناها من وقت الحرب في سوريا. لكن حور اعترضت، ما كانت موافقة. كانت خايفة على عمار وحنين،

وقالت لي: خلينا في مكاننا. أيام تحاول تقنع في وأنا أقنع فيها، لحد ما في يوم أنا أصرت على السفر. وهي كالعادة استجابت لكلامي. اخذنا الولاد، هربنا من المخيم ورحنا على الميعاد اللي صديقي قال لي عليه.

وابتدينا رحلة العذاب والموت، سبع أيام في البحر، خلصنا الأكل والمياه. بالنهار الشمس تحرق فينا، وبالليل البرد يكسر عضمنا. وخلاص الكل حس المركب ما عمرها هتلاقي شط ترس عليه. واحنا في المياه كانت مركب جاية من بعيد، قلنا خلاص ربنا بعت لنا طوق نجاة. قعدنا نزعق علشان يسمعونا، وياريتهم ماسمعونا. كانت مركب القراصنة، حوطونا وطلعوا أسلحتهم، كانوا عاوزين ياخذونا عبيد. طبعاً كل في المركب رفضوا. قامت معركة بيننا وبينهم، وطبعاً المعركة غير متكافئة.

ضربونا بالرشاشات الآلي اللي معاهم، واللي مات مات، واللي أخذهم بالعافية معاهم في المركب بتاعتهم. أما احنا نزلنا المياه، ما بنعرف نعوم، حاولنا نتماسك. كانوا الكفرة بيضرب طلقاتهم في المياه علشان اللي حاول ينجي بنفسه من الخطف يموت من الرصاص. وللأسف رصاصتين من هم كانوا من نصيب ولادي. (بكاء شديد يحاول مسح دموعه ويكمل بصوت مخنوق من كثرة البكاء)

أكرم: أولادي كانوا لابسين سترات النجاة، بس الرصاص اخترقهم، فغرقوا في المياه. كانوا بينزلوا قدام عينينا أنا وأمهم. حور كانت بتصرخ عليهم بشكل جنوني، خلعت الجاكيت ونزلت تحت تجيبهم. وأنا بحاول أروح لعندها ما عرفت، الرصاص كان من كل اتجاه. نزلت حور. بس ما طلعت ولا هي ولا أولادي. فضلت زي المصدوم، ما بعرف قد إيه أنا فضلت على الحال، مني عارف أصرخ ولا عارف أبكي، مني عارف أعمل شيء. في لحظة فقدت كل عيلتي، فقدت كل شيء.

............ لحظة صمت

أكرم: ما بعرف أي شيء بعد هيدا الحادثة. وفي يوم صحيت من النوم لقيت حالي في سرير بمستشفى متربط. فضلت أحاول أطلع صوتي، ما عرفت. بعد شوية الطبيب جاء، كان بيتكلم عربي شوية مش مظبوط. عرفني بنفسه، قال لي إنه طبيب جراح واسمه خالد، عراقي، والده عراقي وأمه من اليونان، هو اتولد هناك. قال لي إني ضليت على الوضع ده حوالي 12 يوم. أول ما جئت كنت في حالة صدمة وبصرخ باستمرار، وجسمي محروق من الشمس والمياه المالحة، وأصابات شديدة في دماغي، وكسر مضاعف في رجلي وكسر في ضلوعي. سألني عن اسمي، ما كنت فاكر أي شيء. جالي فقدان ذاكرة جزئي، استمر معي ثلاث شهور. كنت في المستشفى كل الفترة دي بتعالج جسمانياً ونفسياً.

لكن اليوم اللي مش ممكن أقدر أنساه، اليوم اللي رجعت فيه ذاكرتي بشكل كلي. كنت بالأول بحلم بحرب وعربيات بتنفجر. قالوا لي وقتها إني جاي من لبنان بطريقة غير شرعية، وأكيد أنا سوري وهربان من الحرب. والبحر اللي كنت بحلم به، فاكيد لأني هربان بالبحر. بس صورة حور مراتي ما كانت بتغيب أبداً عن ذهني، بس ما كنت عارف مين هي بالضبط. بس في اليوم ده عرفت كل شيء. قال: انهيار عصبي حاد.

فجأة أكرم سمع صوت عياط مكتوم. بص وراه للاقي ميسون ساندة على الشجرة وضامة رجليها حواليها وبتبكي بشكل هستيري. مسح دموعه وراح لعندها. أكرم: ميسون شو بيكي حبيبتي؟ كفاية بكاء، أرجوكي كفاية. فتحي عيونك، أنا أكرم. قدامك. ميسون رفعت راسها، وأول ما شافت أكرم حضنته بقوة، كأنها بتشوفه بعد غياب طويل. أكرم كمان حضنها ونسي معاها ألمه وحزنه. كان خايف عليها هي وبس. فضل يهديها ويطبطب عليها لحد ما هدت تمام.

أكرم: خلاص حبيبتي، اهدي. تعالي نامي على رجلي شوية. ميسون استجابت فعلاً ليه ونامت على رجله زي الأطفال. فضلت نايمة فترة مش قصيرة، نامت بارتياح. وبعد شوية أكرم صحاها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...