الجد في الحرم قاعد جنب أحمد اللي مابطلش دعاء ولا بكاء. كان حاسس أن قلب أحمد هيقف من كتر البكاء وكأنه فقد الغالي. كان بيدعي له إن ربنا يطمن قلبه ويهديه لطريق الصواب ويبعد عنه مكر ميسون. ولو جوازه فيه خير يستمر، ولو شر يبعده عنه. أحمد كل ما كان يبكي بيحس براحة شديدة، كان حاسس فعلاً إن ربنا هيطمنه وهيكون ديما جنبه.
ميسون تقريباً مش فاهمه الحالة اللي أحمد فيها. كانت واقفة جنبه وشايفاه متعلق باستار الكعبة وتقريباً سمعت صوت بكاه. وحست للحظة إنها غلطت في حق أحمد، لكن رجعت تاني لشخصيتها. بعد انتهاء العمرة، جلس أحمد يصلي بخشوع وتذلل. وأنهى صلاته. كانت ميسون بجانبه ومالت عليه وقالت: "مالك يا أحمد؟ أنا أول مرة أشوفك كده." أحمد: "وإنتي من إمتى شفتيني وأنا بعمل عمرة قبل كده ولا حتى وأنا بصلي؟ ميسون: "مش قصدي، بس حاسة إن فيك حاجة موجوعة."
أحمد بص للكعبة وصوته فيه أثر دموع وقال: "ومين ما فيهوش حاجة واجعاه؟ ميسون: "أنا صحيح يا أحمد، طلبت منك الجواز بس أنا ما غصبتكش." أحمد: "وأنا اتجوزتك بإرادتي مش غصب عني. ارتاحي يا ميسون، إنتي دلوقتي مراتي. الموضوع منتهى." ميسون: "طيب عاهدني واحنا في بيت الله إنك تفضل جانبي لآخر العمر." أحمد: "شوفي يا ميسون، العهد اللي أقدر أقولهولك إني هعمل المستحيل عشان العلاقة اللي بينا يكون فيها مودة ورحمة وأنها تستمر."
ميسون بصتله باستغراب: "إنت بتسمي جوازنا علاقة؟ يعني حتى مش هتدي نفسك فرصة تحبني؟ طيب اضحك عليا وقولي بحبك، حتى ولو بالكذب." أحمد: "يا ميسون، المودة والرحمة والاحترام هما أساس العلاقة الزوجية. هما اللي بيولدوا الحب. وأنا أوعدك إني أكون الزوج اللي هيتقي الله في زوجته. أنا بقى اللي عاوز وعد منك." ميسون: "إنت حبيبي يا أحمد وعمري كمان ليك." أحمد:
"ميسون، من فضلك بلاش كلام مشاعر مندفع. إنتي عارفة إن طريقة جوازنا كانت مختلفة." وسكت وكأنه بيحاول يهرب من ذكرى اللي حصل في بيت ميسون. "أنا عاوزك توعديني إنك تكوني الزوجة الصالحة وتتقي الله في حياتنا وبتنا. لأن بصراحة يا ميسون، أنا تعبان أوي. طول عمري لوحدي. بجد محتاج اللي تقف جنبي وتكون أمي وأختي ومراتي وحبيبتي وبنتي وعيلتي كلها. عاوز زوجة تحتويني وبس."
(أحمد مش عارف ليه أن كلامه ده كان موجه لندي، وأنه ما كانش شايف ميسون قدامه، وأن الوصف ده كان وصفه لندي مش ميسون.) (ميسون حضنته من جنبه وقالت: _اوعدك) أحمد طبطب على ايديها وسكت وقال في سره: "يااااارب." بس كانت قوية، لم يسمعها ولا يعلم بمدى الألم إلا الله. ***
ندى وليلى وابن أخوها جمال راحوا يعملوا عمرة. واتقابلت ندى مع أمينة وعيلتها وكانوا في منتهى السعادة. واللقاء كان رائع. وراحوا يعملوا عمرتهم. كانت ندى مع صديقتها أمينة بيطوفوا وبيدعوا. وكل واحد بيدعي باللي يتمناه ويشتكي وجعه للحي الذي لا يموت.
ندى بعد انتهاء مناسك العمرة. جلست على إحدى السلالم تدعو ربها وبتضرع. وكان دعائها لأمها بالجنة والرحمة وأن يجتمعوا تاني في الجنة. وكانت بتدعي لبنتها وأيضاً وكالعادة تدعو لأحمد بالهدايا. ندى: "يارب نجيه واحميه يارب من شر شيطان نفسه. يارب عرفه طريقك. يارب ما يرجعش للسكة الغلط تاني. يارب." وسكتت شوية وكان فيه دموع في عينيها. فدفنت وشها بين كفيها وكملت دعائها:
"يارب نفسي أشوفه. نفسي أطمن عليه. نفسي أعتذر له. يارب يسامحني." *** في الوقت ده، أحمد قام من جنب ميسون يجيب ميه زمزم عشان يشرب. اتجه نحو إحدى السلالم في الحرم الداخلي. وهو ماشي لمح ليلى أو حس أنه لمح ليلى. لم يهتم كثيراً.
اتجه لإحضار المياه. وفي عودته لمح الفتاة مرة أخرى. فنظر إليها جيداً وتأكد أنها ليلى. وكانت تجلس بجانب امرأة تضع رأسها بين كفيها وتسندها على ركبتيها. واتجه إليهما وكأنه مسلوب الإرادة وقلبه يخفق. كان يتمنى أن تكون ندى، وفي نفس الوقت لا يتمنى ذلك. تمنى أن يرى ندى التي اشتاق إليها بجنون. ولم يتمنى أن يراها لأنه لا يعرف ماذا سيفعل إذا تأكد أنها هي. ماذا سيقول لها؟ أحمد متحدثاً لنفسه:
"انتظر يا أحمد، هي من رفضتك. لا يحق لها لومك." لكن ندى لم تلوم أحمد أبداً. بل دائماً تسمعه وتعطيه النصائح بأسلوبها الجميل. لكن أبداً لا تلومه. حتى في الحوار الأخير، أحمد شعر أن ندى بداخلها شحنة غضب. كان لابد أن تخرجها. وكان لابد أن ينتظرها حتى تهدأ. هو أخطأ. لم يعطِ لنفسه فرصة أن يفهم لماذا هذه الثورة. كان لابد أن يعطيها الفرصة لكي توضح له. لكن اكتفى بالبعد وقطع التواصل معها.
كل هذا الحوار يدور في عقل أحمد وهو يتقدم ببطء نحو ليلى وندى وهو مسلوب الإرادة. حتى وصل أمام ندى مباشرة. لم يفعل شيئاً سوى أنه ظل واقفاً ينظر لها وابنتها. لم تنتبه له ندى. لكن ليلى هي من انتبهت ونظرت إليه. ولم تستطع حتى أن تتكلم. ظلت هذه الطفلة للحظات غير متأكدة مما رأته أمامها. كل ما فعلته أنها نكزت أمها عدة مرات في ذراعها. لكي تنظر إلى أحمد. وبالفعل ندى انتبهت ونظرت إلى ابنتها باستغراب. ندى:
"بس بقى يا ليلى بتخبطيني في دراعي جامد كده ليه؟ عاوزة إيه؟ ندى بتتكلم وتنظر لابنتها التي كانت جالسة بجوارها. لكنها لاحظت أن ابنتها ترفع رأسها لأعلى. فاتجهت أنظار ندى لما يشغل انتباه ابنتها. وكانت المفاجأة أو الصدمة أو الدهشة. لا تعلم ندى وصف تلك اللحظة لأنها حقاً لا يمكن وصفها. كانت منذ قليل تدعو الله أن يحفظ لها حبيبها وأن تلقاه يوماً ما. وها هو أمام عينيها بكل بساطة. (سبحانك يا الله حقاً لك في هذا حكمة)
وتعلقت أعينهما في نظرة طويلة جداً. لم تستطع ندى حتى أن تقف من مكانها. ولم يستطع أحمد أن يجلس أمامها. ظل كلاهما على وضعه وكأن الزمان والمكان توقف لبرهة. لكن صوت ليلى قطع هذا الصمت. ليلى: "uncle أحمد، إزيك؟ أنا مبسوطة إني شوفتك تاني. شوفي يا مامي uncle أحمد. أنا ما كنتش مصدقة بس هو فعلاً." أحمد بعد أن استوعب الموقف: "إزيك يا ليلى؟ إزيك يا ندى؟ (كان نفسه ياخدها في حضنه لكن منعه ألف سبب)
كان ماسك كوبيتين من المياه. وفي لحظة انتبهت ندى للدبلة في يد أحمد الشمال. ولم تسمع بعدها شيئاً مما قاله أحمد. وهو أيضاً لاحظ نظرتها لإصبعه الذي يحمل دبلة ميسون. رفعت عينها في عينه وقالت: "مبروك." ومسحت دمعتها قبل أن تنزل. لكن أحمد كان رآها وتأكد أن ندى تبادله نفس مشاعر الحب بل العشق أيضاً. وكان يتمنى أن يسألها: "ليه؟ طالما كل هذا الحب في عينيكي، لماذا أبعدتيني عنك؟
ولكن لم ينطق حرفاً. حيث ظهرت أمينة مع ابنتها ووالدتها. أمينة: "أحمد ذيدان! مش ممكن يا سبحان الله. الدنيا صغيرة. معقول أشوفك هنا؟ إزيك يا أحمد؟ أخبارك إيه؟ وأراضيك فين دلوقتي؟ أحمد: "إزيك إنتي يا أمينة... وإيه ده؟ مين البنوتة القمر دي؟ أمينة: "دي بنتي." أحمد: "بنتك؟ إنتي لحقتي تتجوزي وتخلفي؟ أمينة: "لأ يا أحمد، دي بنت يتيمة أنا اتبنتها. ما إنت عارف إن ربنا ما أنعمش عليا بنعمة الأطفال."
(قالتها بحزن وبصت في الأرض. بس فاقت سريعاً وكملت) "لكن بردوا الحمد لله إنه أنعم عليا بميمي الصغننة الجميلة دي. هي بقت دنيتي الجديدة." أحمد كان عارف إنها مبتخلفش. لكن ماحبش يضايقها. أحمد: "إنتي عظيمة أوي يا أمينة. ربنا يجعله في ميزان حسناتك. تستهلي كل خير." أمينة لاحظت أن ندى تنظر في الأرض في شرود. وهي لم تتوقع منها هذا. كيف لا تكون سعيدة بعد أن قابلت أحمد حبيبها وفي أطهر مكان على وجه الأرض؟
كان هذا رد فعل غير منطقي لأمينة. ميسون والجد كانوا خلف أحمد. الجد: "إنت فين يا أحمد؟ قلقتنا. كل ده بتجيب ميه؟ أحمد: "آسف يا جدي. اتفضل الميه اهه." (ميسون تركت الجد ووقفت بجوار أحمد. وأيضاً تمسكت بذراعه عندما رأته يتكلم مع أمينة وندى.) ميسون: "خير يا حبيبي؟ (نظر لها أحمد نظرة غضب. ولكنها تجاهلته.) ميسون: "مين حضرتهم اللي شغلهك عنا؟ أحمد: "أحب أعرفك ندى وأمينة. زمايلي في شركة مصر. ودول بناتهم." أمينة: "أهلاً وسهلاً."
(أما ندى فلم تنطق بل ظلت تنظر إلى ميسون بارتباك.) ميسون: "طيب مش تعرفهم عليا؟ أحمد وكأن الدنيا ضاقت عليه مرة واحدة. وخصوصاً لما لاحظ نظرات ندى المتعلقة به. وكأنها تقول له: "ارجوك لا أريد أن أسمع هذه الكلمة." أحمد: "ميسون... مراتي." ندى، لفت الدنيا بها وكادت أن تسقط. لكنها تماسكت وسندت على ابنتها. وأمينة حاولت أن تصطنع أي شيء يبرر موقف ندى. فقالت: "كده يا ندى؟
ما أنا قولتلك تاكلي الأول قبل ما تعملي العمرة. كده دوختي من قلة الأكل." أحمد كان عارف أن الكلام ده غير صحيح. لأنه لاحظ ارتباك أمينة وعارف نظرة ندى له. ميسون: "تشرفت يا جماعة بمقابلتكم. أتمنى أشوفكم مرة تانية." (وسلمت بفتور) "يلا يا أحمد، أنا تعبانة. إحنا كده خلصنا العمرة." أحمد سلم على أمينة وندى ومشى. لكن عينيه كانت على ندى وبس.
ميسون مسكت في ذراع أحمد ومشيوا مع بعض. كل هذا كان على مرأى ومسمع من الجد. الذي رأى مدى روعة ندى. حس إنها انكسرت. ليست هي فقط، بل أحمد أيضاً. ذهب لندي وقال: "إزيك يا بنتي؟ أنا جد مروان." طبعاً ندى عرفاه وسلمت عليه بحرارة. ندى: "أحمد حكالي كتير عن حضرتك. وعلى فكرة حضرتك ليك معزة خاصة عنده. كفاية إنك السبب في هديته." الجد:
"لأ يا بنتي، إنتي السبب الحقيقي. إنتي اللي عرفتيه الطريق. أما أنا فمشيته معاه. إنتي يا ندى الملاك اللي ربنا بعته لأحمد." (شد على إيديها وقالها) "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله." "ماتقلقيش. مافيش حاجة بعيدة عن ربنا. اعتبريه امتحان عشان ربنا يشوف صبرك." ندى بصتله باستغراب. (الجد) "ما تبصليش كده. زي ما إنتي عارفة كل حاجة عني من أحمد. أنا بردوا عارف كل حاجة عنك من أحمد. بقولك إيه؟
أنا عاوز أكلمك." أمينة: "لحظة واحدة. ممكن تليفونك؟ وأنا هكتبلك رقمها وكمان الواتس آب." ندى: "لو عاوز توصل أحمد، معاه اسم الأكونت بتاعي. تقدر تاخده منه." الجد: "ومين قال إن أنا عاوز أحمد يعرف حاجة؟ خدي يا بنتي التليفون سجلي عليه رقمك." أمينة فرحت لصاحبتها وحست إن وجود الراجل ده هيأثر بشكل إيجابي على أحمد. وفعلاً سجلت تليفون ندى والواتس آب بتاعها. أحمد اتصل بالجد وأخبره أنه هيحصله على الفندق. ***
أمينة وندى بعد ما ذهب الجد جلسوا سوياً. وظلت ندى تبكي في صمت. أمينة: "ليه كده يا ندى؟ اهدي. بطلي تعياطي وقولي يارب. وبعدين مش إنتي اللي طردتيه من دنيتك؟ إنتي ناسيه خلاص بقى. متلوميهوش بقى." ندى: "لأ لازم ألومه. لازم ألومه. أيوه أنا انفجرت فيه ودي أول مرة." يعني اللي فات ماشفعليش عنده؟ كنت بسمعه زي واحد صحبه، وأكتم جوايا. إيه مش من حقي أزعل؟ أغضب؟ أنفجر؟ وبعدين ليه مكلمنيش تاني؟ يعاتبني؟ يسألني؟ يشتمني حتى؟
فين حق الصداقة؟ فين؟ أنا كنت طول الوقت بسمع منه وبس. ولا مرة حتى حكيتله حاجة. وهو مش إحنا يا أمينة؟ بنسمع مشاكل بعض؟ بنتكلم وبنحكي مع بعض؟ اشمعنى معاه هو؟ كنت أنا بسمع وبس؟ أنا بقى عنده أبقى إيه؟ وظلت تبكي، وأمينة خدتها في حضنها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!