تقدمت «جنة» بأقدام مُثقلة بأحمال لم يعُد لها طاقة على إحتمالها ولهذا مزقت وثاق الخوف الذي كان يُكبلها ونفضت عنها هذا الضعف الذي كاد أن يُنهيها. _ينفع أتكلم معاك لوحدنا بعيد عن أي حد؟ لملم أوراقه قبل أن يقول بجفاء: _أكيد ينفع. جاية من آخر الدنيا واستنيني ساعتين على ما المؤتمر خلص، يبقى الكلام اللي عايزة تقوليه مينفعش مسمعهوش. اخفضت رأسها بأسى لم يغادر قلبها منذ ذلك اليوم المشؤوم ثم قالت بخفوت:
_هستناك بره لما تخلص اللي وراك. كادت أن تغادر لولا كلماته التي أوقفتها: _سليم عارف أنتِ جاية تقوليلي إيه؟ كلماته اخترقت حدود المنطق بالنسبة إليها، فدقت طبول الذعر بقلبها لتلتفت قائلة بجزع: _لا. س. سليم ميعرفش حاجة. رق قلبه لحالها فرسم ابتسامة هادئة على ملامحه قبل أن يتحدث بهدوء قاصدًا طمأنتها: _اتخضيتي ليه كدا؟ أنا بسأل بس. اقعدي ارتاحي لحد ما أخلص. خمس دقايق وهكون معاكِ.
طاوعته دون حديث، فقد كانت تبحث بين الحروف عن كلمات يُمكن أن تُعبر بها عن فداحة ما تشعر به. لم يكن ألمًا لفراق محتوم قد ينال من قلبها، بل كان أسى وندم على ما عانته شقيقتها سابقًا وما تعانيه الآن بسببها. كان الإرهاق البادي على ملامحها يوحي بمدى حزنها الذي أطفأ بريق عينيها وجعلها كزهرة ذابلة زرعها أحدهم ونسي أن يرويها. _معاكِ يا جنة. كنتِ عايزة تقولي إيه؟
هربت الحروف من بين شفتيها، فأخذت تُطالعه كطفلة صغيرة لا تجرؤ على الحديث عن ذنبها أمام والدها، ولكن كان لعينيها رأيًا آخر، فأخذت العبرات تنهمر على وجنتيها تحفر وديانًا من الألم فوق ساحتهما. فشعر «سالم» بالحزن لأجل تلك الفتاة التي اندثرت زهرة شبابها أمام كل ما عايشته. التف ليجلس على المقعد أمامها ثم ناولها أحد المحارم الورقية قبل أن يقول بهدوء:
_سليم قالي إن نتيجة المسح الذري طلعت، والحمد لله أنتِ كويسة، يبقى ليه الدموع دي كلها؟ تزاحمت الحروف فوق شفتيها فهدرت بألم: _حتى لو طلعت غير كدا مكنتش هتوجع زي منا موجوعة دلوقتي. أنا السرطان متعبنيش قد ما وجعني الغدر والظلم اللي شفته على إيد حازم. كان قهرها أمرًا مُروعًا، وتلك الحرقة التي تقطر من نبرتها إضافة إلى طوفان العبرات الذي بلل مقدمة صدرها، فكانت مظهرها مروعًا مما جعل «سالم» يقترب قائلًا بحنو:
_موضوع حازم مات وانتهى، ليه كل اللي أنتِ فيه دا؟ _منتهاش. منتهاش ولا هينتهي غير لما ينهيني. صمتت لثوانٍ قبل أن تتابع بقهر: _فرح مظلومة. فرح مش وحشة. أنا اللي وحشة. أنا السبب في كل حاجة وحشة حصلتلها. أنا لعنتها الأبدية.
تزاحم الدمع في عينيها يسقط مُرهقًا كحال قلبها النازف من فرط الألم، وكذلك نهنهاتها التي توحي بمن يراها بأن تلك المرأة خسرت جميع معاركها مع الحياة ولم يبقى لها سوى عبرات وحقيبة جراح لا تندمل ولا يمكن شفاءها. _جنة أنا مش هعرف أتكلم معاكِ وأنتِ في الحالة دي. ممكن تهدي شوية؟ أبدأت تكفكف عبراتها وحاولت السيطرة على جيوش الألم التي تكاد تفتك بصدرها ثم تابعت بنبرة مُتحشرجة: _ناجي كان بيهددني وفرح عرفت، عشان كدا راحت تقابله.
زفر «سالم» يحاول تلافي طوفان الغضب الذي يكشر عن أنيابه كلما مر على باله ذكرى ما حدث، فجاءت نبرته جافة حين قال: _احكي كل حاجة حصلت من الأول. اخفضت رأسها لا تقوى على النظر بوجهه ثم قالت بأسى: _ناجي كان بيهددني إنه معاه فيديو ليا أنا وحازم لما... صمتت لثوانٍ قبل أن تُتابع بخفوت: _لما اغتصبني. وأنا من رعبي إن حد يعرف كنت عايزة أنفصل عن سليم. كنت مرعوبة لا يعرف أو يشوف حاجة زي دي.
كان الألم يقطر من بين حروفها مما جعل «سالم» يحاول تخفيف الأمر قليلًا إذ قال: _خوفك غير مبرر يا جنة عشان سليم عارف إنك ملكيش ذنب. رفعت رأسها تُطالعه بخزي: _لما يسمع غير لما يشوف بعنيه. سليم ميستاهلش مني أوجعه كدا. لو شاف حاجة زي دي عمره ما هيقدر يبص في وشي، ولا أنا هقدر أرفع عيني فيه ولا فيكوا. قالت جملتها الأخيرة بشفاه مرتعشة وأكتاف مُتهدلة، بينما كانت نبرتها جريحة توحي بمقدار الخزي والألم اللذان تشعر بهم.
_كملي يا جنة. هكذا تحدث «سالم» بهدوء فتابعت بنبرة مُتحشرجة: _فرح حست إن في حاجة بيني وبين سليم وكلمتني، ومن خوفي اللي حصل دا يحصل مقدرتش أقولها حاجة. قاطعها «سالم» مستفهمًا: _حصل إيه بينك وبين سليم؟ _من كتر وجعي وغضبي من حازم ومن اللي بيحصلي بسببه طلبت منه يكتب محمود على اسمه. بس هو مرديش، فاتخانقنا. قاطعها «سالم» بجفاء: _بس هو عنده حق، دا حرام شرعًا. لاحت على شفتيها ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيها، فتجاهلت حديثه
وقالت بنبرة محشوة بالوجع: _هو قالي كده، بس أنا كنت مخنوقة ومضغوطة جدًا، فاتخانقت معاه. وحصل موقف مروة وناجي، هو اللي قالي إن سليم عندها. في اليوم دا فرح جاتلي وأثرت تعرف أنا عرفت منين مكان سليم. مردتش أقولها، لكن فرح لما بتعوز تعرف حاجة بتعرفها. أخدت موبايلي وعرفت كل حاجة.
صمتت لثوانٍ، فقد أتعبها البكاء والحديث وكل هذا الألم الذي يجيش بصدرها، فناولها «سالم» كوبًا من الماء كان موضوعًا على الطاولة الخشبية. فبلت حلقها الجاف من فرط الأسى، ثم تابعت بمرارة وكأن صبارًا نبت في جوفها: _معرفش حصل إيه بينهم، لقيتها جاية تقولي بتكلمي ناجي من إمتى؟ حكتلها كل حاجة، وهي كانت هتحكيلك. أنا اللي اترجيتها متقولش. رفعت عينيها تناظره باعتذار وعينين تتوسلان الصفح:
_أنا اللي اترجيتها والله. مكنتش عايزة حد يعرف. مكنتش هقدر أبص في وش حد فيكوا لو عرفتوا بوجود فيديو زي دا. أنا آسفة. أنا السبب في كل حاجة وحشة حصلتلكوا. بس والله غصب عني. مكنتش أعرف إن فرح هتروح تقابله. لو كنت أعرف كنت جريت قلتلك. فرح دي أغلى حاجة عندي في الدنيا. متحملش أشوفك ظالمها بسببي. أرجوك سامحها. أرجوك متزعلش منها. هي ملهاش ذنب، وأنا أوعدك هختفي من حياتكوا نهائي.
كانت لوعتها أصعب من أن توصف، وأقسى من أن تُحتمل. جسدها ينتفض وعبراتها لا تتوقف وشفاهها ترتجف، بينما عينيها كانت بحرًا من الدماء تتماوج بها مختلف الشعور، وكان أقصاهم الخزي، وأشدهم الذنب. وهنا صدح بعقله استفهام مُلح: كيف لطفلة مثلها أن تحتمل كل هذا؟ كيف لهذا الجسد الضئيل أن يتحمل كل تلك الأثقال التي تهلك أعتى الرجال؟ شعر بانتفاضة قلبه تأثرًا بحال تلك المسكينة، فامتدت يديه تحوي كفها المرتجف وهو يقول بحنو لا يعلم
من أي جهة تسرب إلى قلبه: _كل دا شيلّاه في قلبك يا جنة؟ ليه كدا؟ دا أنتِ لو بتموتي نفسك في البطيء مش هتعملي كدا. رفعت رأسها تناظره بلوعة لونت نبرتها حين قالت: _أنا نفسي أقعد أصرخ لحد ما أقع من طولي. حاسة إن قلبي بيتعصر من جوا من كتر الوجع. نفسي أحس إني عايشة حياة طبيعية. نفسي أنام يوم متطمنة. أنا تعبت أوي. لو مكنش الانتحار حرام أقسم بالله كان زماني ميتة من يوم ما حازم اغتصبني.
صمتت لثوانٍ قبل أن تقول بنبرة تتضور وجعًا: _أنا مش في إيدي حاجة غير إني أعيش وجعي وخوفي وألمي وأنا ساكتة. خايفة أنطق الدنيا تتقلب من جديد زي ما حصل معاك أنت وفرح. لأول مرة يعجز عن الحديث، فأي كلمات تُقال قد تخفف من وطأة هذا الحزن الدامي الذي يتبلور في عينيها ويتساقط من بين حروفها؟ أي وغد هو أخاه حتى يقوم بفعله الدنيء مع تلك الفتاة البريئة؟ زفر بتعب قبل أن يقول بلهجة مشجبة:
_غلطانة يا جنة. أنتِ وفرح جزء من عيلتنا، والغلط اللي أنتِ خايفة منه دا إحنا نشيل نصه وحازم يشيل نصه. أنتِ ملكيش ذنب فيه. «جنة» بمرارة تمتد من القلب إلى الحلق: _للأسف أنا اللي شلته الشيلة كلها. ولسه بدفع تمن إني أشْفَقْت على شخص مريض. يمكن دا ذنب عملته وربنا بيخلصه مني. أنا راضية بنصيبي، بس كفاية فرح تتعذب بسببي. فرح تعبت أوي معايا. «سالم» بجفاء:
_فرح بتتعاقب على تفكيرها الغلط. خليها بره كلامنا. أنتِ دلوقتي تفكيرك غلط. أنتِ ترفعي راسك وأوعي توطيها تاني. أوعي تقولي الكلام دا أبدًا. العيلة مش مجرد كلمة. لا. العيلة دي ونس وصحبة وأمان وسند واحتواء. استمهل نفسه قبل أن يتابع بقوة: _وبعدين الضعف اللي أنتِ فيه دا هيغرقك. لازم تكوني قوية. طول ما أنتِ ضعيفة الدنيا مش هتبطل تكسر فيكِ. «جنة» بأسى: _قوية مرة واحدة! أنا حتى مبلحقش أشم نفسي.
يعلم كم هي مُحقة، ولكن لابد من أن تتجاوز كل ما آلمها قبل أن تجهز عليها: _لازم تمشي نفسك وتقفي على رجليكِ. عشانك وعشان ابنك وعشان سليم. وعلى فكرة أنا لو مكنش حرام إني أغير اسم محمود كنت بنفسي كتبته باسم سليم سواء كان حازم ميت ولا عايش. برقت عينيها من حديثه، والتمع الشك بنظراتها، فتابع «سالم» بفظاظة: _حازم ميستحقش يكون له ابن زي محمود. لو مفكرة إني يومين وهطبطب على حازم ويرجع يعيش حياته طبيعي معانا تبقي لسه متعرفنيش.
«جنة» بترقب: _أومال هتعمل معاه إيه؟ «سالم» بقسوة التمعت في عينيه وتجلت في نبرته حين قال: _كان مفروض يا إما أقتله، يا إما أسلمه بإيدي للشرطة. بس في الحالتين هبقى حكمت على عيلة كاملة بالضياع والفضيحة، وهبقى حكمت عليكِ أنتِ ومحمود تعيشوا طول حياتكوا موطيين راسكوا. صمت لثوانٍ يتابع انفعالاتها وملامحها التي بدأ عليها الاقتناع، ثم تابع بخشونة:
_حازم عايش أسوأ حياة كان يتخيلها في حياته، ولما ما يتعدل ويبقى بني آدم هيبتدي عقابه. وقولتهالك قبل كدا مش هيحصل غير اللي أنتِ عايزاه، واستنيتك تيجي تقوليلي عايزة إيه مجتيش. «جنة» باندفاع: _مفيش حاجة هتشفي غليلي منه. أنا عمري ما كنت شخص حاقد، وبسببه بقيت شخص الكره ماليه. _حقك. مش بلومك. أنتِ محتاجة تتعافي من اللي حصل عشان تقدري تكملي حياتك وتعيشي صح، وأنا معاكِ في كل اللي أنتِ عايزاه.
للمرة الثانية التي تستمع لهذا الوعد منه، ولكنها الآن ستطالبه بتنفيذه في أسرع وقت: _يعني لو طلبت منك طلب تنفذهولي؟ «سالم» بفظاظة: _أي طلب بعيد عن فرح اعتبريه اتنفذ. صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بتحذير: _عشان كدا فكري كويس أوي قبل ما تطلبي. عبأت جوفها بالهواء علها تطفئ تلك النيران الموقدة داخل صدرها، وبأعين أنهكها الوجع ولهجة مشبعة بالأسى صكت فرمان هلاكها: _عايزة أمشي. كان يتوقع ذلك، ولكنه واصل صمته في دعوة لتكمل حديثها،
فتابعت بلهجة مشجبة: _عايزة أبعد يمكن أقدر أتعافى. شعر بشيء آخر خلف نظراتها الملتاعة، فقال بريبة: _فيه سبب تاني ورا طلبك دا غير الكلام اللي قولتيه من شوية؟ امتقع قلبها وأخذ يتلظى بنيران الجور وهي تتذكر ما حدث ذلك الصباح. *** **عودة لوقت سابق**
توجهت «جنة» إلى غرفة «أمينة» تجر قدمًا وتؤخر الثانية، تُريد الاعتذار منها على كل هذا التجاهل الذي بدر منها في الآونة الأخيرة. وحين أوشكت على إدارة قفل الباب، تجمدت أناملها حول الحلقة الحديدية كما تجمدت الدماء في عروقها حين سمعت كلمات «أمينة» المُعذبة: _قلبي وجعني يا همت لما سمعته بيسأل سالم عن حازم وصوته زي ما يكون هيبكي. «همت» بتأثر:
_اللي حصل ماكنش سهل يا أمينة، وخصوصًا على واحد زي سليم. دا عمره ما قبل الغلط. عايزاه يقبل إزاي بكل الكوارث اللي حازم عملها؟ «أمينة» بحرقة: _أنا السبب. أنا اللي دلعته بزيادة وكنت بخبي كل مصايبه على إخواته وأقول شاب وبكرة يعقل. أتانيني كنت بساعد في ضياعه أكتر وأكتر. «همت» بمواساة: _بتقولي إيه بس يا أمينة؟ أنتِ يعني كنتِ هتعرفي إنه ممكن يعمل جريمة زي دي وتسكتي له؟
وبعدين الزمن كفيل يغير كل حاجة ومسيرهم يرجعوا لبعض تاني، دول مهما كان إخوات والضفر عمره ما يطلع من اللحم. «أمينة» بأسى: _سليم مش ممكن يسامح حازم أبدًا. يمكن سالم في يوم من الأيام يسامحه، إنما سليم لا. أنا عارفة ابني. هيفضل يتعذب طول عمره ما بين أخوه ومراته. «همت» بصراحة انتفض لها قلب جنة:
_بصراحة يا أمينة. سليم موقفه صعب. يعني لو مكنش اتجوز جنة كان ممكن ربنا يهدي الحال ما بينهم. إنما بعد ما اتجوزها استحالة يتقبل وجود حازم حتى لو هو بيتعذب عشان أخوه. انسدلت العبرات من عينيها وحفر الألم شعائره بتجاعيد وجهها وهي تتساءل بأسى: _يعني ولادي عمرهم ما هيرجعوا يتجمعوا تاني أبدًا؟ زفرت «همت» بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
_طول ما جنة بينهم عمرهم ما هيتجمعوا تاني أبدًا. اعذري سليم دا راجل ودمه حامي واللي حصل ماكنش هين. *** **عودة للوقت الحالي** فاقت من شرودها على صوته الفظ حين قال: _كل دا بتفكري على إجابة لسؤالي يا جنة؟ تحشرجت نبرتها حين أجابته بمراوغة: _لا أبدًا. أنا بس سرحت في فرح. أنا سيباها تعبانة. اندفعت الأحرف من بين شفاهه متلهفة: _مالها؟ «جنة» بعتاب: _يعني تعب الحمل مع الزعل. نظف حلقه قبل يقول بفظاظة مُغيرًا دفة الحديث:
_مجاوبتيش على سؤالي في أسباب تانية لطلبك دا؟ استجمعت جأشها قبل أن تقول بجفاء: _لا. أومأ برأسه قبل أن يقول بفظاظة: _تمام. اللي أنتِ عايزاه. بس خلي بالك سليم مش هيقبل بكدا، ودي حاجة أنا مقدرش أدخل فيها. دي حلوها بينكوا. وكأنه ألقى بها أمام ثيران الألم التي تهيج عند رؤية الدماء. دمائها التي حتمًا سيذرفها قلبها حين تخبره بقرارها. _تمام. أنا ممكن أروح عند جدي. وقتها... قاطعها «سالم» بجفاء:
_لا. تبقي كدا بتصعبي الأمور على نفسك وعلينا، وهتدخلي في دوامة استفهامات معتقدش إنك عندك القدرة تجاوبي عليها. كان حديثه صحيحًا، ولكنها كانت تبحث عن مأمن يحميها من ضعفها أمامه. فماذا ستفعل الآن؟ _طب أنا هعمل إيه؟ وهروح فين؟ صمت لثوانٍ قبل أن يتابع بنبرة يشوبها المكر: _إيه رأيك تقعدي عند صفوت وسهام؟ منها تبقي بعيد وعنها أبقى مطمئن عليكِ.
بتر الشق الأهم من أسبابه، وهي كونها ستكون نصب عيني شقيقه الذي حتمًا لن يقبل أن تفارقه وسيفعل المستحيل لاستعادتها، ولهذا يريد تيسير الطرق أمامه لفعل ذلك. استسلمت أمام أسبابه التي بدت معقولة، فقالت بهدوء: _تمام موافقة. بس أنا معرفهمش أوي. _هتعرفيهم وهتحبيهم. كمان نجمة بنتهم هتبقى مرات ابن عمك وخطوبتهم قريب أوي، وأعتقد دا عذر مقبول لوجودك هناك. يعني قدام جدك وأولاد عمك. «جنة» بجمود: _خلاص موافقة.
شعر بألمها الذي تبلور في عينيها وكم الأذى الذي طال قلبها وهي تنوي الفراق، لذا قال بلهجة محذرة ولكنها تحوي الطمأنينة بين طياتها: _أول وآخر مرة تخبي حاجة عني. أنتِ زيك زي حلا. لا تخافي ولا تتكسفي من أي حاجة أبدًا. فاهمة؟ لونت ملامحها ابتسامة هادئة لا تخلو من الحزن حين قالت: _فاهمة. أضاف بلهجة هادئة: _متقلقيش من تهديد الكلب دا، محدش يقدر يأذيكِ ولو بنظرة، والموضوع دا تقفليه وكأنه ما حصلش. _بس... «سالم» بصرامة:
_من غير بس. كلامي يتنفذ. أومأت بصمت قبل أن تقول بتوسل: _طب ممكن تصالح فرح أصل... قاطعتها نبرته الجافة حين قال: _متقلقيش على فرح. اللي بيني وبينها مش أي حد يفهمه. طمأنتها كلماته، وتلك اللمعة في عينيه حين ذُكر اسمها، فابتسمت بخفة قبل أن تقول: _أنا عارفة إن انت عمرك ما هتقسى عليها، وهي عمرها ما تقدر تبعد عنك.
كلماتها أيقظت وحوشًا وبراكين يحجم اندفاعها بشق الأنفس. يتمنى لو كانت أمامه الآن حتى يفرغ بها شحنات غضبه منها وشوقه الضاري لها. يرتجي نبيذها المسكر حتى تتخدر جراحه قليلًا، ولكن جميعها أمنيات صعبة المنال. حركة غير طبيعية في الخارج تحديدًا عند الحديقة الخلفية أثارت فضوله، فنصب عوده وهو يتوجه إلى الخارج بعد أن استأذن من «جنة» على عُجالة: _خليكِ هنا خمسة وراجعلك.
توجه للخارج لمعرفة ماذا يحدث، فتفاجأ حين شاهد صناديق كرتونية بأعداد كبيرة والكثير من الفلاحين يقفون في طابور، في نهايته بضع رجال يحيطون أحدهم. فتقدم عدة خطوات حتى برقت عينيه لدى مشاهدته لـ «مروان» الذي كان يجلس حول منضدة ممسكًا بقلم وأمامه عدة أوراق. احتدت ملامحه حين فطن إلى ما يحدث، فتقدم بخطٍ يرافقها الغضب الذي تصاعد حين سمع كلمات ذلك المعتوه: _بقولك إيه يا أبو شقفة، إنت واخد كرتونة كبيرة يعني لينا عندك صوتين.
تحدث الرجل بعدم فهم: _صوتين إزاي يا مروان بيه؟ إني مينفعش غير أصوت مرة واحدة. «مروان» بنفاذ صبر: _لا بقى متحمرقش. إحنا متفقين، وبعدين مش لازم في المرتين تصوت يعني، مرة تصوت ومرة تزغرط عادي مش هتغلب. يالا اللي بعده. لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بتلك اليد القوية التي تجذبه من أسفل عنقه، وذلك الصوت المرعب بجانب أذنه: _عايز أفهم إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟
انتفض «مروان» ذعرًا حين تفاجأ بـ «سالم» الذي من المفترض أن يكون في لقاء مع أحد الصحافيين، ولكنه قام بإلغاءه من أجل مقابلته مع «جنة»، وإذا به يمسك به بالجُرم المشهود. _إيه يا كبير، حد يطب على حد في وقت غير مناسب كدا؟ «سالم» بحنق: _وقت غير مناسب؟ دا إنت نهارك أسود. إنت بتعمل إيه؟ «مروان» باندفاع: _بطلع شنط رمضان. «سالم» بتهكم: _بتطلع شنط رمضان قبل رمضان بتلت شهور؟ «مروان» بتهكم: _آه عشان الناس تلحق تبل البلح.
صرخ «سالم» في الجميع: _يالا كل واحد على بيته، مش عايز أشوف حد هنا. التفت ناظرًا إلى «مروان»، فاشتدت شراسة معالمه، فتراجع الأخير قائلًا بذعر: _إيه يا كبير، إنت هتقرقشني ولا إيه؟ لا دا أنا ابن عمك حبيبك. تحدث «سالم» مغلولًا: _ابن عمي حبيبي. دا إنت بلاء معرفش اتحدف عليا من إنهي داهية؟ بقى بترشي الناس عشان تنتخبني يا مروان؟ «مروان» بتبرير: _عيب يا باشا والله، دا أنا تربيتك تظن فيا كدا برضو؟ «سالم» بتهكم: _تربيتي!
والله ما شفت ولا ربع ساعة تربية. أومال أفسر اللي شفته دا بأيه؟
_بص يا كبير. أنا واحد حظه أسود في كل حاجة، وأكبر دليل طبعًا عمتك همت اللي منغصة عليا عيشتي. أدعي عليها مش نافع. أطفش منها مش نافع. أموتها وأخلص هبقى بضيع زهرة شبابي، فقلت إيه يا واد يا مروان. أعمل خير. ففكرت أعمل شوية الكراتين دي صدقة على روح عمتك اللي ربنا هياخدها إن شاء الله، فحبيت أضرب عصفورين بحجر، منها أعمل خير ومنها أرشي الناس. قصدي أقنع الناس تنتخبك.
اشتدت ملامحه وبرزت عروق رقبته دلالة على مدى غضبه، فالتفت إلى أحد الحرس قائلًا: _هات سلاحك؟ «مروان» بغباء: _إيه؟ هنطلع نصطاد ولا إيه؟ «سالم» بوعيد: _آه هصطاد جديان. _إيه دا؟ هو فيه هنا جديان؟ «سالم» بحنق: _فيه واحد واقف قدامي أهو، وهطلع بروحه إن شاء الله. «مروان» بصدمة: _نهار أسود قدامك؟ يبقى أنا... أنا جدي؟ «سالم» بتهكم: _دا سؤال ولا إجابة؟ «مروان» بسخرية وهو يتراجع إلى الخلف بخطى وئيدة:
_طب بقولك إيه، لما تمسك الجدي اللي قارفك في عيشتك دا أبقى عينلي الحلويات بتاعته عشان بحبها. سلامو عليكوا. قال جملته وانطلق هاربًا من أمام عيني «سالم» التي بدت وكأنها على وشك الخروج من محجريها من فرط الغضب. ***
أخذتها قدماها إلى تلك الأماكن التي حملت ذكريات تحمل النقيضين، ما بين وجعًا عظيم وعشق أعظم، ولكن كان الأخير بداخلها لا يوجد شيء يضاهيه، حتى إن قلبها كان يتلهف لتلك اللحظات التي قضتها بقربه هانئة قبل أن يأتي طوفان الماضي ليغرقهما من جديد. اقتربت من تلك الفرسة التي كانت تعشقها لتقول بشوق: _وحشتيني. ياترى لسه فكراني؟ صهلت الفرسة وكأنها تشاطرها الشوق، فامتدت يديها تُداعب عنقها بحنوٍ ينافي ذلك الأسى الذي
تجلى في نبرتها حين قالت: _أنا كمان فاكراني. مصيبتي الكبيرة إني مبعرفش أنسى. كل حاجة بتنطبع في ذاكرتي مبتتمحيش. أخرجت الهواء المُعبأ بصدرها دفعة واحدة قبل أن تقول بلوعة: _ياااه لو الإنسان يفقد الذاكرة. ينسى كل حاجة وجعاه. يعيش حياته بقلب جديد مفهوش شروخ ولا وجع مدفون بنحاول نداريه بضحكة باهتة بنرسمها على وشوشنا. تبلور الألم بعينيها، فانسلت دمعة هاربة كانت تحمل طابع التمني الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_تخيلي أصحى من النوم ألاقي نفسي نسيت كل حاجة، مش فاكرة حاجة غيره. هو وحبه اللي معشش في قلبي. تخيلي قلبي يدق لأول مرة وهو فرحان من غير ما يكون فيه حاجة تنغص عليه فرحته. رفعت رأسها في السماء وهي تسحب نفسًا طويلًا وكأنها تستشعر حلاوة تلك الأمنية البعيدة المنال، ثم تابعت بخفوت: _ياااااه قد إيه الأمنية دي على قد ما هي جميلة على قد ما هي بعيدة. زفرت بتعب قبل أن تقول بخفوت:
_الحمد لله على كل حاجة. أنا راضية. وعشمانة في ربنا. عشمانة أوي في ربنا. كررت جملتها بتمني لتتفاجأ بتلك اليد القوية التي عانقت خصرها بقوة تتنافى مع ذلك الشوق الذي يغلف نبرته حين قال: _طب ما تيجي وأنا أحققلك أمنيتك وأنسيكِ اسمك.
رجفة قوية من نوع خاص أصابت قلبها جراء ملامسته لخصرها، وتلك الدغدغات التي أصابت حواسها جراء كلماته التي تحوي الكثير من الشغف بين طياتها، فأخذت نفسًا قويًا وأسبلت جفنيها تتمزز بروعة حضوره الطاغي. فكان مشهدًا رائعًا تنتشي العين برؤيته، فأخذ يُمرغ أنفه صعودًا وهبوطًا فوق جدار عنقها الناعم يواصل هجومه الشرس على قلبها الرهيف. فخرجت آهة معذبة من بين شفتيها قبل أن تقول بخفوت: _سليم. _حياة سليم.
لطالما عشقت تلك الكلمة من بين شفتيه، لتنخرط في دوامة من المشاعر اختطفتها من بين براثن ذكرياتها المريرة وواقعها الأليم، لتسمو بها في سحابة من المشاعر اللذيذة التي تكتنفها في تلك اللحظة. فجاء همسها قاتل حين قالت: _هتفضل تحبني لحد إمتى؟ أخذت أنامله تنقش لحنًا مغريًا فوق خصرها المنحوت، بينما شفتيه تعزف بعذوبة سيمفونية عاشقة انتشى لها قلبها: _لحد ما عمري يخلص هفضل أحبك. حتى لو حبك صبار هتحمل شوكه وكأنه ورد بس تكوني جنبي.
همست بنبرة ملتاعة: _افرض الدنيا مش حبانا سوى؟ جاءت نبرته قوية بقدر ما تحمل من عشق، استشعرته في لمساته فوق عنقها وكلماته بجانب أذنها: _هجبرها تتحملنا سوا. مش هسمح لها تبعدني عنك. طول ما فيا نفس هتفضلي في حضني وجوا قلبي. تنهيدة حارقة اخترقت جوفها وشعر هو بصداها في صدره الذي يعانق ظهرها، فلم يعد يحتمل شوقه ولا عذابها الذي يؤرق لياليه، لذا همس ويديه تجذبانها إلى حيث يريد: _تعالي معايا.
لم يتيح لها فرصة للاعتراض، فقام بحملها كعروس وهو يتوجه بها إلى مكان اشتاقته بقدر ما ذكرياتها المريرة بداخله. ضرب باب الملحق بقدمه وهو لا يزال يحملها بين يديه، ثم أغلقه قبل أن يتوجه بها إلى غرفتها القديمة. فهمست باستفهام: _سليم. أنت... قاطعها وهو يتوغل بنظراته في أعماق بحرها الأسود اللامع، رغمًا عن هذا الألم الهائل الذي يتمثل في خيوط حمراء إثر بكائها الذي لا يعرف سببه:
_أنا من اللحظة دي مش هسيبك ولا هسمحلك تبعديني عنك. النهاردة اتكتب لي عمر جديد وأنا بسمع الدكتور وهو بيقول إنك خلاص بقيتي كويسة. استمهل نفسه قبل أن يستند برأسه على مقدمة رأسها وهو يقول بصوت هامس ذي نبرة ملتاعة: _سبيني استمتع باللحظة دي. عايز تبقى ذكرى جميلة نفتكرها عمرنا كله. خليني أفرح بيكِ ومعاكِ. هل يمكن لها أن تقاوم ذلك العشق الذي أحاطها به وكأنه هالة من نور حاوطتها لتحجب سهام الألم عنها؟
احتوت بكفوفها عنقه لتشدد من ضمة رأسه بين أحضان حنانها الذي انساب من بين شفتيها حين قالت بخفوت: _أكتر حاجة بتتمناها في حياتي إني أقدر أفرحك. تربع فوق المقعد وهي لا تزال متربعة بجانب قلبه الذي بين الدقة والأخرى يهمس باسمها، وبالمقابل اقترب يُلثم موضع نبضها الذي يؤازره بكل ما أوتي من عشق تجلى في نبرته حين قال: _يبقى تسيب لي نفسك خالص وأنا كفيل أمحي منها كلمة وجع وما يبقاش غير سليم وعشقه اللي مبينتهيش.
ارتوى قلبها حتى الخدر، فلم يعد مجال للفرار أو الهرب من ذلك الرجل الذي وشمها بعشقه إلى الأبد، فأضاءت ملامحها بسمة رائعة كانت دعوة صريحة لاجتياحها كطوفان أغرقها وغرق معها في بحور الهوى الذي أذاب كل ذرات الوجع المحفور بثنايا قلبها وبددها إلى هيام وهمهمات متلذذة انفلتت من بين شفاهها، فانهال يقتطفها بشفتيه التي كانت قاسية على قدر لهفته، حانية على قدر هيامه بها، فصارت تذرع ورود العشق فوق ساحة جسدها الذي جرده من كل العوائق
لتتنعم عينيه بمطالعته، فأخذ يغازلها تارة بالكلمات وتارة بالأفعال، ويتغنى بجمالها تارة وبعشقها تارة أخرى، وهي بين يديه ذائبة متلهفة لطقوس هوسه التي كان يمارسها باحترافية جعلت كل ما فيها يضج مطالبًا بقربه، فلم يبخل عليها وصار يعمق اقترابهم وشفتاه تمجد كل شبر بها موثقًا تلك اللحظات الرائعة بالكلمات العذبة التي نالت من قلبها، فخضع لسطوته وتنحى أمامها سائر قراراتها الهوجاء بتركه، فكيف يترك المرء وطنًا احتوى شروده وبدد
وحشته؟
مُشتت، ضائع، حائر، وأخيرًا مُشتاق. هذا هو حاله منذ حديث «جنة» وأخبارها له عن تعبها الناتج عن حزنها. نشب القلق حوافره بقلبه الذي يرتجي وصالها ضاربًا عرض الحائط كل آلامه الهائلة وخذلانه العظيم منها. وقد كان هذا الأمر يستفزه بقوة، كيف له أن يشتاقها بتلك الطريقة على الرغم من فعلتها النكراء؟
لا يزال يهتز جسده وينتفض قلبه حين يتذكر عناقهم الأخير ومشاجرتهم وكيف أنها كانت تفتعلها فقط لإنها لا تعلم كيف تخبره بأنها تريد احتضانه؟ يرتج قلبه كلما تذكر جملتها التي أصابت ثباته في مقتل: _عايزة أحضنك قبل ما تمشي.
تلك الكلمات تولد شحنات الشوق بقلبه، فيشعر بأنه على وشك تحطيم كل شيء والتهام الخطوات التي تفصله عنها كي يزرعها بإحدى ثنايا قلبه، يغترف من عشقها حتى يجهز عليها. تلك المرأة التي تدفعه إلى الجنون بكل أفعالها. تمردها، عنادها، كبريائها وشموخها، أقل الأفعال منها تثيره حد الهوس. لم يتخيل يومًا أن يقع في العشق بتلك الطريقة المؤذية. أجل، تؤذيه طريقة عشقه لها، فلا يستطيع مقاومتها ولا عقابها ولا حتى الابتعاد عنها، فأي جحيم قد أُلقي به على يديها؟
زفر بغضب وقام بالتقاط الهاتف لمكالمة والدته التي أجابت بحبور: _عامل إيه يا حبيبي؟ وحشتنا يا سالم. «سالم» بخشونة: _الحمد لله يا أمي. إنتوا أكتر. طمنيني عنكوا. _بخير يا حبيبي متشيلش هم. أهم حاجة إنت عامل إيه؟ الانتخابات خلاص آخر الأسبوع، إيه الدنيا عندك؟ يضيق صدره بكل تلك الاستفهامات، يريد شيئًا واحدًا، الاطمئنان عليها، ولكن الكلمات ثقيلة تأبى عبور شفتيه: _الحمد لله يا أمي متقلقيش. المهم إنتوا كويسين؟ «أمينة»
متعمدة أن تراوغه: _آه يا حبيبي الحمد لله. خلي بالك من نفسك، وابقى طمني عليك. تشعب الغضب إلى أوردته، فأطلق زفرة حانقة قبل أن يقول بجفاء: _والهانم اللي عندك عاملة إيه؟ حاولت كتم ضحكتها بصعوبة وهي تنظر إلى «فرح» التي كانت تقف بجانبها تكاد تكون ملتصقة بها، يتلهف قلبها لسماع صوته فقد اشتاقته حد الألم: _هانم مين تقصد فرح؟ «سالم» بحنق: _أيوا هي. عاملة إيه؟ «أمينة» بحزن مفتعل: _هتعمل إيه؟
يا أما نايمة يا أما قاعدة في الجنينة. معلش أصل الحمل في الشهور دي بيبقى صعب. ياريت يا سالم تبعتلنا مروان يهدي الدنيا هنا شوية ويخفف عنها التعب، إنت عارف خفة دمه وفرح كمان بتحبه وبتحب هزاره. كاد أن يحطم الهاتف بين يديه إثر حديث والدته الذي أثار حنقه بقوة، فتجلى غضبه في نبرته حين قال:
_والله يعني أخلي مروان يسيب شغلنا واللي ورانا عشان ييجي يضحك ست هانم. يا حاجة بقولك إيه خلي بالك من أكلها يكون كله صحي ومواعيد أدويتها عشان دي مهملة وبتنسى نفسها. شهقة خافتة خرجت منها جراء سماعها كلماته التي استفزتها، ولكنها اخترقت قلبه الذي شعر بوجودها، فلم يستمع إلى حديث والدته التي قالت بتخابث: _حاضر من عنيا. هقولها سالم موصيني أخلي بالي من أكلك وأدويتك. حاجة تانية؟
لم يجبها، إنما كان بعالم آخر وهو يتخيل أن تكون بجانب والدته تستمع إلى حديثه، بينما هو محرم عليه سماع صوتها. فأغمض عينيه بتعب، سرعان ما قامت «أمينة» بقلب الهاتف ووضعته على الطاولة وهي تقول: _باين الشبكة قطعت ولا إيه؟ مبيردش. سامعة يا ست هانم معذبة ابني إزاي؟ قاعد في آخر الدنيا شايل همك. هتتعدلي إمتى يا بت أنتِ؟ استدارت «فرح» تجلس بجانبها وهي تقول بحزن: _يعني أنا هنا اللي مش متعذبة؟
دا أنا مبيعديش عليا يوم واحد حلو. مفيش ساعة واحدة بتمر عليا من غير ما أعيط. كل ما أفتكر اللي حصل قلبي يوجعني. «أمينة» بمواساة: _كله من الكلب ناجي الله يبحته. طب يا بنتي ما نجرب نقول لسالم؟ أنا عمالة أجيبها يمين وأجيبها شمال ملهاش حل غير كدا. مش هنعرف نحلها من غيره. انتفضت «فرح» من مكانها وهي تقول بتوسل: _لا يا ماما بالله عليكِ. جنة هتموت لو حد عرف بحاجة زي كدا. هو أنا سهل عليا أخبي عليه؟
لو شوفتي جنة وهي منهارة وبتتحايل عليا إني مجيبش سيرة لحد كان قلبك هيتفطر عشانها. تدافعت العبرات من مقلتيها وهي تتابع بحرقة: _مش هتقدر ترفع عينها في حد منكوا. أنا كل ما أفتكر منظرها أحس إن قلبي دا بيتعصر عشانها. خصام سالم مش سهل عليا والله. بس أنا بين نارين. «أمينة» بحزن: _بس مش هينفع نفضل ساكتين كدا يا فرح. طب أنتِ وسالم هتفضلوا كدا على طول؟ «فرح» بأسى:
_سالم جرحني أوي يا ماما. دا قالي متلزمنيش. الكلمة كإنها سكينة واتغرست في قلبي. حسسني إني كإني كنت بخونه. داس على قلبي وعلى كرامتي وهو عارف غلاوته عندي عاملة إزاي؟ أنهت كلماتها وانخرطت في نوبة بكاء مريرة، فاحتضنتها «أمينة» بقوة وهي تحاول تهدئتها: _يا بنتي متعمليش في نفسك كدا، والتمسي له العذر. الموقف مش سهل على أي راجل. أنتِ غلطتي بروحك ليه يا فرح حتى لو أسبابك إيه؟ دا مجنون يا بنتي. كان ممكن يأذيكِ. قاطعتها بقهر:
_ماهو آذاني فعلًا. تهديده لجنة دا أكبر أذى ممكن يأذيهولي يا ماما. جنة دي روحي، عارفة يعني إيه روحي؟ أنا تعبت أوي. حاسة إني نفسي أغمض عيني مفتحهاش، عايزة أفصل من كل حاجة ومش عارفة. أخذت «أمينة» تربت على كتفها بحنو وهي تقول بتعقل: _سواء وافقتي أو لا الحل للي أنتِ فيه دا هو سالم يا فرح. محدش هيقدر يساعدك غيره. لازم يعرف ملهاش حل غير كدا، وكمان عشان تصلحوا اللي حصل بينكوا دا. «فرح» بألم:
_يا ناس افهموني. مقدرش أفصح سر اختي قدام أي حد. مقدرش أرجع في وعدي ليها. وبعدين بقولك قالي متلزمنيش يا ماما. أروح أقوله إيه؟ حتى قبل ما يسافر لما قولتله إن عندي أسباب قالي متلزمنيش. هو مش عايز يعرف حاجة. خلاص فرح اتشوهت صورتها في عينه. مفيش حاجة واحدة حلوة شفعت لي عنده. «أمينة» برزانة: _غلط يا فرح. لو كان كلامك صح مكنش هيتصل يسأل عليكِ وهو في ظروفه دي ويطمن على كل حاجة تخصك. اتنازلي وروحي له. هبت
من مجلسها وهي تقول بعناد: _مش هعمل كدا يا ماما. مش هعمل كدا. حتى لو هموت من غيره مش هروح له. عند هذا الحد أغلق «سالم» الهاتف، فمنذ أن سمع كلمات والدته لم يستطع اتباع تحذيرات عقله، وأخذ يستمع إلى حديثهم حتى جملتها الأخيرة، فقام بإلقاء الهاتف على المكتب أمامه وهو يصيح بانفعال: _ماشي يا فرح أما أربيكِ؟ بقى كمان إنتِ اللي مش عايزة تتنازلي؟ وسط صيحات غضبه لم يلحظ دخول «مروان» الذي صاح بعويل: _يا نهار أزرق!
هي وصلت للدرجة دي؟ بتكلمي نفسك الباشا بتاعنا بيكلم نفسه؟ الله يخربيتك يا فرح. انتفض إثر سماعه آخر كلمة، فزمجر بشراسة: _إنت يا زفت الطين لو قولت الله يخربيتك يا فرح دي تاني هطلع عين أهلك. هو بيتها ناقص؟ التمع الخبث بنظراته، فتقدم إلى داخل الغرفة وهو يقول بمكر: _من واقع خبرتي كحبيب قديم، الباشا وحشته المزة بتاعته. طب ما تروحلها؟ دق قلبه رغمًا عنه بكلمات «مروان»، ولكنه تجاهل تأثيرها عليه، فزمجر بخشونة:
_اخرس خالص. وإيه مزته دي؟ اتلم أحسن لك. «مروان» بتخابث: _يا عمهم البنية حامل والبت سما بتقولي دمعتها على خدها. معرفش تقريبًا سما بهتت عليها ولا إيه، بس قاعدة طول النهار مصدرالهم الوش الخشب لما جابتلهم الفقر هناك. «سالم» محذرًا: _قولتلك اتلم أحسن لك، وبعدين إنت متأكد من الكلام دا ولا سما بتهول زيك؟ اندفع قائلًا بنفي:
_لا بتهول إيه دي مأكدالي إنها هتموت فيبعادك، وأنا عشان صاحب مخلص خليت البيت كله يخاصمها بعد ما زعلتك. آه لازم تعرف إنك مسنود وراك رجالة ياكلوا الزلط، أومال تزعلك ونسكت. برقت عيناه من حديث «مروان»، فتحدث بهسيس مرعب: _لحظة واحدة. إنت بتقول مخلي البيت كله يخاصمها؟ «مروان» بتأكيد: _آه طبعًا. «سالم» بوعيد: _ومين بقى اللي مخاصمها بالظبط؟ مروان وهو يبدأ بالعد على أنامله: _أنا. وسما وسلومة الأقرع وعبدو موته. سالم باستفهام:
_مين عبدو موته دا؟ «مروان» موضحًا: _طارق دا النيك نيم الجديد بتاعه. استنى أما أكملك، وعمتك وشيرين ودادة نعمة وعم مجاهد وأمك الصراحة مقدرناش عليها فسبناها. عض على شفتيه السفلية بحنق، قبل أن يقول بهسيس مرعب: _وهما سمعوا كلامك وخاصموها؟ «مروان» بسلاسة: _لا ماهو أنا قولت لهم إنك أنت اللي قايلي أقولك كدا. برقت عيناه حتى كادت أن تغادر محجريه من شدة صدمته التي تحولت إلى غضب حارق، وهو يزمجر بشراسة:
_دا إنت يومك أسود. بقى تخلي الكل ياخد موقف منها ويخاصمها وتقولهم إن أنا اللي قايلك كدا. دا أنا هخلص عليك النهاردة. هرول «مروان» من أمام هذا النمر الغاضب وهو يصيح قائلًا بتبرير: _إلهي مش بأخد لك حقك. أومال تفكر إن مالكش حد ولا إيه؟ أنا غلطان. «سالم» بانفعال: _إنت طلعتلي من إنهي داهية؟ إنت جاي الدنيا عشان تشلني. أعمل فيك إيه؟ أخلص عليك وأرتاح منك. ***
كانت تعبث في حاسوبها المحمول وهي تعكف شعرها على هيئة كعكة غير مرتبة، فتناثرت إحدى خصلاتها البنية فوق عنقها المرمري، فكان مظهرها متعة للناظرين، وخصوصًا إن كان بينهم عاشق تهفو نفسه لعبير أنفاسها ودفء ذراعيها، فاقترب كالمُغيب ليقف خلف الأرجوحة التي تفترشها، وقامت يديه تجذب تلك القطعة المعدنية التي تتوسط خصلات شعرها التي انطلقت على هيئة شلال ذهبي فوق كتفيها، فاقترب يغمس وجهه بينهم وهو يهمس بوله بجانب أذنها:
_وبعدين معاكِ في اللي بتعمليه فيا دا؟ تأججت نيران قلبها التي فاقت دقاته حدود المعقول وهي تستمع إلى همسه الدافئ وتشعر بقربه المُهلك الذي جعل حزمة من المشاعر المتوترة تتفشى في سائر جسدها، فخرجت الحروف متلعثمة من بين شفاهها حين قالت: _طارق. إنت جيت إمتى؟ لا يزال على حالته يستنشق عبيرها الآخاذ ويستمتع بقربها المسكر، وهو يمنع يديه بصعوبة من إدارتها ليقوم بالفتك بشفاهها الرائعة التي تغويه كالفاكهة المحرمة. جاء صوته أجشًا
حين قال: _مش مهم جيت إمتى؟ المهم إني هنا، والأهم إني مش هصبر كتير عالوضع دا. شوقي ليكِ بيقتلني. كان الأمر أكبر من احتمالها، فانحبست الأنفاس بصدرها الذي كاد يدق بعنف آلمها، فخرجت كلماتها متقطعة حين قالت: _طارق ابعد حد يشوفنا. زمجر بخشونة: _لو كنت هقدر أبعد مكنتش قربت. اعذري قلب أول مرة يعرف يعني إيه حب على إيديكِ. ذابت أوصالها من كلماته الرائعة، فهمست بخفوت: _بتجيب الكلام دا منين؟ أنا حاسة بقلبي هيخرج من صدري.
انتزع نفسه بصعوبة ليتحرك من مكانه يجلس بجانبها بالقرب الكافي الذي يمكنه من التوغل إلى أعماق عينيها التي أسرتْه حتى صار مفتونًا بها. استنشق أنفاسها العطرة قبل أن يجيبها بخشونة: _الكلام بييجي عشانك لوحده، لا بعرف جاي إزاي ولا منين. بييجي لايق عليكِ. تعرفي إني أول مرة أشوف عينيكِ في النور كدا؟ أخذت تدور رأسها في كلا الاتجاهات خجلًا وهي تقول بخفوت: _ابتدينا بقى يا سي طارق كلام عن العيون. وإيه كمان؟ قسم واسمعني.
عض على شفتيه وازدادت قتامة عينيه وهو يناظر خجلها الشهي الذي أثار زوبعة من المشاعر في قلبه، فهمس بخشونة: _أنا عمري ما كان ليا في الكلام. عشانك بس ابتديت أتعلمه. همست بخجل: _بقى معقول الكلام الحلو دا أول مرة؟ كان رجلًا يهوى كل ما هو جميل، ولم يكن في تلك اللحظة أجمل من ثغرها الذي كان على شكل قلب يضج الإغراء، فكانت عينيه تفترسانه بصمت، قطعه حين قال بوقاحة: _يتكتب كتابنا بس وأوريكِ قد إيه الفعل أحلى من الكلام ميت مرة.
انتفض سائر جسدها إثر كلماته الوقحة التي كانت لها تأثير مهلك على قلبها، فلم تعد تحتمل أكثر، لذا صاحت محذرة: _على فكرة إنت قليل الأدب. لون ثغره ابتسامة رائعة، فأظهرت تلك الغمازة في خده الأيمن، فبدا كلوحة رائعة أسرت قلبها الذي انطبعت فوق جدرانه تلك الضحكة الخلابة، فغرقت في بحر الهيام لثوانٍ، قطعها صوته العابس حين قال:
_أنا معترف إني قليل الأدب على فكرة ومبكررش، على الرغم إنك لسه مشوفتيش ذرة من قلة أدبي، بس كله بحسابه يا مشمش. استغربت ذلك اللقب، فقالت بعدم فهم: _مشمش؟ اشمعنى مشمش؟ باغتها حين قال بوقاحة: _عشان لون شفايفك. تعرفي إني بحبه وهحبه أكتر لما أقطفه منها. أكيد طعمه هيبقى تحفة. للحظة أرادت أن تتلاشى من أمام عينيه التي تأسرانها وكلماته المغوية التي أضرمت النيران في سائر جسدها، فانتزعت نفسها من أمام عينيه
بصعوبة وهي تقول بارتباك: _على فكرة أنا قررت أشتغل، وكنت بدور على شغل عالإنترنت، ما تيجي ندور سوا. رق قلبه لارتباكها وخجلها الذي يذوب كقطعة من الثلج أمام عينيه، فابتسم وقال بغزل: _على أساس إنك هتبقي فاضي للشغل بعد كدا يا مشمش؟ التفتت تناظره باندهاش تجلى في نبرتها حين قالت: _إزاي؟ مفهمتش؟ طارق بوقاحة: _يعني يا روحي وقتك كله هيبقى ملكي، هعرف أشغله وأستغله أحسن استغلال، بس أوعدك لو لقيتِ أي وقت فاضي هخليكي تشتغلي.
ارتسمت الصدمة على ملامحها وسرعان ما تحولت لمكر لون تقاسيمها ونبرتها حين قالت: _إيه دا؟ هو إنت معرفتش؟ طارق ببراءة: _لا معرفتش؟ شيرين بسخرية: _مش أنا رجعت في كلامي أصل بصراحة جو المتجوزين دا مش جاي معايا سكة، فقررت أفضل سنجل طول حياتي. أدهشتها كلماته حين قال بتخابث: _وماله يروحي بلاها الجواز والمتجوزين بدل ما يضايقينك. إحنا نتصاحب. تعالي أقولك بقى يا مشمش.
قال جملته واقترب منها، فصرخت بهلع وهي تهرول من مكانها إلى الداخل، فجاءها صوته المتوعد حين قال: _قال مش عايزة أتجوّز قال. طب وحياة أمي لأتجوزك دلوقتي وأبقى أكتب الكتاب بعدين. صرخت بغضب: _قليل الأدب. طارق بوعيد: _اتلمي أحسن ما آجي أوريكِ قلة الأدب اللي بجد يا مشمش. ***
جاءت نهاية الأسبوع وتحديدًا ذلك الموعد المنشود، فنشب القلق حوافره في قلوب الجميع، ودارت عجلة الحياة في القصر بآلية، كلٌ يخفي ما بجوفه من مخاوف يتشاركها الجميع، ولكن كان لها نصيب الأسد منها!
لم تعد تحتمل المكوث بغرفتها أكثر، فيكفيها غياب شمسه عن عالمها منذ ذلك اليوم الملعون، فزفرت بتعب قبل أن تتوجه إلى الخارج باحثة عن شقيقتها، فإذا بأقدامها تترسخ بمنتصف الدرج لدى رؤيتها لمروان الذي دخل إلى القصر مطأطأ الرأس، فهوى قلبها ذعرًا، وخصوصًا عندما ناظرها بتلك الطريقة وعينيه تطلقان سهام التأنيب، ليتجاوزها بعد ذلك قاصدًا غرفة الجلوس، فلم تشعر بنفسها سوى وهي تهرول إليهم لدى سماعها أصواتهم بالداخل، والتي توقفت إثر دخولها لتتوجه الأعين عليها بنظرات غامضة، فكادت عينيها أن تفرجا عن مكوناتها لولا تلك اليد التي ربتت على كتفها برفق، فالتفتت بلهفة تزامنًا مع
كلمات سليم الذي قال بعتب: _مبروك يا مرات سيادة النائب. شهقة خافتة شقت جوفها إثر سماعها كلماته التي حملت البهجة إلى وجوه الجميع، فلم تكد تتفوه بحرف حتى صاح مروان بتهليل وهو يناظرها بنظرات خاصة فهمتها على الفور: _كيدناهم كيدناهم، وخدناها خدناها. اغتاظت من حركته المقصودة لاستفزازها: _اللي بياخد ربنا يا خفيف. فهتف طارق بتشفٍ: _قصف جبهة تستاهله والله.
_ألف حمد وشكر ليك يا رب. يستاهلها سالم ابن بطني. ربنا يحفظك يا ضنايا يارب. أمن الجميع على دعاء أمينة، وانطلقت عبارات الحمد من أفواه الجميع، فجاءهم صوت مروان الساخر: _أنتِ كان عندك شك إنه ياخدها يا مرات عمي ولا إيه؟ دا كفاية إن أنا اللي كنت ماسك الحملة الانتخابية بتاعته. همهمت همت بخفوت: _والله دي أكتر حاجة كانت مخوفاني. ربنا سترها معانا عشان سالم طيب وبيحب يساعد الناس. صاح مروان بحنق:
_سمعتك يا عمتي. بقي مكنتيش واثقة فيا؟ همت بسخرية بعد أن رأت نظرات سما المحذرة: _أنا أقدر يا قلب عمتك. مروان بتفاخر: _أيوا طبعًا. هسهست همت بامتعاض: _الله يسامحك يا دولت قاعدة مرتاحة هناك وبلتِينا بيه هنا. قهقه الجميع على حديثها، فجاءهم صوت طارق الذي قال موجهًا حديثه لفرح: _مبروك يا فرح. ارتفع إحدى حاجبيها بتعجب سرعان ما تحول إلى سخرية حين قالت: _والله. أخيرًا حضراتكوا نويتوا تكلموني وفكّيتوا حصار الخصام الجماعي؟
أجابها طارق وهو يرفع يديه اليمنى إلى فوق قائلًا بمزاح: _أنا عن نفسي مش مخاصمك، إنتِ حبيبتي. وشاطره سليم المزاح قائلًا: _وأنا كمان مش مخاصمك. صاح مروان بصدمة: _نعم يا خويا انت وهو. أردف طارق بسخرية: _وفكرة الخصام دي كانت فكرة مروان. تقريبًا هو الوحيد اللي مخاصمك. التفتت تناظره بحنق، فادار رأسه إلى الجهة الأخرى وهو يقول بجفاء: _أيوا فكرتي وأنا مخاصمك وأي حد ييجي على الكبير هخاصمه.
_اتفلق. تعرف تتفلق. أقولك وأخبط دماغك كمان في الحيط. فاجأته حين تحدثت بثبات، فأجابها بسخرية يعرف أنها ستثير حنقها: _كبير عليك لوحدك. ما أن أوشك على أن يجيبها حتى أتاه صوت رنين هاتفه، فانفرجت أساريره ولون المكر ملامحه حين أجاب: _أهلًا بالكبير. الباشا اللي مشرفنا ورافع راسنا. سيادة النائب. اللي كُلنا في حمايته وتحت طوعه هاه.
قال جملته الأخيرة وهو يرفع إحدى حاجبيه إلى فرح التي نالت منها نيران الغضب حتى كادت أن تحرقها، بينما مروان تابع تمثيليته وسط نظرات استمتاع من الجميع. تراجع ليجلس على الكرسي خلفه وهو يضع قدم فوق الأخرى قائلًا بتهكم: _تخيل يا كبير بقول لفرح: ليكِ كبير يترد عليه، تقولي: كبير عليك لوحدك؟ يرضيك؟ فأتاه صوت سالم الخشن على الهاتف: _هي جنبك؟ _طبعًا. هكذا أتاه صوت مروان، فأمره سالم قائلًا: _افتح السبيكر. _عيني.
قام مروان بفتح مكبر الهاتف، فجاءها صوت سالم الفظ حين قال: _كبير على البلد والحكومة والعيلة وعليكِ أنتِ قبلهم يا فرح هانم، أنتِ واللي يتشدد لك كمان. حاول الجميع كبت ضحكاتهم بصعوبة على مظهرها الحانق، فقد كانت ككرة النار التي ستنفجر في أي وقت، فلم تكد تجيبه حتى أغلق سالم الهاتف، فتحدثت أمينة بصرامة: _أوقف المهزلة دي وكفاية كدا يا مروان. ثم التفتت إلى فرح قائلة بتقريع:
_وأنتِ يا ست هانم هتبطلي تكابري إمتى وتقتنعي إنك غلطتي؟ فاض بها الكيل، فهبت مدافعة عن نفسها: _بردو بتقولي غلطانة؟ محدش فيكوا قادر يفهمني ولا يستوعب إن عندي دوافعي. أجابها سليم بتفهم: "كلنا فاهمين ومستوعبين يا فرح إنك أكيد عندك دوافع للي عملتيه، وياريت أنتِ كمان تستوعبي دوافعنا وتقتنعي إنك غلطتي. مش عشان تلحقي مصيبة زي ما بتقولي تتسببي في كارثة." وأضافت أمينة بغموض ونظرة ذات مغزى:
_أنا أكتر واحدة فاهمة دوافعك يا فرح وحاسة بيكِ، وأنتِ عارفة دا كويس. بس حتى دوافعك دي متخليكيش تتعدي الكل بالشكل دا. حاول طارق التخفيف من حدة الموقف حين قال باتزان: _إحنا خايفين عليكِ يا فرح، إنتِ واحدة منا. مش هتكلم طبعًا عن سالم والموقف اللي كان فيه وشعوره وقتها. بس أعتقد إنك لازم تراجعي نفسك. همت بهدوء: _طارق عنده حق يا فرح. لو أنتِ مش منا وخايفين عليكِ مكنتش زعلنا منك. وبنحاول نوجهك دلوقتي.
شعرت بالهزيمة أمامهم وقلبها أولًا، فاخفضت رأسها بحزن لامس قلب جنة التي كان الذنب يقرضها من الداخل ولا تعلم ما هو الحل؟ ولكن جاء صوت أمينة الحاني ليهدأ من حدة الأمر قليلًا: _تعالي يا فرح اقعدي جنبي. تقدمت فرح بهدوء، فتابعت أمينة وهي تربت على ظهرها برفق: _يا بنتي سيدنا محمد (عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام)
«انْصُرْ أخاكَ ظالِماً أوْ مَظْلُوماً. فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُوماً، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِماً، كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ -مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ». يعني مينفعش نشوفك غلطانة ونسقفلك. في أعماقها شيء يخبِرها بأنهم جميعهم مُحقون، ولكنها تأبى الاستسلام، فقد تصرفت كما اعتادت سابقًا ولا تعلم لماذا؟ تدخل سليم مؤكدًا على حديث والدته وهو يقول بتعقل:
_وعلى فكرة بقى كلنا بردو غلطنا سالم في رد فعله. بالرغم من اللي حصل بس إحنا كلنا في ضهرك، وكل اللي عايزينه إنكوا تبقوا كويسين. أضاف طارق مازحًا: _كلنا غلطناه إلا الواد دا. كان يشير بحديثه إلى مروان الذي كان يتابع ما يحدث بخبث، وما أن التفتت الأنظار إليه حتى تعمد ارتداء قناع الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال: _أيوا عشان أنا راجل دوغري. ماليش في حوارات الحريم دي. التفتت سما تناظره بحنق وهي تقول بتقريع:
_نعم يا أستاذ دوغري بتقول إيه؟ مسمعتش؟ عدل من لهجته ونظراته وكذلك كلماته حين قال: _بقول مابحبش أكتر من حوارات الحريم دي على فكرة. سما بانتصار: _أيوا كدا. زفرت أمينة بقلة حيلة قبل أن تقول: _فكري يا فرح وربنا يهديكِ يا بنتي. أنهت حديثها وتوجهت للأعلى بعد أن ساعدتها سما، وتسلل الجميع إلى الخارج بصمت ماعدا شيرين التي اقتربت تقول بنصح:
_شوفي يا فرح أنا مش هقولك إنتِ غلطانة. بس هقولك اركني اللي حصل دا على جنب وراضي سالم. مفيش حاجة في الدنيا تستاهل زعلكوا من بعض. حتى لو كانت دوافعك قوية هو موقفه كان صعب.
أومأت فرح بتفهم مصحوبًا بابتسامة هادئة، فأخذت تنظر لتجد نفسها وحيدة في الغرفة كما كان حالها طوال الأيام المنصرمة، وحيدة بدونه حتى ولو حولها الجميع، ولكنه الكبرياء الذي كان يقيدها من عنقها بأصفاده الساخنة، فلم تعد تحتمل، فأغمضت عينيها بتعب ليس له سوى دواء واحد، فحسمت أمرها سريعًا وتوجهت إلى غرفتها لتغلق الباب خلفها، وأخذت تبحث عن هاتفها حتى وجدته وشرعت في إجراء مكالمة هاتفية، وحين جاءها الرد تحدثت بجفاء:
_عايزة أقابلك. يتبع….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!