أن تنثر بذور الأمل في طريق أحدهم ثم تجنيها صبارًا قاسيًا تنغرز أشواكه في قلبك دون رحمة، فتنـزف العين ألمًا ويحترق الخَلَد قهرًا، وأنت مكبل بأصفاد الكبرياء الموقدة التي تسلب روحك المذبوحة حقها أن ترفرف وهي تنازع أنفاسها الأخيرة. فتبدو من الخارج صلبًا، شامخًا، لا تتأثر، بينما داخليًا تحتضر بصمت. فقارب نجاتك اتضح بأنه مثقوب، وبيرق العشق انكسرت رايته من موضع ثقة اندثرت أمام خذلان عظيم لم تتوقعه يومًا.
دوائر مفرغة ودوامات سحيقة ابتلعت ذلك القلب الذي ظن أنه نجا. لكن الحقيقة أنه بكل مرة يتضح بأن ظنه لهو إثم عظيم، قصاصه ذلك الألم الدامي الذي تغلغل في أعماق روحه واستوطن طيات فؤاده. تنهيدة قوية خرقت جوفه المحترق، فألقى برأسه للخلف يستند على ظهر المقعد مغمضًا العينين، وكأنه يخشى أن يبصر الظلام كل هذا الألم بداخله، والذي لا يمكن البوح به أو التخلص من تأثيره ومقاومته أشبه بمواجهة بحر هائج يعتزم على الفتك بمن يقف أمامه.
اخترق مراسم الألم ضوء خافت تسلل من تلك الفتحة الصغيرة التي أطل منها رأس مروان، الذي لم يستأذن بالدخول بل انساق خلف ذعر كبير لامس قلبه بكل خطوة يتقدمها للداخل، وعيناه تتلقفان هذا الألم الهائل الذي تبلور في ملامح ذلك التمثال الحجري الذي يجلس صامتًا دون حراك. "سالم. أنت كويس؟ لأول مرة تخلو لهجته من السخرية التي كانت جزءًا لا يتجزأ من شخصيته، فقط القلق الذي كان يتبلور في عينيه وهو يرى حال سالم. جاءت لهجته
جافة بقدر وجعه حين قال: "كويس." استشعر مدى سخافة سؤاله ولكنه خرج منه رغماً عنه، فصححه قائلاً: "أنا عارف إنك بتتريق، وأنت عارف إني مبعرفش أذوق الكلام. أنت تعبان يا سالم وأوي كمان، وأنا مش هتحمل أشوفك كده." "يبقى تخرج بره." عانده باستبسال: "مش هخرج، ولازم نتكلم." لم يعطه فرصة للرد بل تابع بتعقل:
"الموقف اللي حصل يضايق، بس خلاص خدت وقتك في الزعل والعصبية، دلوقتي نتكلم بالعقل. في احتمالين إنها تبقى متفقة مع ناجي، وده مرفوض كلي وجزئي، والاحتمال التاني إن الكلب ده ضغط عليها أو هددها، وهي برضو معذورة حتى لو اتورت." صمت مطبق كان يخيم على المكان حولهما، فقط بضع أنفاس هائجة لم يفلح في التغلب عليها، فقط كانت تتشاجر بداخل صدره بشراسة مؤلمة. وبالرغم من ذلك هو صامت، ولكن هذا الصمت لم يردع مروان الذي حاول استفزازه قائلاً
بجفاء: "سالم، أنت عندك شك في فر... قاطعه محذرًا بشراسة: "مرواااان." نجح في مسعاه، فتابع بمبدأ الطرق على الحديد وهو يغلي: "يبقى زي ما قولتلك، الكلب ده هددها أو ضغط عليها." مزق ثوب الصمت قائلاً بجفاء: "وأنا فين من الكلام ده؟ "ده مربط الفرس. إيه اللي يخلي فرح، القادرة اللي مبيهمهاش حد، ترضخ لتهديد كلب زي ده؟ تشعب الغضب بصدره، فصارت دماءه تغلي في مراجل، واحـدّت نظراته وشابـهـتـهـا لهجته حين قال:
"السؤال ده هي رافضة تجاوب عليه." ضيق مروان حاجبيه وقال بترقب: "بس أنت أكتر واحد عارفها وعارف إيه اللي ممكن يخليها... قاطعه سالم بقسوة: "جنة." زوى ما بين حاجبيه قبل أن يقول بجفاء: "سالم، أنت عارف فرح راحت قابلت ناجي ليه صح؟ باغتته إجابته القاتلة حين قال: "عارف." "وإيه مشكلتك؟ "مشكلتين، مش مشكلة واحدة." "إيه هما؟ "الغباء والأنانية! هب مروان مدافعًا: "بس فرح مش غبية وجنة مش أنانية." "هنشوف." زفر مروان بتعب:
"طب وهتشوف إزاي؟ فهمني يا سالم؟ "مفيش حاجة تفهمها. ناجي كان بيهدد جنة وفرح عرفت، وكالعادة اتصدرت هي، فهددها هي كمان، عشان كده راحت تقابله، وأنا مستني أشوف الخطوة الجاية هتكون إيه." صاح مروان بحنق: "الحيوان! طب أنت هتستنى تشوف هما هيعملوا إيه؟ مش هتساعدهم؟ لونت معاملة ابتسامة ساخرة لم تصل إلى عينيه، وأجابه بجفاء: "أساعدهم! مش بقولك مشكلتي الغباء." "طب سالم، أنت عرفت إزاي إنه بيهددهم؟
ضيق عينيه وهو يتذكر ما حدث قبل عدة ساعات. *** كان الألم الأشد والأقسى أن تكون هي ملاذه الوحيد في هذا العالم، ولا يستطيع السكون بين ذراعيها، يشاهد خروجها العاصف وهي تجر أذيال الوجع الذي كان أضعافه بقلبه الذي كان يصرخ مطالبًا بها حتى يهدأ ذلك الألم الذي يقتات على روحه.
تجاوز الأمر حدود استطاعته، وكاد عقله أن يجن من فرط الأسى، للحد الذي جعل عروق يده تتجمد وأنفاسه تتسارع، وكأن الآلام تتسارع لنهش ذلك الجبل الذي لم ينحنِ إلا لأجلها، ولأجلها انهار جسده وتكالبت عليه الأوجاع، فكاد أن يسقط لولا ذلك العقار المذيب للجلطات الذي كان يحتفظ به دائمًا خوفًا على والدته، خاصةً بعد موت شقيقه المزعوم. وبعد وقت غير محسوب بدأت آلامه بالخمول تدريجيًا، ولكن هناك آلام أخرى لا تهدأ، لذا قرر العمل بمبدأ قطع العرق وإسالة الدماء، فأخذ سلاحه وتوجه إلى ذلك المكان الذي يكمن به قرن الشيطان.
"سالم بيه. أخيراً قرر يحن عليا وييجي يشوفني! والله تعبت نفسك." تجاهل سالم سخريته وسحب أكبر قدر كافٍ من الأكسجين بداخله، وهو يستجدي ثباته، مذكراً نفسه بأنه جاء إلى هنا لتفريغ شحنات غضبه. "قلت آجي أطمئن عليك. أخبار جرحك إيه؟ "حتة الخربوش ده ميأثرش في ناجي الوزان." ابتسامة جانبية ظهرت على ملامحه قبل أن يقول بفظاظة: "آه. أنت فهمتني غلط. أنا بتكلم على الجرح التاني. بمعنى أوضح، القلم اللي خدته على وشك لسه بيوجعك!
احتقن وجه ناجي بالدماء، فأخذ يبتلع جمرات غضبه الحارقة، فحرب الأعصاب هي المفضلة بالنسبة إليه، لذا فلن يدعه ينتصر بها أبدًا. نجح وبصعوبة في السيطرة على غضبه ورسم ابتسامة ساخرة على محياه، قبل أن يقول بتهكم: "لا. بقى البسكوتة دي إيدها هتوجعني بردو! ست زي فرح وجمالها، كل حاجة في الدنيا فداها."
بين غياهب ذلك الغضب الذي كان يغزو أوردته، هناك عنق قام بنحره وأعضاء قام ببترها وجثة قام بالتمثيل بها، ولكن على أرض الواقع كان صلبًا هادئًا حد الجنون الذي أصاب ناجي حين سمع كلماته الساخرة. "آه. طبعاً بنت الأصول، الدنيا كلها تحت رجليها. حتى كرامتك! استقرت كلماته في الصميم، ولكنه لم يعطه الفرصة للحديث، إذ تابع بتهكم: "وبعدين أنا عارف إني غالي عليك، وغلاوة فرح من غلاوتي عندك."
فطن ناجي إلى المغزى وراء حديثه، فقهقه بصخب لم يخفِ اهتزاز حدقتيه ولا عروق يديه التي برزت دلالة على اقتراب البركان إلى الفوهة، وسرعان ما ختم قهقهاته قائلاً بتخابث: "دي حقيقة، وعشان كده مردتش أزعلها بالرغم من إني كنت أقدر. لكن أنا عتبان عليك. ياخي خفيفة كده هي حلوة آه، لكن مش راسية. بحتة تهديد أهبل جيبتها جري. المفروض مرات الكبير تبقى غير كده. تليق عليه." بشق الأنفس تجاوز منحنى الغضب وواصل شن هجومه بلهجة
ساخرة يلمع بها التشفي: "وهي لو خفيفة ولا تليق لمرات الكبير، كان صوابعها هتفضل معلمة في وشك لحد دلوقتي؟ بطريقة مسرحية نظر إلى ساعته قبل أن يتابع: "بالرغم من إن مر على القلم حوالي اتناشر ساعة. لا، غلطانة فرح. المرة الجاية هخليها تعلم عليك بس مش أوي كده." إلى هنا ولم يعد يتحمل، فصاح بانفعال: "جاي تداري على كسفتك وإني قدرت أوصل لبيتك وأخلي مراتك تجيلي لحد عندي، بحتة تهديد أهبل ميخوفش عيل صغير!
اعترف إنك مش قادر تسيطر حتى على مراتك. اعترف إني ضربتك في مقتل من غير ولا رصاصة واحدة." لم تهتز ملامحه، وكأن الحديث لم يكن موجهاً إليه، بل تابع بنبرة ساخرة: "معقول الزمن جه عليك للدرجة دي؟! أنت معتقد إن فرح جت تقابلك عشان التهديد الأهبل بتاعك ده؟ ولا معتقد إن مراتي هتنزل تروح مكان أنا معرفوش؟ ولا هسيبها فريسة للكلاب الضالة اللي زيك؟ أعماه الغضب، فصاح بدون احتراز:
"أيوا جت عشان تحمي البت أختها، اللي بكلمتين مني شقلبت حياتها وخلتها قلبت على أخوك الأهبل، قال إيه بتحميه! خايفة لا يقتل أخوه بعد ما يشوف الفيديو وهي في حضنه." وصل إلى منتصف الطريق، ولكنه تابع بتهكم: "بلاش سليم عشان ده بييجي عالريحة، وصدقني أبشع موتة ممكن تخطر على بالك هتكون حاجة بسيطة بالنسبة للي ناوي يعمله فيك. خلينا في تهديداتك العبيطة."
"تهديداتي مش عبيطة يا سالم يا وزان، بإشارة مني أقدر أخلي فضيحتكوا في كل مكان. تخيل كدا... تفاجأ حين قاطعه سالم بجفاء: "أنا مش هتخيل حاجة. عشان قولتلك قبل كده إن تهديداتك عبيطة. هو أنت متخيل إني ممكن أسيب فيديو زي ده معاك؟ ده لو كان موجود أصلاً! صاح بغضب: "أيوا موجود." "طلعه. عايز الناس كلها تشوفه. تحب أجيبلك تليفون تكلم كلابك منه تقولهم ينشروه؟ كاد أن يصل إلى حافة الجنون واحتدمت معالمه بشكل مريع،
فتابع سالم بهسيس مرعب: "آه صحيح. أنت مسألتش عن حازم خالص؟ هو مش شريكك بردو ولا إيه؟ "ننوس عين الحاجة! هتكون وديته فين يعني؟ وكأنه عايش سلطان زمانه." قاطعه سالم حين قال بشراسة: "نفيته! وديته أسوأ مكان ممكن يتخيل إنه يروحه." صُدم ناجي بشدة من حديث سالم، الذي تابع بلهجة تحمل أطنان من الوعيد: "تخيل أخويا وعملت فيه كده! أنت بقى هعمل فيك إيه؟
بلل حلقه الذي جف من فرط الانفعال، وذلك الخوف الذي تسلل إلى قلبه للحظات، ولكنه لم يظهر شيء، بل قال بشجاعة واهية: "ولا تقدر تعمل حاجة." باغتته سالم، الذي قال بهدوء مثير للقلق: "أنا فعلاً مش هعمل حاجة. ده أنا كمان هسيبك تمشي لو حبيت يعني! أما لو الإقامة بتاعتنا عجبتك. البيت بيتك." لونت الدهشة معالمه، فصاح حانقًا: "أنت بتقول إيه؟ بتلعب بيا الكورة؟ التفت سالم ليقوم بفتح باب الشقة وهو يقول ببساطة:
"لو الكلام قلقك أوي، اديني فتحتلك الباب أهوه عشان تمشي." تساقط الشك من بين نظراته، فقال بريبة: "أنت فعلاً هتسبني أمشي؟ طب إزاي وليه؟ اقترب سالم، جالسًا على أقرب مقعد، فارداً قدميه براحة تجلت في نبرته حين قال: "إزاي؟ زي ما شفت، فتحتلك الباب. أما ليه بقى، فعشان سببين... استمهل نفسه لكي يزيد جرعات القلق بداخله، وتمهيدًا لإلقاء رصاصات مدرعاته، فصبغ لهجته بالتأثر الزائف وهو يتابع:
"أول سبب. بصراحة صعبت عليا. يعني سهام بهدلتك امبارح، وبعد ما كنت رايح تتشفى فيهم وتفرد عضلاتك، اتهانت من أكتر إنسانة حبيتها في حياتك." امتقع لونه وهو يناظر سالم، الذي لم يتوانى عن جلده بسوط كلماته حين تابع: "وصعبت عليا أكتر وأكتر لما فكرت إنك ممكن تلعب بمراتي وتوصل لبيتي من غير ما أعرف. والحقيقة إننا إحنا اللي لعبنا بيك، والنتيجة آثارها لسه معلمة على وشك."
بدأت أقدامه بالتلاشي، وكأنه فقد كل اتصال له في هذا الحياة، فتابع سالم بتشفٍ: "ورصاصة طارق اللي هيبقى جوز بنتك وأبو أحفادك في المستقبل. بس ده درس يعلمك متلعبش مع ولاد الوزان، كل واحد فيهم مجنون بطريقته." صمت لثوانٍ قبل أن يطلق آخر قذائفه، فنصب عوده وهو يتوجه إلى ذلك الذي أوشك الغضب على إصابته بنوبة قلبية:
"أما السبب التاني بقى. إني اكتشفت إننا أدينالك حجم أكبر من حجمك. أنت مبقتش تشكل أي خطر علينا. مجرد مريض مهووس إنه ينغص علينا عيشتنا. لو اتعاملنا معاك على إنك مريض، كل مشاكلنا هتتحل. عشان كده هسيبك تمشي." تعالت أنفاسه، فباتت تتشاجر داخل صدره حد الألم. فلم يرافه به سالم، بل تابع بقسوة: "أنت أضعف بكتير من إننا نعملك اعتبار. امشي."
قلعته الرملية انهارت بكلمات سالم، التي وضعته أمام حقائق كثيرة، أولها أن جميع مخططاته في إحراقهم باءت بالفشل، وآخرها أنه كان مجرد بيدق في تلك اللعبة التي ظن أنه يمسك مقاليدها بين يديه. أخذته قدماه لباب الشقة وهو شبه منعزل عن العالم، وداخله استفهامات كالطواحين، فيما أخطأ؟ لقد كان كل شيء يسير على هواه، جميع مخططاته كانت تنتهي نهاية واحدة وهي هلاكهم. ما الذي حدث؟ أوقفته كلمات سالم، الذي بدأ وكأنه تذكر شيئًا:
"آه ناجي، استنى لسه في حاجة صغيرة نسيتها." التفت يناظره، فقابله سالم بلكمة قوية نالت من فكه حتى حطمته، وأجهزت عليه كلماته التي تحمل الوعيد بين طياتها: "ده كسر بسيط في الفك عشان متجبش سيرة مراتي على لسانك تاني، ولو اتكرر الموضوع ده هتبقى المرة الجاية في نافوخك، عشان أنا مبحذرش مرتين." *** "الراجل ده شيطان. إزاي سبته يهرب يا سالم؟ "جه الوقت عشان يدفع تمن أخطائه." "طب وهتعمل إيه مع فرح؟
زفر بقوة محاولًا الإفلات من بين براثن ذلك العشق الدامي الذي يجذبه من عنقه، ليهرع إليها يطفئ بأحضانها نيران عشقه وغضبه، فهدر بعنف: "هستنى أشوف الهانم هتحل مشكلة أختها إزاي؟ فزع مروان من عنفه، فحاول تخفيف الأمر قليلاً حين قال ساخرًا: "طب وحتة الأنانية اللي مش باينة من الأرض دي هتتصرف معاها إزاي؟ "بردو هصبر وهشوف هتسمح لحياة أختها تدمر بسببها ولا هتحاول تتصرف." تمتم بخفوت: "يا خوفي لا تحاول تتصرف." تجاهل
سالم حديثه وقال بجفاء: "جهز نفسك عشان كمان كام ساعة هنسافر." "إيه ده؟ هنسيب الحدث ونمشي؟ افرض جينا لقينا الهوانم اتصرفوا ونيلوها أكتر؟ "متقلقش. أنا عامل حسابي لأي تصرف غير محسوب." تمتم مروان بتهكم: "يا خوفي لا نرجع نلاقي جلطوا نص العيلة." رغمًا عنه، غافلت قلبه ابتسامة خافتة ارتسمت على ملامحه من حديث مروان، ولكنه نصب عوده عازمًا على إتمام بعض الأمور قبل السفر: "يالا جهز نفسك، مش عايزين تأخير." "جهز نفسي، هعمل إيه؟
دانا بالهدوم اللي عليا بقالي يومين. اللي حتى ما عرفت أحضن ولا أعمل أي حاجة، وطارق الكلب ماشية معاه حلاوة. زمانه مفيش حاجة معملهاش. ولا المخفي سليم زمانه هايص في العسل وأنا المغضوب عليا في البيت ده." زم شفتيه وصاح بحنق: "واد انت! هو أنت كنت بتقعد تقر عليا كده برضو؟ "الصراحة، كنت بقر على فرح بس."
كاد أن يفتك به لولا اندفاع الأخير وإتقانه الهرب بعدما يُلقي قذائف كلماته، ولكنه لا ينكر أن الحديث معه بدل من حالته كثيرًا واستطاع تهدئة ثورته قليلًا. *** أخذت تراقب خيوط الصباح الأولى وهي تغمر الليل الحالك لتبدد ظلمته إلى نور مشرق، وكأن هذا وعد رباني بأن هناك دائمًا أمل. ولكن بتلك الحالة التي تحياها، فقد اندثرت تلك الكلمة من قاموسها، فلن تتعلق بحبالها الدائبة مرة ثانية، وستخضع وتقبل بقدرها ولن تقاوم مرة أخرى.
مسحت تلك الدمعة الغادرة التي تسللت من طرف عينيها، تروي حكايات الوجع الذي كانت هي بطلتها إلى ما لا نهاية. "صاحية بدري أوي ليه كده؟ شهقة قوية شقت جوفها حين عانقت يديه الحانية خصرها، واخترقت كلماته الدافئة برودة جسدها. فاقترب يشدد من احتوائه لها وهو يهمس بالقرب من أذنيها: "بما إنك اتخضيتي كده، يبقى كنتِ سرحانة." نظفت حلقها قبل أن تقول بجفاء: "لا مش سرحانة ولا حاجة، بس مسمعتكش لما صحيت." "طب قلبك كمان محسش بيا لما صحيت؟
هربت من الإجابة بأن قلبها كان ينعي قصة عشقهما، فقالت بجمود: "مكنتش مركزة معاه." أدارتها يديه لتصبح في مواجهته، حتى يتسنى له التنعم بمطالعة حسنها عن قرب، ثم قال باستفهام أدهشها: "لسه مفقدتيش الأمل بردو؟ استفهمت قائلة: "في إيه؟ "إنّي ممكن أسيبك في يوم من الأيام؟ اخترقت كلماته جميع دفاعاتها وحصونها، وبدل من أن ترتفع بها إلى السماء السابعة، هوت بها إلى سبعين قاعًا. فكيف يمكن لها أن تغادره بعد كل هذا العشق؟
شعرت للحظة بأنها تتمنى لو تختطفه إلى أبعد مكان يمكن الوصول إليه، حتى لا تطالهم يد الغدر التي تنتظر بطشها في أي لحظة. "كل ده زعل عشان فرح؟ ولا لسه زعلانة مني؟ لم يكن أمامها مفر من تلك الإجابة حين قالت بجفاء: "الاتنين." وكأنه يريد الطرق على جراحها الساخنة بمطرقة كلماته اللاذعة، حين قال: "فرح غلطانة يا جنة، وغلطها كبير، وسالم في موقف لا يُحسد عليه قدامنا كلنا وقدام نفسه."
تساقط جمر كلماته على قلبها، الذي بلحظة من اللحظات توسل إليها لإخباره والتخلص من هذا الحمل الماثل فوق صدرها، والآن سخر منه عقلها، فهو يحقد على شقيقتها بتلك الهفوة، فماذا سيفعل حين يعلم ما تخفيه عنه؟ استجمعت نفسها قبل أن تقول بغضب: "فرح أختي مبتغلطش. وحتى لو غلطت، مسمحش لحد يقول عنها كده. وبالنسبة لسالم، فلو كان بيثق فيها، مكنش هيعمل كل ده." "وإيه اللي سالم عمله؟ "لو شفت منظر فرح هتعرف."
ضاق ذرعًا من حديثها الأهوج، فصاح غاضبًا: "والله تستاهل. ده مش موقف تحط جوزها فيه؟ دي صغرتنا كلنا. كلنا لينا حق عندها، مش سالم بس." "طب خلي بالك بقى، عشان أنا وفرح واحد، ولو شايفها عدوتك دلوقتي وليك حق عندها، يبقى نفس النظام معايا." لم يصدق حديثها، الذي ضاعف غضبه، فاقترب يضغط على رسغها بعنف وهو يزمجر بوحشية:
"أنتِ ادلعتي زيادة عن اللزوم وأنا زهقت. موضوع فرح ده ملكيش فيه، هي غلطت وتتحمل نتيجة غلطها، وخليكي عارفة إن صبري قرب يخلص." جذبت نفسها من بين ذراعيه وهي تقول بتحدٍ نابع من غضبها بسبب كلماته الناقمة على شقيقتها: "يخلص. مبتهددش، وزي ما قولتلك أنا وفرح واحد، ومش هسمح لأي حد يفكر يجيب سيرتها، ولو هخسر نفسي." كاد يود لو يحطم رأسها اليابس، فأي عقل تمتلك لتتفوه بتلك الحماقات؟
ألا تعلم مدى فداحة هذا الخطأ الذي ارتكبته شقيقتها؟ رغمًا عنه، قام بلكم الحائط خلفها، عله يفرغ من شحنات غضبه الذي كاد أن يعميه، فانتفض جسدها ذعرًا وتبدد قناع القوة بفعل عبراتها التي تدافعت من مقلتيها، قبل أن تهرول من أمامه تنوي الخروج من باب الغرفة، فإذا بيديه تجذبـانها لترسو بثقلها فوق صدره، الذي بدأ وكأن ضلوعه أطبقت عليها من فرط التصاقهم. حاولت الإفلات من بين يديه وهي تقول بصراخ: "سيبني. بقولك سيبني. ابعد إيدك عني."
كان ذعرها أمرًا جللًا بالنسبة إليه، فأخذ يمتص ثورتها وهو يشدد من احتوائها قائلًا بحنو: "خلاص يا حبيبي، اهدى. حقك عليا. مكنتش أقصد أخوفك." حنانه يؤلمها وغضبه يفزعها. تريد الصراخ والتخلص من هذا الثقل الجاسم فوق صدرها، ولكنها تخشى عليه من هذا الألم الدامي الذي سينهيه، أن علم ما تخبئه بجوفها. تريد الهرب من أمامه خوفًا عليه ورأفة بقلبه، ولكنه لا يساعدها أبدًا.
تشعر بأن قدرتها على الاحتمال تتلاشى رويدًا رويدًا، حتى أنها تستجدي الموت لإنقاذها وإنقاذ من حولها من هذا الجرم الذي ما اقترفته طواعية، إنما أُجبرت قسرًا عليه. "حبيبي. خلاص بقى. متزعليش." همست بلوعة: "سليم." "حياة سليم." رفعت رأسها تستجدي ذلك اللين في قلبه، فقالت بلوعة: "أوعى تزعل من فرح. فرح دي أحسن إنسانة في الدنيا. لو بتحبني، أوعى تزعل منها أو تلومها." زفر بقلة حيلة قبل أن يقول بجفاء: "حاضر يا جنة."
باغتته فعلتها، حين اقتربت ووضعت قبلة دافئة فوق قلبه الذي ينبض بجنون تأثرًا بقربها. وحين رفعت رأسها، هالها كل هذا العشق الذي يتساقط من نظراته، فحاولت الهرب قائلة: "هنزل أشم شوية هوا على ما تلبس وتحصلني نفطر سوا." لم تعطيه الفرصة للإجابة، بل انسلت من بين ذراعيه إلى الخارج. ***
أخذت تدور بغرفتها دامعة العينين، مذبوحة القلب الذي يتلظى بنيران الذنب والغضب معًا. غاضبة من نفسها ومن ذلك القلب الذي تهواه بكل جوارحها، ولكن إن قسى لا يلين، يناطحه كبرياء أهوج يتحكم بها ويقف سدًا منيعًا أمامها من الانهيار بين أحضانه طالبة الصفح والغفران. تعلم أنه حتى لو علم دوافعها، لن يصفح. فجرمها كبير، ولكن أمومتها تجاه شقيقتها شيء ليس بالهين، وأيضًا ذلك الجرح النازف نتيجة فرمانه الباتر حين قال بنبرة أحد من السيف:
"يبقى متلزمنيش! عدا حروف بسيطة تنخر بقلبها دون رحمة. كان مطلبها الأول ومسعاها الدائم هو الأمان. تلك الكلمة التي لم تستشعر حروفها سوى بين طيات عشقه. تلك الأنثى المتمردة بداخلها، لم يروضها ويخضعها سوى ذلك الأمان الذي أحاطها به. هل بهذه السهولة يمكنه التخلي عنها؟ الاستفهامات تطن برأسها كالذباب، والآلام تنخر عظامها كالساس، ولا تملك حتى رفاهية الصراخ، رافضة لكل ذلك الألم الذي يعصف بها.
طرقات خافتة على باب الغرفة جعلتها تتجمد بمكانها لثوانٍ، وداخلها يبتهل لكي يكن هو الطارق، على الرغم من علمها باستحالة هذا الاحتمال. توجهت بخط ثابت لكي تفتح، فإذا بها تتفاجأ بـ شيرين التي تقف أمام الباب، ووجهها مرآة تعكس تخبطها وقلقها، وبعض الأسف الذي تجلى في صوتها حين قالت بتلعثم: "فرح. هو. أنا. أنا. ينفع آخد كام. حاجة لسالم من. من الخزنة عشان مسافر؟
كانت عيناها تخبران فرح بأن لا ذنب لها، ولكنها لم تنتبه، لأن كلماتها كانت كقطرات الوقود التي صبت بجوف بركان محترق، فهاج معلنًا عن دمار هائل، ولكن كبرياؤها حال دون صراخها في تلك اللحظة، فحاولت الثبات قدر الإمكان حين قالت بقسوة: "هتزعلي مني لو حملتك رسالة توصليهاله؟ "بصي هو أنا عارفة إني هشوف أيام سودا من قبل ما أخبط على باب الأوضة. قولي يا فرح."
"قولي للباشا فرح بتقولك اللي عايز ياخد حاجة يروح ياخدها بنفسه. أنا مبدخلش حد غريب أوضتي." امتقع وجه شيرين، فقالت فرح بثبات: "أنا مقصدكيش بأي حاجة وحشة، بس ابن خالتك اللي ابتدى الأسلوب ده، والبادي أظلم." تحمحمت شيرين بحرج قبل أن تجيب بخفوت: "تمام." غادرت شيرين، تاركة خلفها بركان مشتعل بنيران الغضب والغيرة، بالرغم من كل شيء، ففعلته بإرساله شيرين إليها لا يُغتفر، ولن تمر بسلام. توجهت شيرين إلى غرفة أمينة،
التي قالت بلهفة: "ها عملتي إيه؟ طمنيني؟ قصت لها شيرين ما حدث، ثم أردفت بغضب: "عاجبك كده يا مرات خالي؟ اديني اتهزقت بسببك." "ولا تهزيق ولا حاجة. مش أنتِ قولتي إنك عايزة تصححي غلطك قبل كده؟ ادينا بنحاول نلم الدنيا بينهم، ونحمي النار شوية، يمكن يتحركوا." "طب المفروض نعمل إيه دلوقتي؟ "هنقوله اللي قالتهولك. أنا هقولهوله. ونخليه يطلع لها، يمكن ربنا يهديهم لما يتواجهوا."
"ده دورك بقى، أنا هختفي عشان مش طالبه كلمتين في جنابي من ابنك كمان." "طيب، امشي من وشي." "ملكيش أمان والله." *** كان يلملم أشياءه، فإذا بنعمة تفتح باب الغرفة وهي تتوجه إليه قائلة بلطف: "سالم بيه. الحاجة أمينة بتقولك إن الست فرح تعبانة شوية و... برقت عيناه حين سمع كلمات نعمة، وتقاذفت دقاته، فصاح بلهجة يشوبها اللهفة: "مالها فرح؟ "الصراحة. معرفش. أنا. مشوفتهاش. دي الست أمينة اللي قالتلي."
أخذته أقدامه للأعلى، يُحاول أن يتحكم بخطواته حتى لا يهرول إليها، فقد نجحت أمينة في زرع القلق بقلبه، الذي لم يكن يحتمل أي مكروه قد يصيبها. زفر بقوة محاولًا الثبات قدر الإمكان، حين قام بإدارة مقبض الباب لينفتح، فإذا به يجدها تقف أمامه بعينين يشع منهما الزيتون، وكأن الشمس تعامدت فوقه، فقد كانت شمس الغضب موقدة بداخلها، فلم تستطع منع نفسها حين قالت ساخرة:
"طب والله فاجأتني إنك جيت بنفسك، أنا قولت هتقول في داهية أي حاجة تخليني أشوف وشها." تراقصت ألسنة اللهب بنظراته، التي شملتها في البداية باهتمام لمعرفة إن كانت متعبة حقًا أم لا، وسرعان ما تبدد هذا الاهتمام وتحول لجمود، وهو يتفاداها ليصل إلى مكان الخزانة الخاصة به، يجلب بعض الأوراق التي طلب من والدته إحضارها له منذ قليل، فتمادى الغضب بداخلها حتى قارب على الجنون، الذي تبلور في حركتها وهي تتجه خلفه قائلة بانفعال:
"أنا بكلمك على فكرة." لم يجبها، فقد كان يحاول ابتلاع جمرات غضبه خوفًا عليها من جنونه، ولكنها كانت كمن اشتهى الجحيم، فصار يتراقص أمام شياطينه قاصدًا إغوائها. "يااااه، أنت حتى مش طايق تبص في وشي. من شوية متلزمنيش، ودلوقتي مبتبصش في وشي وكإني أجرمت؟ بكامل غروره وثباته، وضع الأوراق في إحدى الحقائب، ثم التفت يناظرها بجمود، كان كالوقود الذي يغذي نيران غضبها أكثر، خاصةً حين قال بجفاء:
"كمان متملكيش من العقل اللي يخليكِ تعرفي مدى خطأك؟ ده لوحده كارثة! ابتلعت جمرات إهانته وأجابته بثبات يشوبه الغرور: "لا عارفه، وعقلي يوزن بلد. بس في حاجات تانية بنحطها في حساباتنا لما نيجي نتصرف. حاجات معتقدش إنها مرت عليك أصلاً." رفع إحدى حاجبيه استخفافًا بحديثها، فتابعت بنبرة جامدة تنافي احتراق نظراتها: "المشاعر دي حاجة مامرتش على الباشا، فمن العبث إني أكلمك عنها أصلاً."
كانت كلماتها خذلان من نوع آخر، فـتلك المشاعر التي تدعي عدم وجودها بداخله، لطالما أغدقها بها حتى الثمالة، والآن تنكرها! "هو عبث فعلًا. إني أكون واقف بتكلم معاكِ دلوقتي بعد اللي عملتيه ده، منتهى العبث." نفذت نظراته إلى أعماقها، فأنبت نفسها على اندفاعها ورقت لهجتها حين قالت: "أنا عارفة إني غلطت... قاطعها ساخرًا: "غلطتي! الموضوع بالنسبة لك مجرد غلطة!
لما الست تخرج من بيت جوزها من وراها، تروح تقابل راجل غريب، لا و مجرم، كل هدفه إنه يأذي جوزها، دي تبقى مجرد غلطة! صياغته لأخطائها كانت كضربات السوط فوق قلبها، الذي يؤنبها على غبائها تارة، ويواسيها على مصابها تارة أخرى، وبين هاتين التخبطات، خرجت لهجتها جريحة، وتناثر الأسف وقلة الحيلة من بين عينيها على هيئة عبرات غزيرة: "جريمة. بس ليها أسباب... جاءت نبرته قاطعة كالسيف حين قال: "خليهالك. مبقاش يلزمني أسمعها."
التفت يوشك على المغادرة، فجن جنونها وصاحت بانفعال: "وأنا أصلاً مش هقولها حتى لو طلبت مني ده." أخذ يستغفر سرًا حتى لا ينصاع لاستفزازها ويلبي رغبة قلبه بتحطيم رأسها الذي لا يفكر، ولكنه اكتفى قائلًا بتحذير قاسٍ: "حذاري تحاولي تستفزيني، عشان المرة دي عقابي هيزعلك أوي." كل ما ترغبه في تلك اللحظة ألا يرحل، تشعر بأنها ستموت قهرًا إن غادر وتركها الآن، لذا صاحت بانفعال: "هتعمل إيه يعني؟ هتموتني؟
اتفضل لو ده هيريح سالم بيه الوزان! ضاق ذرعًا بحديثها، فصاح بصوت أرعدها: "أنتِ عايزة مني إيه؟ إن كان سابقًا يظن بأنها تُدهشه بجميع أفعالها، فالآن تعدى الأمر حدود الانبهار حين صاحت بقهر: "عايزة أحضنك قبل ما تمشي." تجمد بمكانه يطالعها بصدمة، وهو يشاهدها تندفع بين أحضانه لتتعلق بعنقه بقوة وهي تبكي كما لم تبكِ من قبل.
كان الأمر برمته صادمًا، حتى أن مشاعره تخدرت من فرط الصدمة، حتى أنه فقد القدرة على التحكم بجسده، فلم يشعر بيديه التي طوقتها بقوة، وكأن قلبه تسيد الأمر نافيًا عقله إلى أبعد زاوية ممكنة.
شهقاتها أعادت إليه وعيه، وملمس جسدها المرتجف بداخل أحضانه، أنفاسها الملتهبة تطوق عنقه، عبراتها الغزيرة تبلل صدره، فقام بإغلاق عينيه هاربًا من كبرياء لعين يطارده يأمره بالابتعاد عنها، ولكنها كانت أضعف اللحظات التي مرت عليه بحياته، لا يستطيع الانسلاخ عنها، يود الصراخ، لاعنًا كل شيء يحرمه لذة قربها. يتمنى لو أن الأمس لم يأتي حتى يتجنب ما حدث، لتظل بين ذراعيه للأبد.
بدأ جسدها بالهدوء كما خبت عاصفة انهيارها، لتظل ساكنة لثوانٍ تستمتع بدفء وجودها بين حنايا صدره، الذي كانت تستشعر جنون دقاته، فقد كان يتشاركا معًا الألم الذي تعاظم، حين وجدت قدماها قد لامست الأرض، فهذا يعني رحيله، ولكنها تفاجأت حين وجدت يديه تتسلل أسفل ساقيها والأخرى خلف ظهرها، وهو يقوم بحملها كعروس، ليتوجه بها إلى الفراش، وقام بوضعها في منتصفه برقة تتنافى مع قساوة كلماته، حين قال: "خلي بالك من نفسك ومن اللي في بطنك."
كانت تناظره وهو يدثرها بالأغطية بحنو يتنافى مع نظراته الجافة، وكذلك كلماته، فعلمت أي جحيم ألقته به، لذا اكتفت بهزة من رأسها دلالة على الموافقة، بينما هو كان في حرب طاحنة بين كبرياء يأمره بالرحيل، وقلب يتوسل بالبقاء، وعقل يُلح عليه بالهرب حتى لا يسحقها بين ذراعيه، معنفًا وعاشقًا، وقد استمع لهذا الصوت، ولأول مرة بحياته، يهرب! *** "خلي بالك من نفسك. مش هتأخر عليكِ. هروح أجيب الديب من ديله وأجيلك."
هكذا تحدث مروان بمزاح مع سما، التي كانت على مشارف البكاء تأثرًا بسفره، ولكن كلماته رسمت الضحكة على ملامحها الجميلة، فصاح بتهليل: "اللهم صلي على النبي. إيه الحلاوة دي يا جدعان؟ شوفي لما بتضحكي الدنيا بتضحك إزاي؟ والعصافير بتشقشق. إنما بوز البومة اللي بتضربيه ده هيجيبني في شوال وربنا." لم تستطع منع ضحكاتها وهي تؤنبه قائلة: "اخص عليك يا مروان! أنا بومة؟ "أحلى بومة في حياتي. أومال أنا مستحمل أمك ليه؟ زجرته بعنف:
"اوعى تجيب سيرة ماما، أنا بقولك أهو." "يا بنتي هو أنا بجيب سيرة خضرا الشريفة. دي أمك دي يتفاتها النخل طارح." "يكون في علمك لو مظبطتش أمورك معاها وسايستها، مفيش جواز. أنا قولتلك أهو." رفع أحد حاجبيه وهو يقول باستخفاف: "على أساس إني هاخد رأي أمك في الحوار يعني؟ يا ماما ده أنا أطلبك في بيت الطاعة الصبح. فوقي، مش كل الطير اللي يتاكل لحمه." اغتاظت من حديثه، فقالت بجفاء: "مروان امشي يالا." "أمشي؟ كده عادي."
"اه عادي. امشي يالا." "جاك مشش. بتكرريها كمان. طب مفيش بوسة؟ حضن؟ خلي بالك من نفسك يا حبيبي؟ تروح وترجع بالسلامة؟ أي حاجة من اللي الحبيبة بيقولوها دي؟ جاء صوت غاضب من خلفهم: "ياخي حبك برص وعشرة خرس. أنت إيه يا واد أنت اللي موقفك مع البت؟ أنا زهقت منك." ناظره مروان بسخط، وكأنه يخبرها: "أرأيتي."
أتقنت رسم الحزن على معالمها، فضاق ذرعًا مما يحدث، ولكنها فاجأته حين تقدم من همت بنظرات سمجة، فـضـيّـقـت الأخيرة عينيها وهي تراه يُقبل عليها، ثم قام بجذبها ليحتضنها بقوة، فصاحت باندهاش: "أنت بتعمل إيه يا واد أنت؟ لم يجبها، ولكنها تسمع همهماته المتقطعة، فرفعت رأسها فوجدته يغمض عينيه وهو يتلو كلمات غير مفهومة، فقالت بحنق: "أنت بتدعي عليا يا واد أنت؟ لم يجبها مروان، بل أخذ يتابع همهماته، فاستكانت لثوانٍ قبل أن تقول
بنفاذ صبر وهي تدفعه بقوة: "ما ترد عليا يا حيوان." فاجأها حين قال بتحسر: "والله يا عمتي أنا كنت بقرا المعوذتين عشان أطفش الشياطين اللي متسلطة عليكِ دي، طلعت الشياطين بتلطم منك." اندفعت همت بصياح: "آه يا حيوان! أنا الشياطين بتلطم مني. ده أنا اللي هخليك تلطم وتقول حقي برقبتي." "لا متقلقيش، أنا شبعت لطم من الجوازة السودا دي. وربنا لهخطفها وأرمي شرف العيلة في الوحل، بس الصبر." تدخلت سما لفض النزاع قائلة بنفاذ صبر:
"كفاية بقى انتوا الاتنين. أنا تعبت منكوا. لو فعلاً بتحبوني يبقى تلاقوا طريقة تتعاملوا بيها مع بعض أحسن من كده، عشان أنا مش هتحمل عمايلكوا دي." ألقت كلماتها، ثم هرولت للأعلى، وخلفها همت، فتمتم مروان بحنق: "أنا قولتها قبل كده، قليل البخت تطلع له همت في المولد. حسبي الله ونعم الوكيل، الكل هايص وأنا لايص. ده حتى البيج بوص اللي كان مقموص من شوية طلع فوق بقاله ساعة منزلش. أكيد هايص هو كمان! ***
"ممكن أعرف حضرتك زعلانة مني ليه؟ هكذا تحدثت همت بحنق، فصاحت سما بنفاذ صبر: "عشان بجد تعبت، حضرتك بتضغطي عليه من ناحية، وهو بيضغط عليا من ناحية تانية، وأنا متقطعة بينكوا." قالت جملتها الأخيرة تزامنًا مع هطول العبرات من مقلتيها، فرق قلب همت لحالها، ولكنها هبت معاندة: "الحق عليا إني خايفة عليكِ." "خايفة عليا من مين وليه؟ ومخوفتيش عليا من حازم اللي لولا إني كان عندي شوية عقل ومحافظة على نفسي، كان زماني مكان جنة دلوقتي؟
شهقت همت بصدمة: "بتقولي إيه؟ "بقولك اللي سمعتيه يا ماما. متخافيش عليا من مروان." "مروان جوزي، وعمره ما فكر يأذيني، بالرغم من غبائي وتصرفاتي الزفت، كان جنبي. عمره ما تجاوز حدوده معايا. بيحبني أكتر من نفسه، وأنا كمان بحبه. أنا مش ذنبي أدفع تمن أخطاء غيري. أنا تعبت وعايزة أرتاح بقى." شعرت همت بمدى معاناة ابنتها، فاقتربت بخطوات حثيثة وهي تقول بضعف:
"أنا مقصدتش أدفعك تمن غلطي يا بنتي. بس غصب عني خايفة عليكِ. خايفة على قلبك لا يتوجع تاني. أنا عشت بحسرة وجع قلبي العمر كله. مش عايزكِ تجربي ولا تدوقي اللي أنا دوقته." "مروان مش وحش وأنتِ عارفه. ارجوكِ متقفيش قدامنا، ارجوكِ سبيني أعيش حياتي مع اللي اختاره قلبي." لم تتحدث همت، بل فتحت ذراعيها لـ سما، التي ما أن شاهدت تلك الابتسامة المعتذرة ترتسم على شفتي همت، حتى اندفعت إلى داخل أحضانها وهي تقول من بين عبراتها:
"بالله عليكِ سبيني أعيش حياتي، واديني فرصتي أنا وهو." انصاعت خلف قلبها وقالت بحنو: "ربنا يسعد قلبك يا بنتي. مش هقف في طريقك تاني أبدًا." *** بعد مرور يومين، كان يتجهز لحضور أحد المؤتمرات الانتخابية، فأخذ يلملم أشياءه للمغادرة، فإذا بطرق خافت على باب الغرفة، فقال دون أن يحيد بعينيه عن الأوراق أمامه: "ادخل يا مروان، وخلي بالك، قدامنا خمس دقايق مفيش غيرهم عشان نطلع للناس." تفاجأ حين أتاه ذلك الصوت المهتز من الخلف:
"مروان مش هنا، ينفع أنا؟ تجمد بمكانه للحظات قبل أن يلتفت ليُصدم، حين رأى... يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!