الفصل 16 | من 40 فصل

رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السادس عشر 16 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
24
كلمة
11,654
وقت القراءة
59 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

أنا عالق بكِ حد التورط الذي يجعلني أراكِ بكل مكان حولي. تُحيطين بي بطريقة أجهلها بقدر ما يعشقها قلبي، حتى أن الهواء المُحيط بي يحمل رائحتك ولا أعرف إن كان شوقًا أم يأسًا؟ أُناضل بجسارة كي أتحرر من طيف الحنين الذي يُراود قلبي عن نفسه فتتكاثر ألسنة الشوق بصدري الذي أضناه الهجر ومزقته لوعة التوق. فبالله عليكِ أخبريني كيف تكونين بكل هذا الحضور حتى وأنتِ غائبة؟

حين تتحدث العيون تصمت جميع الأفواه، تسكن زقزقات العصافير، تخبو همهمات الألسن وتندثر جميع الظواهر الكونية أمام ألسنة السحر التي تنبعث من ثمر الزيتون الشهي القابع بين حدقتيها أو هكذا ظن! فهو بحضرتها يخلع عباءة الكبرياء المطرزة بالعنفوان الذي يعطيه هيبة بدائية تجعلها تقع بعشقه كلما رأته. ولكنها أنثى من نور ونار، نورًا حين تعشق ونارًا حين تتألم.

تتجاوز عن ذلاتها عمدًا وتدق على أوتار ثباته قاصدة إضفاء وقود عشقها على لهب شوقه لتحظى بغفران تشتهيه بقدر ما يصعب على شفتيها إعلانه. "مبروك يا سيادة النائب." الآن فقط تذوق معنى انتصاره في ملحمة الانتخابات التي بقدر ما كان يمقتها ولكنه ممتن لكونها كانت تشغله عن شوقه الضاري لها، والآن تضاعف الامتنان كونها جلبت ترياق الحياة لروحه. تجاهل ابتهاج روحه ولوعة قلبه بغيابها وقال بفظاظة: "الله يبارك فيكِ."

تعلم أن الطريق شائك مدجج بألغام الغضب الذي يناطح الشوق بنظراته، ولكنها لم تكن يومًا أنثى عادية. لذا قطعت منتصف الطريق حين قالت بلهجة على قدر رقتها على قدر عنفوانها: "أنا آسفة." تفشت علة الشوق بقلبه وهو يناظر سكونها الذي يحمل إغواءًا قاتلًا يغزو ثباته بضراوة.

فتلك المرأة تنوي على إصابته بسكتة قلبية بدايةً من طلبها له بأن تراه بأحد المقاهي لتبقى بعيدة عن يديه بالقدر الكافي الذي يقتله شوقًا، وأيضًا ذلك الاعتذار الذي لا يعلم من أين أتت به؟ فعينيها كانت صافية لا يشوبها ذنب أو ندم، بل تحدي لازال يأسرها منذ أول لقاء بينهم. ولكنه تجاهل ضجيج أفكاره وسايرها في لعبتها قائلًا بفظاظة: "آسفة على إيه؟ استمهلت نفسها قبل أن تقول بلهجة شابها الجمود: "إني خرجت من بيتي، روحت قابلت ناجي."

تخطو فوق ألغام غضبه بأقدامها العارية، تتمايل فوق أوتار قلبه بذخيرة عشقه الضاري لها متسلحة بثوب الضعف الذي يُرهق أعتى الرجال خاصةً العاشقين، وهو بفضلها توج ملكًا عليهم. تجاهل غضبه قائلًا بجفاء: "بس أنتِ قولتي إن ليكِ أسبابك." باغته هدوؤها الذي لم يخلو من القوة حين أجابته: "أيًا كانت أسبابي فهي تخصني أنا، اعتذرت في اللي يخصك." تصاعدت أبخرة الغضب إلى رأسه، فلو كان المكان مختلفًا لكان أذاقها مما يخصهما وحدهما.

ولكنها اختارت المكان الصحيح لحرب الأعصاب التي تمارسها بكل احترافية. لم تخلو لهجته من السخرية المطعمة بالغضب حين قال: "يخصك ويخصني! تمام، وأنا قبلت اعتذارك، بس خلي بالك من هنا ورايح الغلط بحساب." نجح في إيقاظ شعلة الغضب في نفسها، فاحتلت لهجتها قليلاً قبل أن تقول: "بس محدش معصوم من الغلط، كل بني آدم خطاء، وربنا بيغفر." سالم بفظاظة: "ده ربنا مش إحنا." آخر ما كان يتوقعه هو سخريتها حين قالت:

"العادي بتاعك طول عمرك مستبد. ما بها اليوم؟ تتحدى غضبه بشتى الطرق، تفاجئه بجمودها وهدوئها، لم يكن يتوقع سخريتها ولكنه أراد أن يخرجها عن تلك الحالة التي تستدعي شياطين جحيمه ببراعة: "كويس إنك عارفة. ضيفي على كده إن التسامح مش من صفاتي، وقلبي أسود مبينساش." ضاقت ذرعًا من جفائه، ولكنها سلكت أقل الطرق ضررًا لكبريائها، فواصلت جلد ما تبقى من صبره حين قالت ساخرة: "آه مانا عرفت."

لم تكن الوحيدة التي تتلظى غيظًا وحنقًا، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من أن يضرب بكل شيء عرض الحائط ويلتهم ذلك الفم الشهي الذي يتفوه بتلك الترهات فقط ليضاعف غضبه. فهو يرى بعينيها ألسنة التحدي تتراقص بإغواء، وأيضًا يلمح ذلك العتاب الذي يتوارى خلف جمودها. ولكنه لم يستطع تجاوز ذلك الشعور المريع الذي أصابه حين علم بتواجدها مع ذلك المختل، ولأول مرة بحياته يتجاهل تحذيرات عقله. فزمجر بخشونة: "اتعدلي أحسنلك."

تلمع وهج الغضب بمقلتيها وطبع أثاره بتلك الفرولات الشهية التي لونت خديها، فهتفت بتحدي: "ولو متعدلتش؟ تجاهل أوامر قلبه بإخضاع مهرته الجامحة بالطريقة التي ترضي قلبه وشوقه معًا، فعض على شفتيه قبل أن يقول بصوت أجش يتخلله الصرامة: "هرجع متأخر النهارده، عايز أرجع ألاقي مراتي مستنيماني بالشكل اللي عارف إنه هيعجبني." نجحت في مسعاها وعاد الوحش إلى الأسر مجددًا بكل طواعية، غافلاً عن خبث مخططها في إخضاعه. لذا

شاب الغنج نبرتها حين قالت: "أنا ليه حاسة إنك بتأمرني؟ لا تزال نظراته داكنة توحي بما يشتهي فعله بها الآن، فلون المكر ملامحه ولهجته حين قال: "عشان هو فعلاً كده." بشق الأنفس استطاعت قمع ضحكة هوجاء كادت أن تفلت من بين شفتيها لتخترق قناع الجمود الذي أتقنت ارتدائه حتى الآن، وهتفت بتحدي: "سالم يا وزان... فاحت من نبرته رائحة الغرور حين قال: "كرري الاسم ده كتير، عشان تعرفي تتعاملي إزاي بعد كده."

دام الصمت لثوانٍ قبل أن تقطعه هي حين نصبت عودها المغوي لتناظره بجمود شاب لهجتها حين قالت: "مبروك مرة تانية يا سيادة النائب." تناطح الشوق والكبرياء بداخله في حرب هوجاء تبلور مداها في محيط عينيه، ليسقط الأخير صريعًا أمام طوفان عشقها الضاري. فباغتها حين مد ساعديه القويين ليأسر خصرها بعناق من فرط شغفه كان قاسيًا لحد تلاحم أضلعهما.

لتخرج من فمها شهقة تردد صداها في صدره الخافق بعنف، فغابت لثوانٍ في دوامة الشوق الجارف التي ابتلعتهم، لتهمس وهي في حالة من اللا وعي: "سالم... الناس حوالينا." استفحل الشوق بقلبه وفاض به صدره، فعكست عينيه صورة لرجل الجليد الذي أذابه الشوق حتى كاد أن ينهيه. وارتج قلبها حين سمعت نبرته المحرورة وهو يقول أمام شفتيها: "بحضنك قبل ما تمشي، ولا هو حلال لكِ وحرام عليا؟ ***

دلف إلى داخل القاعة بهدوء ينافي تلك الهيبة التي تحيط به فتجعل قلوب الفتيات تهيم ولهًا بذلك المعيد اللبق الوسيم الذي كان الغضب يشع من نظراته يخص تلك الجنية التي لم تسلب عقله فقط، بل أصبحت تلهو بدقاته برمشة عين من بحرها الزمردي الفاتن. فأخذ يتذكر ومضات من خلافهم البارحة. "حبيبتي بتاعتي وحشاني. ما تسيبي البحث ده وتعالي أقولك على موضوع سر." تملصت من يديه العابثتين وهي تتجاهل تأثيره القاتل على قلبها قائلة بتوسل:

"ياسين سيبني خليني أخلص البحث ده، هسلمه بكرة ومش فاضية حقيقي." غرق بشلال الشوكولاتة الذائبة بين خصلاتها وأخذ يمرغ أنفه بهم لتتفشى نشوة العشق بقلبه وسائر جسده، فواصل محاولاته لإقناعها حين قال هامسًا بجانب أذنيها: "هديكِ امتياز في كل المواد بس سيبي اللي في إيدك وتعالي أقولك." "حلا" باستنكار: "أيوه اضحك عليا؟

قال هديكِ امتياز في كل المواد. ده أنت سبت الامتحان بتاع الميد مع دكتور رؤوف عشان متجبش بيه البيت وأنا موجودة برغم إني عمري ما كنت هشوف. كدا ولا إيه؟ يا دكتور وقور! قالت جملتها الأخيرة بسخرية، تجاوزها وأنامله تقسو حول خصرها المغوي بينما قال بلهجة عابثة: "بلا تعليم بلا وجع دماغ، الست ملهاش غير بيت جوزها وجوزها خلاص قرب يتجنن بسببها، يبقى ليه وجع القلب ده؟ هتفت بشموخ:

"آه عشان أبقى تابعة لحضرتك. لا يا دكتور أنا عايزة أعمل لنفسي كيان وكرير." بدأت سنة الغضب بالاشتعال في صدره، فغمغم بخشونة: "ابقي اعملي الكرير ده بكرة يا حلا، الدنيا مش هتطير." عاندته إذ قالت بفلسفة أصابته بالجنون: "لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد يا دكتور، كل دقيقة بتعدي مستقبلي أولى بيها." ضاق ذرعًا من عنادها وشوقه الضاري لها، فهتف بحدة: "مستقبل إيه يا أم مستقبل أنتِ؟ ده أنتِ آداب فلسفة، اومال لو في طب كنتِ عملتي إيه؟

برقت عينيها غيظًا من كلماته وهتفت بجفاء: "مش عاجبه حضرتك آداب فلسفة اللي أنا فيها؟ طب اتفضل بقى روح نام خفيف وسيبني للفلسفة اللي مش عاجباك." تعاظم الحنق بداخله وتجلت خيبة الأمل في لهجته حين قال: "بقى كدا! أنام خفيف؟ طب ابقي قابليني لو نجحتي السنة دي يا حلا يا بنت الوزان؟ عاد إلى الواقع وعينيه ترسلان سهام التوعد الذي سال لهجته حين قال في الميكروفون:

"صباح الخير. دكتور ممدوح تعبان النهارده وأنا اللي هستلم منكم البحث وهمتحنكم شفوي." ضيق عينيه بمكر وهو يناظرها قائلًا بلهجة تحمل الوعد بين طياتها: "واحد واحد ييجيلي المكتب ومعاه البحث بتاعه عشان يمتحن." هوى قلبها بين قدميها حين سمعت كلماته ورأت ذلك الوعد والمكر الذي يتساقط من بين نظراته، ولكنها ظلت تهديء من روعها قائلة: "اهدي يا حلا، ده جوزك، لا هيسقطك ولاهيرازيكِ. هو بس بيلاعبك."

جاء دورها فتوجهت بخط ثابت وداخلها ينوي الفوز بتلك المعركة التي حتمًا ستنشب بينهم في الداخل. سمعت صوته يسمح لها بالدخول فدَلفت إلى الغرفة قبل أن تغلق الباب خلفها لتتوجه إلى مكتبه تتجاهل ألسنة المكر التي تتقاذف من عينيه لترسم على وجهها قناعًا ملائكيًا وصوتًا عذبًا حين قالت: "اتفضل البحث بتاعي يا دكتور."

ضيق عينيه وهو يلاحظ ذلك الصفاء الذي يلون أحجار الزمرد في مقلتيها وذلك الهدوء المرتسم على ملامحها، فأيقن أنها تحاول التصرف وكأن شيئًا لم يكن. فالتمع المكر في عينيه يتنافى مع قتامة معالمه وجمود نبرته حين قال: "اتفضلي اشرحيلي، هل الحرية الفردية أهم من النظام والتنظيم الاجتماعي؟ لم يحسب حساب لدهاء الأنثى بداخلها حين حاصرته بشهب عينيها الدافئ وتلك العذوبة في نبرتها حين قالت:

"طبعًا الحرية الفردية أهم من النظام والتنظيم الاجتماعي." تجاهل ضجيج قلبه وذلك الخيط الخفي الذي يجعل الفرار من بين براثن سحرها أمرًا مستحيلًا، وقال بخشونة: "اشرحيلي وجهة نظرك." لم تقطع التواصل البصري بينهم ولو برمشة عين بسيطة، بل أخذت تتعمق ببحر عينيه الذي يتماوج به العشق والشغف معًا وهي تدور حول مكتبه تتوجه إلى مقعده تتغنج بخطواتها بينما انسابت الحروف من بين شفتيها بعذوبة تتنافى مع تأثيرها الضاري على ثباته:

"يعني مثلًا حريتي الفردية تسمح لي إني أقرب منك للحد الغير مسموح به عشان وحشتني." جاءت كلمتها الأخيرة وهي تنحني حتى تصبح في مواجهة مباشرة مع عينيه للحد الذي جعلت عطرها المسكر برائحة الفانيليا يتغلغل إلى رئتيه فأصابته لعنة الاشتهاء التي زعزعت ثباته، وخاصةً حين تابعت بهمس: "على الرغم من أن النظام والتنظيم الاجتماعي بيرفضوا ده عشان أنا طالبة وأنت المعيد بتاعي ولازم ألتزم بحدودي معاك."

قالت جملتها وهي تتراجع من أمامه، فلم تحسب حساب لتلك النيران التي قذفتها في قلبه ليضخها إلى سائر جسده الموقد بلهيب عشقها الذي لا يطفئه سوى شهدها المسكر. بلمح البصر وجدت نفسها أسيرة لذراعيه القويين تطوق خصرها حتى كادت أن تخترقه من فرط قسوته التي تتنافى مع ذلك الشغف الذي يقطر من بين كلماته حين قال: "رايحة فين؟ مش اللي يحضر العفريت لازم يصرفه بردو، ولا إيه؟ انقلب السحر على الساحر، وليتذوق كلًا مما صنعت يداه.

كانت تظن أن بمقدورها الهرب من بين براثنه ولكنها لم تحسب حساب ضراوة عشقه لها وشوقه المضني الذي لم يكن يحتاج لوقود إغوائها حتى يثور، قاذفًا حممه البركانية فوق قسمات وجهها البهي الذي تناثرت ورود الخجل فوق وجنتيه وضفتي التوت الشهي خاصتها، فأصبحت لوحة حية للجمال الذي لم يستطع مقاومته أكثر. فبتر اعتراضها لتلتحم شفاهه بخاصتها في معركة حارة مدججة بلهيب الصبوة الذي تضج به صدورهم وتنتشي به أرواحهم الهائمة بين عينات وردية.

قطعها صوت طرق خافت على باب الغرفة، كان كإنذار قوي اخترق عقلها لتنسلخ عنه وتتراجع بلهفة إلى الخلف، مما جعل جمرات العشق تتحول إلى غضب جحيمي من فعلتها. فلو كان الزمان والمكان لا يسمحان بما حدث، ولكن انسلاخها عنه أثار غضبه، فهي زوجته التي باستطاعته تقبيلها أمام الجميع.

مرت ستون ثانية لم تكن كافية لإخماد ثوراتهم، ولكنها وقت طويل على من ينتظر الإذن بالدخول، والذي حين جاء لم تتوانى تلك الفتاة عن الدلوف إلى الغرفة بأعين يلمع بها الترقب والشك وهي تفرق نظراتها بين الاثنين، فتضاعف غضبه أكثر حتى شاب لهجته حين قال: "نعم يا آنسة أروى؟ انتفضت "أروى" من حدة لهجته وتلعثمت الحروف بين شفتيها حين قالت: "أ... أنا. أنا... كنت بخبط لما لقيت حلا اتأخرت جوا... قاطعها حين زمجر بشراسة لوّنت

معالمه حين قال: "يعني إيه اتأخرت جوا؟ وبعدين أنتِ مالك؟ اتفضلي اطلعي بره." لم ترى منه هذا الغضب سابقًا، لذا لم تفكر مرتين قبل أن تهرول للخارج بعد أن أغلقت الباب خلفها. فصب جام غضبه على تلك التي كانت ترتجف من هول ما حدث: "عجبك يا ست هانم؟ بسبب لعبتك السخيفة. مش قادر أقعد مع مراتي في المكتب بتاعي عشر دقائق على بعض." كان محقًا، ولكن كان لها دوافعها التي كانت سببًا كافيًا لتلك اللعبة كما أسماها. فهتفت بتذمر:

"انت عارف أنا عملت كدا ليه يا ياسين؟ قاطعها بحدة: "أنتِ لسه كمان هتتكلمي عن دوافعك؟ ده أنتِ مستفزة." تبلور الحزن بعينيها ولون ملامحها وكذلك لهجتها حين قالت بخفوت: "أنا مقصدش أزعلك أو أحطك وأحط نفسي في موقف وحش. بس أنا فعلًا كان نفسي أعمل أصحاب حقيقيين من غير ما حد يصاحبني عشان أنا مراتك. خصوصًا وإني بعيد عن أهلي وماليش حد هنا." كان حزنها لأمر جلل لا يمكن تجاوزه أو الاستهانة به.

وعلى الرغم من غضبه إلا أنه اقترب يحتوي وجهها بكفوف حانية ثم قال بخشونة: "كل ده يهون قصاد إن محدش يبصلك بصة وحشة، وصدقيني ربنا هيوقعك في اللي شبهك من غير ما تضطري تخبي جوازنا عن حد." عاندته قائلة بخفوت: "طب عشان خاطري نعدي الترم ده وبعد كده نبقى نتكلم. وبعدين أنا هتجنن وأشوف ماما ومتتقوليش بتكلميها كل يوم عشان ده ميغنيش أبدًا إني أشوفها قدام عيني."

كانت تشبه طفلة تتدلل على أبيها حتى تنال ما تريد، وهو لا يملك من الحول ما يمكنه من تجاهل رغباتها. فأخذ يضع قبلة رقيقة فوق أرنبة أنفها قبل أن يقول بحنو: "من عينيا الاتنين. بعد ما نخلص امتحانات هوديكِ تشوفيها." تفشت السعادة بأوردتها فاندفعت تعانقه بحبور تجلى في نبرتها حين قالت: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي." احتواها بين جنبات صدره ناثرًا ورود عشقه فوق خصلات شعرها قبل أن يقول بعبث:

"متفكريش إني نسيت موضوع النظام والتنظيم الاجتماعي. لما نروح البيت لازم نحل مشكلتك معاهم واحدة واحدة وعلى أقل من مهلنا." تراجعت تناظره بتخابث تجلى في نبرتها حين قالت: "لا والله، هي بقت مشكلة؟ "ياسين" بوقاحة وعينيه تعانق كل إنش بجسدها: "مشكلة جامدة كمان، ولازم لها مناقشات حامية عشان نوصل لحل رادع يجيب من الآخر." تجاهلت خجلها الذي لون معالمها وقالت بتذمر: "شوف، هو أنا مش فاهمه أنت بتتكلم عن إيه؟

بس أنا حاسة قصدك غير شريف بالمرة." "ياسين" بعبث: "لا شريف إيه؟ ده شريف هيبقى الله يرحمه بعد اللي هتشوفيه مني النهارده. بقى أنا أبقى زي المراهقين اللي خايفين يتقفشوا بسببك؟ انفلتت ضحكة رائعة من بين شفتيها وهي تقول بعبث: "آسفين يا دكتور وقور." ثم تناولت حقيبتها وتتوجه إلى باب الغرفة قائلة بدلال: "كده أنا ضمنت الامتياز في المادة، عقبال الجايين. سلام يا حبيبي."

برقت عينيه وهو يتذكر أن تلك الجنية خرجت دون أن يقوم بعمل الاختبار الشفوي معها. فضيق عينيه قبل أن يقول بوعيد: "ماشي يا حلا الكلب. بسببك هتضطر أنجح الدفعة كلها في المادة. وحياة أمي الغالية لهوريكِ." *** "يا ماما سهام أنتِ زودتيها جوي والراجل اللي بره ده حبابة وهيطربجها فوق راسنا كلاتنا." هكذا تحدثت "نجمة" إلى "سهام" التي كانت تمنع ضحكتها بصعوبة وهي تتذكر ما حدث منذ عدة أيام. **عودة لوقت سابق**

هرول "صفوت" للخارج إثر صراخ "نجمة" فتفاجأ بـ "سهام" التي كانت تحمل حقيبة بها ملابسها تنوي المغادرة. "أنتِ رايحة فين؟ وإيه الشنطة دي؟ هكذا تحدث "صفوت" بغضب ينافي لوعة قلبه أن فكرت بتركه. وقد أكدت شكوكه حين قالت بحزن: "همشي يا صفوت. خلاص مبقاش ينفع أفضل هنا." تفشى الألم بصدره حين سمع حديثها ونِيتها بالرحيل، ولكن سرعان ما تحول الألم إلى غضب تجلى في نبرته حين صاح هادرًا: "إيه الجنان ده؟ أنتِ مين سمحلك تعملي كدا؟

كظمت غيظها بصعوبة وهي تتوجه بنظراتها إلى الجهة الأخرى قبل أن تقول بجفاء: "إحنا خلاص انتهينا يا صفوت والمقاوحة ملهاش لازمة. أنت طلقتني ومبقاش ينفع أقعد هنا أكتر من كدا." كيف السبيل إلى وصالك؟ دلني. كان هذا هو السؤال الذي ينخر عقله، بينما يتوارى خلف غضب واهي، كل ما به يرتجي الوصال ولكن دون أن يخدش كبرياء قلبه الجريح. حسمت أمرها حين التفتت تعانق "نجمة" وهي تقول بنبرة مهترئة من فرط الحزن:

"خلي بالك من نفسك. أنا سبتلك عنوان بيت جدك عشان تيجي تزوريني. متتأخريش عليا." لم يكن في القلب متسع لفاجعة أخرى كرحيلها، لذا توجه بخط غاضب لينتزعها من بين يدي "نجمة" التي برقت عينيها حين شاهدته يحمل "سهام" كعروس. وسط صيحاتها التي تجاهلها وتوجه للأعلى دون حديث، إلى أن وصل إلى غرفتهم المشتركة التي حرمت من بهاء طلتها لسنوات. فقام بإدارة قفل الباب بعد أن وضعها في منتصف الغرفة ليلتفت ناظرًا إليها بغضب يشوبه

شوق شديد لم يفلح في قمعه: "ممكن أعرف إيه اللي بتعمله دا؟ تبلور الجنون بنظراته وهو يتقدم منها بخطوات وئيدة بثت الرعب في داخلها، خاصةً حين قال بخشونة: "أنا قضيت سبعة وعشرين سنة من حياتي مستنيكِ. استنيتك كتير لما تكبري عشان أتجوزك، واستنيتك أكتر لما تقدري تتقبليني في حياتك وتعامليني على إني جوزك، واستنيتك أكتر وأكتر على ما بنتك رجعت لحضنك." صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بنبرة موقدة بلهيب العشق:

"قضيت أكتر من نص عمري وأنا بستناكِ وعمري ما مليت ولا اشتكيت. أظن إنك مديونة لي بكتير يا سهام هانم." لم يكن إقرارًا صريحًا بعشقها، كانت كلمات ظاهرها قاسيًا على عكس أطنان العشق التي تخفيها تلك القسوة. فرق قلبها واهتاجت دقاته تؤازر ذلك العاشق الذي لم يعد يرهبها بقدر ما يغريها الغوص في بحر هيامه اللامتناهي بها. "أعمل إيه عشان أسدد ديني يا صفوت؟

لم تكد تكمل جملتها حتى باغتتها يديه التي احتوت خصرها بقوة لتغرسها بين ذراعيه حتى اصطدمت عظامهم ببعضها البعض حد الألم الذي تجلى في تلك الشهقة القوية التي شقت جوفها من فعلته وكلماته الحادة حين قال: "عايز وريث. أخ لنجمة! برقت عينيها للحظات من كلماته التي لم يستوعبها عقلها لوهلة، فأردف بجفاء ينافي نظراته العاشقة:

"أنا أقدر أتزوج بدل الست عشرة. بس أنا عايزة منك أنتِ زي ما طول عمري بحلم، وأهو تبقي حققتي لي ولو حلم واحد من أحلامي." كانت كلماته قاسية على قدر ذنبها في حقه، لذا امتثلت لرغبته ولو كانت طريقته فظة مهينة، فأخفضت رأسها قائلة بألم: "موافقة." امتدت يديه ترفع رأسها لتصطدم بعينيه التي أطلقت الكثير من الاعتذارات التي أبت الشفاه إعلانها، وهمس بخشونة: "بتوطي راسك ليه؟ أنا رديتك يعني أنتِ مراتي ودا مفروض يحصل بينا."

شعرت بالألم يتشعب إلى أوردتها، ولكنها اكتفت بجملة قاتلة ألقت به بين غياهب الألم: "يمكن لأني اتعودت من زمان إني أكون في حضنك عشان هو أماني وبيتي، مش عشان ده شيء مفروض يحصل." اهتزت نظراته وزاغت للحظات وكأن قلبه يعلن تمرده على قوانينه الصارمة ويخبرها بأن هذا الهراء ماهو إلا محاولة منه لإبقائها بجانبه دون المساس بكبريائه. لم تعطيه الفرصة بالانهيار أمامها، لذا تراجعت خطوتين تناظره بأعين تعانق بهم الألم والكبرياء معًا:

"أنا هرجع أوضتي القديمة، ولما تحب يحصل اللي أنت عايزه ابعتلي. عن إذنك." **عودة للوقت الحالي** "سيبيه، أما خليته يقول حقي برقبتي." هكذا تحدثت "سهام" بوعيد، فأخذت "نجمة" تولول بتحسر: "يا مُري يانا ياما يا مُري. كن الأيام الجاية هتبقى مرار طافح. طب أنتِ وجوزك بتكايدوا في بعض، إني والغلبان الفجري (الفقري) ده ذنبنا إيه؟ ده كل ما ييجي يشوفني يجيله نايم، دانا لو بهيمة مش هنام كل ده؟ ألطم ولا أعمل إيه؟ "سهام" بأسف:

"تصدقي صح، بيطلع غضبه على عمار الغلبان. إحنا لازم نفكر في حل؟ "نجمة" بتحسر: "على ما تفكري في حل، هيكون عمار انجلط من عمايل جوزك فيه. إني عارفة إني حزينة البخت والأمل طول عمري." صاحت "سهام" بتقريع: "يا بنتي بطلي ندب. قولتلك هنشوف حل. طب بصي، جتلي فكرة بمليون جنيه. إيه رأيك نحط أبوكي قدام الأمر الواقع ونعزمه النهارده على الغدا؟ لمعت عينيها بوميض السعادة فصاحت بانبهار:

"أيوه بجى هي دي الأفكار ولا بلاش. طب بجولك إيه، لو بابا اتضايج ولا جلعه (طرده) هنعمل إيه؟ "سهام" بمكر: "ميقدرش، أنا هقفله. يالا كلمي عمار اعزميه." أخذت "نجمة" هاتفها وتوجهت للشرق، ودقاتها تدق تزامناً مع دقات الرنين إلى أن جاءها صوته العذب حين قال بعشق: "يا أهلًا بست البنات كلها." "نجمة" بخجل: "كيفك يا سيد الناس؟ لوهلة تذكر ما يحدث معه من ذلك المتجبر، فقال بتحسر:

"سيد الناس جفاه ولع من الجري ورا أبوكي في عز نقحة الشمس." "نجمة" بلهفة: "سلامة جفاك يا غالي." "عمار" بوله: "الغالي يرخصلك يا نجمتي وقمري وشمسي." تحمحمت "نجمة" بخجل وقالت بخفوت: "بجولك إيه، ماما سهام عزماك الليلة على العشاء، بس سايجة عليك النبي ما تقول لبابا حاجة." "عمار" بمكر: "عملهاله مفاجأة يعني. طب إني جاي وهخليها مفاجأة عنب على سيادة اللواء. بجولك إيه، انزلي عند البوابة هتلاقييني سايبلك حاجة مع البواب." "نجمة"

بريبة: "معرفش ليه جلبي مش مطمن لحديتك ده." قهقه بصخب على حديثها قبل أن يقول بعبث: "هتطمني لما تكوني في حضني وبين ضلوعي." زحف الخجل إلى وجنتيها فهمست بخفوت: "وه إيه اللي بتجوله ده؟ "إنيزلي بس." طاوعته وتوجهت للأسفل وهي تبحث بعينيها عن ذلك الحارس المكلف بأمر حراسة البوابة، فتفاجأت بذلك الفارس الذي يقف أمامها بطلته الخاطفة للأنفاس وهو على ظهر فرسه، يناظرها بعينين يتبلور بهما العشق.

فكان يشتهي عناقها في تلك اللحظة ولو كان مرهونًا بحياته، فقام بالترجل من على ظهر الفرس وهو يتقدم من تلك التي تقف كالمسحورة تناظره، فانسابت الحروف مشتاقة من بين شفتيه: "اتوحشتك جوي. اشتقت لحضنك اللي مدوختوش، وعارف إني هلاقي فيه الحنان اللي اتحرمت منه عمري كله." كلماته جعلتها تتجاهل صدمة وجوده ورق قلبها حين سمعت كلماته التي يتخللها الأسى، فخرجت الكلمات حانية من بين شفتيها محملة بوعود صادقة:

"هتلاقي معايا حب وحنية متخيلتهمش عمرك كله. بس أنت أوعى تجسّي عليا تاني." "عمار" بلهفة: "أجسّي عليك كيف وأنتِ النجمة اللي نورت حياتي وبدلت العتمة اللي جواتي. الله في سماه لو قلبي في يوم يجسّي عليكِ، دانا أطلعه بإيدي من بين صدري وأحطه تحت رجليكِ." صاحت بلهفة: "بعد الشر عنك متقولش كده تاني." "عمار" بشجن: "إني طول عمري يتيم يا نجمة، وحبك هو اللي حسسني بالألفة والونس."

ضاعف العشق من حسنها الذي يأسر، خاصةً حين أهدته تلك البسمة الصافية التي زلزلت كيانه، فاقترب حتى أصبح لا يفصلهم سوى خطوتين. فشهقت بذعر وهي تتراجع للخلف قائلة بلهفة: "وه أبويا لو شافك هيهد الدنيا فوق روسنا." "عمار" بسخط: "ليه إن شاء الله؟ هو إني بسارج! أنتِ خطيبتي، ومن حقي أشوفك وقت ما أحب." "نجمة" بتذمر: "لاه مبنسارجش. بس ده أبويا ولازم نحترم كلمته، حتى لو هيموتنا مشاليل." "بعد الشر عنك يا قلبي." "نجمة" بخجل:

"يباركلي فيك. متتأخرش النهارده." غازلتها عينيه بينما تحدث بخشونة: "أتأخر إيه بس يا بت الناس؟ ده أنا مستني الليل على أحر من الجمر." *** كانت تُعد شطيرة من الجبن وهي شاردة في تلك الأحداث التي قلبت حياتها رأسًا على عقب، لتتحول لتجد نفسها في النهاية زوجة لأكثر شخص مقرب منها وأكثر شخص باتت تكرهه في هذه الحياة كونه كسر ثقتها التي لم تُعطها لمخلوقٍ سواه.

لا تُنكر أفعاله الرائعة معها خلال الأيام المنصرمة ولا احترامه لخصوصيتها، حتى عندما كان يضع لها تلك الدهانات فوق جروحها لم تجرحها عينيه ولو بنظرة استشعرت عشقه الضاري لها، ولكن بعد فوات الأوان فقد تشوهت روحها فتحولت لثوب تهلهلت خيوطه بعد كل ما مرت به من أزمات. "يا بخت الفينو والله اللي بقالك عشر دقايق واقفة مبحلقة فيه." انتفضت أثر صوته العابث الذي جاءها من الخلف، فالتفت تناظره بحدة تجلت في نبرتها حين قالت:

"في حد يدخل على حد ويخضه بالطريقة دي؟ قهقه "عُدي" على حديثها قائلًا بمزاح: "إيه كمية الحد دي؟ أوعي كدا وريني بتعملي إيه؟ "ساندوتش جبنة! فكرتك عملالي بطة أو حلة محشي. يا بختك المايل يا عُدي." دائمًا ما تفلح محاولاته في انتزاعها من دائرة الصمت التي تحاول أن تقحم نفسها داخلها خوفًا من التأثر بإغواء حضوره، لذا صاحت بغضب: "حد قالك إن الجارية بتاعتك ولا حاجة؟ غازلتها عينيه قبل أن يقول بعبث:

"تصديقي كده أنا ابتديت أفهم. زمان السلاطين ليه واحد كان عنده كبشة جواري ليه؟ قوليلي ليه؟ لم تجبه فتابع بوقاحة: "طبعًا عشان كانت الجواري كلهم قمرات زيك كده يا وحش." كلماته حركت شيئًا كبيرًا بداخلها وتجلى ذلك في ذلك اللون الشهي الذي لون وجنتيها، ولكنها عاندت تلك الأحاسيس اللذيذة وصاحت بغضب: "تصدق دمك تقيل."

يعرف ما يدور بداخلها وكأنها كتاب مفتوح أمامه، وقد تعهد بأنه لم يخطئ في فهمه كما حدث في السابق، لذا تجاهل غضبها وقال مازحًا: "دمي تقيل إيه؟ هو أنا بقولك نكتة؟ ده حول في المشاعر باين." "ساندي" باستنكار: "نعم. إيه حول في المشاعر دي؟ اقترب منها حتى حاصرها بين الطاولة وبين جسده وهو يقول بهسيس دغدغ حواسها: "يعني أكون بقول عليكِ قمر تقوليلي دمك تقيل؟

شعرت بلهيب ينبعث من بين شفتيه ناهيك عن نظراته التي كانت تحاصرها فتجعلها على وشك الذوبان كقطعة من الشوكولاتة، فبللت حلقها بتوتر قطعه حين تراجع وهو يقول بلهجة عابثة تنافي لهجته الموقدة منذ ثوانٍ: "يالا ادخلي شغلي الفيلم اللي أنا جبته هيعجبك أوي على ما أحضر الفشار والعصير واعملي حسابك هلاعبك دور دومنة النهارده وهيبقى فيه أحكام." هبت باندفاع: "أحكام إيه دي إن شاء الله؟ التفت يناظرها بوقاحة تجلت في نبرته حين قال:

"اللي يخسر يقلع." هبت صارخة: "إيه؟ صحح جملته قائلًا بلهفة: "اللي هيخسر هيغسل المواعين." تراجعت عنه إلى غرفتها تحاول عدم التأثر بإغواء تلك الحياة التي يحاول جذبها إليها، فحتمًا سيؤول مصيرها إلى الهلاك كما هي العادة. لذا توجهت إلى مخدعها تنوي اللجوء إلى النوم، ولكنها تفاجئت بذلك المجنون وهو يقتحم الغرفة ويقوم بحملها فوق أكتافه وهو يقول بوعيد:

"بقى أنا رايح دافع دم قلبي في لب وسوداني وجايبلك فيلم Fast Furious 7 عشان نسمعه سوا ونعمل لب وسوداني وأنا جايبلك بإيدي فيلم الواد الأقرع اللي بتحبيه تقومي داخله تنامي؟ ده أنا هصور قتيل النهارده." أنزلها برفق ليضعها على الأريكة وسط زهولها الذي لم يدم طويلاً، وهبت غاضبة: "أنت أكيد اتجننت. أنا مش عايزة أقعد معاك ولا عايزة أتعامل معاك، وقولتلك كده من وقت ما جينا هنا. وحطينا قواعد لحياتنا سوا صح؟ لم يغضب

أو يتجاهل غضبه وقال بهدوء: "فيه استثناء للقواعد دي وهي إن في يوم في الأسبوع هنسمع فيلم حلو سوا وناكل لب وسوداني ونلعب دور دومنة بعدها، ومفيش نقاش. أنا قولت أهو." شعرت بالإرهاق الذي جعلها تتنحى عن الجدال، فهو يريد إجبارها على تقبل وجوده بحياتها، لذا ستمرر هذا الوقت بصمت حتى تصيبه بالإحباط لكي يرفع يده عنها.

مر بعض الوقت وهو مندمج في الفيلم ظاهريًا، بينما عيناه تتابع تلك التي بدأت تتفاعل مع المشاهد، وأحيانًا تمتد يديها لتلتقط بعض من المقرمشات الموضوعة على الطاولة. ولكنه لمحها هي تحيط أكتافها بيديها، فقام بجذب الشرشف الثقيل الذي يلتحف به و قام بالاقتراب منها، لتتفاجئ به على بعد أنشات قليلة منها. فقامت بإغلاق عينيها كرد فعل طبيعي منها كونها تخشى رؤية ما سيحدث، وانحبست الأنفاس في صدرها ترقبًا لما هو قادم.

فتفاجئت حين شعرت بشيء ثقيل يحيط كتفها وذلك الدفء الذي انبعث من جسده حين حاوطها بذراعه وهو يقول بهمس ضد أذنها: "فتحي عينيكِ واتفرجي عالفيلم. أنا قربت بس عشان متحسيش بالبرد." انصاعت حواسها لكلماته فانفتحت جفونها لتجد نفسها مدثرة بشرشف ثقيل وهو يحتضنها بذراعه يقيها سقيع البرد والوحدة معًا، فأخذت تطالع إلى وجهه فقد كان ينظر إلى الفيلم باستمتاع جعلها كالمخدرة لا تقوى على مفارقة دفء وجوده.

فسكن جسدها وخبت تلك الرجفة التي كانت تتلاعب بأوتارها، والتفتت لتكمل الفيلم، حاجبة كل تلك المخاوف التي تنخر عقلها حتى الموت. *** "وحشتيني على فكرة." تحدث بهمس بجانب أذنها فغمرها الخجل مما جعلها تخفض رأسها، فاحتقنت لهجته حين قال بتذمر: "بتبصي في الأرض ليه يا سما يا أختي؟ هو أنا بقولك كلام أبيح لا سمح الله! "سما" بخجل: "بطل قلة أدب، وبعدين ده رد فعل طبيعي لما الواحدة تسمع كلام حلو من حبيبها." "مروان" بلهفة: "حبيبها!

يعني أنا حبيبك يا سما؟ لون الخجل معالمها وخبت لهجتها حين قالت: "أيوه طبعًا حبيبي." "مروان" باندفاع: "طب ما تيجي نقتل أمك ونتجوز." رفعت رأسها تناظره بحدة تجلت في نبرتها حين قالت: "مروان اتلم، وإياك تجيب سيرة ماما. أنا اتكلمت معاها وهي مش هتضايقك تاني، يبقى أنت كمان تبطل تتكلم عنها قدامي وحش." "مروان" باندفاع: "خلاص وعد مش هتكلم عنها وحش قدامك. هتكلم من وراكي بس." زفرت بيأس تجلى في نبرتها حين قالت:

"يا مروان افهم ماما. هي خايفة عليا من تجربتها ومن خوفها مش عايزاني أحبك أو أتعلق بيك زي ما هي عملت مع بابا وفي الآخر اتجرحت." "مروان" بسخط: "يا ستي هي ذوقها في الرجالة كان خرا، أنا مالي أمي؟ ناظرته بحنق فتراجع عن كلماته قائلًا بجدية: "خلاص يا حبيبي. انسي أمك دلوقتي خلينا فيكِ. إيه القمر ده؟ كل شوية تحلوي كده؟ عاد الخجل يغمرها مرة أخرى فقالت بخفوت: "بجد شايفني حلوة يا مروان؟ "مروان" بلهفة: "حلوة؟ ده أنتِ وتكة." "سما"

بامتعاض: "إيه وتكة دي؟ "وتكة دي يعني مزة جامدة كده يعني؟ "سما" بامتعاض: "دي ألفاظ؟ أعمل فيك إيه؟ "مروان" بلهفة: "اديني بوسة، وأنا هقطع لساني خالص." "يااااه ده يوم المنى." كان هذا صوت "طارق" الساخر الآتي من الخارج. صاح "مروان" بسخط: "أهو عبدة موته وصل أهو." "طارق" بتخابث: "والله عيب. بقى حد يقول الكلام ده لبنت عمته! التفت "مروان" لـ "سما" قائلًا بأمر: "حطي إيدك على ودانك يا بت أنتِ مش عايز الحلوف ده يخدش حيائك."

فعلت ما أمرها به، فالتفت قائلًا بتصحيح: "قصدي مراتي ياخويا، وبعدين أنت أي حاجة قبيحة بتيجي على ريحتها! قهقه "طارق" بصخب قبل أن يقول بشماتة: "وأنت بتعرف تقول حاجة أبيحة؟ عامل فيها المحترم بزيادة اتنيل." "مروان" بتقريع: "هقول إيه ما هو أنت واحد حاقد، ولا طايل حتى كلام. إنما أنا واحد كاتب كتابي يعني ممكن أخلف بعد بكرة عادي." اغتاظ "طارق" من ذلك الوغد فصاح بفظاظة:

"على أساس إني هسكت. ده أنا هقلبها حريقة لو مكتبتش كتابي على الأقل." "مروان" بتقريع: "عايز تكتب كتابك ليه يا صايع يا ضايع؟ عشان تفضحنا! أنهى "مروان" كلماته تزامنًا مع دخول "شيرين" إلى غرفة الجلوس لتنضم إليهم. فغمرتها نظرات "طارق" العاشقة قبل أن يقول بوقاحة: "والله الفضيحة جايه جايه لو مجوزتونيش في أقرب وقت." زحف الخجل إلى وجنتيها من كلماته الوقحة، وخاصةً حين أضاف بأمر: "تعالي اقعدي جنبي."

حين أوشكت على التقدم تجاهه حتى جاءتها صيحة "مروان" الذي هدر بصياح: "تقعدي جنب مين ليه هي سايبة؟ تعالي يا بت اقعدي جنبي. أنا مكان عمتي هنا." رغمًا عنها توجهت إليه ركضًا، فأخذ "مروان" يحرك حاجبيه بحركة استعراضية أصابت بحنق "طارق" الذي صاح بغل: "أنا ممكن أقوم أكسر عضمك على فكرة. أحسنلك ملكش دعوة بيا." أخذ "مروان" يشدو باستفزاز: "شقطت منك حبيبتك يا عم. امسح رقمها وخلّي فيه دم."

جن جنون "طارق" وكاد أن يندفع نحوه لولا صوت "همت" التي قالت بسخرية: "لا ده أنت سُقت فيها بقى. هو سكتناله دخل بحماره؟ أنت كمان بتغني! تجاهل سخريتها وقال بصياح: "تعالي يا عمتي شفتي حبيبك مروان. محافظ على الموزتين أهو منقصوش صباع." كان يضع يديه على كتف كلًا من "سما" و"شيرين" قبل أن يشير بيديه إلى "طارق" الذي يود لو يكسر عنقه من شدة الغضب الذي تضاعف حين قال:

"الأولعوبان ده كان عايز يقعد البت جنبه بس مين أنا مرضتش. محافظ عليهم زي عيني." صمت لثوانٍ قبل أن يقول بهمس: "هي بوسة كده خدتها خطف." صاحت "همت" باستفهام: "بتقول إيه يا واد أنت؟ "مروان" بتصحيح: "أبدا. إيه رأيك يا عمتي لو نبعتك تحجي بتاع ست سبع شهور كده؟ "همت" بسخرية: "هو الحج بيقعد ست سبع شهور يا ظريف؟ "مروان" بتهكم: "معلش برضه ما أنتِ ذنوبك كتير هتاخدي وقت. عايزالك تسعتاشر ألف حجة عشان تكفري عنهم." "همت" بوعيد:

"وهضيفلهم ذنب كمان لما أخلص عليك وأريح البشرية من شرك." أخذ "مروان" يتبادل الكلمات مع "همت" وتحاول "سما" تهدئتهم كالعادة. فلاحظت تلك الغمزة الخفية التي ألقاها بها وهو يشير للخارج لتستغل انشغالهم في الجدال وتتوجه إلى حيث أشار، وما هي إلا دقائق ووجدت يد قوية تجذبها من خصرها إلى الشرفة. فشهقت بصدمة جراء فعلته وكلماته التي تقطر عشقًا حين قال: "بقولك إيه آخر الأسبوع كتب كتابنا. مش هصبر أكتر من كده." "طارق، أنت بتقول إيه؟

"طارق" بجفاء: "العيلة دي ملهاش أمان وممكن الدنيا تتقلب في لحظة وأنا خلاص مش قادر متبقيش جنبي بعد كده." اللمعت نجوم الحب بسماء عينيها وقالت بخفوت: "بتحبني؟ كان استفهامًا يحمل بين طياته الكثير، فباغتها حين قال بوله: "بعشق أمك." فجأة وهما في خضم شجارهم تفاجأ "مروان" من اختفاء كلًا من "طارق" و"شيرين". فقال بتقريع: "عاملة زي خفير الدرج معايا أنا بس. شبطهم في بعض، وعلى ما تخلص العركة أكون أنا بوست لما شبعت."

تراجعت للخلف بذعر: "مروان اعقل، حد يدخل علينا." لم يكترث لتنبيهاتها وحين أوشك على أن يخطو خطوة واحدة تجمد بأرضه حين سمع صوت "سالم" الفظ آتيًا من الخلف: "مروان. اومال الناس فين؟ أطلق النيران من أنفه قبل أن يقول بسخط: "إيه يا كبير أنت مش كنت مقموص؟ إيه اللي جابك دلوقتي؟ "سالم" بجفاء: "بتقول إيه يا زفت أنت؟ "مروان" بتملق: "بقولك حمد الله على السلامة. عمتك وطارق بيقتلوا بعض بره والباقي نايم."

تجاهل حديثه فقد كان الغضب والشوق يتصارعان بداخله، وخاصةً بعد لقائهم في الصباح. فتوجه بأقدام متلهفة إلى الأعلى وقلبه يهفو إلى وصالها، فقد أضناه الهجر وبات يمقُت تلك الأقنعة التي يرتديها أمامها وقرر وضع الأحرف فوق الكلمات بينهم.

فما أن وقعت عينيه على تلك النائمة بسلام فوق مخدعهم حتى خانته دقاته الهادرة التي تقاذفت بجنون كجنون أنفاسه التي تلاحقت بصدره، حين التهمت عينيه ذلك الرداء الناعم الذي يعانق جسدها البض كاشفًا عن منحنياتها القاتلة بسخاء، وخصلاتها المفرودة حولها كخيوط الشمس المتوهجة. فجذبه مظهرها الرائع ليتوجه رأسًا إلى السرير ويضع إحدى ركبتيه على طرفه، يميل بجسده بجانبها ويديه تقترب لتعانق خصرها، فإذا به يشعر بكرة شعر كثيف أسفل يديه.

لم يُمهله الوقت لاستيعاب شيء فقد سمع صرخة قوية جعلته ينتفض واقفًا، تلاها صرخة "فرح" التي استفاقت على ذلك الصوت المريع لتقوم بإنارة المصباح بجانبها، فإذا بها تتفاجيء بـ "سالم" الذي كانت معالم الجنون بادية على وجهه وهو يمسك كرة الشعر بأطراف أصابعه وهو يزمجر شراسة: "إيه اللي جاب الكائن ده في سريري؟ اندفعت تختطفها من يديه بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت: "حاسب عليها... "سالم" باستنكار: "أحاسب عليها؟

هو ده اللي قولتلك تستنيني؟ "فرح" بهدوء مثير للأعصاب: "مانا مستنياك أهو، وبعدين أنا لقيتها واقعة في الجنينة ومجروحة، قلبي مطاوعنيش أسيبها." "سالم" بسخط: "قلبك مطاوعكيش تسيبها، وعقلك قال استغليها فرصة وأضايقه! عاندته كاذبة: "محصلش." تبلور الجنون بنظراته وهو يقترب منها قائلًا: "أنتِ مبتتعلميش أبدًا؟ "فرح" بتحدٍ أشعل حمية العشق بجوفه: "إيه بالظبط اللي المفروض أتعلمه؟ كانت نظراته تحمل الوعد الذي تجلى في نبرته حين قال:

"الأدب. مفروض تتعلمي الأدب." تشدقت ساخرة: "وماله. علمهولي." كان يتقدم منها بخط وئيد وهي تحمل تلك القطة بيدها وكأنها تحتمي بذلك الكائن الضعيف الذي لم يحتمل لمسة واحدة منه. "أعمل فيكِ إيه؟ هكذا استفهم بهسيس خشن، فحاولت الثبات قائلة: "أنت عايز إيه؟ زمجر بخشونة: "عايز أكسر دماغك." سخرت بمرارة: "عادي كده أهون عليك؟ لون العبث نبرته حين قال: "مانا اللي هعالجك." "فرح" بتهكم مرير: "مش كل حاجة بتتعالج." أجابها بثقة مفرطة:

"ماهو مش أي حد بيعالج." كانت غافلة عن نظراته التي كانت تلتهمها التهامًا، فهتفت بحنق: "واثق أوي من نفسك حضرتك؟ "عندك شك في كده؟ كانت تود لو تلكمه في أنفه من فرط وسامته وتأثيره السيء على حواسها، ولكنها آثرت السخرية قائلة: "لا طبعًا، وأنا أقدر. ده أنت سالم الوزان على سن ورمح." عض على شفتيه وعينيه تشملها بنظرات جائعة وقال يغازلها: "قولتلك أرجع ألاقيِكِ مستنياني بالشكل اللي يعجبني، بس متفقناش إنك تبقي حلوة كده."

قال كلمته قبل أن تقع فريسة بين براثنه، فتخدرت من قربه لثوانٍ، وحين أوشك على الوصول لمبتغاه، مواء قوي جعله يرتد للخلف حين كاد أن يسحق جسد الهرة إثر اقترابه من تلك التي كانت تمسك بها بين يديها. فلم تحتمل ضغطه فوق جسدها الهزيل فأطلقت مواء حاد جعله يطلق عبارات الاستغفار قبل أن يلتفت قاصدًا الحمام وهو يأمرها بعنف: "أخرج ملاقيش الكائن ده في أوضتي." أخذت قرارًا بأن تذيقه لوعة الهجر التي تذوقتها في غيابه.

فأما خطأها فقد اعتذرت، وأما خطأه فلن يمر مرور الكرام. لذا توجهت وهي تمسك القطة الجميلة التي رق قلبها حين رأتها مجروحة في حديقة المطبخ وقامت برعايتها دون أن تعلم أن وجودها سيخدمها ويساعدها في ترويض ذلك الأسد الجسور. بعد دقائق خرج من المرحاض وهو يرتدي شورتًا قصيرًا والمياه تقطر من بين خصلات شعره البنية لتنحدر فوق عضلات صدره الذي أخذ يعلو ويهبط من فرط الانفعال.

حين لم يجدها في الغرفة ووجد نور غرفة الملابس مضاء، فأخذ يضغط بقوة على أسنانه حتى كادت أن تهشم تحت وطأة غضبه، وقد قرر أن يعاقبها على كل تلك الأخطاء التي اقترفتها دفعة واحدة. طرق قوي على باب الغرفة جعلها تنتفض في مكانها، ولكنها حاولت الثبات، فمن الواضح أن إصراره اليوم لا يضاهي، فقد توقعت أن يمنعه كبرياؤه من أن يدق بابها، ولكن أي كبرياء ذلك الذي يصمد أمام كل هذا العشق؟

فتحت باب الغرفة، فهالها مظهره المهلك الذي ضرب ثباتها في مقتل وزعزع قناع الجمود الذي كانت ترتديه. فاشتعلت مواجهة حامية بين النظرات دامت لثوانٍ، قطعها صوته الفظ حين تجاهل تأثيرها عليه وقال: "بتعملي إيه هنا؟ "فرح" بجفاء: "زي ما أنت شايف. هنام." ابتلع غضبه الحارق وقال بحدة: "وهو ده مكان نومك؟ "ما أنت مش عايز جيسي تنام جنبي. قولت مش عايزين نزعجك وخدتها وجيت هنا."

فاق الغضب حدود سيطرته، فقام بالتوجه إلى تلك القطة اللعينة وقام يجذبها من فوق الفراش وتوجه إلى باب الغرفة وقام بوضعها أمام الباب وإغلاقه بعنف، قبل أن يعود أدراجه إلى تلك التي كانت تناظره بذهول. هل رجل بحجم الجبل مثله يغتاظ من قطة بحجم كف اليد؟ "اتفضلي على سريرك عشان ننام." صاحت بغضب أثر كلماته المستفزة: "ممكن أعرف وديت قطتي فين؟ "في داهية. أنا بكره القطط." "براحتك. أنا بحبها." "سالم" بحنق: "حبي حاجة مفيدة."

تشدقت ساخرة: "زي إيه مثلا؟ "سالم" بجفاء: "اقصري الشر يا فرح أحسنلك، وتعالي." اغتاظت من جفاءه فصاحت دون احتراز: "مش جايه." برقت عينيه بغضب من كلماتها فالتفت يناظرها بنظرات غامضة أرعبتها وصاح بانفعال: "أنتِ عايزة إيه في الليلة السودا دي؟ باغته حين قالت بنبرة على قدر عنفوانها على قدر حزنها الذي تناثر من بين عينيها على هيئة أنهار من العبرات: "وهعوز من الباشا إيه وأنا أصلًا ملزمهوش!

التفتت تنوي الدلوف إلى الغرفة الأخرى حتى تخفي ضعفها وذلك الألم بصدرها، فتفاجئت من تلك اليد التي أحاطت خصرها لتجذبها إلى صدره بعنف آلمها، وكأن كلماتها كانت رصاصات توجهت إلى قلبه الذي اختار أن يحي بين ذراعيه من جديد حين قال بهمس خشن: "أنا اللي يلزميني من الدنيا غيرك." حاولت الفكاك من قبضته حين قالت باستنكار: "واضح." تفاجئت من كلماته المحشوة بالوجع حين قال بالقرب من أذنيها: "موتيني من الخوف عليكِ يا فرح."

كانت أنفاسها توحي بمدى إرهاقه، ولكن كان هناك ألمًا ينخر بيسارها، لذا هتفت من بين عبراتها التي ألهبت وجنتيها: "وأنت موتني من الخوف منك. لما دخلت الأوضة دي وقولتلي متقربيش مني مش ضامن نفسي أنا كمان موت من الخوف يا سالم." زمجر بخشونة ولا يزال يحتجزها بين ذراعيه:

"خوفتي مني عشان اتعصبت بالرغم إنك عارفة إن عمري ما هأذيكِ، لكن أنا كان هيجرالي حاجة من الخوف عليكِ وأنتِ مع واحد مختل زي ده. أنا سبت المؤتمر والصحافة والمسؤولين وطلعت أجري زي المجنون." أوشكت على الحديث، فأردف بقسوة: "كان محاوط المكان برجالته يعني ناوي عالغدر. سألتي نفسك لو طارق موصلش في التوقيت المناسب كان ممكن عمل فيكِ إيه؟ وضعها وجهًا لوجه أمام خطأها، فعاندت قائلة: "مكنش هيقدر يعمل حاجة." "سالم"

بسخط وهو يديرها لتواجهه: "مكنش هيقدر! ده مجنون تتوقعي منه كل شيء في الدنيا." أوشكت على الحديث، فأردف بقسوة: "أنتِ بالنسبة له الخنجر الوحيد اللي هيقدر يقضي بيه على سالم الوزان ومن بعدها العيلة كلها هتقع." ألمتها كلماته، وخاصةً حين أردف بعتاب لم تخطئه في نبرته: "عرفتي زعلت منك ليه؟ عرفتي وجعتك يومها ليه؟ أخطأت وأقرت بذلك، ولكن كانت فريسة للغضب والقلق والخوف، لذا اندفعت قائلة بتبرير:

"عرفت، وأنت كمان لازم تعرف إن كان ليا مبرراتي." قاطعها قائلاً بحدة: "أنا عارف دوافعك ومبرراتك، مش محتاج أسمعها. بس وأنتِ بتمارسي أمومتك مع جنة، ماتدوسيش عليا عشان مش هسمح باللي حصل يتكرر تاني." حين يصل الأمر إلى شقيقتها تتبدل جميع الأشياء بعينيها، فصاحت بقوة: "جنة اختي وليها حق عليا." باغتها صراخه الذي دوى في أرجاء الغرفة حولهم: "محدش له حق عليكي غيري. أنا بس اللي ليا كل الحق فيكِ، فاهمة؟

كلماته كانت تقطر عشقًا وتملكًا كالضماد فوق قلبها، ولكن هناك حق شقيقتها عليها الذي يجذبها من عنقها، فيجعلها تائهة حائرة، لذا هتفت بألم: "أنا تعبت بقى." إلى هنا ولم يعد يحتمل، فتبًا للعقل والكبرياء والمنطق وكل شيء يقف حائلًا بينه وبينها. فاقترب يطوق خصرها بأصفاد ذراعيه وعينيه تحاصرها بنظرات عاشقة غاضبة، وشيء آخر لم تختبره معه مسبقًا، ألا وهو التملك الذي كان يقطر من بين كلماته حين قال:

"يمكن أكون بضغط عليكِ، ويمكن يكون حبي ليكِ متعب." همست بتعب: "سالم... قاطعها قائلًا بفظاظة تتنافى مع روعة كلماته حين قال: "أنا عشت أربعين سنة من عمري مفيش واحدة هزت شعرة فيا لحد ما قابلتك، فتقدري تعتبري حبي ليكِ ده عقابك على اللي عملتيه فيا." كان الأمر أبلغ من أن يوصف بالكلمات، فقد كانت لهجته تقسو بينما عينيه تحنو، يقطر العشق من بين شفتيه بلهجة قاسية، رفقًا بكبريائه الذي يأبى عليه الخضوع. لذا رقت لهجتها حين قالت:

"وطبعًا مفيش أوبشنات. يعني زي القبول أو الرفض. مفيش صح؟ لامست رقتها زوايا قلبه الذي لان أمام عينيها التي كانت منبع ارتواءه وشقائه في آن واحد، فقرّبها منه أكثر وهو يقول بعبث: "حد قالك عليا قبل كده إني ظالم؟ في أوبشنات طبعًا. يا تحبيني يا تحبيني. اختاري؟ أزالت كلماته آخر ذرات الغبار فوق قلبها الذي خلا من كل شيء سوى عشقها له، فحاوطت يديها عنقه وهي تقول بدلال راق له كثيرًا: "طب ولو كان عندي اختيار تالت؟ "اللي هو؟

همست ضد شفتيه بعذوبة: "إني بعشقك يا سالم يا وزان." أطلق زفرة قوية في الهواء قبل أن يقربها منه حد تلامس أنوفهم وهو يقول بتعب: "جننتي سالم الوزان يا فرح. زلزلتي عرش الوزان اللي محدش قدر يقرب منه أبدًا." استمهل نفسه وكأنه يحاول منع تدفق الكلمات من بين شفتيه، ولكنه غافلته لتنساب بعذوبة فوق ندبات قلبها الذي شفيت جراحه كاملةً بقرب هذا الرجل:

"خلتيني لأول مرة في حياتي تايه زي العيل الصغير. عايز أهد الأرض عشان أوصلك وآخدك في حضني وأطمن إنك في أمان." بعد أن تبددت ظلمة الأجواء حولهم، اقتربت تلثم ذلك التجويف الخفيف بذقنه وهي تقول بخفوت: "أنا عارفة إني خليت شكلك وحش قدامهم وممكن أنزل أعتذرلك قدام الكل... رفع رأسه يطالعها بغضب تجلى في نبرته حين قال: "بطلي عبط يا فرح، اعتذار إيه وزفت إيه؟

تعلم أنه توجها على عرش النساء ملكة، ولكن يهفو القلب للاطمئنان بين الفينة والأخرى. وحين اطمأنت أرادت اللهو قليلاً حين قالت بعبث: "يعني عشان الهيبة وكده؟ "سالم" بفظاظة ونبرة فاحت منها رائحة الغرور: "هيبة سالم الوزان لا أنتِ ولا مليون واحد يقدر يهزها." رمقته بحنق وقالت بسخرية: "لا والله، وبالنسبة لعرش الوزان اللي زلزلته من شوية إيه نظامه؟ داعب أنفها بأنفه وهو يقول بهسيس مثير:

"ده سرنا الكبير. ضعفي قدامك ده سر بينا ومش هسمحلك تستغليه أبدًا ضدي." عاتبته قائلة بخفوت: "أنت تعرف إني ممكن أعمل كده؟ ضاق ذرعًا بالحديث، فحان وقت الأفعال التي يتوق إليها، لذا أنهى النقاش حين قال بخشونة: "أنا عارف حاجة واحدة بس إنك عوض ربنا ليا عن صبر السنين اللي فاتت دي كلها، ومش مسموح لك تبعدي عني ولا لحظة بعد كده، فاهمة؟

لم يُعطها الوقت حتى لتجيبته، فقام بارتشاف إجابتها من فوق شفتيها المغويتين اللتان كانت سبب كافٍ لشقاوه تلك الأيام المنصرمة، فأخذ يُعاقبهما بأقسى الطرق وأمتعها. وما كاد يتركها لينثر عشقه فوق قسمات وجهها حتى يعود إلى ثأره معهما مرة أخرى، وينهال شهدها بنهم أفقده صوابه، خاصةً وهي تقابل نهمه بشغف قاتل جعله يطيح بتلك الطاولة تتوسط غرفتهما والتي كانت تعوق طريقه إلى مخدعهمَ.

فما أن وصل إلى مبتغاه حتى صار يُمزق تلك العوائق التي تمنعه عن جنته بين حنايا عشقها، فتعالى أنين العشق المنبعث من شفاهها، وكأنها دعوة غير صريحة لجعله يعاقبهما بطريقته الأكثر من رائعة، فكان يُغرقها ويغرق معها في بحور العسل الذي كان يقطفه من فوق شفاهها وسائر جسدها.

ولم يكتفِ بذلك فقط، بل قام بوشم كل ما تقع عينيه عليه بصك قبلاته الدامية، حتى تشكلت أمامه لوحة فنية تجسد عشقه الخالص لها، والذي لا تفلح الكلمات في وصفه، ولكنه لم يبخل عليها بها أيضًا. حين اقترب واضعًا قبلة عميقة فوق ذلك البروز الصغير الذي يتوسط بطنها، قبل أن يرفع عينيه يناظرها بشغف كان وقودًا إضافيًا على نيران شوقها له: "أنتِ حظي الحلو من الدنيا، وفرحة قلبي اللي مفرحش غير على إيديكِ." ***

أخذت تنثر عطرها بدلال وهي تناظر فتنتها الواضحة في المرآة بعد أن تحررت أخيرًا من هذا الثقل الذي كان يرسخ جذوره في منتصف قلبها. فقد طمأنها "سالم" بأن أمر هذا الناجي انتهى، وأخبرها لشقيقتها بما حدث مع "سالم"، ولذهولها تشابهت كلمات شقيقتها مع كلماته حين قالت: "متقلقيش، أنا وسالم بنعرف نتعامل مع بعض كويس، وبرغم إني زعلت إنك روحتي حكتيله، بس الحمد لله إنك عملتي كده، وإلا مكنش هنعرف نطمن طول ما الحيوان ده بيهددنا."

أخيرًا استطاعت التنفس براحة، وقد عزمت على التخلي عن قرارها بالرحيل حتى لو عارض ذلك أهل الأرض جميعًا. قاطع تفكيرها صوت إغلاق باب الغرفة، فتسارعت دقات قلبها حين أطل بشمسه الدافئة على وحشة قلبها الذي ذاق الأمرين خلال الأيام المنصرمة.

تجمدت الدماء في عروقه حين شاهد حوريته ومعذبة قلبه بتلك الهيئة الخاطفة للأنفاس بذلك الرداء الأسود ذو الحمالتين عند الأكتاف التي ناقض بياضها سواده، مطلقة العنان لخصلاتها التي تشبه الليل الحالك تتماوج خلف ظهرها بجنون يوازي جنون دقاته حين شاهدها وهي تتقدم منه بخطوات وئيدة يغلب عليها الخجل الذي ينثر وروده فوق خديها الشهيين، يؤازرهما ذلك النبيذ الذي لونت به شفتيها، فبدت رائعة حد الهلاك لقلبه الذي أضناه العشق الذي جعل ذراعيه تمتد لتعانق خصرها بحنو ورقة أذابتها.

فقد كان يريد التأكد كونها بين ذراعيه، فهمس بنبرة موقدة: "أنا في الجنة صح؟ أجابته بنعومة أصابت ثباته في مقتل: "الجنة هي اللي بين إيديك، وبتترجاك متبعدش عنها تاني." ابتلع ريقه بصعوبة، فقد كانت أنفاسه وكأنها تتشاجر داخل صدره من فرط الإثارة والشغف الذي لون نظراته التي كانت تلتهم حسنها بلا هوادة، فصار يقربها أكثر حد امتزاج أنفاسهم الموقدة بلهيب الصبوة، كما لهجته حين قال: "أبعد!

ده أنا زي اللي كان ماشي في صحرا ميت من العطش ولما شافك ارتوى." رفعت كفوفها الحانية تحوي وجهه بين طيات عشقها الذي تجلى في نبرتها حين قالت: "بعدك أصعب مصير ممكن أواجه في حياتي يا سليم. إني أنام من غير ما يكون نفسك محاوطني ده عذاب لوحده." قست يديه حولها عشقًا وكأنه أراد أن يعانقها بأضلعه خوفًا من أن يختبر مرارة هجرها مرة أخرى، فأسند جبهته فوق خاصتها قائلًا بصوت أجش: "آه يا جنة، اسأليني أنا عن معنى

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...