توجه «سليم» بخطٍ مُتلهف إلى غرفة الأطفال، بداخله رغبة قوية لرؤية ذلك الطفل الجميل الذي من حسن حظه أنه يحمل نفس اسمه. كان الأمر رائعًا بالنسبة إليه حين اختارت «فرح» أن تُطلِق تسميته باسمه، فقد شعر بشعور خاص ذي نكهة رائعة بأن الله قد عوضهم عن طفلهم الراحل بهذا الطفل الرائع. لم يعتبره ابن شقيقه فقط، بل ابنه وقطعة من روحه، وسيبقى كذلك للأبد. حتى ولو أنجب عدة أطفال، فسيظل هو و«محمود» طفليه وأعز أحبائه.
التفت ليدلف إلى داخل الغرفة، ليتفاجأ بذلك الجسد الضخم الذي يرتدي زي الأطباء ينحني فوق الطفل. «سليم»: انت مين؟ تصنم الرجل بمكانه دون أن يُجيبه. «سليم»: بكلمك على فكرة. لفلي هنا انت دكتور إيه؟
أنهى جملته وهو يضع يده فوق كتف ذلك الطبيب. ليلتفت إليه، فإذا به يتفاجأ بذلك النصل الحاد يخترق صدره. شعر بألم قاتل جعله يتأوه بصراخ وصل إلى مسامع ذلك الرجل المُكلف بحماية الطفل. سقط الهاتف من يده وهو يهرول إلى غرفة رعاية الأطفال. كان حين رأى «سليم» يتقدم للغرفة قد تراجع ليُجيب على الهاتف، وهو مطمئن بأن الصغير في رعاية «سليم».
بالرغم من آلامه الدامية، هوى قلبه بين ضلوعه وهو يرى ذلك الضخم يحاول كتم أنفاس الصغير. تحامل على وجعه وقام بإلقاء نفسه فوقه ليحاول منعه من إيذاء الصغير الذي أخذ يصرخ. ففزع الرجل وقام بضرب «سليم» في مكان الجرح. بسرعة التف ليحمل الصغير، وحين التفت ينوي الخروج به، تفاجأ بلكمة قوية في أنفه. فتراجع للخلف عدة خطوات، ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى باغته الحارس بأخرى أشد منها. ليهتز توازنه ويتراجع للخلف، فيصطدم بسرير الطفل.
سقط من بين يديه وكاد أن يصطدم بالأرض لولا ذراعي «سليم» الذي كان يُجاهد حتى لا يسقط مُغشيًا عليه من فرط الألم وفقدانه الكثير من الدماء. وحين رأى الطفل يكاد يسقط من يد ذلك الرجل، اندفع ليلتقطه قبل أن يرتطم بالأرضية الصلبة. وقد كانت عينا الصغير آخر شيء شاهده قبل أن يُغلق عينيه مستجيبًا لتلك الهوة العميقة التي ابتلعته. فلم يستمع لتلك الصرخات التي اندلعت من أفواه الجميع، وأولهم تلك التي شعرت بانشقاق روحها حين رأته يسقط أرضًا.
«جنة»: سليييم. كان الرجال في طريقهم إلى الأعلى حين استمعوا لصرُاخ «جنة» التي اندفعت إلى حيث يرقد «سليم» الغائب عن الوعي، وبأحضانه الطفل. فأخذت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا وهي ترى شحوب ملامحه وتلك البركة من الدماء التي تُحيط به. لتخرج الكلمات مُرتجفة من بين شفاهها. «جنة»: سليم. لا. انت مش هتسبني صح. سليم رد عليا. أنا آسفة. مش هزعلك تاني والله. بس رد عليا.
كان مشهدها مؤلمًا يتقطع له نياط القلب. فالتفت الحارس الذي كان يُكبل الرجل من الخلف وصاح. «الحارس»: شيرين هانم. نادي الدكتور. اكتمي مكان الجرح عشان النزيف يقف بسرعة.
استغل الرجل أن الحارس كان اهتمامه مُنصبًا على «جنة» ليقوم بدفعه بكتفه بعُنف ويلوذ بالفِرار. وما كاد أن يُغادر الغرفة حتى تفاجأ ب«سالم» ومعه كُلًا من «مروان» و«طارق» يهرولون إلى الغرفة. فإذا بالأخير ينطلق نحوه، فأخذ يعدو بأقصى سرعته. بينما دلف «سالم» إلى الداخل ومن خلفه «مروان». ليتجمد الاثنان حين شاهدوا «سليم» الكبير الغارق في دمائه، و«سليم» الصغير القابع بين أحضانه، و«جنة» المُرتجفة والتي تُحاول كتم الدماء بيديها وهي تصرخ بأن يُغيثها أحد.
وسرعان ما اندفع «سالم» إلى أخيه يحاول إفاقته وهو يقول بنبرة مُرتعشة. «سالم»: سليم. فوق يا سليم. بينما «مروان» أخذ يصرخ بالخارج. «مروان»: عايزين دكتور بسرعة. كانت ملامحه تُحاكي الموتى في شحوبها، بينما جفونه مُنغلقة بسلام يُنافي ذلك الجحيم الذي يُحيط بهم خوفًا من فُقدانه. فاندفع «مروان» يأخذ الطفل من بين أحضانه وهو يقول بنبرة صارخة من بين عَبَراته. «مروان»: سليم. متهزرش. قوم بقى يا عم.
ما إن انتهى «مروان» من جملته، كانت الغرفة تمتليء بالكثير من الأطباء والممرضين ليقوموا بنقل «سليم» إلى غرفة العمليات، تاركين خلفهم قلوبًا تحترق من فرط الخوف.
بعد مرور نصف ساعة، كان الجميع على صفيح ساخن أمام غرفة العمليات. بعد أن أمر «سالم» أحد الحرس بأن يُعيد «أمينة» إلى المنزل بحجة أنها تحتاج إلى الراحة، حتى لا تعلم ما ألم بولدها الحبيب. ليتبقى في المشفى كُلًا من «سالم» و«مروان» و«فرح» و«شيرين» و«طارق» و«جنة» التي كانت جالسة كتمثال جميل نُقِش على ملامحه الوجع الذي كان يتساقط من بين مآقيها بصمت يُنافي صرخات قلبها المُلتاعة. فقد اختبرت الكثير من الأوجاع في حياتها، ولكن ذلك
الوجع كان أشد وأقصى. فهي قاب قوسين أو أدنى من خسارة ذلك الرجل الذي تتمحور حياتها بأكملها حوله. ذلك الرجل الذي أعاد النور لعينيها والسلام لقلبها. والآن هو في الداخل يُواجه الموت وهي عاجزة عن مساعدته أو الوقوف بجانبه. لا يُمكنها سوى البكاء فقط.
شعر بيدين حنونتين تُحيطان كتفيها لتعلم صاحبتهم. وقامت بإسناد رأسها على كتف شقيقتها وهي تقول بنبرة مُتحشرجة. «جنة»: معقول هيمشي قبل ما يعرف أنا بحبه قد إيه؟ معقول هيسبني قبل ما أثبت له إني اتغيرت، وإني عرفت قيمته؟ تعاظم الألم بصدر «فرح» حزنًا على شقيقتها وذلك القابع بالداخل. ولكنها تحلت ببعض الشجاعة لتقول بقوة. «فرح»: متقوليش كدا يا جنة. إن شاء الله هـ يقوم بالسلامة. ادعيله.
كان الوجع بصدرها أبلغ من أي وصف. فكل ما بداخلها يحثها على الصراخ، بينما هي عاجزة عن التنفس. تتقاذفها الهواجس التي تقود عقلها إلى الجنون، بينما قلبها يلفظ أنفاسه الأخيرة. فقد اجتاح تفكيرها فكرة هوجاء ونطق بها لسانها. «جنة»: ربنا بيعاقبني. أنا عارفة. كان معايا وفي حضني ومكنتش عارفة قيمته. ودلوقتي بتمنى بس نظرة منه.
تخبطت سُحبها فأمطرت ألمًا لامس قلب «فرح» التي شددت من ضمها ولم تدري ماذا تقول وكيف تُهديء من روعها. وفجأة خرجت المُمرضة وهي تقول بلهفة. «الممرضة»: محتاجين دم بسرعة. اندفع «مروان» قائلًا بلهفة. «مروان»: أنا هتبرع له. فصيلة دمنا واحدة. انتفضت من مكانها وهي تقول بلهفة. «جنة»: وأنا كمان ممكن أتبرع. هو اتبرعلي بالدم قبل كدا. يعني فصيلتنا واحدة. ناظرها «سالم» بشفقة لم تتجاوز حدود شفتاه، ليقول بخشونة.
«سالم»: أعتقد مينفعش يا جنة. أنتِ مبقالكيش كتير مخلصة جرعات الكيماوي. تهدلت أكتافها وامتقع وجهها. وقد كانت على وشك السقوط. لـ تحتضنها «فرح» وهي تقول بلهفة. «فرح»: جنة. اقترب «سالم» منها وقام بإسنادها هو الآخر لتجلس على المقعد خلفها. وقد علا نحيبها بشكل مُوجع. ليقول الأخير بلهجة هادئة. «سالم»: مش مفروض كبرنا وبقينا أقوى من كدا؟ التفتت تناظره بأسى تجلى بنظراتها ونبرتها حين قالت. «جنة»: كنت أقوى وهو جنبي.
«سالم»: وهو لسه جنبك، وهيفضل جنبك وجنبنا كلنا. لازم تكوني قوية عشان يقدر يتسند عليكِ لما يقوم بالسلامة. آزرته «فرح» قائلة. «فرح»: ينفع لما يخرج من العمليات يشوفك منهارة كدا! فين اللي اتفقنا عليه؟ فين اللي وعدتيه بيه؟ أغمضت عينيها بأسى وشفاهها تُردد بلوعة. «جنة»: أصعب حاجة في الدنيا لما تحسي إن أغلى شخص في حياتك بيروح منك، وأنتِ حتى مش قادرة تقوليله استنى. كلماتها اخترقت قلوبهم، وخصوصًا حين تابعت بلهجة مُثقلة بالوجع.
«جنة»: نفسي أقوله متمشيش. أنا محتاجالك. في حاجات لسه معشنهاش. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ جَهْدِ البَلاَءِ، وَدَرْكِ الشَقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةَ الأَعْدَاءِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيِعِ سَخَطِكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلَنَا كُلَّهُ خَالِصَاً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ. «شيرين»: مروان.
اخترق صوتها قلبه المكلوم، فقد كان يتسطح على السرير ينتظر إلى حين انتهاء عملية سحب الدماء منه، تاركًا العنان لعبرات غزيرة تتدافع من عينيه لم يقدر على ردعها. فمن يُنازع الآن بين الحياة والموت هو شقيقه وصديقه، الذي على الرغم من جدالهم الدائم فهو يُحبه كثيرًا. لم يلتفت لها، أنما سارع بمسح عبراته بأطراف أنامله قبل أن يضع ذراعه فوق رأسه ليحجب ضعفه عن عينيها وهو يقول بنبرة جافة. «مروان»: نعم.
اقتربت منه لتجلس بجواره، واضعة أناملها الرقيقة فوق ذراعه لتجذبه بلطف، تجلى في نبرتها وهي تقول. «شيرين»: يعني انت لما تحط إيدك على وشك كدا وتداري عيونك مني مش هعرف إنك كنت بتعيط؟ لم يروق له أن يُعري ضعفه وألمه أمامها هكذا، فانتزع يده منها وهو يقول بخشونة. «مروان»: عياط إيه أنتِ هبلة! ده أنا عيني اتطرفت.
أخفضت رأسها وقد شعرت بألم عميق يغزو قلبها من إصراره على إخفاء ضعفه أمامها، وكأنها شخصًا غريب وليست زوجته وحبيبته. لذا قالت بلهجة حزينة. «شيرين»: قد كدا شايفني غريبة عنك! أدار رأسه للجهة الأخرى قبل أن يقول بجفاء. «مروان»: فكريني كدا أنتِ امتى كنتِ قريبة! كان مُحقًا، فهي دائمًا كانت بعيدة، والمؤلم في الأمر أن ذلك كان بإرادتها. لذا قالت بلهجة يشوبها التوسل.
«شيرين»: طب ولو قولتلك إني في اللحظة دي نفسي أكون قريبة منك أوي. عارف؟ أنا أول ما شيرين قالتلي طلعت أجري عشان أكون جنبك عشان عارفة قد إيه انت بتحب سليم. وعارفة إنك أكيد زعلان عشانه. لم يستطع الصمود أكثر، فهتف بلهجة حارقة. «مروان»: زعلان بس! أنا هتجنن. لو كنا بدرنا خمس دقايق بس كنا لحقناه، ومكنش الكلب دا قدر يعمل عملته. انتفضت كل خلية في جسده وهو يقول من بين عبرات مقهورة.
«مروان»: أنا شفته كان سايح في دمه. كان نفسي أهزه وأقوله يا عم أنا آسف مش هرخم عليك تاني بس قوم. كان يطحن أسنانه بغل وهو يقاوم انفجاره الوشيك ليُضيف بأسى. «مروان»: كان نفسي أقوله انت أخويا الكبير اللي بتمنى أكون زيه. سليم مش ابن عمي وبس. ده أخويا وصاحبي. الوحيد اللي قالي صلي. الوحيد اللي كان بيقولي حلال وحرام. لو أنا إنسان كويس دلوقتي فبسبب سليم.
هالها انهياره بتلك الطريقة، فاقتربت تعانقه بلهفة. بادلها إياها بأضعاف مُضاعفة، فتلك أول بادرة تقرب منها إليه، وقد جاءت في أكثر وقت يحتاجه. فبكى بحرقة، كذلك هي. إلى أن هدأت ثورة انفعالهم، فأخذت يديها تمسد خصلات شعره لتهديء من حالته قليلًا قبل أن تقول بنبرة خافتة. «شيرين»: قال وأنا اللي كنت فاكرة إنك يا أبي سالم أقرب واحد ليك في العيلة. فاجئتني على فكرة.
«مروان»: أنا مقربتش من سالم غير لما قبل ما أسافر بحاجات بسيطة تقريبًا بعد ما خلصت جامعة، وكنت منبهر بشخصيته زي ما كنت منبهر بشخصية سليم وأنا لسه طالب في ثانوي. صمت لثوانٍ قبل أن يُتابع بحزن. «مروان»: أقولك على حاجة؟
أنا كنت كل ما أقرب منه، كنت ألاقي حازم يتضايق، ويفضل يرخم عليا. كتير كنت بحب أقعد أتكلم معاه وأسمعه، وهو كمان كان بيحب يتكلم معانا ويسمع مننا. الغريب بقى إن حازم مكنش بيحب يقعد يتكلم مع إخواته زيي. بس مكنش بيحبني أتكلم مع حد فيهم أو أقرب منه. شعور عارم بالغضب اجتاحها تجاه ذلك الفتى، فهتفت بصدق. «شيرين»: عارف كان بيعمل كدا ليه؟
عشان لما سالم وسليم يقربوا منك، هيعرفوا الفرق الكبير اللي بينك وبينه، وهيِعرفوا قد إيه هو وحش أوي. أومأ «مروان» برأسه قبل أن يقول بجمود. «مروان»: الله يسهله. المهم دلوقتي سليم. «شيرين»: إن شاء الله هيقوم بالسلامة وهترجعوا تتجمعوا من تاني كلكوا مع بعض. رفع رأسه إلى السماء وهو يقول بنبرة مُوقدة. «مروان»: يارب.
أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وبرأ ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن.
من أصعب الأمور التي تُلقى على عاتق إنسان أن يُجبر على مواساة شخص وهو يحمل نفس ألمه، بل وأعظم. لذلك لم يتحمل كل هذا القهر الذي يتساقط من بين حروفها. فنصب عوده ووثب قائمًا ليقف أمام غرفة العمليات وداخله هُناك شيء يحترق. فلم يكد يرتاح لنجاة حبيبته، ليختبره القدر بإصابة شقيقه وصديقه، جزء من روحه. أطلق الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة قبل أن يقول بنبرة مُلتاعة. «سالم»: ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.
فرت دمعة هاربة من طرف عينيه، فسارع بمحوها. وأخذت شفاهه تتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم، وكأنه يختبئ خلفها من ذلك الوجع الذي يكاد يفتك بصدره. فمن يراه من الخلف وهو يقف شامخًا كالجبل، لا يتخيل مدى الأسى والحزن بقلبه. وحدها كانت تعلم ما يشعر به وما يُعانيه، وقد أشفق عليه قلبها الذي كان يود معانقته ألف عام ليمحي عنه كل هذا الحزن.
جذب أنظارهم قدوم شيرين تحمل الطفل بين ذراعيها. فنهضت جنة من جانبها لتتوجه إليه، تناظره بحنو يعانق الألم الذي تجلى بنبرتها حين قالت. «جنة»: سليم. يا أغلى اسم في حياتي. لو تعرف فرحتي إنك اتسميت على اسمه؟ اتسميت على اسم أعظم راجل في الدنيا. لما تكبر هقولك هو عمل إيه عشانك؟ لحد آخر لحظة كان بيحميك. شفت هو عظيم قد إيه؟ أغمضت عينيها بقوة وداخلها يُردد بلوعة. «جنة»: يارب متحرمنيش منه. يارب نجيه.
كانت تلك الدعوة تخرج من بين شفاهه حين شعر بها تحتضن ذراعه من الخلف. فأطلق تنهيدة قوية وداخله يتمنى لو أنه استطاع أن يرتمي بين أحضانها ليبكي حتى تجف أنهار الدمع في مآقيه. فقد نال منه التعب الذي تجلى في نبرته حين التفت يُناظرها لتأسرُه غاباتها الزيتونية التي حملت السلام لعالمه ذات يوم، والآن تبثه السكينة والاطمئنان الذي تجلى في نبرتها حين قالت. «شيرين»: بإذن الله هيقوم وهيبقى كويس. أنت بس قول يارب.
تعانقت نظراتهم لثوانٍ وكأنه يُخبرها أي وجع يجيش بصدره، بينما هي تُمسد بحنانها ألمه. ليخرج صوته خشنًا حين قال. «سالم»: يارب. أخذت أناملها الحانية تُمسد كتفه علها تبثه بعض الهدوء والسكينة، فقد كانت تخشى عليه من السقوط. فقد ثقل الحِمل كثيرًا وهو ليس بجبل. وقد نجحت في مسعاها، فقد هدأ قليلًا. ولكن نيران الخوف لازالت تنهش بصدره، فأخذ يُحاربها قائلًا.
«سالم»: لا إله إلا الله الحليم الكريم. لا إله إلا الله العلي العظيم. لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم. بعد وقت ليس بكثير، خرج الطبيب من غرفة العمليات ليهرول الجميع إليه قائلين بلهفة. «الجميع»: سليم عامل إيه يا دكتور؟ طمنا يا دكتور؟ «الطبيب»: اطمنوا يا جماعة. الطعنة كانت بعيد عن الأماكن الحيوية في جسمه، يعني مفيش منها خطر. الخطر كان في النزيف. هو فقد دم كتير. لكن نقدر نقول الحمد لله هو بخير دلوقتي.
تعالت عبارات الحمد من فم الجميع، وهدأ قلب تلك التي شعرت بأن روحها قد عادت لها من جديد. فرفعت رأسها للسماء قائلة بامتنان. «جنة»: ألف حمد وشكر ليك يارب. كانت عينا الطبيب تحمل كلمات لم تُقال بعد، وقد فطن «سالم» إلى ذلك من نظراته التي خصه بها. وقد نوى الذهاب إليه للاطمئنان على شقيقه، فقلبه لا يزال قائمًا إلى الآن. ولكنه لم يُرد الحديث أمامهم، لذا انتظر إلى أن انصرف الطبيب و قام برفع هاتفه لإجراء مكالمة تليفونية عاجلة.
«سالم»: أيوا يا صفوت انت فين؟ «صفوت»: أنا داخل على المزرعة أنا وهارون. «سالم»: أنا مش في المزرعة، أنا في المستشفى. سليم كان هيروح مني النهاردة هو كمان بسبب الحقير دا. صاح «صفوت» بصدمة. «صفوت»: بتقول إيه؟ «سالم»: اللي سمعته. «صفوت»: احكيلي حصل إيه بالظبط؟ زفر بقوة قبل أن يقول بخشونة.
«سالم»: بعت كلب من بتوعه دخل الأوضة اللي فيها الولد على إنه دكتور، عشان كدا الحارس مشكش فيه، وسليم كان بالصدفة رايح هناك. معرفش حصل إيه جوا، بس أكيد شك فيه، وضرب سليم بالسكينة في كتفه. «صفوت»: لحظة واحدة بس. داخل على إنه دكتور! داخل يخطفه يعني ولا إيه؟ «سالم»: اللي دخل الأوضة دا عارف إنه عمره ما هيعرف يخرج بالطفل، يبقى الموضوع مكنش خطف. تعاظم الغضب بصدر «صفوت» الذي حاول تدارك غضبه وقال بنبرة هادئة.
«صفوت»: اسمعني يا سالم كويس. ناجي بدل لجأ للقتل، يبقى مبقاش في إيده حاجة يعملها. كل البيبان اتقفلت في وشه، حيله خلصت. وكمان دا معناه إن موضوع شحنة المخدرات وصله. يبقى نهدى عشان نحسبها صح. «سالم»: مبقاش ليها حسابات يا صفوت. اللعب هيبقى عال مكشوف، والمرادي هبقى فعل مش رد فعل. «صفوت»: ناوي على إيه؟ «سالم»: هارون معاك مش كدا؟ «صفوت»: معايا. «سالم»: حلو. اسمعني كويس.
لا إله إلا الله، الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل اثم، اللهم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين. «همت»: في إيه يا شيرين؟ قلبي مش مرتاح. حاسة إنكم مخبيين عني حاجة. هكذا تحدثت «همت» مع «شيرين» عبر الهاتف، لتقول الأخيرة بتلعثم.
«شيرين»: مفيش حاجة يا ماما. هيكون في إيه يعني؟ «همت»: اسألي نفسك يا ست هانم. فاكرين هتضحكوا عليا؟ «شيرين»: هنضحك عليكِ ليه يا ماما؟ مش فاهماكي الصراحة. هو إحنا عملنا إيه؟ «همت»: الودودة اللي في التليفونات، والبت أختك اللي طلعت تجري زي المجنونة. كل دا و مفيش حاجة. بس أنتِ اتعدلي وانطقي حصل إيه بدل ما هاجي أكسر دماغك عندك؟ يكون الواد مروان عايز يستفرد بيها من ورايا؟ «شيرين»: يستفرد بمين يا ماما بس!
ده حاله يصعب عالكافر. سيبه باللي هو فيه. «همت»: آآآه، وإيه بقى اللي هو فيه؟ زي الشاطرة كدا تقوليلي في إيه أحسنلك. زفرت «شيرين» بقلة حيلة، فقد سقطت في فخ والدتها، لذا قالت بتوسل. «شيرين»: طب ماما بالله عليكِ ما تجيبي سيرة لحد، وخصوصًا طنط أمينة. «همت»: طنط أمينة في سابع نومه. خدت دواها ونامت. اخلصي قولي حصل إيه؟ قصت «شيرين» عليها ما حدث، إضافة إلى حادثة «فرح» كاملة، لتشهق «همت» بصدمة. «همت»: بتقولي إيه يا شيرين؟
وسليم عامل إيه دلوقتي؟ «شيرين»: الحمد لله الدكتور طمنا عليه. الضربة مكنتش في أماكن حيوية في جسمه، بس نزف كتير. تساقطت العبرات من عينيها حزنًا، إضافة إلى شعور عارم بالذنب تجاه عائلتها. فهي سبب تلك اللعنة من بدايتها، لذا قالت بنبرة مُتحشرجة. «همت»: ابقي طمنيني على سليم كل شوية، وخلي بالك من اختك، وأوعوا تبعدوا عن ولاد خالكوا. محدش يعرف بيفكر في إيه؟
أنهت المحادثة مع «شرين» وهي تتذكر معاناتها السابقة معه، إضافة إلى ذلك الذنب الذي لا يزال كالجمر المُشتعِل بين طيات صدرها، حين طاوعت شيطانها واستمعت لذلك الحديث المسموم، وقامت بوضع تلك الحبوب اللعينة في العصير حتى تُجهِض «جنة». حتى وإن سامحها الجميع، فهي لم ولن تُسامح نفسها. تُريد أن تُكفر عن ذنبها، لذلك قررت أن تبدأ في معاقبة تلك الحية أولًا. فتوجهت إلى غرفة «جوهرة» التي تفاجأت بباب غرفتها يُفتح بقوة، فشُهقت بفزع وقالت بغضب.
«جوهرة»: هل جُننتي؟ كيف تقتحمين غرفتي هكذا؟ ابتسامة ساخرة لونت ملامحها قبل أن تُجيبها قائلة. «همت»: لا بلاش الجو دا، عشان خلاص بقى كل حاجة اتكشفت. لعبتك الحقيرة أنتِ والكلب اللي مشغلك خلاص اتعرفت، ودلوقتي أنا بقى هاخد منك حق فرح اللي حاولتي تقتليها، وسليم اللي راقد في المستشفى بسببكوا.
لم تُمهلها الفرصة لكي تتجاوز صدمتها، فقد جذبتها «همت» من خصلات شعرها بعنف وقامت بضرب رأسها في الحائط. ثم أخذت تُكيل لها الضربات بيدها السليمة، وهي تسبها بغضب. بينما حاولت «جوهرة» الفكاك من قبضتها، فتلك المرأة أقوى مما تبدو عليه، أو ربما القهر الساكن بصدرها يمدها بتلك القوة. لتقوم «جوهرة» بتوجيه ضربة قوية إلى يدها المكسورة، فتراجعت «همت» للخلف وهي تنحني من شدة الألم. لتقوم «جوهرة» بتجريد أحد المزهريات من فوق الطاولة وترفعه حتى تنهال به فوق رأس «همت». فإذا بأحدهم يدفعها من الخلف لتسقط على الأرض. فما أن التفتت حتى وجدت تلك الفتاة المراهقة التي دائمًا ما كانت تجدها مُنطوية على نفسها. فالتَمعت عين «جوهرة» بالشر حين سمعت صراخ لبنى.
«لبنى»: سبيها يا مجرمة حرام عليكِ. اهتاجت «جوهرة» من صراخها وقامت بجذب إحدى قطع المزهرية التي تحطمت، وهرولت تجاه «لبنى» وهي تقول بعربية صحيحة. «جوهرة»: أنا هوريكِ المجرمة هتعمل فيكِ إيه؟ تجمدت الدماء في أوصال «لبنى» ولم تعد قادرة على التنفس، وقد أيقنت بأنها هالكة لا محالة. فأغمضت عينيها وهي تتوقع أن تقتلها في الحال، لتتفاجأ بصوت قوي من خلفها جعل جسدها ينتفض. «هارون»: ماذا تفعلين يا حقيرة؟
عندما فتحت عينيها، وجدت نفسها تغوص في كتلة من العضلات لرجل يفوق حجمها بكثير. حتى أنه كان يُمسك «جوهرة» بيد، وبالأخرى يُحاوطها كي يحميها من تلك المجنونة التي أخذت تصرخ بجنون. «جوهرة»: سيبني انت كمان. والله لـ هخلص عليكوا كلكوا. لم يكن صعبًا السيطرة عليها، فقد قام برفع كفه الضخم ليهوي فوق وجنتها بصفقة قاسية طرحتها أرضًا، وهو يصيح بانفعال. «هارون»: بقى بتستعبطيني يا بنت ال…..
جذب انتباهه صوت تأوه خافت يصدر من آخر الغرفة، فرفع رأسه ليجد «همت» متكومة على نفسها تبكي من شدة الألم. فهرول تجاهها بقلب مُرتعب وعقل لا يدري ماذا عساه أن يفعل. يشعر بالذنب والألم تجاه تلك المرأة التي تذوقت ألوان العذاب على يد هذا الطاغية الذي لم يكتفِ، بل كان يُحضر نهاية مأساوية للجميع، ومن بينهم هي. فقد أخبره «صفوت» بما فعله «ناجي» بالجميع، وأولهم والدته. جلس على ركبتيه وأخذ يُناظرها بعينين تباين بهما الشعور، ولكن تسيده الندم. فوجد نفسه يقترب تلقائيًا من يدها السليمة التي تحاوط بها يدها المكسورة، وقام بوضع قبلة دافئة فوقها، قبل أن يرفع رأسه وهو يقول بأسى تجلى في نبرته وتساقط من بين مآقيه.
«هارون»: أنا آسف. ارتجف قلبها حين سمعت اعتذاره، وبهتت ملامحها من فرط الصدمة. حتى أنها نسيت ألمها لوهلة، وقد ظنت بأنها واهمة، لذا قالت باستفهام. «همت»: قولت إيه؟ «هارون»: بقولك أنا آسف. سامحيني. والله كان غصب…. لم تُمهله الفرصة لإستكمال حديثه، فقامت بجذبه إلى أحضانها بيدها السليمة وهي تقول من بين انهيارها. «همت»: تعالى في حضني.
احتضنها «هارون» بقوة وهو يبكي كالأطفال، فقد كان مشهدًا يُدمي القلوب. لقاء تأخر لثلاث وعشرين عامًا، فراق، ولوعة، وصدمة تلو الأخرى حتى هلكت القلوب وأدماها الوجع. والآن طاب وطابت الروح بذلك العناق القوي الذي جعل عيني «صفوت» تدمع بتأثر. فقد كان هو و«هارون» أمام باب القصر حين استمعوا لصرخات قادمة من الأعلى، فهرول الاثنان إلى مكان الصراخ ليتفاجئوا ب«جوهرة» التي كادت أن تقتل «لبنى» لولا تدخل «هارون» في الوقت المناسب. اقترب «صفوت» من «جوهرة» المتألمة وقام بجذبها من خصلاتها إلى الخارج، وهو يصرخ في أحد الحرس والذي أتى مُهرولًا. ليقوم «صفوت» بدفعها قائلًا بأمر.
«صفوت»: البت دي تتحبس في المخزن لحد ما أفضالها، وعايز عليها حراسة مشددة. دبة النملة متوصلهاش. أطاعه الحارس وهو يُكبل «جوهرة» التي أخذت تركله وهي تصيح وتصرخ. فتجاهلها «صفوت» الذي التفت إثر صوت «سهام» المصدوم. «سهام»: صفوت.
هرولت إليه لتعانقه بقوة، فقد كانت نائمة وبجانبها «نجمة». فهي منذ أن حدث ل«فرح» لم تُبارحها خوفًا من أي مكروه قد يُصيبها، حتى أنها كانت تنام بجانبها حتى تستطيع الاطمئنان عليها. وأثناء نومهما سمعت أصوات جلبة في الخارج، فارتعبت من أن يكون هناك دخلاء بالخارج، فقام بإغلاق باب الغرفة بالمفتاح وخرجت لمعرفة ماذا يحدث، وإذا بها تراه وكأنه حلم. فهتفت تُناديه، وحين التفت إليها لم تستطع إلا أن تُهرول إليه لترتمي بين ذراعيه، فقد كان الذعر يجتاحها وتحتاج لأمان وجوده.
«صفوت»: اهدي يا حبيبتي أنا هنا خلاص. «سهام»: مش مصدقة نفسي. أنت بجد هنا؟ شدد من عناقها وهو يقول بحنو. «صفوت»: حقك عليا. اتأخرت عليكوا بس غصب عني. لم يكد يُنهي جملته، إذا ب«هارون» يخرج وهو يحمل «همت» قائلًا بلهفة. «هارون»: لازم نوديها لدكتور بسرعة. دراعها واجعها أوي. صُدمت «سهام» حين رأته يحمل «همت»، فقالت باندهاش. «سهام»: هو أنا لسه مصحتش من النوم ولا إيه؟ أنت بتعمل إيه هنا؟ تقدم «صفوت» إلى «هارون» وقال بحزم.
«صفوت»: وديها أوضتها، وأنا هبعت حد من الغفر ينادي على دكتور مهدي في المزرعة اللي جنبنا ييجي يشوفها. أطاعه «هارون» على الفور وتوجه خلفه كُلًا من «سهام» و«لبنى» التي كانت خائفة كثيرًا، فلم تستطع البقاء وحيدة، فسارت خلفهم لتجده يضعها فوق مخدعها، قبل أن يلتفت ناظرًا إليها وهو يقول بلهجة آمرة. «هارون»: اجري هاتيلها ميه وشوفيلها أي قرص مسكن بسرعة.
ناظرته «لبنى» بصدمة من لهجته الآمرة وطريقته الفظة، فكانت تناظره باندهاش، مما جعله يقول بغضب. «هارون»: أنتِ. مش بكلمك؟ ارتعبت من صراخه، فقالت بعدم فهم. «لبنى»: أنت بتكلمني أنا؟ «هارون»: لا بكلم الحيط اللي وراكي ومستنية يرد عليا!
التفتت باندفاع لتجد الحائط خلفها، فجرفها شعور عارم بالخجل من نظراته الساخرة. فجرت أقدامها لتهرول إلى الخارج لتترك ذلك المتغطرس اللعين وتذهب إلى المطبخ لتبحث عن أي شيء كما أمرها، وهي لا تعلم أي شيء لهذا المكان سوى تلك الغرفة التي خُصصت لها. فمضى بعض الوقت وهي حول نفسها في المطبخ الكبير ولم تجد به أحد لتسأله، فالجميع نيام. لذا توقفت في المنتصف بعد أن شعرت بالدوار لتقول بغضب.
«لبنى»: والله ما حد حيط غيره. دا غبي ولا إيه؟ فاكرني خدامة عنده! «هارون»: وكمان بتكلمي نفسك! الست قاعدة تتألم فوق وأنتِ هنا بتكلمي نفسك! مفيش أدنى إحساس بالمسؤولية خالص؟ انتفض جسدها حين سمعت صوت «هارون» الغاضب بالخلف، فوَدت للحظة لو تلتفت لتدق عنقه، ولكن هيهات أن تستطيع حتى أن تصل لكتفه، فهو ضخم بالدرجة التي تجعلها تبتلع غضبها خوفًا من بطشه. لذا التفتت قائلة بنبرة يشوبها الحدة.
«لبنى»: والله الناس كلها نايمة وأنا معرفش الأدوية فين؟ «هارون»: إيه دا هو أنتِ مش من الخدم؟ «لبنى»: لا. هتف متذكرًا. «هارون»: أيوا أيوا افتكرت. مش أنتِ البت اللي كنتِ عمالة تلفي حوالين الإسطبل واحنا هناك؟ طفح الكيل، فذلك الضخم الغبي سليط اللسان يُثير حنقها بطريقة لم تختبرها مُسبقًا. لذا هتفت باندفاع. «لبنى»: بت أما تبتك إيه بت دي؟ تلك الفتاة القصيرة الغبية تسبه!
من يرى حجمها أمامه سيضحك ملء فمه، فبإمكانه ابتلاعها في التو واللحظة. ولكن مهلًا، فهو في مزاج سيء ولا يملك وقتًا لها، لذا قال بجفاء. «هارون»: طب اجري يا شاطرة من هنا بدل ما أنفخ فيكِ أطيرك. قالها وتجاوزها ليبحث عن أقراص دواء مسكنة لوالدته، لتشعر بتيار من الغضب يسري حارقًا في أوردتها. فأرادت رد الصاع صاعين لتقول بسخرية. «لبنى»: على فكرة عيب تبقى زي الهلف كدا ولسانك طويل!
توقف عن البحث والتفت يُناظرها بغموض قبل أن يقول باستنكار. «هارون»: هلف! أنتِ متربية فين يا ماما؟ شبكت يديها حول بعضهما البعض وقالت بتهكم. «لبنى»: أيًا كان المكان اللي متربية فيه مش هتفرق. المهم إني اتربيت. الدور والباقي عاللي مشافش أي نوع من أنواع التربية. قالت جملتها والتفتت برأس مرفوع تُغادر المطبخ. وبعد أن ابتعدت خطوتين من الباب، سمعت صوت زمجرة قوية أرعبتها لـ تُطلق قدميها للريح وهي تقول بذعر. «لبنى»: يا ماما.
ربّ اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني، يفقهوا قولي، اللهم استودعك ما أتعلمه، فردّه إليّ عند حاجتي إليه، ولا تنسينيه يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا اللهم بنور الفهم، وافتح علينا بمعرفة العلم، وحسن أخلاقنا بالحلم، وسهل لنا أبواب فضلك، وانشر علينا من خزائن رحمتك يا أرحم الراحمين.
كانت تُطعِم صغيرها الذي يتوسط أحضانها، وعيناها تحتويه بحب كبير. فلقد انتظرت تلك اللحظة منذ أول يوم علمت بحملها، وهي تتوق لأن تأخذه بين ذراعيها وتملأ رئتيها من رائحته العطرة. وها هو حلمها يتحقق، رغمًا عن تلك الطريقة المؤلمة التي حدث بها، ولكنها راضية، فرب الخير لا يأتي إلا بالخير. اقتربت تضع قبلة دافئة فوق جبهته وهي تقول بحنو. «فرح»: أخيرًا معايا وفي حضني. لو تعرف استنيت اللحظة دي قد إيه؟
كان مشهدهما رائعًا للحد الذي جعله يتناسى أحزانه لوهلة، وهو يقف أمام الباب يُطالعهما بأعين تلمع بالعشق والخوف معًا. فقد كان يخشى أن يطالهم الأذى أكثر من ذلك. كان قلبه يتوسل إلى خالقه بأن يحفظهما ولا يُريه في أيٍ منهما بأسًا يُبكيه. «فرح»: واقف من امتى؟ أخبرها قلبها بأن خليلها بالقرب منهما، فرفعت رأسها لتجده مُستندًا على باب الغرفة. فشعرت بشوق جارف يجتاح قلبها إليه، وقد كان يُشاركها شعورها هو الآخر. ليُجيبها بخشونة.
«سالم»: مبقاليش كتير. «فرح»: طب قرب. أطاعها ليتقدم منهما ويجلس أمامها على السرير، وعيناه تتفرقان بينها وبين صغيره الذي شعر بوجوده. فأخذ يُحرك قدميه ويديه بطريقة لطيفة رسمت ابتسامة جميلة فوق ملامح والديه. فقد كانت لحظة رائعة يحتاجها كثيرًا لتُعطيه دفعة قوية حتى يستطيع أن يواجه القادم. «فرح»: شبه مين؟ هكذا استفهمت «فرح»، فأجابها وعيناه ما زالت مُعلقة بصغيره.
«سالم»: مش شبه حد. هيبقى شبه نفسه. مش عايزة يبقى زي حد. عايزاه أحسن مننا كلنا. طافت عيناها فوق ملامحه التي تفيض بالرجولة ووسامته التي تُذيب قلبها، الذي انتفض واهتاجت دقاته عشقًا لتقول بلهجة شغوفة. «فرح»: بس أنا بقى عايزة يبقى شبهك انت. ارتفع رأسه يُطالعها، فامتد كفها يحتوي ملامحها وهي تمرر أناملها فوق تقاسيمه التي تعشقها، قائلة بخفوت.
«فرح»: عايزاه ياخد ملامحك، وعنيك، وضحكتك، وحتى تكشيرتك. عايزاه نسخة منك. عايزة سالم الوزان تاني في حياتي. لم تكن عيناه صافية، بل كانت سُحبها مُلبدة وغيومها تُهدد بالانفجار في أي لحظة. ولم يخفَ ذلك عليها، وقد كانت تُريد أن تُهديء من الغضب وتمتص هذا الحزن الذي يُخيم على سمائه. وبالرغم من ذلك، كانت صادقة للحد الذي جعل كلماتها تُلامس قلبه. فمد كفه يجذب كفها ليضع قبلة حانية في باطنه، قبل أن يرفع وجهه قائلًا بخشونة.
«سالم»: سالم الوزان تاني؟ مزهقتيش؟ حاول إضفاء بعض المرح على حديثهم حين قالت. «فرح»: اممممم. بتحاول تجرجرني عشان أقولك إنك حبيبي وإني عمري ما أزهق منك أبدًا. لا متحاولش مش هقول. ابتسم على مُزاحها قبل أن يقول بنبرة يشوبها الحزن. «سالم»: حقك عليا يا فرح. تألم قلبها لكلماته ولعينيه التي غامت أكثر، فقد كانت تعلم أن هناك حرائق مُشتعلة بداخله. لذا شددت من احتوائها ليده قبل أن تقول بحنو.
«فرح»: أوعى تقول كدا، وأوعى تفكر إنك قصرت في حمايتي أبدًا. أنت راجل مؤمن و عارف إن الحذر لا يمنع قدر، وأنت عملت اللي عليك وزيادة. متحملش نفسك فوق طاقتها. قول الحمد لله إننا بخير وبس. أوشك على الحديث، فقاطعته بقوة. «فرح»: قول الحمد لله. محدش بيشوف غير اللي مكتوب له، واللي حصلي دا كان مكتوب لي، ده قدري. إيه هتمنع القدر ولا إيه؟ الحاجة الوحيدة اللي بترد القدر هي الدعاء. لانت لهجتها قليلًا وهي تُضيف.
«فرح»: ادعي يا سالم. قول يارب، وربنا بإذن الله هـ ينجينا كلنا. كلماتها كانت تعرف الطريق إلى جراحه لتُخدرها، مما جعله يقول بنبرة هادئة. «سالم»: بإذن الله. تابعت بنبرة مُشجعة. «فرح»: ربنا ده رب المستحيل. قادر على كل شيء. توقع منه اللي عمرك ما كنت تتخيل إنه يحصل، ومتقولش إزاي؟ بس خليك عندك يقين بأنه عمره ما هيضيعك. وأنت بتدعي خليك على يقين من الإجابة. ده سر من أسرار استجابة الدعاء على فكرة.
أضاءت كلماتها شعلة الأمل في نفسه، وهدأ صدره واستكانت أنفاسه قليلًا ليقول بنبرة خشنة. «سالم»: ونعم بالله يا فرح. «فرح»: طمني سليم عامل إيه؟ «سالم»: كويس الحمد لله. الدكتور قال ممكن يفوق في أي وقت. بس هيسبوه تحت الملاحظة النهاردة كمان عشان يتطمنوا عليه. «فرح»: إن شاء الله هيقوم وهيبقى زي الفل. «سالم»: إن شاء الله.
انخفضت نظراته فوجد الصغير يغط في نومٍ عميق، فقام بوضع قبلة دافئة فوق جبهته قبل أن يتناوله منها ليضعه في مخدعه بجانب مخدعها. ثم عاد مرة أخرى إلى مكانه بجانبها ليُناظرها مُطولًا قبل أن يقول بلهجة مُشجبة. «سالم»: تخيلي في يومين يتقلب الحال وأبقى مُعرض أخسر أغلى ناس عندي في الدنيا. أنتِ وسليم. «فرح»: تعرف إن انقلاب الحال ده أكتر حاجة بخاف منها، وعشان كدا الدعاء ده مبيفارقنيش. (اللهم لا تُغير علينا الحال إلا لأحسنه)
(اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك) باغتتها كلماته حين قال بلهجة خافتة. «سالم»: أنتِ جميلة أوي يا فرح. روى الخجل وجنتيها، فنبت محصول التفاح الشهي ليجعلها في أبهى صورها في عينيه التي لونها شوقه الجارف لها. ففتح ذراعيه وهو يقول بلهجة شغوفة. «سالم»: قربي هنا.
لبت نداء الشوق القاتل في مقلتيه، وتعانقت الصدور بقوة. فقد كان كلاهما يحتاج هذا العناق كثيرًا ليُطفئ نيران الشوق والألم معًا. ولأن اللحظات الجميلة دائمًا قصيرة، فقد دوى رنين هاتف «سالم» ليتراجع الأخير يلتقط الهاتف من جيب سترته. فتغيرت ملامحه لثوانٍ قبل أن يقول بجفاء. «سالم»: شوية وراجعلك. ما أن أغلق باب الغرفة، حتى أجاب على الهاتف ليأتيه أكثر صوت يبغضه في هذه الحياة.
«ناجي»: قلبي عندك يا سالم يا حبيبي. طمني سليم عامل إيه مات ولا لسه؟ بشق الأنفس استطاع التحكم بغضبه ليقول بجفاء. «سالم»: سليم الوزان ميموتش على إيد كلب أبدًا. الدور والباقي عليك. خاف على نفسك. قال جملته الأخيرة ساخرًا، فقهقه «ناجي» بقوة قبل أن يقول ساخرًا. «ناجي»: متقوليش إنك خايف عليا؟ وبعدين تعالى هنا. من امتى قلبك بقى خفيف كدا! مكنوش شوية سم في كوباية لبن دول!
طب لعلمك بقى. دي كانت جرعة مخففة، أنا قولت أعجل بس بالولادة شوية. على الرغم من غضبه من حديث ذلك الحقير، ألا أنه أدرك بالفعل أن حديث «صفوت» صحيح. لذا قال بخُبث. «سالم»: مكنتش مخففة ولا حاجة يا ناجي. يظهر إن جوهرة بتاخد أوامرها من حد تاني. الغضب سيد الخطأ، وقد أعماه غضبه ليسقط في الخطأ الذي حاول تداركه، ليقول بسخرية. «ناجي»: دي جوهرة وهي جوهرة فعلاً. على فكرة البت عينها منك. بس انت اللي تقيل حبتين.
«سالم»: لا عينها مني إيه بس! دي حتى مرتبطة. كان أغبى من أن يعلم مغزى حديثه، فقهقه بصخب قبل أن يقول بغرور مريض. «ناجي»: هي قالت لك ولا إيه؟ ولا تكون حاولت معاها ورفضتك؟ معلش بقى. ماهي اللي تبقى مع ناجي الوزان متعرفش تبقى مع غيره. «سالم»: لا تعرف. اغتاظ من جملته فصاح محذرًا.
«ناجي»: اللي حصل لسليم والمحروسة مراتك قرصة ودن عشان متفكرش تقرب من حاجة تخصني تاني، وعلى فكرة الواد اللي مسكتوه دا جاي بتلات قروش عشان يقتل وبس. المرة الجاية هتيجي في سليم الصغير. خلي بالك. جاء وقت ضربته القاضية ليقول بسخرية. «سالم»: لسه غبي زي ما انت! طبعًا كل دا عشان شحنة المخدرات اللي اتبدلت صح! صاح «ناجي» بغضب مُميت.
«ناجي»: متفكرش إنك كدا بتأذيني، أو بتضرني تبقى عبيط. أنا أجهز ألف شحنة غيرها في ظرف كام ساعة، واللي حصل دا يعرفك إن أنا ميتعلمش عليا. «سالم»: لا بيتعلم عليك، وطلعت انت اللي عبيط. عشان المرة دي إحنا مالناش يد في اللي حصل. «ناجي»: تقصد إيه؟ «سالم»: اسأل ألبرت وجوهرة. هب «ناجي» مع مقعده وهو يقول بحنق. «ناجي»: يا تقول في إيه يا صدقني المرة دي الضربة هتصيب..
«سالم»: اتكلم على قدك، ولما تحب تعمل راجل اعمل راجل عاللي غفلوك، ولبسوك العمة وبدلوا المخدرات وخدوا الشحنة الأصلية لحسابهم. «ناجي»: ومفروض إني أصدقك! عبيط أنا؟ «سالم»: ما قولتلك أه، وعمومًا جدعنة مني هثبت لك. «ناجي»: إزاي؟ «سالم»: شوف الفيديو اللي هيوصلك دلوقتي عالايميل بتاعك، وبعد ما تشوفه أعرف إن سالم الوزان مبسبش تاره أبدًا. أغلق الهاتف وقام بمهاتفة «مروان»، وما أن أجاب الأخير حتى تحدث «سالم» بجفاء.
«سالم»: ابعت الفيديو إياه لناجي دلوقتي. أطاعه «مروان» ليقوم بإرسال ذلك الفيديو إلى «ناجي» الذي كان يُحصي الدقائق للتأكد من حديث «سالم». ليصل إلى مسامعه أخيرًا صوت رسالة قادمة على البريد الخاص به، وما أن فتحها حتى تجمدت الدماء في عروقه حين شاهد «جوهرة» بين ذراعي ألبرت في أحد اليخوت الخاصة به في القاهرة. «مروان»: إيه يا كبير اللي حصل؟ خلتني أبعت الفيديو ده للحيوان ليه؟
هكذا تحدث «مروان» بعد أن صعد إلى «سالم» ليجيبه الأخير بخشونة. «سالم»: جه وقته. «مروان»: طب في حاجة حصلت ولازم تعرفها؟ «سالم»: حاجة إيه؟ لم يكد «مروان» يُجيبه حتى صدح صوت من خلفهم. «الضابط»: أنت سالم الوزان؟ التفت كلاً من «مروان» وسالم إلى مصدر الصوت، فتبين أنه ضابط ومعه مجموعة من العساكر خلفه. فأجابه «سالم» باختصار. «سالم»: أيوا أنا. «الضابط»: اتفضل معايا. «سالم»: اتفضل معاك فين؟ أجابه الضابط بنفاذ صبر.
«الضابط»: مطلوب القبض عليك. اندفع «مروان» بغضب. «مروان»: تقبض على مين أنت اتجننت؟ «سالم»: بس يا مروان. ممكن أعرف مطلوب القبض عليا بتهمة إيه؟ «الضابط»: بتهمة قتل ضحى السيد مرزوق. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!