بأنفاس مقطوعة وقلب يحترق كمدًا، تتلظى دقاته بين ألسنة جحيم مشتعل، وصل إلى المشفى. توجه بأقدام مرعبة لا تقوى على حمله، فقد بدأ ككهل في السبعين من عمره يحمل من العلل ما يصعب وصفه ويشق احتماله.
انطلقت الهتافات من الجميع حين شاهدوا مظهره المزري، ثياب مبعثرة ووجه مغبر وعينان كأنهم مغموسان في قهر جهنم الذي كان يلون حدقتيه باللون الأحمر القاني. فقد كان الوجع يتساقط من بين مآقيه طوال الطريق، لا يقدر على ردعه ولا يملك القدرة على احتماله. "سالم... فرح بتروح مننا يا سالم." لم يكن ينقصه سوى تلك الجملة التي كانت كالسيف الباتر الذي نحر قلبه. فانتفض يطالع "جنة" بنظرات مستنكرة، غاضبة، متألمة. توجهت "حلا"
تحتضنها وهي تقول بلهفة: "بعد الشر عنها. فرح هتقوم وهتبقى كويسة. دي ولادة عادية يا جنة. اجمدي كدا." رفع عينيه إلى عيني شقيقته يطالعها بنظرات تتوسل أن يكون ما تخبره به صحيحًا. فأومأت بابتسامة عذبة وهي تقول بحنو: "إن شاء الله هتقوم بالسلامة. احنا بس كلنا ندعيلها."
كان دعمًا يحتاجه كالغريق الذي يبحث عن قشة نجاته، والتي تتمثل بتلك المرأة التي ترقد في داخل هذه الغرفة، التي يمنع نفسه بصعوبة عن تحطيم بابها ليقوم بهزها بعنف ثم يتوسل إليها بألا تغادره. صدح توسل خافت في أعماقه يناجي قلبها الموصول بقلبه: "تماسكي حبيبتي لأجل قلبٍ ما دق لسواكِ. أعيدي لروحي حياتها، ولنفسي سلامها، واعلمي أن الحياة لا تصلح بلاكِ."
كان مشهدًا تتقطع لها نياط القلوب. فلأول مرة ينحني ذلك الجبل الشامخ وتتهدل أكتافه من فرط الحزن والألم الذي كان يتجلى بصدره الذي يعلو ويهبط بقوة، ويديه التي كانت بها رجفة غير طبيعية، وكأن هناك تيارًا كهربائيًا يسري بأوردته. مما جعل "ياسين" يتقدم ليقف بجانبه وهو يقول بمواساة: "إن شاء الله هتقوم بالسلامة يا سالم. ادعي لها."
كان في عالم آخر، لا يرى ولا يسمع سوى ضحكاتها وهي بين يديه تتغنج تارة وتخجل أخرى. تغمره بعشقها ثم تتمنع ليغدق عليها من بحور هواه. كان يبحث بعينيه في وجوه الجميع عله يراها، لا يصدق أنها ترقد بالداخل، وقلبه يخبره بأن الأمر ليس عاديًا كما يصوره الجميع. هناك ألم قاتل في صدره يخبره بأن هناك أمرًا جلل قد أصابها، وأن يد الغدر قد نالت من برائتها. قطع تفكيره صوت باب الغرفة الذي انفتح وخروج الطبيب الذي بادرهم قائلاً
بتعب: "مش عارف أقولكوا إيه يا جماعة غير إن ربنا رحيم بيكوا." "تقصد إيه يا دكتور؟ " سأل "ياسين" باستفهام. "مبدئيًا كدا المدام للأسف كان عندها حالة تسمم." شهقات قوية خرجت من أفواه الجميع ذعرًا مما سمعوه. فلم يحتمل ذلك الذي انتفض قلبه للحد الذي جعله يزمجر في الجميع بشراسة: "بس." التفت إلى الطبيب قائلاً بأنفاس مقطوعة ولهجة خشنة، ولأول مرة تكون مهتزة: "مراتي حالتها إيه؟
قال الطبيب بتعاطف: "الحمد لله قدرنا نلحقها في الوقت المناسب، والطفل كمان. من حسن حظه إن المشيمة منفصلة عنه بقالها ٢٤ ساعة، وده سبب النزيف اللي حصلها. وعلى الرغم من إن الموضوع ده خطير، بس الحمد لله إنه حصل لأنه مكنش واصله غذا منها، وإلا كان هيتأثر هو كمان. عشان كده بقول ربنا رحيم بيكوا." تدخلت "أمينة" بلهفة: "يعني حفيدي وأمه بخير يا دكتور؟
"إحنا وديناه الحضانة وإن شاء الله هيبقى بخير. بالنسبة للأم فإحنا عملنا اللي علينا. السم كان قوي، لكن من حسن حظها إن النزيف ده حصلها، وقدرنا ندخل في الوقت المناسب. كمان اللبن اللي شربته هدى شوية من مفعول السم. لكن بردو مقدرش أقول إنها تجاوزت مرحلة الخطر. عمومًا إحنا نقلناها العناية المركزة، وإن شاء الله تتحسن." "عايز أشوفها."
كانت تلك الجملة الوحيدة التي استطاع أن يُخرجها من بين شفاهه التي تشققت من فرط الأسى بقلبه. فجف حلقه وبهتت معالمه، بينما أظلمت عيناه بطريقة مروعة. فقد بدا شخصًا آخر لم يستطع أحد التعرف إليه. لذا ابتعد الجميع من طريقه حين اقتادته الممرضة ليتجهز من أجل الدخول إلى غرفة العناية المشددة.
كان بكل خطوة يخطوها في طريقه إليها يشعر بألسنة اللهب تحرق أحشاءه من الداخل، بينما قلبه وكأنه يضخ جمرات الندم إلى أوردته، فتتفشى آلام عظيمة بسائر جسده الذي لم يكن قادرًا على التحكم به، فصارت يداه ترتجف رغماً عنه. إلى أن وصل إليها. سهم غادر أصاب قلبه في المنتصف وهو يراها ترقد كجثة هامدة، ينغرس بها الكثير من الخراطيم والمحاليل المغذية. فهتف قلبه ملتاعًا: "أين جميلتنا؟
" كان مظهرها شاحبًا وملامحها باهتة، تغلق جفونها على غاباتها الرائعة التي أسقطته في هواها صريعاً ذات يوم. واليوم سيسقط صريعاً إن لم يراها تشرق من جديد. "فرح." خرج همسه خافت، متألم، حزين. يعج قلبه بنيران الندم والذنب تجاه حبيبته وامرأة حياته على ما حدث لها بسببه. فقد شمل الجميع بحمايته وفعل الممكن والمستحيل لردع الأذى عنهم، ليطاله ذلك الأذى في أعز وأغلى الناس إلى قلبه.
جاء همسه لأول مرة متوسلاً: "أول مرة أنادي عليكِ ومتروديش عليا. وحشني صوتك، ووحشتني عينيكِ قوي." تناثر الدمع حارقًا من بين مآقيه، واشتد الألم بصدره حتى آنت ضلوعه. فمد يده ليحتضن كفها وكأنه يحتمي بها من وجعه الضاري، ثم أطلق جأشه المكبوث من أعماق صدره قبل أن يقول بنبرة تتضور وجعًا: "أنا آسف. آسف عشان معرفتش أحميكِ. قومي يالا عشان أجيب لك حقك مني." فاض الوجع وطغى للحد الذي جعل شهقة قوية تخرج من جوفه وهو
يتابع بنبرة محشوة بالأسى: "قومي عشان وحياة ربنا مش هقدر أعيش لحظة واحدة من غيرك يا فرح." امتدت يديه تتلمس ملامحها الهادئة إلى أن وصلت إلى خدها الشاحب، فاقترب ناثرًا اعتذارات مريرة فوق ملامحها قبل أن يقول بنبرة مشجبة: "فاكرة لما قولت لك سالم الوزان هيهد الدنيا عشان خاطرك؟ الدنيا هدته من غيرك، ومش هيقوم له قومة تاني غير لما تفتحي عينيك وتنوري حياته من جديد."
رغبة ملحة ضربت قلبه في تلك اللحظة بأن يحملها ويهرب بها من كل هذا السوء المحيط بهم. يريد أن ينجو من كل هذا الأسى الذي يحدق بهم من كل حدب وصوب، ولكنه لأول مرة بحياته يكون مكبل قليل الحيلة. هناك غصة تمتد من الحلق إلى القلب تمنع الهواء من المرور إلى رئتيه، أو غيابها هو السبب. اقترب مرة أخرى يلثم جبينها بقبلة دافئة، قبل أن يرتفع لتحتضن عينيه ملامحها التي يعشق، ليخرج الكلمات من فمه
مرتجفة كحال قلبه حين قال: "أنا عارف إنك مش قاسية، ومش هتعملي فيا كده. مش هتسبيني. أنتِ وعدتيني، وأنا عارف إنك عمرك ما هتخلفي وعدك أبدًا." كان يتلهف لأي بادرة حياة منها تعيد الحياة لقلبه من جديد كما اعتاد منها، ولكن اليوم كان الأمر مختلفًا. فهي بعيدة تمامًا عن واقعه، وقد كان هذا أقسى ما مر عليه بحياته. تراجع ينوي المغادرة، وإذا بجملتها المعاتبة ترن بأذنه: "على فكرة انت مقولتليش بحبك غير أربع خمس مرات بس."
توقف أمام باب الغرفة يحاول استعادة أنفاسه من بين براثن الألم الضاري الذي وقع تحت سطوته، قبل أن يلتفت قائلاً بلهجة تئن وجعًا: "بحبك يا فرح." *** "جوهرة…" هكذا صدح صوته مجلجلاً في بهو القصر، مما جعل الجميع ينتفض حوله، إلا من تلك التي كانت ثابتة وكأن الأمر لا يعنيها. فترجلت من الدرج وهي تقول بهدوء: "ماذا هناك؟ حاول "مروان" كبح جماح غضبه بصعوبة بالغة، قبل أن يتقدم منها قائلاً بهسيس مرعب: "تعرفين أن فرح قد تعرضت للتسمم؟
"أوه يا إلهي. ماذا تقول؟ كيف حدث ذلك؟ " قالت "جوهرة" بصدمة أتقنت تزييفها. أخذ يعض على شفتيه محاولاً التحكم بأعصابه قدر الإمكان وهو يقول بجفاء: "هذا تحديدًا ما أردت أن أعرفه منكِ." "عفوًا. مني؟ ما الذي تريد معرفته مني؟ " قالت "جوهرة" باستنكار. اقترب "مروان" منها للحد غير المسموح به، فأصبحت عيناه في مواجهة مباشرة من عينيه، للحد الذي جعل دقات قلبها تقرع كالطبول، خاصة حين قال بلهجة
قاسية غير معهودة منه: "هل لكِ يد فيما حدث معها؟ كانت عيناه تعريانها بطريقة أجفلتها. فمن أمامه ليس هذا الفتى العابث الوسيم، إنما رجل مرعب للحد الذي جعل تفكيرها يتخبط لثوانٍ قبل أن تجيبه بنبرة حاولت أن تكون ثابتة قدر الإمكان: "على الرغم من ذلك الضغط الذي تضعني تحت طائلته، ولكني لا أعلم شيئًا عما حدث لها. وحين يعود عقلك إلى العمل مجددًا، أريدك أن تعلم بأن هذا الاتهام لم يمر هكذا أبدًا."
لازالت عيناه تتفحصانها بطريقة مربكة، ولكنها لم تعلم عن مدى الجهد المبذول من جهته لألا يكسر عنقها في تلك اللحظة. فقد رأى الكذب بعينيها. ولكن مهلاً، فهو سيستمتع بتعذيب الحية قبل أن يقطع رأسها. "لحسن حظك لم تتعرفي على الوجه الآخر لي. ولكن أقسم بأنني لو علمت بأن لكِ يدًا فيما حدث لفرح، سأجعل السماء تبكي دمًا عليكِ. عزيزتي جوهرة." قال جملته الأخيرة بسخرية وهو يشملها بنظرة محتقرة، قبل أن يلتفت موجهاً
حديثه للجميع: "محدش يدخل ولا يخرج من المزرعة لحد ما أعرف مين الكلب اللي عمل كدا. ولحد ما أعرف مين هو الكل في نظري مدان. كلكوا متهمين لحد ما أعرف مين عمل كدا." قال جملته الأخيرة وهو يرمقها شزرًا، ليلتفت متوجهًا للخارج ليجد "عمار" الذي كان يجري اتصالاته بأحد الرجال. "اجلبوا إسماعيلية كلها. إني واثق إن المرأة دي ملحقتش تبعد."
أنهى مكالمته والتفت إلى "مروان" الذي كان يتحدث مع "حلا" في الهاتف، فأخبرته بما حدث، ليُنهي المحادثة قائلاً بعجالة: "فرح نقلوها العناية المركزة، وسالم هناك. أنا لازم أروح له. ربنا وحده عالم بيه…" قاطعه "عمار" بتفهم: "روح ومتجلجش. إني هتابع كل حاجة هنا. وأي جديد هيحصل هقولك. وأنت كمان طمني على فرح أول بأول." ربت "مروان" على كتفه قائلاً بامتنان: "مش عارف أشكرك إزاي يا عمار."
"تشكرني إيه يا ابني أنت. فكرك إننا بقينا صحاب ولا إيه؟ نطمنوا على فرح ونمسك بنت المركوب دي، وهلخبط لك معالم وشك تاني." هكذا تحدث "عمار" محاولاً تبديد غيمة الحزن التي تحيط بهم، فابتسم "مروان" بهدوء قبل أن يقول بتمني: "يا عم أنا موافق. هي كدا كدا ملخبطة. المهم نطمن على فرح، ونخلص من القرف ده." "إن شاء الله. قول يارب." "يارب." أنهى كلماته وتوجه إلى المشفى ليجد الجميع هناك عدا "سالم". فهتف مستفهماً: "سالم فين؟
أجابته "حلا" بأسى: "راح يشوف فرح." أومأ بصمت، فالتقمت عينيه "جنة" التي كانت تنتفض بين أحضان "أمينة" تذرف خوفها وألمها على هيئة عبرات غزيرة. فهي لأول مرة تختبر ذلك الألم المريع. فقد كانت "فرح" دائمًا بجوارها تحاوطها من جميع الجهات، والآن غائبة. وقد كان هذا أقسى من أن تحتمله، لذا أخذت تبكي بأسى، وداخلها يتوسل لرب العباد بأن يعيدها بينهم من جديد. اقترب "مروان" قائلاً بتعاطف: "جنة. فرح بخير. اللي أنتِ بتعمليه ده غلط."
"فرح بتضيع مننا يا مروان. فرح اتسممت." قالت "جنة" بحرقة. "بعد الشر عنها. متقوليش كده. قولي فرح إن شاء الله هتقوم بالسلامة. قولي يا جنة." قال "مروان" بقوة. قال جملته الأخيرة بنبرة مهتزة وكأنه يتوسل إلى الله بأن يعيدها إليهم سالمة، فـ أطاعته "جنة" قائلة بتوسل: "إن شاء الله هتقوم بالسلامة." "جنة."
أتاها صوته من بعيد لينتشلها من بحر الألم الذي كاد أن يغرقها، فالتفتت لتناظره بلهفة جعلتها تندفع إلى أحضانه وهي تصرخ باكية. فـ التفتت يداه حولها، غارساً إياها بجانب قلبه الملتاع حزنًا عليها وعلى شقيقه وزوجته التي طالتها يد الغدر التي ينوي قطعها. ولكن صبرًا. "فرح يا سليم. فرح." "هتبقى كويسة إن شاء الله. متقلقيش. فرح قوية ومش هتستسلم بسهولة. صدقيني." قال "سليم" بلهجة حانية.
دفنت رأسها بصدره تحاول كتم شهقاتها التي أخذت تتردد بين ضلوعه، تحكي مقدار الوجع الكامن بصدرها. فأخذ الجميع ينتحب بصمت وأسى. فـ توجه "طارق" بدوره إلى "شيرين" فهو أكثر من يعلم بما يدور بقلبها وما يعتمل في عقلها، وأي شعور بالذنب يكتنفها تجاه ما حدث. لذا جذبها إلى صدره واضعًا قبلة دافئة فوق خصلات
شعرها قبل أن يقول بخفوت: "أوعي تفكري تحملي نفسك ذنب مش بتاعك، وافتكري إن الراجل ده مش أبوكي. مالكيش علاقة بيه. أنتِ بنتي أنا. فاهمة؟ كانت قبضتها تعتصر قميصه بقوة وهي تقول بشفاه مرتجفة: "أنا خايفة أقرب من جنة. خايفة تقولي أنتِ بنت اللي عمل كدا. أنا أقسم بالله قلبي واجعني على فرح أوي."
"هش. مش محتاجة تحلفي، ومحدش يقدر يقولك كدا. أنتِ مش بنته. أوعي تنسبى نفسك ليه، ومتقلقيش فرح إن شاء الله هتبقى كويسة. أهم حاجة ندعيلها كلنا." قال "طارق" بخفوت. خرجت الكلمات متوسلة من بين شفاهها: "يارب تبقى كويسة. يارب تقوم بالسلامة يارب."
كان يبحث عنه في المشفى وداخله يتوسل إلى الله أن يرحمه ويخفف عنه هذا العذاب الذي لابد وأنه يقتات على روحه في تلك اللحظة. ولكنه توقف عند باب المشفى يبحث في الحديقة عله يجده، إلى أن توقفت عينيه عند ذلك المكان الذي حتمًا سيلجأ إليه. فقادته أقدامه إلى المسجد لتتأكد ظنونه، فقد كان يصلي. اختار أن يذرف وجعه بين يدي خالقه، فصار يبكي كطفل صغير ينتفض من فرط الألم الذي يجيش بصدره ولا يعرف كيف يتخلص منه. كل ما استطاع قوله هو جملة
واحدة تحمل بطياتها الكثير: "يارب متضرنيش فيها." صمت لثوانٍ قبل أن يتابع توسله بنبرة أعمق وتوسل كبير: "يارب مش عايز من دنيتي غيرها." أنهى صلاته وكل خلية بجسده ترتجف، ليقوم بإسناد جذعه على ذلك العمود الخرساني بجانبه ليغمض عينيه وشِفاهه لا تنفك تردد: "رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين."
اكتنفته نفحات روحانية جعلت قلبه يهدأ قليلاً، وعادت دقاته إلى طبيعتها، فأخذ يتلو ما يحفظه من آيات الذكر الحكيم، وكأنه يحتمي بها من ذلك الوجع الذي يهاجمه بشراسة. وقد كان إيمانه هو السلاح الرادع له، فقد أسلم أمره لله وقلبه متيقنًا من الإجابة، يستند على حديث يستند على قول الله تعالى في الحديث القدسي. "يارب أنا عارف إنك مش هتخذلني." هكذا كان يردد وقلبه يتوسل، إلى أن شعر بيد أحدهم تربت على كتفه وصوت يعرف جيدًا
يبثه الأمل بنبرة قوية: "بإذن الله ربنا مش هيخذلك ولا هيضرنا فيك ولا فيها." التفت "مروان" ليجلس في مقابله وهو يتابع بنبرة مشجعة: "أحسن حاجة فيك ياخي إنك دايمًا بتلجأ لربنا. يعني أنا أول ما دخلت جوا وملقتكش عرفت إنك هنا على طول." فجأة جالت على باله فكرة رائعة تشبه صاحبتها، فنظر إلى "مروان" بطريقة جعلت الأخير يقول بلهفة: "إيه يا كبير؟ أنت بتزغرلي كدا ليه؟ نصب عوده ووثب قائمًا وهو يقول بنبرة خشنة: "قوم معايا."
طاوعه "مروان" صامتًا ليتوجه معه إلى السيارة، ومنها إلى وجهة غير معلومة، ولكنها لم تبقى كذلك لوقت طويل، فقد تفاجأ به يقف أمام أحد المولات الكبرى ويقوم بالتسوق. جعد "مروان" ما بين حاجبيه وهو يراه يحمل كل تلك المؤن ومعه اثنان من العمال بالمكان، ثم يتوجه إلى مكان بيع ألعاب الأطفال. فقال "مروان" بغباء: "إيه ده؟ هو ده وقت يشتري لعب للواد منصور ولا إيه؟
كان يمشي خلفه يتابع ما يحدث بوجه تلونه الدهشة، ولكنه لم يكن ليجازف بالسؤال عن السبب، اكتفى بالمراقبة وحمل ما أمره به إلى أن اكتظت السيارة بكل تلك المشتريات، ليقود "سالم" السيارة متجهًا لأحد دور الأيتام الكبيرة. وعلى الرغم من أن الوقت قارب على الثانية عشر صباحًا، إلا أنه شعر بحاجته لأن يرتاح لذلك، فتتبع نصيحتها ذلك اليوم: "لما بكون مخنوقة أو متضايقة بنزل الشارع أساعد أي حد، وقتها برتاح."
وبالفعل، قام بتسليم كل المشتريات لصاحبة الدار التي قالت بحبور وامتنان: "شكرًا أوي لحضرتك. متعرفش إحنا كنا محتاجين للحاجات دي قد إيه، وخصوصًا حاجات الأكل والشرب. الدار كبيرة، وللأسف مش كل التبرعات بتغطي متطلبات الأطفال." "كل شهر هاجي بنفسي أعرف الدار محتاجة إيه، وهوفّر كل احتياجات ومتطلبات الولاد. أنتِ بس عرفيني، وده رقمي خليه معاكِ. أوعي تترددي تكلميني في أي وقت." قال "سالم" بخشونة. اغرورقت عينا المرأة بتأثر
تجلى في نبرتها حين قالت: "مش عارفة أقولك إيه بجد؟ ربنا يبارك لك ويجبر بخاطرك ويحفظ لك كل حبايبك." خرجت كلماته تحمل جمر اللهفة والألم معًا: "يارب. ادعي لي الدعوة دي كتير. ربنا يحفظ لي حبايبي ويبارك لي فيهم." انتهت المهمة وعادوا إلى المشفى، فكان "سالم" صامتًا، وقد احترم "مروان" رغبته في الهدوء ولم يتحدث. ليتقابل مع كل من "طارق" و "شيرين" التي ما أن رأته حتى تساقطت العبرات من مقلتيها، وخرجت
كلماتها متقطعة حين قالت: "سالم. أنا مش عارفة أقولك إيه؟ أنا آسفة. إحنا كلنا آسفين." "متتأسفيش يا شيرين. محدش له يد في اللي حصل ده. أنا اللي معرفتش أحمي مراتي." قال "سالم" بنبرة خشنة. "كلام إيه ده يا كبير؟ " صاح "مروان" باستنكار. ثم جاءهم صوت "سليم" من الخلف ليقول بنبرة غاضبة: "إيه اللي بتقوله ده يا سالم؟ "بقول اللي حصل. فرح بين الحياة والموت بسببي." قال "سالم" بجفاء.
"لا يا سالم. مش بسببك. ده بسببنا وبسبب اللعنة اللي اتلعنا بيها يوم ما جينا للدنيا ولقينا الراجل ده أبونا." قالت "شيرين" بلوعة. تدخل "طارق" غاضبًا: "استني أنتِ يا شيرين. بتقول إيه يا سالم؟ مين اللي بين الحياة والموت بسببك! أنت إيه ذنبك؟ ده أنت عامل زي الحاوي اللي عمال يسايس في التعابين من كل ناحية. بتحمل نفسك ذنب مش ذنبك ليه؟ هدر "سالم" بعنف: "عشان هو كدا. قعدت أساير في التعابين لحد ما سمهم طالها."
"وإنت كنت تعرف منين إن ده هيحصل؟ أنت بني آدم لحم ودم مش خارق. طبيعي إن في حاجات متبقاش عامل حسابها." قال "مروان" بغضب. "عملت حساب كل حاجة إلا دي. كنت بحمي الناس كلها من شره وعايز نخرج من دوامته بأقل الخساير، بس للأسف خسرت أغلى حاجة عندي." صرخ بصوت هز أرجاء المشفى حولهم.
"مخسرتهاش يا سالم. فرح لسه عايشة وإن شاء الله هتبقى كويسة. إنت بس اهدى. وبعدين زي ما مروان قال لك، إنت بشر وعمرك ما كنت هتقدر تعمل أكتر من اللي عملته. إحنا دلوقتي مفروض نهدي عشان نعرف مين فيهم عمل كدا، وعشان إحنا في مرحلة مينفعش نهدى كل اللي فات، وخصوصًا إننا قربنا خلاص." قال "سليم" بنبرة هادئة ولكن قوية.
تدخل "مروان" مساندًا لحديث "سليم": "أنا واثق إن اللي عمل كدا نجيبه. طول الوقت كنا مركزين مع جوهرة وتوقعنا إنها هتضغط على داده نعمة عشان تأذي فرح، لكن إنها تخلي نجيبة تعمل كدا ده اللي فاجئنا، خصوصًا إن مفيش أي حوار حصل بينهم خالص. أنا مراقب الاثنين." "داده نعمة! وإيه اللي دخل داده نعمة في الموضوع؟ فهموني؟ " شهقت "شيرين" بصدمة. تولى "طارق" الإجابة قائلاً
بخشونة: "لما هارون وصل القصر، شكينا إن فيه خاين بيساعده من حوالينا، بس مكناش عارفين مين. ولما حصل اللي حصل وسالم رماه في الإسطبل، طبعًا كنا مراقبينه، فبالتالي الخائن ده مش هيعرف يتواصل معاه. فـ توقعنا إن ناجي هيلجأ لحد جوه القصر عشان يتواصل مع جوهرة، لأنه طبعًا مش هيسيبهم وسطنا كدا من غير ما يستغل ده لصالحه." "لحظة واحدة. يعني هو كان قاصد إن هارون ييجي القصر وماما تعرف بوجوده؟ " قالت "شيرين" باستفهام.
"أيوه. كان عايز يضربنا من جوه. وعشان داده نعمة هي أكتر حد موثوق فيه بالنسبالنا والوحيدة اللي من الشغالين ليها كل الصلاحيات في البيت. توقع سالم إنه ممكن يضغط عليها إنها تساعده بأنه يهددها بنتها وحفيدتها. وخصوصًا إنه معلم عليها قبل كدا، وكان السبب في قتل جوزها." قال "مروان" بحنق. "قتل جوزها! أنا مش قادرة أتخيل إنه بني آدم. طب وإنتوا اتأكدتوا إزاي إنه مش مجند حد تاني غير داده نعمة؟ " شهقت "شيرين" بفزع.
"كنا مراقبين الكل. لكن هي الوحيدة اللي كشفنالها ورقنا وسالم كلمها ونبهها إنه ممكن يحاول يعمل كدا. مكناش نقدر إننا نستنى لما هو يعمل كدا الأول، وسالم كان عايز يطمنها. محدش عارف لو مكنش حذرها كان هيحصل إيه؟ أو كان رد فعلها هيبقى إيه؟ الست خسرت جوزها قبل كدا، وأكيد مش هتكون عندها استعداد تخسر بنتها أو حفيدتها." قال "سليم" بجفاء. وضعت "شيرين" يدها فوق جبهتها بتعب تجلى في نبرتها حين قالت: "طب وبعدين؟
يعني هو كده اكتشف إن داده نعمة مسلماه لينا ولا إيه؟ أشمعنى خلى نجيبة هي اللي تعمل كدا؟ "عشان عارف إن نعمة أضعف من إنها تعمل كدا. مهما كان بيهددها، وكمان كان قاصد يضللنا. عشان لو هي مسلماه لينا هو يضرب ضربته بعيد عنها، وللأسف نجح في ده." تدخل "سالم" بنبرة جافة. "طب دلوقتي نجيبة هربت وده بيثبت التهمة عليها. مفروض نتصرف مع جوهرة إزاي؟ " استفهم "مروان" قائلًا. "كأن مفيش حاجة حصلت." قال "سالم" بجفاء.
برقت أعين الجميع، فقال "مروان" باندهاش: "بس يا كبير إحنا كدا…" قاطعه "سالم" بجفاء: "إحنا منعرفش مين الخاين، ومفروض بندور عليه. هو مفكر كدا، وأنا هثبت له إنه صح. لحد ما أطمن على فرح، ووقتها هعامله بنفس أسلوبه، ومش هستنى عليه لحظة واحدة. خلاص اللعبة خلصت." قال جملته الأخيرة بملامح مكفهرة وأعين تلمع بها ألسنة اللهب. فـ تبادل الجميع النظرات لوهلة، ثم اجتمعت تعابير وجوههم جميعًا على شعور واحد وهو الرغبة في الانتقام. ***
مر يومان لم يحدث بهما جديد سوى أن الطفل قد تحسنت صحته، وقد كانت "أمينة" تلازمه كظله، وكانت أول من حمله لتقر عينيها به، وكأن عناقه كان كالبلسم الشافي الذي جعلها تبكي من شدة فرحتها بوجوده بين ذراعيها. فقالت بتأثر: "أخيرًا خدتك في حضني. كنت خايفة أملحقش اليوم ده. بالرغم من كل الوجع والحزن اللي إحنا فيه، بس أنا قلبي فرحان بيك أوي. يا غالي يا ابن الغالي." اقترب "سليم" منها واضعًا قبلة حانية فوق جبهتها وجبهة الطفل،
وهو يقول بتأثر: "أخيرًا الوزان الصغير شرفنا. تعالي يا جنة شوفي حلو إزاي؟ هكذا أشار إلى "جنة" التي تقف حزينة واجمة عند باب الغرفة، فتقدمت بضع خطوات لتقع عينيها على تلك الكتلة من اللطافة القابعة بين ذراعي "أمينة". فاغرورقت عينيها بالدموع وقالت بتأثر: "شبه فرح أوي. لازم نخلي سالم يشوفه." أطلقت "أمينة" زفرة حارة من جوفها، فهو لم يُلقِ نظرة واحدة على صغيره، وحين
طلبت منه ذلك أجابها بجفاء: "لما فرح تقوم بالسلامة هنشوفه سوا." كان حديثه ينافي تلك اللوعة في نظراتها، فهي تعلم كم كان يتمنى مجيء صغيره إلى هذه الحياة وكم كان يتلهف لرؤيته، ولكن ليس دونها. فقد كان يجالسها طوال اليومين المنصرمين، لا يتركها سوى للصلاة التي كان يخرج بها مكنونات صدره المكتظ بالألم، ثم يعود ويجلس بجوارها، وكان عينيه لا تمل من رؤية ملامحها كما لم يمل من محادثتها. "مش آن الأوان بقى تفتحي عينيك الحلوين؟
رقت نبرته حين تابع بعتب: "مصعبتش عليكِ يا فرح! طب موحشتكيش! قلبك قاسي ليه كدا؟ اصحي بقى. قوليلي أنا أهو يا سالم يا وزان. مش هسيبك أبدًا." استنشق عبير أنفاسها قبل أن يتابع بلهجة تحمل من الشوق أثقالاً: "وحشتني سالم الوزان منك أوي. اصحي نتخانق وبعدين آخدك في حضني وأقولك بحبك يا ست الحسن والجمال." طالع ملامحها بشوق جارف قبل أن يضيف بحنو: "مش عايزة تشوفي ابننا؟ أقولك على سر؟ أنا عمري ما كنت هسميه منصور!
أنا كنت بحب أرخم عليكِ، كنت بحب ملامحك وإنتِ متعصبة، بس خلاص مش هضايقك تاني." وضع يديه فوق جبهته يحاول تجاوز ذلك الألم المرير الذي يحتل منتصف حلقه، ليتفاجأ بضغط خفيف فوق يده الممسكة بخاصتها وصوتها المتحشرج وهي تقول بمزاح: "يعني هتسبني أسمي الاسم اللي نفسي فيه؟
من هول الصدمة ظن أنه يحلم، ولكن ارتجافة قلبه الذي لامس أوتار صوتها جعلته ينتفض من مكانه ليقع أسيرًا لغاباتها الزيتونية التي أشرقت على كونه فأنارت العالم من حوله، لتخرج ضحكة خافتة من بين شفتيه قبل أن يقول بعدم تصديق: "فرح. أنا. مش بحلم. أنتِ. أنتِ. رجعتيلي تاني؟ قاطعته بخفوت: "أنا مسيبتكش عشان أرجع لك. أنا على قلبك العمر كله يا سالم يا وزان." اهتاج قلبه فرحًا وصاح بلهجة عاشقة: "يا روح قلب سالم الوزان."
اقترب يعانقها بقوة آلمتها، ولكن تلك السعادة في صوته وعينيه جعلتها تبادله العناق على قدر طاقتها، إلى أن تركها وهو يعاود النظر إلى عينيها بعدم تصديق ليهتف بحبور: "الحمد لله. كنت عارف إن ربنا مش هيضيعني أبدًا. كنت عارف إنه مش هيردني أبدًا. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات." كانت فرحته عظيمة ووقعها أعظم على تلك التي رأت في عينيه من العشق ما جعل العبرات تتدفق من مقلتيها. فارتاعب قلبه حين شاهدها وقال بلهفة: "تعبانة؟
حاسة بأيه؟ "متألمة شوية. لكن أنا هتجنن وأشوف ابني." أومأ برأسه وضحكة رائعة مرسمة فوق ملامحه، قبل أن يقول بحبور: "حالاً هخليهم يجبوه وهخلي الدكتور ييجي يطمن عليكِ."
ما هي إلا دقائق وقد تفشى خبر استيقاظها كالنار في الهشيم، فغمرتهم موجة من السعادة، وخصوصًا حين طمأنهم الطبيب على استقرار حالتها. وجاءت تلك اللحظة المرجوة حين اقتربت "جنة" وهي تحمل الطفل لتعطيه لـ "سالم" الذي كانت دقاته تتقاذف بين ضلوعه وهو يحمل صغيره، ذلك الطفل الجميل الذي كان يمتص إصبعه وهو نائم كالملاك. فأخذت عيناه تطوف على ملامح وجهه بحب كبير، ويديه التي كانت ترتجف من شدة تأثره، إلى أن اقترب واضعًا قبلة دافئة
فوق جبهته وهو يقول بحنو: "حبيب أبوك." ثم ناوله لـ "فرح" التي كان جسدها يرتجف من فرط التأثر حين أخذت الطفل من بين يدي "سالم"، ليتولد بداخلها شعور قوي بالرهبة التي تحولت إلى شعور لا متناهي من السعادة. فجاءها صوت "مروان" العابث حين قال: "إيه شعورك يا أم منصور وأنتِ واخدة منصور في حضنك كده؟ أطلقت العنان لقلبها بالإجابة فقالت بتأثر: "كأني شايلة قلبي في إيدي بالظبط."
"والله يا شادية يا أختي أتمنى تفضل دي إجابتك بعد ما تقضي الليلة معاه." قال "مروان" بتهكم. تدخلت "حلا" مازحة: "والله يا فرح في رأيي متستعجليش بردو. استني لما تقضوا كام ليلة مع بعض وابقي قرري قلبك ولا لأ؟ "قلبها إيه؟ ده صرع اللي خلفونا معاه عياط طول الليل." صاح "مروان" بتهكم. "عندك اعتراض؟ " قال "سالم" بتحذير. "لا طبعًا يا باشا أنا أقدر. سليم باين هو اللي كان بيشتكي؟ " قال "مروان" بتملق.
تفاجئ "سليم" من حديثه فصاح معترضًا: "أنا اعترضت ولا فتحت بقي يا ابني أنت؟ تجاهلهم "سالم" والتفت ناظرًا إليها قائلًا بلهجة خشنة وعينان تقطران شوقًا: "هتسميه إيه؟ تدخل "مروان" بسماجة: "إيه ده الواد اتكتب خلاص منصور. إنتوا هتحمرقوا ولا إيه؟ شعرت "فرح" بالحرج فقد كان الجميع بالغرفة يناظرونها بترقب، فقالت بتلعثم: "أنا مش معترضة عالاسم والله…" قاطعها "سالم" قائلًا بخشونة: "هش. عايزة تسميه إيه؟ صمتت قليلاً وتحلت
ببعض القوة لتقول بسعادة: "نفسي أسميه سليم." تفاجأ الجميع من حديثها وهب "مروان" من مكانه قائلًا بصدمة: "إيه تسميه إيه؟ سليم مين؟ سلومة الأقرع؟ أنتِ يا ست انتِ جاية تشليني؟ على جثتي يحصل الكلام ده." تفاجأ "سليم" من جملتها وكذلك الجميع، فتحدثت "أمينة" بلطف: "ده ابنك يا فرح سميه الاسم اللي تحبيه. إحنا كنا بنهزر معاكِ يا حبيبتي، وإنتِ مش مضطرة ترضي حد."
"عارفة يا ماما والله. بس حقيقي. أنا نفسي أسميه سليم." قالت "فرح" بصدق. ابتسم "سالم" بخفوت فقد كان يعلم السبب خلف رغبتها في تسميته بهذا الاسم، وكذلك "جنة" التي تقدمت تحتضن رأسها بقوة وهي تقول بتأثر: "أنا بحبك أوي." تدخل "مروان" ساخطًا: "طبعًا ما انتوا مطبخينها سوا. طب بعد إذن الحب اللي مولع في الدرة ده. ممكن أعرف إيه سبب اختيارك للاسم المهبب ده؟ "أولاً عشان هو واخد أغلى حاجة عندي." قالت "فرح" بصدق.
كانت تناظر "جنة" وهي تتحدث، ثم وجهت أنظارها إلى "سالم" وقالت بحب: "وعشان هو حبيب حبيبي." ثم التفتت موجهة نظراتها إليه قائلة بصدق: "وعشان أي واحدة في الدنيا تتمنى ابنها يكون زيه. حقيقي يا سليم أنا لو قعدت عمري كله أشكرك على حبك لجنة وحنيتك عليها مش هقدر أوفي حقك. جنة دي بنتي اللي متمناش في الدنيا حاجة غير سعادتها وراحتها، وإنت السبب إنها تكون سعيدة ومرتاحة كده."
"لا مش قادر. مرارتي خلاص هتتفقع. كان عندي حتة حصوايه صغيرة بقوا ستة وتسعين." صاح "مروان" بسخط. تأثر الجميع من حديثها، وأولهم "سليم" الذي احتار لماذا يجيبها، فقد فاجأته بكلماتها التي أثلجت صدره كثيرًا، فقال بتأثر: "أنا مش عارف أقولك إيه يا فرح. بس جنة دي كل حياتي، ووجودها هو سبب سعادتي أصلًا، فمش محتاجة تشكريني. أنا اللي فعلًا بشكرك على الكلام الحلو ده."
لم تكد تتحدث حتى صاح "مروان" موجهًا حديثه لـ "شيرين": "إنتِ يا مخفية أنتِ وهو اختك دي لو مكنتش اتجوزتها كانت هتبور. يمين بالله لو ما سميتوا أول عيل مروان لهكون مسخمط عيشتكوا. أنا قولتلكوا اهو." قهقه الجميع على كلماته، فقالت "فرح" تواسيه: "مروان متزعلش. إنت عارف غلاوتك عندنا كلنا. البيبي الجاي إن شاء الله." "تعرفي تسكتي خالص. قال البيبي الجاي إن شاء الله! بتثبتيني!
لا الله الغني عنك وعن عيالك. تبقى روحي شوفي مين هيربيهولك." قال "مروان" بسخط. "ماهو أكيد مش أنت طبعًا اللي هتربيه. إحنا ناقصين عاهات! " قالت "جنة" بسخرية. "مين بتتكلم عن العاهات معلش! آه عقلة الإصبع! معلش أصل الصوت جاي من تحت الأرض فـ مسمعتش." قال "مروان" بتهكم. التفت إلى "سالم" قائلًا بسخط: "عاجبك كده يا كبير! كان يقمع ضحكاته بصعوبة، ولكنه تدارك الأمر موجهًا حديثه
إلى فرحته وحبيبة قلبه: "ست الحسن والجمال أمرت وأمرها واجب التنفيذ." ثم التفت يناظره بقلة حيلة: "موضوعك مش في إيدي للأسف." "لا أنا هخرج أحسن ما أطلع من هنا مجلوط." قال "مروان" بسخط. قهقه الجميع على حديثه، وبعد مرور ساعتين تركوا "فرح" لترتاح وتجمع الرجال في المقهى الخاص بالمشفى، بعد أن ذهب "سليم" لإعادة السيدات إلى البيت، ليقول "طارق" بتعب: "ادينا اطمنا على فرح وسليم الصغير. هنعمل إيه بعد كدا؟ "انت شايف إيه؟
" قال "سالم" باختصار. "نلعب على المكشوف يا سالم. هارون وعرف الحقيقة، وده اللي كان مسكتنا. الخونة وعرفناهم، ونقدر نتصرف معاهم ومعاه. أنا شايف إننا نستفزه عشان يخرج من جحره، ووقتها نقطع رقبته ونخلص." "الخوف لا يكون في تعابين تانية مش عاملين حسابهم، وخصوصًا إنه مبيتواصلش مع جوهرة، وده في حد ذاته يقلق." قال "سالم" بتفكير.
"عشان كده بقولك نلعب على المكشوف. جوهرة كارت محروق بالنسباله، لأنه أكيد واثق إننا كشفناها بعد حركة فرح دي. إحنا لازم نقطع عرق ونسيح دمه." قال "طارق" بنفاذ صبر. كان الأمر أشد خطورة من السابق، وقد تبدلت جميع الأشياء بعينه، يريد القصاص والخلاص في آن واحد، لذا قال بغموض: "إحنا هننكشه في الأول، وهنشوف رد فعله إيه، وخصوصًا إن اللي اسمه ألبرت ده في مصر، وأكيد مش جاي يلعب." تدخل "مروان" في الحديث قائلًا
باستفهام: "طب إمتى عمتي هتعرف إن هارون عرف الحقيقة؟ "لما يكون هو جاهز يواجهها." قال "سالم" باختصار. فأجابه "مروان" بنفاذ صبر: "هارون هو سلاحنا يا سالم. إنت بتفكر تحمي الكل، بس مقدمناش غير كده." "بغض النظر إنه واحد مننا. لكن عشان هو سلاحنا لازم هنحافظ عليه، وعشان تبقى عارف هو مش مجرد سلاح، هو القاضية لناجي بس تتوجه صح." قال "سالم" بفظاظة. ضاق ذرعًا من هذا الحديث فقال بتهكم: "أومال الغندور فين؟ "مين الغندور؟
" قال "سالم" باستفهام. "الحيلة. حامي الحمى. سلومة بيه كعب الغزال. شفت مرات وعمايلها بقى. أنا أشخط في الموزة عشان خاطرها، وفي الآخر تسمي الواد سليم! آه يا ناري منها." قال "مروان" بسخرية. ابتسامة قوية ارتسمت على ملامحه، قبل أن يقول "طارق" بخشونة: "معلش يا مروان. إنت الكبير، وبعدين إنت شايف حالتها وسالم مضطر يسايرها." أكد "سالم" على حديث طارق قائلًا: "أهو طارق قالك أهو."
فجأة سمعوا صوت إنذارات سيارة الشرطة والكثير من الهرج والمرج في الخارج، فتوجهوا لرؤية ماذا يحدث، فإذا بأحد رجال الأمن يتوجه إلى "سالم" قائلًا: "سالم بيه عربية حضرتك بتولع بره وفيها حد."
انتفض الرجال الثلاثة وهرولوا إلى الخارج ليتفاجؤوا بالسيارة التي تفحمت وبداخلها شخص ما، ليحاول رجال الإطفاء إخماد الحريق قبل انفجار السيارة، وقد نجحوا بصعوبة وقاموا بإخراج تلك الجثة التي كانت بالداخل، والتي من ثيابها الباقية على جسدها تبين أنها "نجيبة"! "نجيبة! " صاح "مروان" مصدومًا. "إيه اللي جابها هنا في العربية بتاعتك يا سالم؟ " تدخل "طارق" مبهوتًا. هنا دق ناقوس الخطر عقله وارتعب قلبه ليهتف بذعر: "فرح وسليم." ***
في مكان آخر، كان "سليم" يتوجه بخطى متلهفة إلى غرفة الأطفال، وبداخله رغبة قوية لرؤية ذلك الطفل الجميل الذي من حسن حظه أنه يحمل نفس اسمه. كان الأمر رائعًا بالنسبة إليه حين اختارت فرح أن تطلق تسميته باسمه، فقد شعر بشعور خاص ذو نكهة رائعة بأن الله قد عوضهم عن طفلهم الراحل بهذا الطفل الرائع الذي لا يعتبره ابن شقيقه فقط، فهو ابنه وقطعة من روحه، وسيبقى هكذا للأبد، حتى ولو أنجب عدة أطفال، فسيظل هو و"محمود" طفلاه وأعز أحبائه.
التفت ليدلف إلى داخل الغرفة ليتفاجأ بذلك الجسد الضخم الذي يرتدي زي الأطباء ينحني فوق الطفل. فقال "سليم" بجفاء: "إنت مين؟ تصنم الرجل بمكانه دون أن يجيبه، ليُعيد "سليم" استفهامه بصورة أحد: "بكلمك على فكرة. لفلي هنا إنت دكتور إيه؟ أنهى جملته وهو يضع يده فوق كتف ذلك الطبيب ليلتفت إليه، فإذا به يتفاجأ بذلك النصل الحاد يخترق صدره… ووويتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!