تذوقت الكثير من الخيبات التي كنت دائمًا ما أقنع نفسي بأنها مجرد خسائر لا أكثر. إلى أن أتت تلك الأخيرة لتصنع ثقبًا كبيرًا في منتصف قلبي، عاجزًا للآن على إصلاحه. بأقدام أثقلها الخوف وأرهقها كثرة الأحمال، أخذت تدور بغرفتها وهي تتمنى لو أنها تطوي تلك الدقائق التي تفصلها عن عودته، بعد تلك القنبلة التي فجرها على مسامعها قبل ذهابه. "مروة بتقولي الحقيني يا سليم، وصوت ضرب نار جنبها."
لم تستطع منعه من الذهاب ولا التفريط به، فهرولت إلى غرفة مروان لتخبره حتى يلحق به. وها هي الآن تتجرع مرارة الانتظار، وداخلها يتضرع إلى الله كي يحفظه.
تعثرت نبضاتها حين سمعت قفل الباب يدور لينفتح، وكأن الله يرسل غوثه في أشد اللحظات حلكة. فأطلت فرح برأسها من الباب، فحين شاهدتها جنة، تقاذفت العبرات من مقلتيها تأثرًا. وقادتها قدماها إلى أحضان شقيقتها، وشهقاتها كدوي تردد صداه في أرجاء الغرفة. فأخذت فرح تشدد من عناقها، تود لو تمتص كل هذا الحزن الماثل فوق قلبها الصغير الذي لم تنتهِ الحياة منه، بل أخذت توجه له الصفعة تلو الأخرى، وكل صفعة أشد من سابقتها.
"اهدي يا روح قلبي. متقلقيش. سليم زمانه جاي. سالم لسه قافل مع مروان وجايين دلوقتي." رفعت رأسها بلهفة وعيناها تلتمع بوميض العبرات التي لا تزال كشريان نازف لا ينضب أبدًا. "بجد يا فرح؟ طب هما فين؟ حصل إيه؟ طمنيني." ذلك الألم في عيني شقيقتها وهذا الصمت المُميت لا يبشران بالصمت. فلم تستطع فرح أن تخبرها بوفاة مروة، والأصعب من ذلك تلك الحالة الشيطانية التي تلبست سليم جراء ما حدث.
قطع ذلك الحديث الدائر بين أعينهم صوت السيارات في الأسفل. فلم تتوقف لسماع كلمات فرح التي ودت تحذيرها، بل أطلقت العنان لقلبها ليسحبها للأسفل. فتفاجأت بوجود كلاً من طارق ومروان فقط. فهوى قلبها ذعرًا جعل الحروف تخرج متقطعة من بين شفتيها حين قالت: "سـ... سليم... فين؟ نظر الشقيقان لبعضهما البعض بصمت، قطعه صوت سالم الخشن الآتي من الخلف. "سليم متضايق شوية يا جنة، سيبه براحته، وهو هيرجع من نفسه."
تجمدت أقدامها لثوانٍ، وكذلك علقت أنفاسها بصدرها الذي اجتاحته نوبة ألم عنيفة شوشت الرؤية أمامها لثوانٍ، حتى ظنت بأن النهاية باتت قريبة. فإذا بذراعين يحملان حنان العالم أجمع، والذي التف حول بؤر الوجع المتفشي بقلبها حتى سكن لثوانٍ مع كلمات فرح الحنونة. "جنة. خدي نفسك. كل حاجة هتبقى كويسة صدقيني."
استدارت داخل جوق ذراعي فرح، التي كانت تذرف الحزن من بين عينيها بسخاء، تعاظم حين سمعت كلمات جنة التي بدت ساكنة بطريقة تبعث على الريبة. "بجد يا فرح؟ هييجي يوم وتبقى كل حاجة كويسة؟ لم تستطع فرح مقاومة ذلك الألم الساكن بعيني شقيقتها، فجذبتها بقوة داخل ذراعيها في مواساة صامتة أدمت قلوب الحاضرين، وكان من بينهم هو.
ذلك الجبل الذي لا يهتز ولو عصفت ألف ريح، فإذا بعدة قطرات من عبراتها تزعزع ثوابته وتجهز على شكيمته. ليقاوم بشق الأنفس رغبة هوجاء في انتزاعها من براثن ذلك الحزن الدامي الذي يحيط بها، فينال من جنته الخضراء التي تترقرق بين جفونها. أخرجهم من حالة الشجن الذي يحيط بهم ذلك الصوت المُمزق لشيرين، التي هرولت من الأعلى تسبقها عبراتها واستفهامها الذي تتمنى لو تجد إجابة تهدئ من وَصَب قلبها. "مروة جرالها إيه؟
طافت عينيها على الجميع إلى أن استقرت فوقه، فوجدت نظراته تحمل الكثير من الاعتذارات التي لم يُفصح اللسان عنها. فأخذت تهز برأسها يمينًا ويسارًا، حتى جاءت كلمات مروان الخانقة. "الكلب كان مرتب لكل حاجة وقصد يقتلها قدام سليم عشان يضمن أنه يعيش الباقي من عمره حاسس بالذنب."
في تلك اللحظة، سقط قلبان. أحدهم في الهاوية، وكان لـ جنة التي اخترقت الكلمات قلبها فأرته صريعًا. والسقوط الآخر كان لـ شيرين، التي لم تحتمل فاجعة خسارة صديقتها وتلاشت أقدامها لتسقط تفترش الأرض، بينما تتردد صرخاتها في أرجاء القصر. فسقط قلبه معها ليندفع تجاهها في محاولة لاحتوائها وتهدئة انهيارها. وكذلك فعلت همت، التي هرولت من الأعلى إثر كلمات مروان وانهيار طفلتها. بينما كان هناك حزنًا من نوع آخر. حزن من فرط سطوته كمم
الألسن عن الصراخ وأحجم اندفاع العبرات التي احتقنت بها عيني جنة الشاردة بطريقة توحي وكأنها معزولة عن هذا العالم. فارتاع قلب فرح، التي أرسلت نداءات استغاثة إلى سالم، الذي لبى ندائها على الفور واقترب من جنة يمسك كلتا كتفيها بيديه، وهو يهزها بطريقة مؤلمة نسبيًا حتى تستفيق من تلك الحالة التي لا تبشر بالخير. اتبع
حركته بصوته الفظ حين قال: "جنة. فوقي. اللي حصل ده حصل غصب عننا كلنا." استجابت عينيها لكلماته وارتفعت بنظراتها إليه، وفجأة صرخت بقوة وهي تضع يدها فوق كتفها الأيمن. فاندفعت فرح خائفة. "جنة أنتِ كويسة؟ لم تكد تجيبها حتى صدح صوت هاتف سالم، الذي أجاب على الفور. لتمر ثوانٍ قبل أن يزمجر بشراسة. "انت بتقول إيه؟ طب سليم كويس؟ شهقات متتالية اندفعت من أفواه الجميع، تلاها صوت جنة التي ناظرت سالم قائلة بذعر. "سليم انضرب بالنار."
لم يكن سؤالًا بقدر ما هو إقرار بما حدث وشعر به قلبها، الذي يحمل من العشق ما يمكنها من الشعور بالوجع لأجل ساكنه. هزة بسيطة من رأس سالم جعلت العالم ينطفئ من حولها، ولم تُمَانِع بالاستجابة لتلك الهوة السحيقة التي أغرتها لتنتشلها من بؤرة العذاب إلى حالة من اللاوعي.
أخذ يطلق أنفاسه الحارة وهو يمضغ أسنانه بغل، وهناك رغبة ملحة بالتقيؤ تتملكه كلما تذكر نفسه وهو يقوم بحلب هذا الحيوان الغبي. والآن يقوم بغلي حليبه لكي يطعم ذلك الرجل الذي يود أن يفتك به في الحال. ولكن ما يمنعه كونه بمفرده في تلك الصحراء، لا يعرف طريقة للفرار منها قبل أن تبتلعه دواماتها لينتهي به الحال هالكًا من الجوع والعطش وربما الجنون. "هِم شوية. ايش تسوي كل هالوجت؟
هكذا صاح جرير، الذي كانت نظرات الشماتة تنبعث من عينيه وهو يراقب الغضب الذي يقطر من عيني حازم. فحين تشاجروا ذلك اليوم، ألقى جرير بسم كلماته في وجهه الذي امتقع من شدة الصدمة. "بتعرف أنا ما راح موت هني. راح يجوا هلي وناسي يدوروا علي، بس أنت ما حدا راح يفكر فيك. لأنك ما بتستاهل. وخليك عارف إني لو متت راح تحصلني بالبطيء، لإنك ما راح تعرف تخرج من هال مكان ولا راح تلاقي لا وكل ولا شرب."
وبالفعل، طوال اليومين المنصرمين وهو يمارس أعمال كليهما حتى يتمكن من حلب الماعز وغلي حليبها، الذي لا يستسيغ طعمه، ولكنه كان الغذاء الوحيد مع كسرات الخبز التي تبقى معهم. فهذا الوغد أخبره بأن كل أسبوع يذهب لجلب بعض المؤن من قبيلة يعرفها تسكن بالجوار. ولكن أي جوار؟ فكل ما يحيط بهم رمال! زفر بقوة وهو يضغط على نفسه لمساعدة ذلك الوغد، وبعدها سيتتبعه ويعرف من أين يأتي بالمؤن، وحينها سيهرب من هذا الجحيم. "اتفضل اطفح."
رمقه جرير بسخرية قبل أن يتناول منه الطعام في صمت. فأخذ حازم يناظره بحقد لم يحاول إخفاءه، ولكنه أجبر نفسه على فتح حديث مقتضب، لعله يصل لأي شيء قد يساعده في الهرب. "هو انت ازاي قاعد هنا طول الوقت ده ومبتشوفش عيلتك ولا أهلك؟ لم يجبه جرير، بل تابع الأكل في صمت. فلم ييأس حازم، الذي قال بضجر. "أكيد عندك ولاد مش بيوحشوك؟ فأجابه جرير حين قال ساخرًا. "بدك أجعد جارهم كيف الحريم؟ إني رجال اتخلجت عشان أشتغل وأصرف على هلي."
ابتلع غضبه الحارق وقال باستفهام. "والمفروض تفضل هنا قد إيه؟ يعني أقصد بتغيب عن ولادك قد إيه وترجع تقعد معاهم قد إيه؟ جرير بفظاظة. "ليش تسأل؟ إيش ودك بي وبعيالي؟ حازم بسخرية. "أبدا، بطمن عليهم. أصلك غالي عليا أوي." جرير بسخط. "شن عليي. جوم شوف المعزي ولا تكتر كلام. ما اكتفيت بالجعدة طول سنينك؟ تعاظم غضب حازم، ولكن بداخله شعر بوخزات الخزي من أن يكون هذا البغيض يعلم شيئًا عن ماضيه. فقال بحنق. "انت تقصد إيه بكلامك ده؟
وبعدين أنا مكنتش قاعد، أنا كنت بتعلم." تشدق جرير ساخرًا وعينيه تطلقان أعيرة الاحتقار في وجه حازم. "تتعلم؟ واحد نصاب مثلك كيف بدو يتعلم؟ ليش سويت كذيه؟ ليش ما كنت رجال مع عيلتك وأهلك؟ انتفض حازم واقفًا وهو يزمجر بغضب، يدعي عدم معرفته بلغة جرير. "أنا مش فاهم حاجة. ما تكلمني زي ما بكلمك." تفاجأ حين حادثه جرير بلغة قهراوية تضمنت أقسى درجات الإهانة حين قال. "مش فاهم لهجتي؟ حاضر، هقولك بلهجتك؟
إزاي كنت حقير مع أهلك وناسك كده؟ إزاي مكنتش راجل مع إنك من عيلة كبيرة وإخواتك محاوطينك بحبهم ورعايتهم؟ أغمض عينيه، ولوهلة تمنى لو أنه لم يجعله يتحدث بلغتهم، فقد أراد التحجج بعدم فهمه لما يقول حتى يخرج من هذا النقاش سالمًا. ولكن اتضح بأنه أغرق نفسه بالوحل أكثر. "انت متعرفش حاجة، يبقى متحكمش." جرير بسخرية. "مين قالك إني معرفش؟
أنا أعرف وأعرف كتير أوي، وقبل ما أكون عارف إني بحس، وحسيت من أخوك قد إيه أنت خيبة أمل كبيرة ليهم وفرع شيطاني لابد بتره." أراد سكب الوقود في كلماته حين قال مستفهمًا. "ما تقولي يا حازم. لو مكنتش عملت كل ده كان زمانك فين؟ كان زمانك وسط أهلك وتحت حمايتهم. كان زمانك نايم في فرشتك متنعم في خيركم وعزكم." صاح باندفاع. "هرجع. قريب أوي هرجع وأسترجع كل اللي خسرته." جرير بتهكم.
"بتحلم. مش إنك ترجع، لأ. أنا ممكن أرجعك. بس بتحلم لو فكرت إنك ممكن تستعيد مكانتك في قلوبهم. الفلوس بتروح وتيجي، عادي هيرموهالك، بس محدش هيفتح لك حضنه." استمهل نفسه قبل أن يضيف مشددًا على حروفه كي تنال من ذلك المتغطرس. "هتعيش منبوذ. وحيد ملكش حد. عارف أخوك جابك هنا ليه؟ لم يستطع الرد، فتولى جرير المهمة بدلًا عنه.
"عشان يحافظ على الباقي من عيلته. لو قتلَك هيوسخ إيده، ولو سَلّمَك للشرطة هيضر ناس مالهاش ذنب. جه رماك هنا يا تعيش وتتعلم وتتربى بعيد عنهم كافيهم شرك، يا تموت وتبقى جت من عند ربنا." رغمًا عنه تألم. تجاهل سخطه وغضبه وشعر بالخزي والألم ووخزات الندم. فتابع جرير بجفاء.
"إني رحت أنا وبوي الشيخ رفاعي ناخد عزاءك وشوفت بعيني كيف كان سالم الوزان مدبوح وغرقان في الحزن والقهر عليك. كان لسه مخدوع فيك. لو كان يقدر يفديك بروحه ما كانش هيتأخر. كانت حياتك لسه غالية أوي وليهم تمن. لكن دلوقتي حياتك رخيصة." صمت لثوانٍ يتابع امتقاع وجه حازم، الذي لم يفلح في إخفاء ألمه. فتابع بقسوة.
"أفعالك الدنيئة قضت على غلاوتك في القلوب وخليت حياتك رخيصة عندهم ووجودك ملوش تمن. مجرد مجرم عايزين يتخلصوا منه عشان ميجبلهمش العار." فرت دمعة قهر من عينيه، سرعان ما محاها وهو يصيح بغضب. "مش صح. هما فاكرين إنهم بيربوني. بس سالم بنفسه هييجي ياخدني."
"الكلام ده قبل ما تبجح وتجهر بغلطك. رصيدك في قلوبهم خلص، وحياتك بقت تهدد أمن عيلة كاملة وسلامتها. اتأقلم مع حياتك هنا، ده لو لسه في قلبك ذرة حب ليهم وعايز تكفر عن سيئاتك معاهم." كان قلبها يسبقها، وهو يهرول عبر رواق المشفى باحثًا عن رجلًا لم يأتِ الزمن بمثله، ولو بحثت دهرًا. فأخذت عينيها تطوف بالمكان حولها، علها ترتوي برؤية وجهه الذي كان هو قمرها المنير بعد أن اعتادت ظلمة أيامها.
لم تكن وحدها، بل رافقها الجميع، وعلى رأسهم سالم، الذي لولا حالتها لم يكن يسمح بمجيئها، على الرغم من خوفه الكبير مما هو آتٍ، ولكن لا مفر من المواجهة. "سليم عامل إيه يا دكتور؟ كان هذا استفهام سالم، الذي شاهد الطبيب يخرج من غرفة خمسة، التي أخبروهم بأن شقيقه متواجد بها. فبادره بالسؤال ليجيبه الطبيب. "بخير الحمد لله. الطلقة كانت في كتفه اليمين، والحمد لله مأثرتش على أماكن حيوية في جسمه." صاح طارق بلهفة.
"طب هو فايق يا دكتور؟ نقدر نشوفه ونطمن عليه." "آه طبعًا تقدروا تدخلوا عنده، هو فايق وكويس."
ما أن سمعت كلمات الطبيب، حتى اندفعت إلى الداخل بقلبٍ لهف وروحٍ ملتاعة، لتتفاجئ بذلك الجالس فوق السرير يلف الضماد كتفه الأيمن في نفس المكان التي تألمت به منذ قليل. فها هي شعرت بألمه دون أن تعلم، من فرط عشقها له. ولكن هناك ألم آخر لم تكن تدري عنه شيئًا، جعله في وادٍ آخر مليء بالظلام والوحشة والعذاب الذي تبلور في عينيه المحترقتين بنيران الجحيم، ويديه التي كانت تقبض على شرشف السرير بقوة جلبت الذعر إلى قلبها. فجاء صوتها هامسًا حين نادته.
"سليم." لأول مرة، لم يكن حضورها مُبهجًا. لم ينتفض قلبه عشقًا، ولم ترتوي عيناه برؤيتها. بل على العكس، ازدادت قتامة. وسرعان ما عادت ذاكرته إلى ما حدث قبل عدة ساعات. **عودة لوقت سابق**
أخذ يهرول إلى أن دلف إلى شقة مروة، التي كانت تئن من فرط جراحها التي منعتها من الاستجابة لصوته حين أخذ يناديها وهو ينهب درجات السلم لكي يصعد إلى غرفتها. ليهوي قلبه بين ذراعيه حين رآها وهي غارقة بدمائها تستجديه عيناها. ليقترب، يلبي ندائها بلهفة، وقام بحمل جزءها العلوي بين ذراعيه وهو يقول بلوعة. "حصل إيه؟ ومين عمل فيكِ كده؟ تقاذفت الدماء من بين شفتيها بدلًا من الحديث، وثقل لسانها حين قالت بحروف متقطعة. "سـ... سل...
سليم... أو... أول... مرة... أش... أشوفك... مل... ملهوف... عليا... كدا." أخذ جسدها ينتفض بين ذراعيه، فارتاعبت لهجته حين قال. "هشششش... اسكتي عشان متتعبيش. الإسعاف جاية عالطريق وهتقومي وتبقي زي الفل." "مروة بابتسامة واهنة وحروف متقطعة تعلن عن بداية النهاية." "هت... هتوحشني... خل... خلاص... دي... نه... نهايتي... وأنا... راضية... أموت... خلاص... أمنيتي... اتحققت... وآخر... حا... حاجة... هغمض... عيني... عل... عليها...
صورتك." صاح بلوعة. "بطلي الكلام ده. هتعيشي وهجبلك حقك من الكلب اللي عمل فيكِ كده." "اب... ابعد... عنه... نا... ناجي... ده... شي... شيطان." تبلور الجحيم بنظراته حين ذكرت اسم ذلك الرجل. فزمجر بشراسة. "الكلب الحقير. إيه اللي جابه عندك؟ وليه يعمل فيكِ كده؟ "عش... عشان... مك... مكذبتش... و... وقلت... أن... إن... محص... محصلش... حاجة... بي... بيني... وبينك... كا... كان... عا... عايزني... اق... أقول... لجنه... إنك... كن...
كنت... معايا." امتدت يديه فوق شفتيها يمنعها من الحديث، وقلبه ينتفض ألمًا ولوعة تجلت في نبرته حين قال. "طب اسكتي، متتعبيش نفسك. لما تقومي بالسلامة ابقي احكيلي كل حاجة." حانت لحظة النهاية، فلونت ثغرها ابتسامة هادئة وقالت بلهجة واهنة. "سا... سامحني... وافتكر... واحدة... عاشت... تحبك... وماتت... تحبك." في تلك الأثناء، دلف مروان إلى الداخل واستمع إلى كلمات مروة، فاقترب منها، فهاله مظهرها وعلم أن النهاية حانت. فقال بحشرجة.
"اتشاهدي يا مروة. قولي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله." همست مروة تردد الشهادة خلف مروان، قبل أن يسكن جسدها. فانفطر قلبه حين لاحت بوادر النهاية. فهتف بحرقة. "لا يا مروة، خليكِ، متمشيش. أنا مش حمل ذنب جديد. بالله عليكِ فوقي. مش هقدر أعيش بذنبك. افتحي عينيكِ وردي عليا. يا مروووووة." **عودة للوقت الحالي**
اشتدت يديه التي تقبض على الشرشف، وأخذ يمضغ أسنانه بغل. بينما عيناه تخلت عنها إلى الجهة الأخرى، وعلى صوت تنفسه وكأن الأنفاس تتشاجر بصدره. فبدا مخيفًا إلى حد كبير. ولكن ذلك لم يمنعها من الاقتراب لتروي ظمأ قلبها من رؤيته. فقد ظنت بأن غضبه ناتج عن حزنه لأجل تلك المسكينة. فتقدمت بخطوات سلحفية إلى حيث يجلس، ودون أن تتفوه بحرف، قامت باحتواء رأسه بين أحضانها وأسندت ذقنها فوق خصلات شعره وهي تشد من احتواءه. وعلى الرغم من أنه ظاهريًا لم يستجب لمواساتها الصامتة، ولكن كل ما به سكن بوجودها وبين ذراعيها. فظل الوضع لدقائق غير محسوبة، إلى أن لامس أرض الواقع الأليم الذي يحياه. فانتزع نفسه عنوة من ملاذه الآمن بأحضانها وقال بجفاء.
"جيتي ليه؟ تحدثت ببراءة غافلة عن ذلك الجحيم الذي تعده بها عيناه. "معقول أسيبك وأنت في الحالة دي؟ أنا عارفة إنك زعلان أوي عشان مقدرتش تلحقها. بس ده قدرها! عمرها اللي ربنا كاتبهولها أنت متقدرش تزود فيه لحظة واحدة. أرجوك متحملش نفسك فوق طاقتها."
التفت يناظرها بغموض دام لثوانٍ، قبل أن يفاجئها حين أطلق ضحكة صاخبة كانت آخر رد فعل يمكن أن تتوقعه منه. والمفزع أن ضحكته كانت مرعبة، تشبه نظراته التي أفزعتها وكلماته القاسية حين قال. "قدرها! واللي ربنا كاتبهولها، ومحملش نفسي فوق طاقتها. أومال الكلام ده كله كان فين وأنتِ بتدوسي عليا وعلى قلبي وبتقوليلي خدلي حقي من اللي ظلمني؟
تراجعت خطوتين إلى الخلف حين شاهدت معالمه المرعبة ونبرته القاسية، وتلك الكلمات التي كانت تنخر بقلبها الذي احتارت جراحه أيًا ينزف أولًا. نصب عوده وهو يشملها بنظرات قاسية تشبه معالمه ولهجته، حين قال. "لما أنتِ مؤمنة بالقدر وباللي ربنا كاتبه، ليه دوستي على نعم ربنا عليكِ ومسكتي في انتقامك من حازم؟ اشتدت لهجته وشابها النحيب وهو يقول بشراسة. "ليه سبتي كل اللي عملته عشانك وجيتي عاللي مقدرش أعمله ومسكتي فيه؟
كان يتقدم منها وهي تتراجع، وعيناها تذرفان من الوجع أطنانًا. فلم يهتز، بل لم يكن يراها من الأساس. فهدر بكل ما يعتمل بقلبه من قهر. "دلوقتي مش عايزاني أحمل نفسي فوق طاقتها، بس أنتِ تدوسي على وجعي وعجزي عادي." لم تستطع التفوه بحرف، فقط عبرات صامتة وقلب ينتفض ألمًا، ليتسلل من عمق ألمها همسًا خافت يستجديه. "سليم." صاح هادرًا بعنف.
"سليم وزفت. مروة ماتت بسببك. ناجي قتلها بسببك. بسببك بقيت حيوان عايز أي حاجة تنسيه كلامك اللي بيقتل. لو مكنتيش وجعتيني اليوم ده مكنتش شربت زفت ولا كنت روحت عندها. أنتِ السبب." على نحيبها، هرع الجميع للداخل، فآلهم ما رأوه. فاقترب سالم من جنة، التي كانت تنتفض ذعرًا وألمًا. بينما اقترب مروان من سليم يحاول تهدئته. فصاح الأخير بقهر.
"أنتِ أكبر غلطة غلطتها في حياتي. عملت كل حاجة في الدنيا عشان أرجعك للحياة تاني، بس أنتِ كنتِ بتموتيني. مكنتيش شايفة غير نفسك وبس. ابعدي عني. مبقتش عايز أشوفك قدامي. اخرجي بره." كان الألم أكبر من قدرتها على التحمل، فصارت تنتفض بين يدي سالم، الذي صاح بقسوة. "اسكت يا سليم." وجه نظراته إلى مروان وهو يسحب جنة، التي كانت تنتفض بين يديه، وقال بصرامة. "خليك معاه، هودي جنة وارجعلك."
لم تفارقه عيناه وهي تغادر، ومن فرط الوجع لم ينتبه لكون فراقها أكثر ما يمزقه. فقد كانت نيران الذنب تحرق أحشاءه من الداخل. فسقط على الأرض بين يدي مروان، الذي حاول تهدئته قائلًا. "سليم أهدى. متعملش كده في نفسك. عمرها وخلص، هتعمل إيه يعني؟ هدر بعنف. "أنا تعبت. لحد إمتى هفضل عايش وطوق الذنب ملفوف حوالين رقبتي؟
مرة ذنب أخويا اللي فكرته ميت وهو زعلان مني، ومرة ذنب جنة اللي كنت ظالمها بسببه، ولا ذنب قلبي اللي مقدرش يتخلى عنها ولا عن ابنها بالرغم من رجوعه، ولا ذنب مروة اللي ماتت بين إيديا وبسببي! أنا تعبت. مبقاش فيا حيل لعذاب تاني." هدأ صراخه وتحول لنحيب ولهجة متهدجة من فرط الألم. "أروح فين من النار اللي جوايا دي؟ "مروان بتأثر."
"يا سليم أنت ملكش ذنب في أي حاجة من اللي حصلت دي. حازم وقذر ده بعيد عنك. جنة والكل كان ظالمها وهي نفسها ظلمت نفسها لما خبّت اللي حصل حتى عن اختها. وأنك تبقى متمسك بيها بعد ظهور حازم ده حقك. عشان دي مراتك محدش يقدر ياخدها منك، ومروة ده قدرها. أنت روحت لحد ناجي عشان تاخد تارها وموت عشرة من رجّالته قصاد موت مروة والنتيجة اهو."
قام مروان بالضغط بقوة على تلك البقعة الحمراء في كتف سليم، لعل الوجع يعيد عقله إلى رأسه، ثم تابع بحدة. "الألم ده أكبر دليل إنك مسبتش حقها، وكمان محدش طلب منها إنها تيجي تبرّك. على الأقل عملت الصح قبل ما تموت." وضع سليم يديه فوق خصلات شعره، يحاول تحجيم شياطين الجحيم التي تعصف برأسه، فتكاد تصيبه بالجنون. فهتف صارخًا. "أنا عايز أنام يا مروان. خليهم يدوني أي حاجة تنيمني. مش قادر أتحمل الصداع ده."
أطاعه مروان على الفور، وقام بإخبار الطبيب، الذي أذن له بمخدر قوي. ما أن أخذه حتى راح في سبات عميق، كان هو المنقذ الوحيد من تلك الآلام التي كادت أن ترديه صريعًا.
كانت رحلة العودة صامتة، على عكس تلك الصرخات التي تتردد بصدرها فـ تؤلمه. والحقيقة أن كل ما يحدث يؤلمه، حتى أنفاسها التي تود لو تتوقف حتى تعلن عن نهايتها. ولأول مرة بحياتها تشعر بالغيرة من إحداهن. في أعماقها تتمنى لو كانت هي من ماتت وليس مروة، على الأقل لن تكون فريسة لوطأة هذا الألم الدامي الذي لا ينهيها، بل بقدر ما يهلكها.
صف سالم السيارة أمام باب القصر الداخلي، ولجأ للصمت لثوانٍ قبل أن يبدأ بالحديث. ولكن باغتته جنة، التي قالت بلهجة متحشرجة من فرط البكاء. "عايزة أمشي النهاردة." لم يتفاجأ من حديثها، فقد انهدم كل شيء بعينيها اليوم. فبعد أن استشعر هدوءها، ولمس وميض السعادة بعينيها، فطن إلى أنها نفت فكرة المغادرة من رأسها. ولكن الآن وبعد ما حدث، فها هي تلك الفكرة تفرض نفسها وبقوة على ساحة تفكيرها. وبالحقيقة هو لن يلومها. "جنة...
قاطعته حين التفتت تناظره بعينين ارتسم بهما التوسل الذي يتنافى مع حشرجة صوتها وملامحها الجامدة، حين قالت. "وعدتني قبل كده تقف جنبي. لو لسه عند وعدك ليا، مشيني من هنا." يعلم أنها مُحقة، ويعلم أيضًا كم شقيقه ممزق. لذا حسم أمره سريعًا قبل أن يقول بجفاء. "لسه عند وعدي. شوفي عايزة تمشي إمتى وأنا معاكِ." "دلوقتي. هطلع آخد محمود وأشوف فرح وأمشي. مش هقدر أشوف حد من اللي في البيت، ومعنديش طاقة أرد على أي أسئلة."
هكذا تحدثت بمرارة، وكأن صبارًا نبت بجوفها. فأجابها سالم بجمود. "اللي أنتِ عايزاه." ★★★★★★★★ دلفت إلى داخل الغرفة، فوجدت فرح نائمة على الكرسي مُلتحفة بأحد الشراشف. فاقتربت بخطٍ سلحفي إلى أن وقفت أمامها تناظرها بقلبٍ ينفطر ألمًا وعينين تذرفان الوجع بسخاء، وقلب ينزف شوقًا بدأ قبل أن تفارقها. فاقتربت تضع قبلة دافئة فوق جبهة فرح النائمة بهدوء، وقامت بطي ورقة صغيرة لتضعها بجانبها، قبل أن تهمس بلوعة. "سامحيني. بحبك أوي."
تراجعت إلى الخلف وعينيها تتعلقان بشقيقتها، تشتهي عناقًا قويًا بين ذراعيها لتمسح على قلبها النازفة جراحه. ولكن كم كان التمني عظيمًا والأمنية مستحيلة. وكم كان الألم مُريعًا وقلوبنا ضعيفة. كانت الرحلة طويلة، وبكل خطوة تبعدها عن أحبائها يتضاعف عذابها وتتعاظم لوعة قلبها الذي لم يكن ينقصه فراق آخر. ولكن يبدو أن الفراق هو مصيرها. فبكل مرة تظن أن الحياة سـ تبتسم لها، تباغتها بـ صفعة أقوى من سابقتها. لتقف الآن أمام حقيقة واحدة، وهي أن السعادة لم تكن يومًا من نصيبها، وعليها تقبل الأمر. سيكلفها ذلك أطنانًا من العبرات ومثلهم من الصرخات، ولكن لا بأس، ستعتاد.
هكذا كانت تردّد وهي تضع يدها فوق قلبها لتحاول تهدئة آلامه العظيمة ونبضاته الثائرة، وهي تعده بأنه سـ يعتاد هذا الوجع يومًا. العاشرة صباحًا، توقفت السيارة أمام فيلا صفوت الوزان، وترجل سالم الذي التفت ليساعد جنة على الترجل من السيارة، وبيدها محمود. لتتحرك إلى الداخل بأقدامٍ مُثقلة بخيبات عظيمة وآلام جسيمة لا تجرؤ على التحدث عنها.
استقبلتهم سهام بحفاوة، فقد أخطرهم سالم بمجيئهم. وقد تفهمت كلماته المقتضبة حين رأت ملامح جنة الشاحبة. ف قامت باحتوائها بين أحضانها وهي تهمس بحنو. "نورتينا يا جنة. هتتبسطي معانا أوي أنتِ ومحمود." لم تقاوم جنة حنانها، ورسمت ابتسامة هادئة على ملامحها. فتقدمت نجمة لتحتضنها برفق وشفقة على حالها، قبل أن تقول بمزاح.
"هتنبسطي أوي وأنتِ شايفة نور الشريف بيجري ورا بوسي في الغيطان، وأني والغلبان ابن عمك لو شاورنا لبعض يبقى ربنا كرمنا من وسع." اتسعت ابتسامة جنة بعض الشيء على حديث نجمة، التي أخذت محمود من بين يديها تقبله وهي تقول بمزاح. "كيف الجمر. الحمد لله مطلعه شبه المخفي أجله اللي اسمه مروان ده." اندهشت جنة من معرفتها بـ مروان، فقالت باستفهام. "أنتِ تعرفي مروان منين؟ "نجمة باندفاع." "شفته كان بيحاول يقتل الكبير جبل سابج."
"جنة بصدمة." "إيه؟ "نجمة بلهفة." "لأه، ده موضوع طويل، هبقى أحكيلك بعدين. تعالي دلوقت عشان تريحي من السفر." ★★★★★★★★★★ في داخل غرفة المكتب الخاصة بصفوت، هتف صفوت بغضب. "الحقير ده زودها أوي يا سالم. مبقاش ينفع نسكت أكتر من كده." "سالم بجفاء." "إحنا مش ساكتين يا صفوت. بس لازم أضمن المرة دي إنه مش مجهز لنا مصيبة تانية." "صفوت بتهكم مرير." "مبقاش في أموات تاني يصحوهم." تجاهل سالم غضبه وقال بفظاظة.
"ماهو عمال يخلص ع الأحياء." "صفوت بحنق." "هتبدأ بالتنفيذ إمتى؟ "سالم باختصار." "آخر الأسبوع طارق هيسافر وهينفذ اللي اتفقنا عليه." "صفوت بتفكير." "طارق راجل وقدها، بس مش خطر عليه؟ "سالم بغموض." "متقلقش. كل حاجة متخطط لها، ده غير توفيق ربنا اللي بإذن الله مش هيتخلى عنا." تمتم صفوت بخفوت. "بإذن الله. هتعمل إيه؟ هتروح تشوف حلا؟ "سالم بنفي."
"للأسف لأ. مش هينفع حد يعرف إني جيت هنا ومعايا جنة، مش عايز الدنيا تتكركب على دماغ سليم أكتر من كده. كمان هي كلمت ماما وقالت لها إنها جايه قريب." ربت صفوت على كتفه وهو يقول بمواساة. "معلش يا سالم. أنت الكبير، والكبير دائمًا بيشيل كل حاجة على دماغه." أومأ سالم برأسه قبل أن يقول بخشونة. "مش هوصيك على حلا يا صفوت. أنت مكاني هنا. لحد ما أخلص من كل العك ده. متتخيلش هي وحشاني قد إيه."
"ولا يهمك، حلا بنتي. ركز أنت في اللي أنت فيه." نظر سالم إلى ساعته قبل أن يهب واقفًا وهو يقول بعجالة. "أنا لازم أمشي. ماما وفرح لوحدهم هناك ومعرفوش حاجة، مش عايز قلق وتوتر." أومأ صفوت بقلة حيلة. "مش هقدر أقولك خليك. ربنا يكون في عونك." ★★★★★★★★★ "انت كده بتدمر مستقبلك عشان مين؟
هكذا صاحت نجلاء، والدة عُدي، التي لم يُرضيها كونه تزوج بتلك المشوهة وهو لا يزال يدرس. لذا جاءت لتوها من المطار رأسًا على محل إقامته مع تلك الفتاة. "مستقبلي وأنا حر فيه. محدش له الحق يقرر عني ولا يخطط لي حياتي." هكذا تحدث عُدي بجفاء. فلم يُعجبها حديثه، فصاحت بانفعال. "حر دي لما تبقى بتفكر بعقلك. مش سايق فيها زي المجانين وعايز تعملي شهم على حساب نفسك." زمجر غاضبًا. "تقصدي إيه بالكلام ده؟ "نجلاء بانفعال."
"أقصد اختيارك اللي زي الزفت. مين دي؟ حتة بت مشوهة ومعقدة متستاهلش حتى تاخد دقيقة من تفكيرك، مش تديها اسمك يا بيه." صاح عدي بوحشية. "اسكتي. أوعي تجيبي سيرتها مرة تانية. البنت اللي مش عجباكِ دي هي حب حياتي ومراتي، ومسمحش لأي حد يجيب سيرتها على لسانه." تجمدت نجلاء بمكانها وهي تستمع لصراخ ولدها لأجل تلك الفتاة. فقالت بصدمة. "انت بتعلي صوتك عليا يا عُدي عشان خاطرها. بتعلي صوتك على أمك! "عُدي بلهجة تقطر ألمًا."
"يمكن عشان محستش يوم إنك أمي! كنتِ فين وأنا طول حياتي لوحدي بتعب لوحدي وأخف لوحدي وأتوجه لوحدي وأداوي نفسي برضو لوحدي؟ عارفة كام مرة احتاجتك وملقتكيش؟ عارفة كام مرة كان نفسي أترمى في حضنك وأعيط وملقتكيش؟ أنتِ مكنتيش موجودة قبل كده، ملكيش وجود في حياتي بعد كده. ياريت ترجعي مكان ما كنتِ، عشان أنا اخترت حياتي ومش هغيرها." كلماته كانت كوخزات الإبر التي توخز بصدرها. فهبت معترضة.
"أنا وأبوك كنا متغربين ومتبهدلين عشان نأمن لك مستقبلك." "مستقبل." "عُدي بسخرية." "وأنا مش عايز أي مستقبل ساندي مش موجودة فيه. ولو الفلوس في نظرك هي اللي هتأمنلي مستقبلي، تبقي غلطانة. أنا مستقبلي مع واحدة تحبني وأحبها وتعوضني عن كل اللي احتاجته منكم وملقتهوش." "نجلاء بغضب." "ده آخر كلام عندك؟ "عُدي بوضوح." "أيوا آخر كلام." "نجلاء بسخرية." "وياترى هتصرف عليها منين؟ "عُدي بهدوء."
"أنا بشتغل كول سنتر الصبح وويتر في مطعم آخر النهار، والحمد لله مكفي بيتي ومراتي. متشغليش بالك أنتِ." كانت ملامحه توحي بمدى رضاه على ما يقوم به. لذا استخدمت آخر ورقة رابحة تمتلكها. حين قالت بتحذير. "خلي بالك إن لو فضلت راكب دماغك، حنفية الفلوس اللي مفتوحة دي هتتقفل." "عُدي بصدق وعينين تحكيان مدى رضاه." "مش لازمني فلوسكم، قلت. خليهالكم. أنا عندي اللي أغلى منها ألف مرة."
لم تستطع الصمود في هذا النقاش الذي حتمًا ستخرج منه خاسرة. لذا توجهت إلى باب الغرفة تنوي المغادرة، تزامناً مع تلك الشهقة التي خرجت من فم تلك التي استمعت إلى هذا الحديث الدائر بينهم. ولم تستطع منع عبراتها، التي لا تعلم سببها. أهو ألمًا جراء إهانة والدته لها؟ أم امتنانًا لدفاعه عنها؟ أم تأثرًا بعشقه الضاري لها؟ اخترقت شهقاتها صدره الذي يضج بعشقها، فأخذته أقدامه ليهرول إلى غرفتها يطرق الباب وهو يقول بلهفة. "ساندي؟
افتحي الباب." لم تكن في حالة تسمح لها بالمواجهة، لذا هتفت بتوسل. "سيبني يا عُدي، مش قادرة أتكلم." صاح غاضبًا. "مفيش حاجة اسمها سيبني. فيه حاجة اسمها أنا تعبانة، احضنيني. أنا محتاجاكِ، خليكِ جنبي." همست بألم. "عُدي أرجوك." "أرجوكِ أنتِ. متبعدنيش عنك، ومتفكريش إن في حد في الدنيا هيقدر يبعدني عنك أو يبعدك عني." أسند رأسه فوق الباب الخشبي وهو يقول بألم.
"افتحي أرجوكِ، مش هتجاوز حدودي معاكِ، أقسم بالله. أنا بس هاخدك في حضني." لم تستطع مقاومة إغراء وجوده، وقامت بفتح باب الغرفة لترتمي بين جنبات صدره تبغي النجاة. فقابل لهفتها بأقوى منها، وهو يشدد من احتوائها، دافنًا رأسه بين خصلاتها وهو يهمس بلوعة. "بحبك. لو كل الدنيا عاندتني، هفضل أحبك. لو الناس كلها اتجمعت عشان تفرقنا، بردو بحبك." ★★★★★★★★★
تململت في نومتها، فقد أتعبها ذلك الوضع كثيرًا. فشعرت بألم كبير في أنحاء جسدها. فقاومته وهي تحاول أن تنصب عودها ليزداد الألم مصحوبًا بتيبس في أطرافها. فتوجهت إلى الحمام لتأخذ حمامًا منعشًا قبل أن تتوجه إلى غرفة شقيقتها.
بعد مرور نصف ساعة قضتها أسفل المياه الدافئة، علها تريح عظامها المتألمة. خرجت وهي تلتحف بمنشفة تكاد تصل إلى فوق ركبتها. لتتوجه إلى غرفة الملابس تنتقي رداءً يناسب برودة الطقس، الذي سرعان ما أذابها دفء حضوره حين وجدته. كان في طريقه للخروج من الغرفة باحثًا عنها. فتفاجأ بمظهرها المهلك الذي انتشله من بؤرة غضبه وخفف وطأة ذلك الضغط الماثل فوق كتفه. ليقترب منها بخطوات سلحفية وعينيه تشملهان بنظرات مشتعلة بعشق لم يُخلق لسواها. فهتفت بلهفة.
"سالم. جيت إمتى؟ "مش مهم، المهم إني هنا وأنتِ معايا." لوهلة، فاتتها نظراته المشتعلة تجاهها. ولكن ثقل أنفاسه وكلماته الدافئة جعلتها تندثر خجلًا من عينيه التي تلتهم حسنها بنهم. أيقظ نيران الرغبة بقلبها. ولكن كان هناك ما يؤرق قلبها وينغص سعادتها بوجوده. فهمست بتساؤل. "جنة فين؟ جت معاك ولا لأ؟ احتوى ذراعيها بحنو، وامتدت أنامله تلامس خصلاتها المبللة ليضعها خلف أذنيها، فيما قال بخفوت أمام شفتيها.
"جنة في أمان. متقلقيش عليها. خليكِ معايا هنا." احتوت عنقه بذراعيها وهي تقول بهمس أصاب وترًا حساسًا بداخله. "أنا دايمًا معاك حتى لو مكنتش موجودة. قلبي وروحي معاك دايمًا يا سالم." همس بخشونة أذابتها. "وسالم مش محتاج أكتر من كده." انتقلت يداها من عنقه لتحتوي وجهه وهي تقول بصدق لامس أوتار قلبه.
"أنا آسفة بجد. من كل قلبي آسفة لو وجعتك وحطيتك في موقف وحش وخضيتك عليا. أنا متخيلتش إن البني آدم ده ممكن يكون وحش بالطريقة دي. النهاردة بس عرفت قد إيه أنا غلطت."
أخذ يستنشق أنفاسها الدافئة لينشرح صدره وينتشي جسده برائحتها الجذابة. فاقترب يرتشف اعتذارها ويقطف ثمار الحب من فوق شفتيها بتروٍ، أصابها بالخدر وكأنه لم يكن يملك من الحروف ما قد يصف ما بداخله. فأراد أن تصف الأفعال ما يحمله لها من عشق خالص نمى بقلبه منذ أول يوم رآها به.
شعرت بأن هناك الكثير مما لا يستطيع التعبير عنه. فأخرت تقربها منه أكثر حتى تبثه اعتذارها وعشقها في آن واحد. وداخلها يحمد الله أنه وقف بجانبها وحماها من هذا المجنون، وإلا من يعلم لربما كانت الآن في عداد الأموات. فصل اقترابهم رأفة ببرائتها التي طالبت ببعض الرحمة. فرفع رأسه يناظرها بعينين داكنتين من فرط ما يشتهيها، ولكنها تحمل شيئًا آخر لم تخطئ في فهمه. فهمست بتساؤل. "سليم كويس؟
أومأ بصمت، يُشفق عليها من ما يخبئه بجوفه من أحداث قد تبدد صفاء ذلك الشعاع الأخضر الذي يطل من عينيها، فيجعله يقع في عشقها كلما رآه. أخيرًا استطاع الحديث حين قال بخشونة. "فرح أنتِ عارفه أنتِ إيه بالنسبالي، وعارفه كويس إني شخص مبيتهاونش في الغلط، ياريت بعد كده تتصرفي على إنك مرات سالم الوزان كبير العيلة دي." بالرغم من أنها لا تحبذ تلك اللهجة، ولكنها تعلم أنه مُحق. لذا أومأت بالموافقة وهي تهمس بخفوت. "حاضر."
لم تنتهِ أوامره، بل تابع بتحذير لم تخطئ فهمه. "وياريت كمان تحطي جوازنا في أولوياتك. أو بمعنى أدق يكون هو رقم واحد بالنسبالك." فطنت إلى ما يرمي بحديثه، وحين همت بالحديث، شدد من جذبها إليه وهو يهمس أمام عينيها. "وسيبيني عليا كل حاجة بعد كده." هدأ الفؤاد بكلماته، وشعرت بأنها تستند على كتف لا يميل وجبل لا يعرف الانحناء. لذا لم تجادل، بل اكتفت قائلة بهمس. "ربنا ما يحرمني منك."
على حين غرة، قام وضع يده أسفل ركبتها والأخرى خلف ظهرها ليحملها. فصاحت باندهاش. "سالم بتعمل إيه؟ قرب رأسه من رأسها قائلًا أمام شفتيها بلهجة محرورة. "عايز أغرق في حضنك وأنسى كل حاجة إلا أنتِ." شددت من احتواء عنقه وهي تشعر بحاجته الملحة لوجودها بين ذراعيه. "حضني مفتوحلك على طول يا حبيبي."
لم يُزد حرفًا واحدًا، بل اقترب يقطف ثمار العشق من فوق شفتيها المُغوية، وقدماه تأخذه ليتوجه إلى مخدعهما ليبثها أشواقه العاتية. ليشتعل بين ذراعيها وتنطفئ موجات غضبه بين أحضان عشقها. فهي ترياقه من سموم وخزات الحياة، وبره الآمن بين كل تلك العواصف التي لم تشفق ولو للحظة على رجل مثله لم يعتد على الانحناء أو الشكوى يومًا.
أخذ يعمق اقترابه منها، وشفاهه تفرق همساته العاشقة فوق شفاهها وملامح وجهها. ويديه التي وكأنهمَ يحويان حنان العالم أجمع، تلثم كل ما تطاله من جسدها. فقد كان وكأنه يغرقها في بحر من الدفء والحنان. وكانت تبادله بأضعاف ما يعطيها. ولأول مرة تبادر الحديث وسط ملحمتهم الرائعة. "حقك علي قلبي يا روح قلبي."
لثمت كلماتها آثار ظلت عالقة بقلبه لـ تُشفى على يديها وبين ذراعيها. فاقترب ينثر وروده الدافئة فوق جبهتها وقسماتها المشعلة بلهيب العشق الذي انساب من بين شفاهه بعذوبة حين قال. "قلبي معرفش الراحة غير في حضنك. أوعي تحرميه من راحته دا ما صدق لقاها." باغتته حين ارتشفت شهد عشقه من فوق شفتيه بلهفة، أيقظت جنون رغبته التي يُكللها شوقه الضاري لها والذي تضاعف حين قالت بأنفاس متهدجة.
"أنا كمان ملقتش راحتي وسعادتي غير وأنا جنبك، وصدقني مش هضيعها بإيدي أبدًا. أنت وابننا أهم وأغلى حاجة عندي في الدنيا." لطالما اشتهى سماع تلك الكلمات من بين شفاهها. فأسند جبهته فوق جبهتها وهو يقول قاصدًا إثارتها. "أحلى أم منصور في الدنيا." سارت الخطة كما أراد تمامًا، فقد اشتعلت جنتها الخضراء لتصبح مشعة بغضب لم تستطع الإفصاح عنه. فأطلق ضحكة قصيرة جذابة وهو يقول بعبث. "حلو أوي كده. أحبك وأنت قايدة نار كده."
لم تستطع السؤال ولا حتى الحديث، فقد اختطفها معه في بحور العشق اللامتناهي، والذي لم تعد تحتمله قلوبهم. فأصبحت تطلقه على هيئة أنات مستمتعة من جانبها، وأخرى خشنة من جانبه، ليمتزجا في عزف أنشودة رائعة عنوانها العشق ومحتواها اللهفة والشوق الذي لا ينضب ولو احترق العالم من حولهم.. ★★★★★★★★★★
دلفت الداخل قاعة المحاضرات كما هي العادة، لتتفاجئ بالجميع يناظرونها بغرابة. فـ اندهشت قليلًا، وما هي إلا ثوانٍ وتحولت دهشتها لصدمة عظيمة حين شاهدت… يتبع….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!