الكارثي في الأمر أنه لم يكن مجرد غياب! بل كان كنزع الروح من الجسد الذي كُممت أصوات استغاثاته فلا يملك رفاهية الصراخ، والأقسى من ذلك أن تلزمه الحياة بأن يحيا! كأن تلقي بأحدهم بين أمواج بحر هائج وتأمره بأن يبقى على قيد الحياة في حين أنه لا يجيد السباحة! بربك أليس الأمر مجحفًا؟
كان هذا حال قلبي الذي لم يكن يجيد الحياة دونك، فلم يكتفِ بترديد ذلك الاستفهام المؤلم على مسامعي منذ أن غادرتني إلى الآن، وكما هي عادتي لازلت أتواري خلف جدار من الكبرياء الواهي أحاول إقناعه بأن الأمر ليس خطيئتي إلى أن ذقت لوعة ما اقترفته يداي حين اصطدمت بصخرة فراقك الذي كان أبديًا هذه المرة.
تمر الأيام مثقلة بحنين وأوجاع تمنى أصحابها التخلص منها سالكين جميع الطرق والدروب في رحلة طويلة تبدأ بالتناسي وتنتهي بالنسيان الذي هو عبارة عن رحمة من الله تتنزل فوق القلوب التي أضنتها فواجعها وأهلكتها مصائب الزمن لتبدأ الجروح في الالتئام رويدًا رويدًا ثم يبدأ ذلك الضباب في التلاشي فتصفو سماء الحياة من جديد. مرت ثلاثون ليلة على تلك الليلة التي سطرت نهاية عهد قديم في رحلتهم وخطت بداية جديدة للجميع دون استثناء.
"بتقول إيه يا سالم؟ معقول حازم جاي هنا؟ هكذا هتفت أمينة بقلب تنتفض دقاته حد الألم وشفاه ترتجف حروفها حد التلعثم، وأعين تهتز جفونها من فرط البكاء. ليقترب سالم يحتضنها بحنو تجلى في نبرته الخشنة حين قال: "سالم عمره كذب عليكِ يا أم سالم؟ انتفض جسدها من فرط التأثر والبكاء الذي جعل كلماتها تخرج متقطعة حين قالت: "أبدًا. بس...
بس قلبي مش مصدق من فرحته. كان نفسي أشوفه قبل ما أموت. أنا اللي ظلمته يا سالم. أنا السبب في كل اللي حصل وحصلكوا." هدهدها كطفل صغير يحاول احتضان ألمها وتهدئة آهاتها المذبوحة ندمًا وذنبًا، ليقوم باحتواء وجهها الذي تشكلت به بعض التجاعيد التي لونها الألم، لذا أجابها بصرامة لم تخلو من الحنان: "متقوليش كدا تاني. محدش بيعلم الغيب، وكل اللي حصل ده مقدر ومكتوب للكل. بطلي تلومي نفسك. أنا مقدرش أشوفك في الحالة دي."
أوشكت على الحديث فعاتبها قائلًا: "عايزة تزعليني يعني! طب وغلاوتي عندك تبطلي تلومي نفسك. لما تتعبي دلوقتي نعمل إيه إحنا؟ ده إحنا عايشين في الدنيا دي بحسك يا أم سالم." امتدت كفوفها تحتضن وجهه وهي تقول بفخر يمتزج بحب كبير تجلى في نبرتها حين قالت: "والله يا سالم أنت أغلى حاجة عندي. حنيتك دي لو اتوزعت على الدنيا دي كلها تكفي وتفيض. ربنا ما يحرمني منك ويرضيك ويرضى عنك يا ابني."
لثم كفوفها بحنو قبل أن يقوم باحتضانها وداخله يتمنى من الله أن يمر كل شيء على ما يرام.
كان لقدومه وقع خاص على الجميع وشعور متباين بينهم، وحدها كانت خائفة، بل مرتعِبة، فالجميع كل يملك درعه الخاص الذي يمكنه في الصمود أمام هجمات الحياة وتقلباتها، حتى جنة الوحيدة التي تذوقت ويلتها وعاشت نفس تجربتها المريرة تملك رجلًا يمكنه هدم العالم بأكمله لأجلها، أما هي لم تكن تملك شيئًا، وعائلتها ألقت بها أمام عتبة غرباء دون النظر إلى مصيرها أو الشفقة على حالتها، وإن كان الحظ في صفها ووضعها بين أناس تعج قلوبهم بالرحمة ليصبحوا بمثابة عائلة ثانية لها، ولكن هل سيبقون هكذا بعد عودة هذا الشيطان؟
ينخلع قلبها من شدة الفزع حين تتخيل أن تراه أمامها مرة أخرى. تتمنى الموت في هذه اللحظة خشية أن تتجدد آلامها من جديد بلقائه. ذلك الهاجس يثير زوبعة من المشاعر داخل قلبها ويولد بداخلها رغبة ملحة بالهرب، ولكن أين يهرب الإنسان وهو منبوذ من أقرب الأماكن إلى قلبه؟ لا أهل ولا عائلة ولا هوية. فقدت كل شيء دفعة واحدة والآن عليها المواجهة! كمحارب يقف بمنتصف المعركة أعزل في مواجهة أقوى خصومه وأشرسها.
أي ظلم هذا الذي تقترفه هذه الحياة في حق تلك البريئة؟ وهل من سبيل للنجاة من بطشها والظفر بروحها المهلهلة؟ لتستطيع لملمة خيوطها والظفر بحياة تشبه الحياة! "كنت بتحبه؟
شهقة خافتة شقت جوفها حين استمعت لذلك الاستفهام المريع الذي انتشلها من بحر حزنها الأعظم، لتنتفض في جلستها وتهب واقفة لتجد نفسها في مواجهة ذلك الكاسر الذي يشبه النمر بعينيه التي تحيطها بنظرات تبث الذعر بقلبها، إضافة إلى ضخامته وملامحه الوسيمة التي تشوهها تلك التجعدة المرسمة في جبهته. "ردي عليه. أظن سؤالي مش صعب للدرجة دي!
ضاق ذرعًا من سكوتها، فهذا الاستفهام يؤرق لياليه منذ أن بدأت صورتها باحتلال قلبه كامحتل غاشم استوطن أرضًا، ولن يتركها إلا بإراقة الدماء. القلق من إجابتها ينخر في قلبه بلا رحمة، وصمتها لا يساعده أطلاقًا، لذا احتدمت ملامحه أكثر لتفقد قدرتها على النطق وتلجأ للهرب، ولكن ما أن التفتت حتى قبضت على معصمها أصابعه كالمقصلة، ليقوم بإدارتها إليه بعنف يشبه نبرته حين قال: "بتهربي ليه؟ السؤال صعب ولا مش عارفة تنطقيها؟
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بلهجة تئن ألمًا: "مش طالب منك غير إجابة بـ آه أو لا." كان الكلام يتدفق من بين شفاهه وكأنه يحاول إقناعها بالحديث حتى ولو كان مرًا، فالصمت حنظل. "س... سيبني." هذا كل ما استطاعت أن تتفوه به، ليتنبه ليديه التي تقبض على معصمها الرقيق بقوة حتى كاد أن يتحطم من وطأة قسوته، فتركها بلهفة وعيناه تطلقان مئات الأعذار دون أن يتلفظ بحرف واحد منهم. "مَقصَدش أخوفك أو أأذيكي. عايز بس إجابة لسؤالي!
حاولت تجاهل دقاتها الهادرة، فقد كانت عيناه تربكانها كثيرًا كما كانت تلك العينين تفعلان بهما. نعم، كانت تعشق ذلك الحازم بينها وبين نفسها، فقد كان بطل أحلامها التي أوقد بها نيران الغدر لتحترق، وينطفئ عالمها الوردي إلى الأبد. "سؤال ميخصكش والإجابة مش هتفيدك بحاجة يبقى مالوش لازمة تعرفها." هتف بجفاء: "أنا أدرى باللي يخصني." "أيوا حبيته." اخترقت كلماتها صدره كرصاصة طائشة أصابت أكثر وتر حساس بداخله، لتخرج
كلماته جافة بنبرة متحشرجة: "ناوية تكملي معاه؟ "لا طبعًا." هكذا صرخت بقوة وكأن استفهامه تهمة مشينة أرادت محوها تمامًا، فباغتها كلماته حين قال: "يبقى تطلبي من سالم يطلقك منه." هتفت بصدمة: "إيه؟ أجابها بحدة: "اتصدمتي ليه؟ قوليله طلقني منه. مش عايزة أشيل اسمه. وفرصة إنه جاي النهاردة. يعني سهل كل حاجة تخلص." ابتسامة ساخرة لونت ملامحها، فياليت الأمر بهذه السهولة، فلو طلبت الطلاق أين المأوى؟
فحتمًا لن يرحب بها والداها، ولم يتقبل وجودها أحد هنا. هطلت دمعة غادرة من بين جفونها لتستقر فوق صدره كجمرة مشتعلة بنيران الغيرة الهوجاء التي سرعان ما تفضها بعيدًا ليقنع نفسه بأنه يفعل ذلك تكفيرًا لذنب أباه الراحل. "سكتي ليه؟ لو خايفة أنا في ضهرك." "ليه؟ هكذا استفهمت بريبة نجحت في أن تنحي جميع شعورها جانبًا لمعرفة سبب اهتمامه الكبير بها، فباغتها إجابته حين قال:
"لو عايزني أتدخل وأتكلم مع سالم معنديش مشكلة، المهم تخلصي." أعادت استفهامها بقوة: "ليه؟ للمرة الثانية يتجاهل استفهامها قائلًا بجفاء: "لازم تتحرري منه النهاردة قبل بكرة؟ صاحت بعناد غاضبة: "ليه؟ انبثقت الكلمات من فمه غاضبة مشتعلة عاشقة: "عشان واقف بيني وبينك."
صاعقة برق قوية ضربت قلبها الذي تعثرت نبضاته أمام كلماته، فلم تستطع الصمود أمام نظراته التي تبددت لأخرى غامضة، فأخذتها أقدامها لتهرول إلى الداخل وكأن شياطين العالم السفلي تلاحقها. كان كل ذلك يحدث أمام زوج من العيون المشفق على كل يحدث مع كليهما، ولذلك قررت المساعدة.
كان يصفف خصلات شعره أمام المرآة يطلق صفيرًا رائعًا يدل على أنه في أسعد حالاته، لتقترب منه تحمل جاكت بدلته لتساعده في ارتدائه وهي تناظر سعادته بقلب مبتهج، فقد اشتاقت لرؤية صفاء عينيه وبريقها اللامع، فارتسمت ابتسامة رائعة على ثغرها التوتي، ليلتفت ناظرًا إليها ونجوم العشق تلمع بسماء عينيه، ليمتد الصمت بينهم لثوانٍ تولت الأعين الحديث قبل أن يقول بنبرة خشنة: "تعرفي إن ضحكتك دي تاني أحلى حاجة في الدنيا؟ ارتفع إحدى
حاجبيها وهي تقول باستفهام: "وإيه أول حاجة؟ أجابها هامسًا بخشونة: "حضنك." تلون خديها بدماء الخجل لتخفض رأسها، فامتدت ذراعاه تحيطان بخصرها يقربها منه ليروي عينيه من حسنها، فحاوطت عنقه بيديها لتقول بهمس: "أحلى حاجة في الدنيا إنك موجود فيها. ربنا ما يحرمني منك أبدًا." عبأ صدره من عبير أنفاسها العطرة قبل أن يقول بنبرة عاشقة: "ولا يحرمني منك يا ست الحسن والجمال." "فرح" بحبور:
"أول مرة أشوفك مرتاح كدا من زمان. معقول عشان خلصت من ناجي ولا عشان حازم جاي البيت! امتدت يديه لتسكن رأسها فوق صدره يقبلها قبل يقول بارتياح: "عشان حاجات كتير أولهم إن حازم جاي وآخرهم إني أخيرًا مطمن على كل اللي حواليا." همست باستفهام: "حاسة إنك تقصد عمتك وبناتها؟ "دول أكتر ناس كنت قلقان عليهم. بس عشان عمتي اتظلمت كتير ربنا عوضها بهارون." رفعت رأسها تناظره قبل أن تقول باستفهام: "قد كده هو كويس؟ "سالم" بخشونة:
"من أول ما عرفته كان عندي إحساس إنه مش وحش أو على الأقل مش شبه أبوه، بس الحقيقة موقفه الأخير أكد لي إحساسي ده." عودة لما قبل شهر من الآن. أظلم العالم من أمامه ولم يعد يحتمل تلك الجمرة المدفونة بين طيات قلبه، لذلك حسم قراره وتوجه إلى غرفة المكتب ليجد الجميع محتشد، الأعصاب مشدودة، والبحث مستمر عن جنة بكل السبل الممكنة. "أنا عرفت جنة فين." تجمد الجميع للحظات ليهب سليم من مكانه متوجهًا إلى هارون يصيح بلهفة: "بتقول إيه؟
هارون بثبات: "بقول عرفت جنة فين؟ صاح طارق بجفاء: "ما تنطق يا عم فين؟ هارون بجفاء ينافي لوعته الداخلية: "ناجي الوزان مات." زمجر سالم بشراسة: "كنت حاسس." هتف سليم بحنق: "قولتلك قولتلي جنيدي بعتلي الفيديو بتاع اليخت وهو بيتحرق." تجاهل صفوت كل شيء واقترب من هارون فقد لاحظ حالته ليقول بهدوء: "هارون. أنا عارف اللي جواك وحاسس بيك. بس أنت راجل مؤمن، وده ابتلاؤنا." أومأ برأسه ولا يزال يقف بشموخ قائلًا بجفاء:
"الفيلا اللي خدني عليها أول ما عرفت إنه أبويا. على طريق (... هو موجود هناك." هتف ياسين باستفهام: "وعرفت منين؟ تجاهل نظرات الشك التي تقطر من نظراته وقال بجفاء: "هو اتصل عليا، وعايزني أروحله." عمار بغضب: "والكلب ده عايزك تروحله ليه؟ ياسين باستفهام: "سيبك من عايزه يروحله ليه؟ اللي أهم من كده هو إنه جاي يقولنا عادي كده! شعر سالم بما يحمله هذا الشاب من قهر لذلك قال بصرامة أخرست الجميع: "ولا كلمة. تعالي يا هارون."
تقدم هارون منه ليقف سالم بجانبه موجهًا حديثه الصارم للجميع: "كلنا هنا في مركب واحدة، وهارون واحد منا، ومش هسمح بأي تلميح لشيء مش كويس وقتها هعتبره غلط فيا أنا شخصيًا." صمت الجميع ليبدأ هارون في سرد ما حدث بينه وبين ناجي، ليهتف سليم غاضبًا: "وإشمعنى جنة اللي يفكر يخطفها؟ هارون باختصار: "معرفش." تدخل سالم مفكرًا: "ناجي مش غبي، واتقرص قبل كده لما وثق في شيرين، أعتقد إنه عمره ما هيسلم لهارون، وفي دماغه حاجة."
صفوت بتأكيد: "عندك حق. بس هارون لازم يجاريه، ويروحله." مروان باندفاع: "وإحنا هنسيبه يروح لوحده؟ ياسين بجدية: "أكيد لا طبعًا. جنة لوحدها هناك لازم نلحقها، ده مجنون محدش عارف ممكن يعمل فيها إيه! كلمات ياسين كانت كوقود إضافي فوق نيران قلبه، فهتف بغضب حارق: "أنا مش هستنى خططكم. أنا هروح أجيب مراتي ولو هولع في أي حد يقف في طريقي."
أنهى كلماته واندفع إلى الخارج، وما كاد أن يصل إلى الباب حتى وجد طارق يقف أمامه كسد منيع تزامنًا مع كلمات سالم الصارمة: "مراتك هتيجي بالعقل مش بالتهور يا سليم. اللي أنت بتعمله واللي ناوي عليه ممكن تأذيها." تدخل صفوت مؤيدًا: "سالم عنده حق يا سليم. اصبر نفكر بعقل. ناجي مجنون ولو حس بالغدر وارد جدًا يأذيها." كانت كلماتهما كشاحنة ضخمة تمر فوق قلبه لتمزقه من الداخل، فصاح بصوت هز أرجاء المكان:
"مش قادر أصبر. مراتي لوحدها بين إيدين واحد مختل مبيكرهش في حياته قدنا، وبتقوليلي اصبر. طب أجيبه منين الصبر ده؟ وأنا قلبي بيتحرق في اللحظة ميت مرة من الخوف عليها." أشفق الجميع عليه ليقول هارون بنبرة جافة من فرط الألم والشفقة على حال الجميع: "اطمن. أنا واثق إنه مش هيأذيها. هي مجرد طُعم ليكوا. أو وسيلة ضغط عليا." هتف طارق حانقًا: "في الحالتين لازم نستعد ونعمل حساب كل حاجة." سالم بفظاظة:
"عشان كده أنا موافق على كلام صفوت. هارون لازم يروح وينقلنا كل حاجة بتحصل هناك. أكيد هو واخد جميع احتياطاته." سليم بغضب: "وإحنا لازم نكون وراه. أنا مش هقعد هنا استناه لما ينقلنا الأخبار. مش هقدر أستحمل." سالم بحسم: "ده اللي هيحصل من غير ما تقول." تدخل مروان مستفهمًا: "طب والناس اللي هنا هنسيبهم لوحدهم؟ سالم بنفي: "لا طبعًا." تدخل صفوت قائلًا: "مينفعش يستنوا هنا هما كمان! عمار باستفهام: "تِقصد إيه؟ أجابه صفوت قائلًا:
"لدواعي أمنية لازم نخرجهم من المزرعة بطريقة سرية وآمنة." تدخل عبد الحميد الصامت منذ بداية الحوار: "يبقى ييجوا المزرعة عِندِنا. قريبة ومتأمنة زين، ومحدش هيتوقع إنهم هنا، ده لو شك من الأساس إنهم خرجوا، وانت ياسيادة اللوا بتقول إنهم هيخرجوا بطريقة سرية؟ أيده صفوت قائلًا: "اقتراح معقول، وخصوصًا إنها قريبة مش بعيدة، وده هيسهل علينا الموضوع." هتف ياسين باندفاع: "أيوه فعلًا المزرعة عندنا أأمن مكان ليهم." تحدث سالم
بنبرة جافة يشوبها السخرية: "والله اللي مكتوبله حاجة بيشوفها حتى لو كان فين، وعمومًا أنا موافق على اقتراحك يا حاج عبد الحميد. خلينا نطمن عليهم عشان نشوف هنعمل إيه بعد كده." تساءل مروان باستفهام: "طب هو هينقلنا كل اللي بيحصل هناك إزاي؟ تولى صفوت الإجابة قائلًا:
"عن طريق سماعة صغيرة جدًا هيلبسها هارون في ودنه هيقدر يسمعنا من خلالها، والسماعة دي معاها مايك بردو نفس حجمها هنحطه في هدومه عشان نقدر إحنا نسمع كل اللي بيتقال." هارون باستفهام: "طب السماعة دي متأكد إنها مش هتبان؟ تمتم مروان بسخرية: "هتبان إزاي في ودانك اللي قد الستالايت دي؟ طمانه صفوت قائلًا: "متأكد طبعًا. متقلقش." عودة للوقت الحالي. هتفت فرح باندهاش: "ده انتوا ولا كأنكم كنتوا في فيلم أمريكي." أيدها سالم ساخرًا:
"عندك حق. بس صدقيني لولا تساهيل ربنا مكنتش حاجة تمت." هتفت بلهفة: "الحمد لله. ربنا كبير. أنا منساش اليوم ده طول حياتي. حسيت إن روحي بتروح مني من كتر القلق والرعب وجنة مع الراجل ده." سالم بخشونة: "الحمد لله عدت." استفهمت فرح بخفوت: "سالم أنت قلتلي إنه اتشل من كلام هارون ليه؟ بس مش غريبة إن الكلام اللي قالهوله هارون ده يأثر عليه بالشكل ده! جعد ما بين حاجبيه قبل أن يقول بتفكير:
"كلام هارون كان صعب خصوصًا إنه عرفه إن كل خططه كانت في النهاية في صالحنا، بس أعتقد إننا مسمعناش كل حاجة. بردو هارون بالرغم إن معدنه كويس إلا إنه غامض ومش مفهوم. أنا واثق إنه مخلي حاجة." برقت عينيها بنظرة ذات مغزى وظهر التوتر جليًا على ملامحها، وقد لاحظ ذلك ولكن قبل أن يبدأ بالاستفهام جذبته إلى منطقة أخرى أقل خطرًا حيث قالت مستفهمة: "طب معرفتش بردو مين اللي ضرب نار على ناجي؟
ابتسامة خافتة لونت ملامحه قبل أن يعود بذاكرته إلى ذلك اليوم. عودة إلى وقتًا سابق. "جايك بنفسي عشان آخد حلا بتي يا سالم." هكذا تحدث عبد الحميد وهو يجلس مع سالم بعد مقتل ناجي بأسبوع، فرحب سالم به بحبور: "نورتنا يا حاجة عبد الحميد. اتفضل. تشرب إيه؟ عبد الحميد بنبرة ذات مغزى:
"لا هشرب ولا هاكل. إني جاي آخد حلا، وإنتوا اللي هتيجوا تتغدوا عِندينا. دي الأصول بعد كتب كتاب عمار ونجمة. إني مردتش أعمل أي حاجة إلا لما حلا ترجع تنور بيتها من تاني. إني راجل بعرف في الأصول." قال جملته الأخيرة بنبرة ذات مغزى فأجابه سالم بجمود: "على عيني وعلى راسي عزومتك يا حاج عبد الحميد، بس حلا اختي مش هتدخل بيتكم لا زايرة ولا متزورة." غضب عبد الحميد من حديثه فقال باعتراض: "ليه الحدِّيت الماسِخ ده يا سالم؟
سالم بجفاء: "عشان حفيدك مسابليش أي فرصة للاختيار يا حاج عبد الحميد، وهو اللي حكم على نفسه بكده." عبد الحميد بحدة: "تِقصد إيه؟ أوعاك تكون بتتكلم في طلاق يا سالم؟ لله إني كده هغير نظرتي فيك؟ سالم بفظاظة: "نظرتك فيا تخصك لوحدك، والأصول اللي كنت بتتكلم فيها من شوية دي من باب أولى كنت تعرفها لحفيدك، لأنه لو كان عمل بيها مكنش وصلنا للنقطة دي! تعاظم غضب عبد الحميد من طيش حفيده وأفعاله النكراء، فحاول الضغط على سالم
بطريقة كانت أكثر من خاطئة: "معاك إن حفيدي غلط، بس أنت راجل عقلك يوزن بلد، وأكيد مش هتسيب غلطة زي دي تخسرنا بعض. إحنا في بينا نسب تاني. أوعاك تنسى! سالم بتعقل: "لا مش ناسي، وبعيد عن أي حاجة انتوا نسايبي وأهل الغالية." احتدت لهجته وأصبحت خطرة حين أردف: "لكن اختي خط أحمر، وعمري ما هتهاون في حقها أبدًا." زفر عبد الحميد حانقًا، فتابع سالم بتقريع:
"بناتكوا هنا بيتعاملوا أحسن معاملة. متشالين فوق الراس محدش بيدوس لهم على طرف. سليم لما زعل جنة أنا وقفتله. لكن حفيدك لما جه على اختي محدش وقفه، وأنا اديته فرصة وهو من غبائه ضيعها." عبد الحميد باستفهام: "فرصة إيه؟ "لما روحت آخد حلا. مردتش آخد اختي من بيته غير لما تستأذن منه، واتجاهلت شكل اختي اللي كان واضح أوي هي حزينة قد إيه؟ والبه عمل إيه؟ قفل تليفونه ومردش عليها. كدا هو قطع على نفسه كل الطرق للصُلح."
كان يلعن ياسين بداخله ولكنه لم يفصح عن ذلك، فقد أوقعه هذا الثعلب في فخ محكم لا مخرج منه إلا بأعجوبة، لذا تحدث بجفاء: "لكن ياسين وجت الجد وجف معاكوا. كلياتنا وجفنا جاركوا." "عارف، وبغض النظر عن إن جنة بنتكوا انتوا كمان، لكن ده دين في رقبتي ليكوا اختي مش هتسدده. أنا اللي ملزم بيه. كفاية أوي ظروف جوازها اللي أنا لحد دلوقتي مش راضي عنها." عبد الحميد بنفاذ صبر: "طب والحل إيه دلوقتي؟ سالم بجفاء:
"مفيش أي كلام قبل ما حلا تقوم بالسلامة. صحتها هي واللي في بطنها أهم من أي حاجة في الدنيا، وبعد ما أطمن عليها اللي هي عايزاه هعمله." عبد الحميد باستفهام ماكر: "حتى لو قالت إنها رايدة ياسين! سالم بجفاء: "حتى لو قالت عايزة نجمة من السما. أهم حاجة عندي راحتها، وإنها تكون مبسوطة. أنا مش ظالم يا حاج عبد الحميد." أومأ عبد الحميد باستحسان ليقينه من أنها تعشق حفيده، لذا قال بارتياح:
"وأني واثق من أكده، وعارف إنك عادل وتعرف ربنا، عشان كده كنت رايد أشيل عن كتفك الحمل! أضرمت جملته نيران الفضول بقلب سالم الذي قال باستفهام: "تقصد إيه؟ لم يكد ينهي جملته حتى طرأ على باله هاجس فهتف مستفهمًا: "أنت اللي قتلته! عبد الحميد بتأكيد:
"أيوه. كنت عارف إنك مش هتقدر تعملها، ولا حد منكم هيقدر يقتله، لو كنت هتقدر كنت عملتها من زمان، لكن إني راجل صعيدي ودا تاري والتار حدانا ميخلصش غير بالدم، وأدينا خدته وريحت العالم منه." عودة للوقت الحالي. طال صمته فقالت باستفهام: "سالم. سرحت في إيه؟ خبأ هذا السر بصدره لذا تجاهل استفهامها الأول وجذبها معه في عالمه الوردي حين قال: "فيكِ. بقى كل الجمال ده قدامي وعايزاني مسرحش فيه؟ نثر الخجل وروده فوق ساحة وجهها
الصبوح لتهتف بنبرة خافتة: "مش ملاحظ إنك بقيت تعرف تثبتني! طافت عيناه على ملامحها بعشق كبير قبل تقسو أنامله على خصرها الرقيق وعيناه تخترقان أعماق قلبها بغمزة عابثة تشبه كلماته حين قال بهسيس خشن: "وأنتِ مش ملاحظة إنك عمالة تحلوي أكتر وأكتر." ابتهجت لغزله الذي يعزز من غرورها الأنثوي كثيرًا ويضاعف ثقتها بنفسها، لذا هتفت بنبرة عاشقة: "عيونك عشان حلوين بس شايفني حلوة." عض على شفتيه قبل أن يقول بنبرة خشنة:
"طب بقولك إيه. الواد سليم عايز أخ ما تيجي... "لااااااا." هكذا قاطعته صارخة بقوة ليحاول قمع ضحكاته بصعوبة حين صاحت بحنق: "أنا لسه ما صدقت إن البيه بدأ نومه ينتظم. دنا كان فاضلي تكة وأتحول زومبي من كتر السهر. انسى الموضوع ده عشر سنين قدام." يروق له غضبها وخجلها وانفعالها وكل شيء منها، لذا قال باختصار: "هنشوف." التفت يستكمل ارتداء ملابسه في حين بدأت بالتخبط مجددًا قبل أن تبغته باستفهام شائك: "بقولك إيه؟
هو أنت مفكرتش في مصير لبنى وحازم؟ التفت يناظرها بترقب وعينين التهمت تخبطها ببراعة ليقول بجفاء: "إزاي؟ نظفت حلقها وحاولت أن تجعل نبرتها ثابتة حين قالت: "يعني أنت وعدت لبنى إن الوضع مش هيطول، فعشان كده بسألك ناوي تطلقهم إمتى؟ كلماتها أشعلت هياجًا عظيمًا بداخله وبددت صفاء عينيه بغيوم غاضبة وربما حزينة، ليقول بجفاء: "هي اتكلمت معاكِ؟ "فرح" بخفوت: "لا. بس... قاطعها بقسوة: "يبقى متدخليش في اللي ملكيش فيه. أنا نازل."
أوقفته حانقة: "سالم." حانت منه التفاته بسيطة حين تابع: "السواق هييجي دلوقتي عشان ياخدك أنتِ والبنات ولو حابين تروحوا المزرعة عند جدك معنديش مانع." أنهى جملته وخرج صافقًا الباب خلفه، ولكن لم يفتها تلك النظرة المشجبة التي ملأت عينيه وكأنه أحدهم نثر رماد الحزن في سمائه لتنطفئ نجومه اللامعة ويمتطي بريقها، فشعرت بالأسى لأجله وهتفت بقلق: "استرها من عندك يارب وعديها على خير." "ما تبطل عياط ياد يا ابن الزنانة."
هكذا هتفت مروان وهو يحمل سليم الذي كان يبكي كثيرًا حتى ضاق ذرعًا من بكائه فلم يعد يحتمل وتابع حانقًا: "طبعًا أنت أمك مسلطاك عليا عشان تقرفني وهي مستفردة بالراجل اللي حيلتنا فوق." ازداد بكاء الرضيع فتدخلت ريتال قائلة بتقريع: "في حد يقول لطفل الكلام ده يا عمو؟ مروان بسخط: "وهو انتوا أطفال يا عين عمو!
ده إحنا لو مستلقطينكوا من الأحداث مش هتبقوا كده. اتنيلي وروحي هاتيلي طبق محشي من جوه خلينا ناكل الواد ده هتلاقيه جعان أنا عارف." ريتال بصدمة: "بتقول إيه يا عمو! طفل عنده تلت شهور تأكله محشي! مروان بصياح: "إيش فهمك أنتِ يا اللي مش باينة من الأرض. أنا وأنا قده كنت بفطر مكرونة بشاميل وبتغدى محشي. عايزينه يطلع راجل كده مش عيل خرع." ريتال باندهاش: "بجد يا عمو! إزاي ده؟ مروان بإقناع: "يا بنتي هو أنا هكذب عليكِ!
طب اسألي عبده موته أبوكي. فكراك هو بقى زي البغل كده من السيريلاك! ده اتفطم على صوباع ممبار يا ماما." بهتت معالم الصغيرة من حديثه فتابع موجهًا كلماته الساخرة إلى ذلك القادم من الخلف: "أهو عندك عمك هارون اقطع دراعي لو مكنش راضع فتة، ومفطوم على كبد وكلاوي بني آدمين. لا ومش أي بني آدمين! دي ناس مليون في المية كانوا عندهم اكتئاب مزمن. ماهي التكشيرة اللي مصدرهالنا طول الوقت دي مش طبيعية."
طالعه بحنق قبل أن يكمل حديثه ساخطًا: "هيجب لنا الفقر هو والمخفية سما مراتي." هارون بجفاء: "أنا مصدع ومش طلباك يا مروان." مروان بتهكم: "بقولك إيه مصدع ولا مش مصدع أنت من يوم ما شوفنا سحنتك وانت مكشر كده. مش عايزين حجج فارغة." أنهى كلماته حين شاهد جنة التي كانت تتوجه للخارج برفقة سليم ليقول بصياح: "الخرابية بتاعتنا رايحة فين؟ صاحت تشاكـسه: "مالكش فيه." مروان بحدة:
"بقولك إيه يا ولية أنتِ الخمسين ألف جنيه بتوع الهدية اللي انكسرت دول هيتخصموا من ورث جوزك. أنا بقولك أهو." قهقهت بسعادة قبل أن تقول لتغيظه: "يالا يا بخيل يا جلدة." مروان بغضب: "قصدي مدبر وبيحافظ عالقرش. مش مبذر زيكوا. هتتسخطوا قرود يا بت." هتف سليم حانقًا: "طب ارجع لخبطله معالم وشه ده ولا إيه؟ جنة بلهفة: "هدي نفسك يا سولي، وخلي الموضوع ده ليوم تاني عشان أتفرج عليك وانت بتغيرله ديكورات وشه." سليم بنبرة عاشقة:
"سولي دي بتودي أمي في داهية." التقمت أذن مروان كلمته الأخيرة فصاح مذعورًا: "داهية إيه نهاركوا أزرق." التفت إلى هارون قائلًا باستفهام: "هو مش أبوك مات يا ابني. داهية إيه تاني؟ أنا هحجز طيارة وأروح لـ دولت كدا كتير. الله يخربيت اليوم اللي رجعت فيه." لم يفلح الجميع في قمع ضحكاته على حديث مروان حتى هارون المتجهم الذي تبدلت ملامحه حين شاهد لبنى التي تهبط الدرج فصاح مروان يناديها بخبث:
"بت يا لولي. تعالي جنبي نندب شوية، وياريت تنادي سما بتحب الأجواء دي أوي." ارتسمت ضحكة صافية على ملامحها قبل أن تقول بهدوء وهي تحاول أن تتجنب نظرات ذلك النمر الموجهة صوبها: "حاضر. شوية وراجعالك." تبدل جمود نظراته إلى نيران مشتعلة التقمها ذلك الماكر فهتف بتخابث: "وماله. استناك يا جميل. دي أحلوت عالآخر." لم يفلح في قمع كلماته حين هدر بعنف: "أنت يا ابني ما تتلم، وتحط حدود شوية في التعامل." مروان بسلاسة وهو يجلس فارداً
قدميه بارتياح: "أنا صايع وكل اللي هنا عارفين. خلي حدودك لنفسك ياخويا، وبعدين الحدود دي تتحط لأمثالك أنت وأبو قردان اللي كل شويه ناططلنا ده." كان يقصد عمار الذي دلف إلى القصر لتوه ليستقبله طارق القادم من الأعلى ويتوجه به إلى حيث يجلس مروان وهارون وريتال التي كانت تلاطف الصغير الذي صرخ باكيًا فحمله مروان وهو يقول بسخرية: "حبيبي يا ابني. اتخضيت انت كمان. حاسس بيك يا حبيب عمك. ماهي كده إذا دخلت الشياطين اتخضت الملائكة."
ريتال بتصحيح: "على فكرة المثل كده غلط يا عمو." مروان بحنق: "قومي اخفي من وشي يا بت أنتِ." "دقت على باب الغرفة فجاءها صوته يأمرها بالدخول، لتقوم بفتح الباب وتدلف إلى الداخل، فقابلها بابتسامة هادئة وهو يقول بخشونة: "أهلًا بـ دكتورة المستقبل. تعالي يا لبنى ادخلي." انشرح صدرها بلقبه الذي ما انفك يناديها به، لتتقدم إلى الداخل وداخلها يتمنى لو يسير كل شيء على ما يرام.
جلست أمامه على المقعد وأخذت تناظره بصمت لم تفلح في قطعه، ليُبادر هو بالحديث قائلًا: "إيه أومال البنات فين؟ مش مفروض هتتغدوا بره النهاردة؟ أومأت بصمت والحروف تتأرجح فوق شفتيها ما بين الذهاب والعودة، لتقرر أن تبوح بما يعتمل بداخلها حين صاحت بلهجة مرتجفة: "انت عايزني أخرج معاهم عشان مش أشوفه صح؟ تفاجئ للحظات من حديثها ولكنه كان فرصة عظيمة لن يفوتها، لذا قال بهدوء: "أنتِ عايزة تشوفيه؟ هتفت بلهفة: "لا."
انطفأ بريق الأمل بداخله ولكنه ما زال يحاول التمسك بحبال الصبر، لذا قال بنبرة هادئة: "طبعًا ده حقك، وأنا في بداية كلامنا عايزك تعرفي إني عمري ما هجبرك على حاجة. أنا معاكِ في كل اللي أنتِ عايزاه." رغمًا عنها خرج نفس قوي من أعماقها فقد أراحتها كلماته إلى حد كبير، ليندهش سالم قائلًا: "أنتِ كنتِ عندك شك في كلامي ده؟ "لا. مش كده. بس كلامك طمني أكتر." سالم بتفهم:
"لا اطمني، واطمني أوي كمان. بس في شوية حاجات عايزك تحطيها في اعتبارك، وأنتِ بتفكري في اللي جاي." لبنى باستفهام: "حاجات إيه؟ استعاد حديثه مع جرير الذي برر ما حدث قائلًا: "مقدرتش أمنعه إنه يشوفكوا حتى لو من بعيد يا سالم. حازم بقى أحسن مما تتخيل. لدرجة إني مقدرتش أزعله ولا أكسر بخاطره لما شوفت في عينيه قد إيه انتوا وحشوه." أكد حديث جرير محاولته في الدفاع عن جنة وتضحيته بحياته في سبيل إنقاذها، لذا تحدث سالم بخشونة:
"حازم اتغير أوي يا لبنى. مبقاش الشاب المستهتر بتاع زمان. لا. ده بقى راجل بمعنى الكلمة. راجل تقدري تعتمدي عليه." لمح بوادر الخوف على ملامحها فقال بلهجة هادئة: "للمرة التانية أنا مش هجبرك على حاجة. بس حبيت تعرفي ده. حازم اتربى من أول وجديد أنا نفسي مكنتش مصدق إن ده حازم أخويا. عايزك تفكري وتستخيري ربنا قبل ما تقرري أي حاجة بخصوص موضوعك أنتِ وهو."
كانت تود الصراخ بأنها تريد الخلاص، ولكن كلماته كممت فمها، فقد لمحت بعينيه طيف من التوسل ألا ترفض حديثه، وقد كان هذا يفوق توقعاتها، فهي عهدته قوي صارم دائمًا، لذا امتنانًا لما فعله معها لم تنطق بشيء، فقط هزة بسيطة من رأسها لتقوم من مكانها متوجهة إلى باب الغرفة لتتجمد بمكانها حين سمعت كلماته التي أصابتها في مقتل: "على فكرة يا لبنى حازم مقربلكيش. اللي عمل كده سعيد."
"حانت اللحظة المرتقبة للجميع، فقد كان يخطو إلى المزرعة وبداخله زوبعة من المشاعر يتوجها اللهفة ويعانقها الشوق، يغلفهم الندم على كل ما اقترفه من آثام أبعدته عن أحبائه. كان أن خطا أول خطواته إلى داخل المزرعة حتى شعر بأن نسمات هوائها العليلة لفحته ليأخذ نفسًا قويًا مريحًا ملأ رئتيه، فحتى هواء بيته مختلف. امتدت يد جرير تربت بقوة فوق كتفه وهو يقول محفزًا: "إيه يا عم. ما تيالا اتشجع كده. ده الحبايب متجمعين كلهم مستنيينك."
التفت يناظره بأنفاس متسارعة وابتسامة مهتزة من ردة فعل الجميع، ولكنه لم يعلق بل أخذ يواصل تقدمه ليتفاجأ بتلك التي شقت نهنهات الفرح جوفها وهي تراه قادمًا أمامها، فلم تعد قادرة على الصبر إذ تركت يد سالم وتوجهت إليه تقابله بلهفة أم عاد غائبها وُشفي مريضها وكبر صغيرها وأخيرًا اهتدى ذلك الضال الذي أدمى قلبها ألمًا، ليندفع هو الآخر وصوت نهنهات يخترق آذانهم ليتقابل الاثنين في عناق قوي تلاحمت به الأجساد والقلوب التي علت آهاتها وتحولت إلى نحيب، فأخذ حازم يضم والدته بقوة وهو يقول
من بين عبراته الغزيرة: "سامحيني يا أمي. سامحيني يا غالية. حقك عليا." أجابته أمينة بحرقة من بين أنهار الوجع المتساقط من بين مآقيها: "وحشتني يا نور عين أمك." أخذ يقبل يديها وكتفيها وذراعيها وهو يهتف بحرقة: "حقك عليا يا غالية. حقك عليا يا ماما. أنا بحبك أوي والله." تفاجأت حين ترك يديها وسقط يقبل أقدامها وهو يقول بقهر تُكلله عبرات الندم: "سامحيني يا غالية. سامحيني. أنا آسف والله. أنا آسف يا ماما."
ارتمت بجانبه تحتضنه بقوة وهي تهتف بحرقة وتأثر من فعلته: "مسمحاك يا قلب أمك. مسمحاك."
عانقها بقوة وداخله ينتفض ألمًا وندمًا وشوقًا، فقد حُرم من دفء أحضانها التي تحوي براح العالم أجمع، بينما حشر نفسه في تلك الدنيا الفانية لاهثًا خلف ملاذات زائفة لا تساوي مثقال ذرة أمام شعوره الآن بين ذراعي والدته، فاراح رأسه فوق صدرها ليستكين صدره، ليتفاجأ حين وجد ذراعين قويتين لشقيقه الأكبر وهو يعانقهما والدمع يتساقط من بين مآقيه، وقد كانت هذه هي المرة الأولى الذي يراه بها يبكي، فاقترب منه يمسك كفه يقبله بندم تجلى في
نبرته ودموعه التي لا تنضب: "سامحني يا سالم. سامحني يا أخويا وأبويا وكل حاجة."
جذبه سالم إلى أحضانه، فرغمًا عن كل شيء فهو طفله الأول وشقيقه الأصغر قطعة من روحه، أجبره واجبه ومبادئه على نفيه وإبعاده حتى يختبر مرارة أفعاله ويحصي نتائجها، ولكن الآن هُزم أمام عبرات أخيه وندمه، ورغمًا عن كل شيء لم يستطع إلا أن يحتويه بداخل أحضانه، ولكم كان ذلك الواقف بعيدًا يتمنى لو يعانق شقيقه بقوة ويخبره بأنه يفتقده، يشتاقه، ولكنه لا يجرؤ على السماح، ولكم كان ذلك مؤلمًا، فهو شقيقه الأصغر من تربى على يديه، ولكنه للأسف لم يُحسن تربيته، لذلك لم يحمله الذنب وحده فقد تشارك الجميع في هذا الذنب، لذا حين اقترب منه حازم
يقول بخزي ونبرة متوسلة: "مش هقدر أقولك سامحني. عشان عارف إنه صعب. بس هقولك حاجة واحدة بس. لو مت هيكون تمن راحتك أنا موافق. والله موافق يا سليم، وهكون مبسوط كمان... لم يكمل جملته فقام سليم بجذبه داخل أحضانه بعنف وهو يبكي هو الآخر، فقد تغلبت مشاعره على غضبه ولم يستطع إلا أن يقول بلهفة: "بعد الشر عنك."
وضع بين شقي الرحى من ناحية غضبه وغيرته مما حدث في السابق، ومن ناحية أخرى مشاعره تجاه شقيقه الذي يحتضنه بقوة وكأنه القشة التي ستنقذه من الهلاك. "يالا ندخل جوه. الحرس حوالينا في كل مكان." تراجع سليم، ولكن يد حازم لم تفلته بل ظل متمسكًا به ليهتف بخفوت: "ادخل البيت يا سليم ولا لا؟ تدخلت أمينة بلهفة: "طبعًا تدخل يا حازم ده كلام؟ "لو سمحتي يا ماما." "مش هدخل غير لو سليم قالي ادخل." التفت إلى سليم قائلًا بابتسامة هادئة:
"لو مش عايزني أدخل أنا مش زعلان. أنا كفاية عليا إني شفتكوا. مش عايز حاجة من الدنيا تاني." حاول منع تلك الغصة التي تشكلت في حلقه وهو يقول بنبرة متشرجة: "ادخل يا حازم." توجه سالم يعانق شقيقيه وهو يأخذ كل واحد منهما تحت ذراعيه قائلًا بنبرة حاول صبغها بالمرح: "يالا منك له وحشتني قعدتنا سوا. أنا فضيتلكوا البيت كله عشان ناخد راحتنا."
ابتسم حازم بسعادة محاولًا تجاهل مرارة الندم التي تمتد من الحلق إلى القلب، وحاوط والدته بيديه ليتوجها إلى الداخل، فإذا به يجد شقيقته تحاول أن تتقدم منه ببطنها المنتفخ، فهرول هو إليها خوفًا من أن يصيبها مكروه ليحتويها بين ذراعيه بقوة ويقبل رأسها وسط عبرات غزيرة توحي بمقدار الندم والشوق من جهته، وقد كان له نصيبًا كبيرًا من ذلك الشوق بقلبها، فهتفت قائلة: "مش مصدقة إني شايفاك قدامي." حازم بندم:
"سامحيني يا حبيبتي. أنتِ كمان اتأذيتي بسببي." حلا بلهفة: "أوعى تقول كده تاني. أنا أفديك بروحي يا حازم. أنت روحي أصلًا." بعد وقت قليل تجمع الأشقاء لأول مرة منذ زمن بعيد، فقد كانت عيني أمينة تناظرهم بعدم تصديق، هل حقًا ما تراه؟ هل تجمع أبناءها فلذات كبدها معًا مرة أخرى؟ رفعت رأسها إلى السماء وهي تهمس بخفوت: "أحمدك يارب وأشكر فضلك. نولتهالي قبل ما أموت." "إيه يا أم سالم؟ مش هتشوفي الأكل جهز ولا إيه؟
حازم أكيد وحشه أكلك." أضاف حازم بلهجة ودودة منكسرة: "لا وحشني. أنا مدوقتش حاجة حلوة من بعده." تناثرت عبراتها بشدة وهي تحاول النهوض بمساعدة حلا التي تلقت نظرة ذات مغزى من سالم، لتقول أمينة بلهفة: "عيني. طبخالك كل حاجة بتحبها." دلفت أمينة إلى الداخل بينما سالم نصب عوده واقفًا وهو يقول بمزاح: "هروح أشوف سليم الصغير صاحي ولا لا؟
فرح ما صدقت جبناله مربية عشان تساعدها، هربت وسابته للغلبانة اللي فوق أكيد جابلها انهيار عصبي." أومأ حازم بابتسامة حانية ليخرج سالم تاركًا الشقيقان بمفردهما، فلابد أن هناك ما يقال بينهم، ولكن بالرغم من ذلك فقد دام الصمت لدقائق فقط، نظرات متبادلة ليتحمحم سليم قائلًا: "عامل إيه؟ حازم بهدوء: "الحمد لله." أومأ سليم بصمت فأردف حازم بلهجة مشجبة: "طمني عليك؟ سليم باختصار: "بخير الحمد لله."
كان هناك الكثير مما يختبئ خلف ذلك الصمت، الذي قرر حازم قطعه قائلًا بابتسامة بسيطة: "مش أنا بقيت بصحى أصلي الفجر كل يوم؟ ابتسم سليم بهدوء قبل أن يقول باندهاش: "بجد! حازم بلهفة: "آه والله. ده أنت مش هتصدق. أنا كمان بقيت بصلي القيام، حتى أنا ختمت المصحف أربع مرات الشهر اللي فات مرة في القيام، ومرة قراءة، وبقيت أحفظ كمان، وبصوم."
كانت لهفته في الحديث لها وقع قوي على قلب سليم الذي يشعر بأن من أمامه هو ذلك الفتى الذي لم يبلغ من العمر الخامسة عشر قبل أن تشوهه الحياة. نعم هي تلك البراءة وذلك النقاء الذي يشع من عينيه ونبرته الهادئة في الحديث، وابتسامته البسيطة. ترى هل بعض الدلال يفسد المرء ليحوله إلى وحش! التغافل عن أخطاء يظنها البعض بسيطة قد يخلق إنسانًا جاحدًا لا يبالي لأحد!
وهل الإفراط في العطاء ينمي بذرة الأنانية والجشع في النفوس إلى هذه الدرجة؟ كلها أخطاء في ظاهرها بسيطة ولكنها يمكن أن تؤدي إلى كوارث كالذي حدث مع شقيقه الذي قرر الآن أن يعطي نفسه فرصة لمسامحته، لذا قال بلهجة ودودة: "ما شاء الله. فرحتني أوي." حازم بنبرة تقطر ندمًا: "ياريت أكون سبب فرحتكم ولو مرة واحدة. مش عايز غير كده." حاول تجاهل تلك الغصة بقلبه وقال بلهجة خشنة:
"خليك على الطريق اللي أنت ماشي فيه ده، وإن شاء الله مش هيحصل غير كل خير. مفيش حاجة في الدنيا دي أحسن من إن الإنسان يكون مع ربنا. إحنا أصلًا اتخلقنا عشان نعبده." حازم بتأثر: "ونعم بالله. تعرف لما كنت بتقولي الكلام ده زمان. كنت بتضايق وبتخنق. بس دلوقتي أنا حاسه لدرجة إن قلبي بيدق لما بسمعه." ابتسامة هادئة لونت ثغر سليم قبل أن يقول: "ربنا يهديك كمان وكمان وينور بصيرتك." "أمين يارب العالمين."
هكذا أجابه حازم ليقرر سليم البدء في الحديث لذا قال بهدوء: "طبعًا أنا لازم أشكرك عشان أنقذت حياة مراتي." لم يريد حتى ذكر اسمها أمامه وقد تفهم حازم الأمر فقال بخفوت: "متشكرنيش أنا كان لازم أعمل كده." لم يطل في الأمر إنما تابع حديثه قائلًا: "أنا عارف طبعًا إن ماما وحشاك و بيتك كمان واحشك، ومن حقك ترجع تعيش هنا تاني، وعشان كده أنا هاخد مراتي وأمشي." تفاجأ حين أجابه حازم مازحًا: "إيه يا عم ارجع فين؟
ارجع أعيش في البيت الكئيب بتاعكم ده! لا يا سيدي أنا ليا خططي. اقعد أنت في بيتك براحتك. أنا ناوي أعمل بيت ليا لوحدي، وانتوا ابقوا تعالوا زوروني فيه وبالمرة تدوقوا أكلي. أخوكم بقى شيف قد الدنيا." اندهش من طريقة حديثه ومراعاته لشعوره، وأيضًا كيف أنه حول الأمر إلى مزحة حتى ينهيه بلباقة، فوجد نفسه يبتسم بهدوء قبل أن يقول: "والله أنت فاجئتني بالموضوع ده." حازم بمزاح: "ولسه هتنبهر لما تدوق."
على غفلة منه وجد نفسه يشاطره مزاحه قائلًا: "ربنا يستر ومنتسممش كلنا." ارتج صدره حين وجد سليم يبادله المزاح فهتف وابتسم قائلًا بلهفة: "لا متخافش. والله أنا مبكذبش عليك. أنا فعلًا بقيت بعرف أطبخ. أنا اتغيرت أوي يا سليم، وأوعدك مفيش أي حاجة هتيجي من ناحيتي تضايقك تاني. أو تضايق أي حد فيكم." لهفته وتوسل عينيه يوحيان بصدق حديثه، لذا رفع يديه ليربت بقوة فوق ساقه وهو يقول بلهجة يشوبها الحنان:
"مصدقك يا حازم، وأنا أوعدك إنك هتلاقيني جنبك لو احتاجتني في أي وقت." كان هناك رغبة قوية تنازع داخله ولا يجرؤ على البوح بها، ولكن كلمات سليم شجعته ليقول بخفوت: "أنا عارف إني ماليش عين أطلب منك حاجة. بس... بس في حاجة. أنا. كنت. كنت. نفسي أطلبها منك." تحفزت جميع خلاياه وتقاذفت دقاته ليقول بترقب: "اطلب." حاول اختيار كلماته وداخله يرتعب من الرفض ليقول بتلعثم: "كنت... كان نفسي... بعد...
إذنك يعني. لو وافقت. ينفع أشوف محمود؟ يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!