تحميل رواية «انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ما حيلة قلبٍ اضناه شوقه إن كُتب على جبينه الفراق؟ لم يختر بإرادته نيران الجوى إنما باغته ونال منه سهمه الأفاق فثار وعصى وعلى نهجه لم يأبَ الإنسياق فخاب وخسر ولم يعد أنين قلبه أمرًا يُطاق ولكن المحبوب بات يتألم واكتوى فؤاده بنار الجور وضاق فهل كل الذنوب يمكن تكفيرها؟ وهل كل القلوب تُحسن الإرفاق؟ فالعشق داء لا يفلح معه دواء ولا يُداوي شجونه سوى التلاق ولكن الغفران بات شيئًا مستحيلًا وأصبح دربه وعرًا تملؤه الأشواك وصار تآلفنا حكاية كُتب على نهايتها الفراق. "أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من ج...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الأول 1 - بقلم نورهان العشري
ما حيلة قلبٍ اضناه شوقه
إن كُتب على جبينه الفراق؟
لم يختر بإرادته نيران الجوى
إنما باغته ونال منه سهمه الأفاق
فثار وعصى وعلى نهجه لم يأبَ الإنسياق
فخاب وخسر ولم يعد أنين قلبه أمرًا يُطاق
ولكن المحبوب بات يتألم
واكتوى فؤاده بنار الجور وضاق
فهل كل الذنوب يمكن تكفيرها؟
وهل كل القلوب تُحسن الإرفاق؟
فالعشق داء لا يفلح معه دواء
ولا يُداوي شجونه سوى التلاق
ولكن الغفران بات شيئًا مستحيلًا
وأصبح دربه وعرًا تملؤه الأشواك
وصار تآلفنا حكاية كُتب على نهايتها الفراق.
"أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من جديد وأقدم لكم حازم بيه الوزان! حلوة المفاجأة دي؟"
برقت الأعين وتوقفت الأنفاس بمنتصف الصدور وتجمد الجميع بذهول، فعَمّ صمتٌ مُريع المكان لم يقطعه سوى ذلك الصوت المُرتجِف الآتي من خلفهم.
"حااازم!!!"
كانت مفاجأة من العيار الثقيل حتى كاد كلًا منهما يظن أنه يتوهم، إلى أن أتاهم صوت أمينة المرتجف والتي لم تصدق ذلك الرجل حين أرسل سيارة دفع رباعي لتأتي بها كي ترى بعينيها حقيقة كونه على قيد الحياة.
"ماما.. أنتِ جيتي هنا إزاي؟"
كان هذا صوت سالم الذي كان أول من استفاق من صدمته إثر رؤيته لوالدته التي لم تكن عينيها ترى سوى ذلك الذي شيّعته ذات يوم بدماء عينيها، لتجده أمامها ملقى أرضًا تكبّل يديه أصفاد الذل، منحني الظهر، فأخذت تجر خطوات سلحفية تجاهه وداخلها نزاعات مريرة وصراعات قوية. هل تفرح برؤيته وبأن المعجزات التي لم تجرؤ على تمنيها يومًا قد حدثت بالفعل؟ أم تحزن على فيضانات الدمع والوجع التي ذرفتها حزنًا عليه؟ أم لتلك الكوارث التي تسبب بها لهم وكلفتهم الكثير لتنظيف آثارها؟
"هو أنا مقلتلكش؟ مش أنا كل الكلاب دول مكنش عندي ثقة في ولا واحد فيهم."
هكذا تحدث ناجي وهو يشير للجميع، ثم أردف بلهجة ساخرة مطعمة بالشماتة: "فقلت في عقلي بالي يا واد يا ناجي خلي الكارت الرابح بتاعك للآخر، وأهو منها تعمل عمل إنساني وتلم شمل العيلة المتبعترة دي..."
اخترقت كلمات ناجي الساخرة عقل سالم الذي كانت عيناه تتفرق بين والدته وشقيقه المنكث الرأس بخزي يوحي بأن ثوبه ليس نظيفًا وأن له يد فيما يحدث معهم.
"وطبعًا الجمعة الحلوة دي متنفعش من غير ماما أمينة.. ست الستات.. الغالية مرات الغالي.. قولت لازم أكون أول واحد يقولك الخبر السعيد."
"مس... مستحيل.."
همس خافت انبثق من بين شفتيها مع أنفاسٍ مُتهدِّجة، ملامح مُرتجفة بأعين تهتز من ثقل العبرات بين جفونها، نظرات مصعوقة غير مصدقة ما تراه، وصدر يعلو ويهبط لا تعلم إن كان ألمًا أم ذعرًا.
كانت تلك هي الحالة المسيطرة على جنة التي كانت تضم صغيرها إلى صدرها الذي تعدت دقاته المليون دقة في الثانية الواحدة، مما جعل عقلها يغيب عن العمل. فلم تشعر بيد سليم القوية وهي تحتضنها، بينما انغرزت أنامله في كتفها بعنف غير مقصود، فتلك كانت أول إشارة أرسلها عقله هو حمايتها حتى من نظرات قد تلمحها لرجل لا يعلم في تلك اللحظة هل يحبه أو يكرهه؟
"حا.. حازم.. أنت هنا صح؟ أنا مش بيتهيألي؟ أنت.. عا.. عايش؟"
صفوت، هِمت، مروان، طارق، عمار، أحمد، سهام، نجمة، تشارك الجميع الشعور في تلك اللحظة ما بين الدهشة، الذهول، الخوف، والترقب. وانحبست الأنفاس بصدورهم وشعاع نظراتهم مُسلط على ذلك الذي كانت عبرات الخزي تتساقط من عينيه حتى بللت الأرض أسفله. وقد أصاب حديث والدته منتصف قلبه الغارق في وحل ذنوبه، فعلا صوت شهقاته حتى اخترق آذان الجميع، من بينهم أمينة التي تقدمت إلى أن أصبحت على مقربة من حازم. ثم همست بصوتٍ محشو بالوجع:
"رد عليا وقول إنك عايش، والكلب ده كان خاطفك وإنه مكنش بمزاجك؟ رد عليا يا حازم.. كلامي صح.. مش كده؟"
"الله يخربيتك انت لساك عايش؟"
هكذا تحدث عمار بغضب، فتعالى صوت بكائه الذي كان نشازًا على أسماعهم التي اخترقها زئير قوي لسالم الذي قال آمرًا:
"قوم اقف على حيلك.. وبطل عياط وقولنا في إيه وإزاي أنت هنا مع الكلب ده؟"
كان الجميع بوادٍ وهي بوادٍ آخر. فحين أنهى سالم جملته، فطنت إلى مكيدة والدها الذي ما أن التفتت إليه حتى وجدته ينوي تنفيذ مبتغاه، فصرخت بذعر وهي تهرول لتتصدى لسلاحه الموجه تجاههم.
"لا يا بابا...."
اتبع صرختها صوت رصاص اخترق آذانهم جميعًا، فالتفتوا ليتفاجأوا من شيرين التي تهاوى جسدها بفعل الطلقة التي اخترقته. فكان أول من هرول إليها كان طارق الذي التقطها قبل أن ترتطم بالأرضية الصلبة وهو يصيح كالأسد الجريح:
"شيرييين..."
"بنتي..."
هكذا صرخت هِمت بذعر وهي تهرول إلى شيرين الملقاة أرضًا، بينما تقدم كلًا من صفوت وسالم وعمار وهم يتبادلون وطلقات الرصاص. فصَدح صوت سالم الصارخ:
"خرج ماما والبنات من هنا يا سليم.."
لم يكد ينهي جملته حتى انطلق سليم، واضعًا جنة خلف ظهره ومتوجهًا إلى أمينة، فيما اندفع مروان وعمار الذي تراجع ليجذب نجمة المرتجفة بين أحضان سهام التي لا تقل عنها ذعرًا. وأخذ الرجال يتبادلون الرصاص مع ناجي الذي اختبأ في إحدى الغرف. وما هي إلا دقائق حتى اقتحمت قوات الشرطة المكان، فتوقف إطلاق الرصاص وهرولوا إلى الأعلى خلف ناجي. فيما التف الجميع حول شيرين التي افترشت الأرض تنزف بين أحضان طارق الذي تعانقت عبراته بدماءها، وارتجفت حروفه خوفًا من فقدانها.
"شيرين. ردي عليا. أنتِ كويسة صح؟"
بصعوبة استطاعت أن تُزيح جفونها الملتصقة ببعضها البعض، وهمست بنبرة معذبة:
"سا.. سامحوني.."
قبلت هِمت كفها وهي تقول من بين عبراتٍ غزيرة:
"لا يا بنتي أوعي تسبيني، دانا ماليش غيرك أنتِ وأختك."
تحدث سالم بخشونة وهو يتجاهل الألم الذي غزا صدره حين رآها غارقة في دمائها:
"شيرين. فتحي عينيكِ، أنتِ كويسة.. والإسعاف في الطريق..."
بصعوبة استطاعت إخراج الحديث من بين شفتيها وهي تناظره بأعين اختلط بهم الندم مع الخزي:
"كده.. أحسن.. يا سالم.. كفاية.. اللي حصل لكوا.. بسببي..."
نهرها بلهجة خشنة:
"بطلي الكلام الأهبل ده، وحاولي تتنفسي. إن شاء الله هتبقي كويسة."
لم يطاوعها قلبها أن تغادر دون نظرة وداع أخيرة إلى عينيه اللتين رست بهما على شاطئ الأمان للحظات، قبل أن تجذبها دوامات غدره إلى أعماق المحيط. فألقت نظرة خاطفة على ملامحه التي أرادت أن تكون هي آخر ما تراه قبل مغادرة هذا العالم. فلاح شبح ابتسامة على شفتيها، وكأنها تخبره: "نجحت في مسعاك وتسللت إلى قلبي حتى سكنته، وأتقنت غمس خنجر الغدر بصدري الذي لفظ أنفاسه الأخيرة ذلك اليوم."
ضغط على جرحها يحاول أن يوقف تدفق الدماء أكثر، وما كادت أن تغمض عينيها حتى صرخ بها وهو يهزها بعنف:
"شيرين. فتحي عينيكِ. مش هتموتي سمعتيني مش هتموتي."
أغمضت عينيها بهدوء. فلم تستمع إلى جملته الأخيرة حين همس بألم:
"مش بعد ما حبيتك تسبيني..."
تعالت شهقات هِمت، فزادت من ألمه الذي تشتت حين شعر بضربة قوية تلقاها كتفه، فارتفع رأسه يناظر سالم الذي قال بمؤازرة:
"اجمد يا طارق.. هتبقي كويسة إن شاء الله..."
***
كان سليم يحتضنها بيد ويحتضن والدته باليد الأخرى، والتي كانت تمسك بيد سهام الممسكة بيد نجمة، يحاوطهم كلًا من عمار ومروان، شاهري أسلحتهم في كل الاتجاهات خوفًا من أن تطالهم يد الغدر. إلى أن وصلوا إلى السيارة، فأمر سليم مروان:
"مروان خد ماما والحريم أنت وعمار ووصلوهم عالبيت."
صرخت أمينة بذعر:
"وأخوك، حازم! هتسيبه يا سليم؟"
لم يجبها، أنما التقطت عينيه تلك التي سالت مياه عينيها، فتشعب الألم بصدره. والتفت إلى الجهة الأخرى، فشدت أمينة على ذراعيه وهي تقول بتوسل:
"ورحمة أبوك أوعي تسيبه يا سليم."
تجاهل ثقل ما يشعر به من ألم وغضب وحرقة، وأومأ بصمت وهو يصرخ على مروان قائلًا بصياح:
"خدهم عالبيت يا مروان وخد معاك عربية حراسة تحسبًا لأي طوارئ..."
تدخل عمار بحدة:
"إني چاي معاك يا سليم."
سليم بحنق:
"روح مع مروان يا عمار."
قاطعه عمار بصرامة:
"جولتلك لاه يا سليم.. إني چاي معاك.. والرچاله بره مش هيسيبوا مروان واصل."
تدخل مروان بنفاذ صبر:
"مروان مش رايح في حتة.. ومش هيسيبكوا.. انتوا ناسيين إني عارف المداخل والمخارج هنا."
فهم سليم ما يرمي إليه، فنظر إلى عمار قائلًا بخشونة:
"انت سمعت يا عمار. مروان مينفعش يمشي وأنا مش هثق في حد غيرك وأأمنه عليهم.."
زفر بقوة منصاعًا لأوامر قلبه أولًا، والذي يحثه على البقاء إلى جانبها، فأطلق زفرة قوية من جوفه قبل أن يقول بفظاظة:
"هديهم وآچي.."
لم يجادل، وإنما التفت متجهًا إلى الداخل، ولكن توقف بمنتصف الطريق يناظرها بعينين تتبلور بهما الدمع، وكأنه يعتذر لها عن قسوة العالم معها.
قادته قدماه رأسًا إلى حيث تركه، فوجده يستند إلى الحائط ورأسه مُلقى إلى الخلف بعد أن جر نفسه إلى ركنٍ منعزلٍ من الغرفة ليبقي بعيدًا عن أنظار قوات الشرطة التي كان يقف رجالها مع سالم. الذي ناظره بنظرة ذات مغزى، فتسلل إلى داخل الغرفة وقام بجذب يديه المُكبلتين ووضعهما أمامه، وهو يصوب سلاحه الكاتم للصوت إلى القيود. وقام بإطلاق رصاصة حطمتها، ثم جذبه بقوة وهو يتوجه إلى النافذة قائلًا بهمسٍ خشن وملامح قاسية:
"هتخرج من الشباك، هتلاقي مروان مستنيك في العربية."
التفت يناظره وبداخله لا يعرف كيف يصيغ كلماته، فهمس سليم بغضب أرعن:
"ولا حرف. واختفي من قدامي دلوقتي. مش لازم حد يشوفك."
طاوعه حازم، فهو بالأساس لم يكن يملك ما يقوله، وقام بالقفز من النافذة. فتوجه سليم إلى الخارج، فوجد سالم يقف مع الشرطة بعد أن أتت عربة الإسعاف وأخذت شيرين ومعها طارق وهمت. وبجانب سالم كان يقف كلًا من أحمد الصامت وصفوت المتجهم. فاقترب سليم مستفهمًا:
"مسكتوه؟"
سالم بقسوة:
"للأسف هرب."
سليم بصدمة:
"إزاي يعني؟ لوحده عرف يهرب؟"
صاح صفوت بحنق:
"كان مرتب كل حاجة. وكان فيه طيارة مستنياه، فحب يلهينا بالرصاص اللي ضربه عشان يلحق يهرب..."
أطلق سليم سبة نابية قبل أن يقول بغضب جحيمي:
"أنا همشي يا سالم.. ابقي حصلني."
التفت صفوت إلى سالم قائلًا:
"روح معاه.. أنا هخلص الدنيا هنا وأجي وراكوا."
"أحمد هنتقابل تاني عشان فيه حاجات لازم نتكلم فيها."
هكذا تحدث سالم إلى أحمد، ثم استأذن من رجال الشرطة وتوجه خلف شقيقه ليستقلا السيارة، ثم انطلق سليم بأقصى سرعة يملكها. وما أن وصلوا ابتعدوا عن المكان بمسافة كافية، تحدث سالم بصرامة:
"اقف على جنب يا سليم."
وكأنه كان ينتظر كلمات أخيه، فتوقف بغتة وهو يترجل من السيارة صارخًا بملء فمه:
"لييييييه؟.. ليييييييه ياربي كدا ليه؟"
كان يركل مقدمة السيارة بقدمه ويوجه لكماته إلى جسدها الحديدي، فهرول سالم إليه وقام باحتضان كتفيه من الخلف يجذبه بعيدًا، ويديه تحكمان تقييد ذلك الوحش الثائر، قائلًا بصرامة:
"اهدي يا سليم. غضبك ده مش هيحل حاجة."
تقاذف الدمع من مقلتيه كما تآزر الوجع بصدره حتى فاض به، فأخذ يصرخ دون وعي:
"هموووت يا سالم هموووت. ليه بيحصل كدا معايا ومعاها ليييه؟"
سالم محاولًا تهدئته:
"ربنا له حكمة يا سليم وأنت مؤمن. مينفعش تعترض على قضاء ربنا."
خارت قواه ولم يعد في مقدوره مقاومة قدره، فتلاشت أقدامه وسقط بين يدي أخيه الذي لم يتركه يتهاوى أرضًا، بل ظل يسنده حتى اتكأ بثقله على كتفه وهو يقول بقهر:
"أنا مش عارف أعمل إيه؟ أفرح عشان أخويا طلع عايش ولا أحزن على...؟"
لم يستطع إكمال جملته، فقد جن عقله حين داهمه ذلك الهاجس المميت بأنها قد تعود له، فصرخ بجنون:
"جنة مراتي يا سالم. مراتي أنا حتى لو هتطير فيها رقاب."
كان يصيح وهو يحاول تخليص نفسه من بين ذراعي سالم الذي أحكم تقييده وهو يقول بعنف:
"اهدي يا سليم وبطل جنان. خلينا نعرف نتكلم ونشوف هنعمل إيه في اللي جاي."
أخذ صدره يعلو ويهبط من فرط الانفعال، وبدد صوت أنفاسه الهادرة الهدوء حولهم، فلجأ للصمت لدقائق كانت أكثر من مؤلمة. فكل عضلة في جسده تئن بوجع غير مسبوق، ولكنه تجاهله وقال بحنق من بين عبراتٍ غادرةٍ غافلته:
"سالم. أنت الكبير وأنا عمري ما هتخطاك، بس خليك فاكر إني مش هسمح.."
قاطعه سالم بجفاء:
"خلي بالك إن فيه أمك في الموضوع. ده بغض النظر عن إنه أخوك."
جن جنونه، وحين أوشك على الصراخ، أرعد سالم متابعًا:
"خلصنا يا سليم. محدش هيجبر جنة على حاجة ولو هي عايزاه يبقى خلصت."
أخذ يردد كالمهووس:
"أيوا عايزاني. هي بتحبني وعايزاني. أنا واثق.. أنا واثق يا سالم."
فاض الكيل وهاج صدره من فرط الألم، فاقترب سالم يحتوي شقيقه بين ذراعيه وهو يقول بطمأنة:
"حاسس بيك بس مفيش في إيدينا حاجة نعملها. ولازم منقعش دلوقتي بالذات."
ابتلع غصة صدئة تشكلت في حلقه وهو يتابع بنبرة خشنة:
"العيلة في خطر. خليك فاكر إن ليها حق عليك..."
انهار بين أحضان أخيه حتى صار بكاؤه نحيبًا، تقطع لأجله نياط قلب سالم الذي شدد من عناقه وهو يقول بمؤازرة:
"انت جدع وقدها يا سليم. أجمد كدا وصدقني كل حاجة هتتحل إن شاء..."
أخذ يردد بقلبٍ يتوسل الرحمة وعينين تحولت إلى بركان من الحمم المشتعلة بنيران قلبه:
"إن شاء الله.. إن شاء الله كل حاجة هتتحل.."
***
ضاق القلب بشوق هائل أوشك على فضح أمر ذلك العشق الذي لا يعلم كيف سال إلى فؤاده لتلك الفتاة التي تكمن قوتها في ذلك الضعف الذي انبعث من عينيها. فلم يقاومه قلبه وخر صريعًا أمامها، وها هو يخوض الصعاب وينخرط بدوامات لا تمت له بصلة فقط لأجلها.
لأول مرة يشعر بالخوف على أحدهم بتلك الطريقة. يريد أن يغرسها بداخل قلبه، فذلك المكان الوحيد الذي يأمن وجودها به.
"حاجة أمينة انتِ كويسة؟"
هكذا استفهت سهام، فتنبه عمار لأمينة التي كانت جالسة على المقعد بجانبه، ولكنه لم ينتبه لذلك الدوار الذي اجتاحها. فترنحت بجلستها حتى كادت أن تصطدم رأسها بالزجاج أمامها، فصرخت جنة وهي تمد يدها من الخلف لتسندها، وكذلك مد عمار يديه على رأسها، فلامس قطرات العرق التي لمعت على جبهتها، فهتف يحاول طمأنتهم:
"متجلجوش. إني هاخدها على المستشفى، العربية اللي واخدة شيرين قدامنا اهيه هنمشي وراها."
و بالفعل، ما هي إلا دقائق حتى وصلوا جميعهم إلى المشفي، وقام عمار باستدعاء قسم الطوارئ، فأتى المسعفون على الفور وحملوا أمينة إلى الداخل. فهمست نجمة التي لأول مرة تتحدث منذ أن وقعت تلك المفاجأة على مسامعها كونها ابنة صفوت وسهام:
"روحي وراها متسيبيهاش لوحدها."
كان صوتها متحشرجًا وعيناها زائغة وهي تناظر سهام التي أوشكت على الاعتراض، فتدخل عمار بخشونة:
"روحي يا ست سهام معاها. ومتجلجيش على نچمة إني مش هسبها واصل."
كان إعلانًا صريحًا منه رحب به قلبها واستنكره عقلها بشدة، ولكنها لم تعلق. والتفتت تنظر إلى جنة التي كانت تقف وحيدة تحتضن طفلها بيدها. يقطر الدمع من عينيها التي كانت نظراتها ضائعة. فرق قلب نجمة عليها، فهي خبرت شعور الضياع هذا طوال عمرها، مما جعل العبرات تتزاحم بمقلتيها تهدد بانفجار عنيف قد ينفجر بأي لحظة. ولكن لفت انتباهها حين وجدته يتوجه إلى جنة، حتى وقف أمامها وهو يقول بخشونة:
"متخافيش يا جنة، وأوعي تخافي واصل. إني چنبك ومعاكِ، والكلب ده هياخد چزائه."
الوصف الدقيق لما تشعر به هو الاحتراق. كل خلية بجسدها مرورًا بقلبها تعاني من آلام الاحتراق التي تفترسها دون رحمة، للحد الذي جعلها تتمنى نعمة الموت. ولكن ضن القدر عليها بتلك النعمة وتركها تتلظى بألم قاتل لا تقدر على الإفصاح عنه.
"أنا خايفة..."
همست بصوت خافت لا يستجيب لرغبتها في الصراخ، فقد انقلب عالمها رأسًا على عقب بعد أن ظنت بأنه أصبح جنة وردية تحوي قلوبهم، والآن ظهر شيطانها المريد الذي هدم كل شيء وأرسلهم إلى الجحيم.
"أوعاكِ تخافي جولتلك. محدش يجدر يتعرضلك ولا يمس شعرة منك.. لاهو أنتِ جليلة ولا إي؟ أنتِ وراكِ أهل وعزوة وعيلة تاكل الزلط لجل بناتها.. واللي يرشهم بالمية ترشه بالدم."
هكذا هدر عمار بغضب وهو يحاول أن يجردها من هذا الخوف الذي يكلل نظراتها، ولم ينتظر منها ردًا، بل التفت إلى الممرضة التي خرجت لتوها من غرفة أمينة، وقال آمرًا:
"بجولك يا أنسة. عايزني أوضة نقعدها فيها عشان تعبانة ولازم الدكتور يشوفها."
كان يتحدث وهو يشير إلى جنة، فاطاعته الممرضة قائلة:
"حاضر يا فندم. تقدري تتفضلي معايا يا مدام."
"روحي معاها يا چنة، وإني هطمن على الحاجة أمينة وآجي وراكِ."
هكذا أمرها عمار، فانصاعت لأوامره دون جدال. فالتفت إلى تلك التي كانت تراقب ما يحدث بصمت تام، وحين وجدته يلتفت إليها، أدارت رأسها للجهة الأخرى تنوي المغادرة، لا تعرف إلى أين. فأوقفته قبضته على ذراعيها وهو يقول بنبرة خشنة يشوبها التوسل:
"نچمة.."
تجاهلت ضجيج قلبها، وأجابت دون أن تلتف إليه:
"إيوا..."
اقترب حتى صار خلفها مباشرة وقال بصوتٍ متحشرج:
"راحة فين؟"
"ودا يخصك في إي؟"
هكذا تحدثت بجمود، فقام بإدارتها لتنظر إليه، فهاله ألمها الذي يتبلور بوضوح في عينيها، وقال بخفوت:
"كل اللي يخصك يخصني."
انكمشت ملامحها بألم وتشَدّقت ساخرة:
"من ميتا الحديث دا؟"
لم يفلح في إخفاء عشقه، لذا ف الاعتراف به أصبح واجبًا.
"من أول ما سكنتي جلبي وخلّيتيه مش شايف غيرك. سرجتي النوم من عيني.. بجيت ضايع في غيابك كإنك أمي."
لم تستطع مجابهته ولا مجابهة قلبها في حضرته، فنزعت يدها من بين يديه والتفتت تقول ساخرة:
"والحاجات دي معرفتهاش غير دلوق؟ ولا عشان مبجتش جليلة وبجي ورايا عيلة كبيرة بتخاف على بناتها واللي يرشهم بالمية ترشه بالدم! ولما كنت نچمة الغلبانة بت الچنايني دوس عليّ وذلّيتني وشكّيت في شرفي؟"
كررت كلماته بحرقة، فتصدعت ملامحه من فرط الصدمة لظنها أنه لم يعترف بمكنوناته إلا عندما عرف حقيقة نسبها. فاقترب يقول بلهفة:
"أوعي تفكري إن عيلتك تهمني أو تفرق معايا.. لازمن تفهمي.."
قاطعته بقهرٍ منبعه قلبها المكلوم:
"معيزاش أفهم حاجة. خلاص كل حاجة خلصت، ووفر حديثك لنفسك.. معدش له لزوم دلوق."
لم يكن من طبعه التوسل لأحد، حتى ولو كان قلبه الضحية بالنهاية، لذا قطع المسافة التي تفصل بينهم، وحاوتت يديه كتفاها وهو يقول بصرامة وتصميم نابع من عينيه:
"إني بحبك جوي وشايف في عنيك كتير. عارف إني ظلمتك وغلطت في حقك. بس أنتِ حقي من الدنيا دي وهاخده."
قاطع حديثهم خروج الطبيب الذي طمأنهم على أمينة، فاستغلت نجمة خروجه لتهرول إلى الداخل، تاركة إياه يحترق بشعورين كلاهما أقوى من بعض العشق والقهر.
***
بشفاه مرتعشة ولهجة حذرة تحدث وهو يناظر ذلك الذي كانت ملامحه جامدة كالتمثال الحجري:
"مروان.."
ابتلع غضبًا حارقًا كان يتشعب بصدره وتجلى بعروق رقبته النافرة ويده التي كانت تقبض على المقود بشدة. يعتصره كما يعتصر قلبه ألمًا على ما فعله عودة هذا الضال مرة أخرى. فقد تحقق المستحيل لأجله وعاد!
لا يعلم كيف، ولكنه يعلم جيدًا أن القادم لن يكون سهلاً.
"مروان أنا بكلمك."
هكذا صاح حازم بنفاذ صبر، فجاءه صوت مروان الصارم حين قال:
"كلامك وفره لاخواتك."
التفت يناظره شزرًا قبل أن يتابع بسخرية:
"أتمنى يكون عندك اللي تقولهولهم."
ازدرد ريقه بصعوبة، فها قد اقتربت المواجهة التي يخشاها كثيرًا ويحمل همها منذ أن التقى بذلك الحقير الذي استخدمه ككبش فداء لخططه القذرة.
"مروان.. أنا محتاج مساعدتك..."
مروان ساخرًا:
"بأي حق بتطلب مني أساعدك إن شاء الله؟"
حازم بتوتر:
"بحق إننا ولاد عم وأصحاب."
صاح مروان باحتقار:
"كنا.. كنا أصحاب؟ أما إنك ابن عمي دي للأسف مش هقدر أغيرها."
حازم بحنق حاول مداراته قدر الإمكان:
"تقصد إيه؟ انت... انت مش فرحان إني لسه عايش."
قال جملته الأخيرة بتوتر، ولكن تفاجأ حين أوقف مروان السيارة على حين غرة، ثم التفت إليه قائلًا بقسوة:
"فرحان. طبعًا فرحان. بعد ما قعدنا سنة ونص نلم في وساختك. واتحملنا قرفك وعمايلك. سيادتك تطلع عايش، لأ وبتسأل كمان فرحان إنك عايش ولا لأ؟"
اسودت عيناه وبرقت ملامحه حين أردف بوعيد:
"أقولك أنا إحنا فرحانين ولا لأ.."
لم يكد حازم يستوعب ما يقوله مروان حتى انقض عليه الأخير بلكمة قوية أطاحت برأسه إلى الجهة الأخرى، فارتطم بزجاج السيارة وسط صيحات مروان الغاضبة:
"انت أبجح إنسان شفته في حياتي.. كنت فين كل دا وسايبنا في القرف بتاعك؟ ملقتش غير عدونا الوحيد وترتمي في حضنه؟ قد كدا انت زبالة؟"
تجاوز حازم عن صدمته وقد استوعب ما حدث، فتناسى كل شيء وجن جنونه، فانقض على مروان محاولًا لكمه، ولكن الأخير أمسك يديه، وباليد الأخرى قام بتوجيه ضربة قوية إلى أنفه الذي انهمرت منه الدماء التي أغرقت مقدمة صدر حازم، فأطلق السباب من فمه وامتدت يديه جاذبًا رأس مروان يدفعه بقوة ليرتطم بالمقود، ثم امتدت كفوفه تحكمان الخناق على عنقه، فأخذ يقاوم ويلكمه بكل ما يمتلك من قوة. ثم فجأة وجد أحدهم يقوم بسحبه إلى الخلف يخرجه من السيارة، وإذا به يرى ملامح سالم المرعبة ونظراته التي تفرقت بينهما بغضب مسعور قد يكونا هما الاثنين أحد ضحاياه.
"روح اركب مع سليم."
هكذا أمره سالم بقسوة، فلم يطل مروان، إنما توجه وعيناه ترسلان سهامًا مشتعلة إلى حازم الذي ضرب الذعر جسده، فصار يرتجف وهو يناظر سالم الذي توجه إلى كرسي السائق لينطلق بالسيارة بأقصى سرعة يمتلكها...
***
يقف أمام غرفة العمليات وبداخله ألف شعور وشعور. أولهم الندم وآخرهم الألم. لطالما كان يسخر من مشاعر الحب وما شابهها، حتى تجربة زواجه الأولى لم تكن قائمة على المشاعر، بل كان انجذابًا حسيًا، وقد كان هذا مُرضيًا بالنسبة إليه. أما الآن فهو يعاني، يتألم، يشعر بأن هناك جزءًا من روحه قد انشق عنه. خاصةً وهي ترقد داخل تلك الغرفة تخضع لعملية خطيرة قد لا تنجو منها، كما لن ينجو هو أبدًا من تأنيب ضميره ووصب قلبه.
"آه يا بنتي. آه يا حبيبتي. سامحيني يا شيرين. معرفتش أختار ليكِ أنتِ. أختك أب تفتخروا بيه. اخترت شيطان.. حسبي الله ونعم الوكيل."
هكذا أخذت هِمت تنتحب. فلم يستطع التحمل، فصاح بنفاذ صبر:
"ادعي لها. ادعي لها يا عمتي وبلاش كلامك ده."
هِمت بألم:
"بدعيلها يا طارق. بس قلبي واجعني أوي.. بناتي اتحملوا نتيجة سوء اختياري.. شيرين اتعذبت كتير بسببي وبسبب الكلب ده.. حتى لما اتجوزت ربنا بلاها بمصيبة أكبر. معاشتش حياة طبيعية زي البنات.. كان عندها أمل لآخر وقت إنه يبقى كويس فعلًا وإحنا اللي وحشين."
ذرفت أوجاعها مع عبراتها وهي تتابع بقهر:
"يوم ما أطرد من البيت بعد ما عرفنا عمايله السودا.. شيرين جالها حمى من كتر الزعل قعدت شهر راقدة في السرير. من وقتها وهي اتبدلت.. بنتي مكنش في أطيب ولا أحن منها. هو السبب في كل اللي حصلها. الله ينتقم منه."
دهست كلماتها على قلبه الملوث بدمائها. فقد كان مشاركًا هو الآخر في معاناتها بعد أن رأى بعينيها نظرة مميزة تخصه وحده. لقد رآها من الداخل ولمس مدى ذلك العذاب الذي تعيشه والتخبط الذي تشعر به. وبدلًا من أن يحتوي ألمها ويعبر بها إلى بر الأمان، أغرقها أكثر وغرق معها قلبه الذي لم يكن تخيل بأن ينبض لامرأة بعد كل هذا العمر.
خرجت الممرضة بعد وقت لا بأس به، فهرول الاثنان إليها للاطمئنان، وصاح طارق بقلق:
"طمنيني هي عاملة إيه؟"
الممرضة بلهفة:
"محتاجين نقل دم ضروري وفصيلة دمها O سالب ودي مش موجودة للأسف عندنا في المستشفى."
طارق بلهفة:
"دي فصيلة دمي.. أنا ممكن أتبر..."
بتر كلمته وهو يتذكر ذلك السم الذي يتجرعه والذي يقف بينه وبين إنقاذ حبيبته. فدق قلبه بعنف ورفع رأسه للسماء وهو يتوسل بصمت إلى الله الذي لطالما كان يعصيه، والآن هو يقف بين يديه مذلولًا بقلبٍ ينفطر وضمير لا ينفك يعذبه ويذكره بمعاصيه.
"فيه إيه يا طارق؟ مش أنت نفس فصيلتها؟"
"أيوا نفس فصيلتها. بس مش هقدر انقلها دم."
مفارقات القدر عجيبة، أو لنقل إنها عقاب إلهي يستحقه. فقد كان يعلم جيدًا بأن الخمر من المحرمات، ولكنه لم يكن يهتم، ولطالما ذكره والده بالآية الكريمة (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير) وبالرغم من ذلك لا يزال مستمرًا في المعصية وتناول ذلك السم الذي يقف بينه وبين إنقاذه لحبيبته. فود في تلك اللحظة أن يصرخ بملء فمه طالبًا الصفح على ما اقترفه من آثام.
"إني هنجلها دم..."
هكذا جاءهم صوت عمار الذي جاء إلى المشفي للاطمئنان على أمينة التي ارتفع ضغطها كثيرًا، وها هي تخضع للفحوصات الطبية، ومعها سهام ونجمة التي لم تلتفت ناظرة إلى وجهه للآن. فخرج غاضبًا ثم توجه إلى غرفة شيرين للاطمئنان عليها.
التفت كلًا من طارق وهمت إليه، فهرولت الأخيرة تجاهه وهي تصيح من بين عبراتها:
"الله يباركلك يا ابني. أبوس إيدك انقذ بنتي."
عمار في محاولة لتهدئتها:
"استغفر الله يا حاجة متجوليش أكده. إن شاء الله هتجوم وهتبجي زي الفل."
أنهى كلماته ثم اقترب من طارق قائلًا بمواساة:
"ادعي وجول يارب.. إن شاء الله هتبجي كويسة."
أومأ طارق بألم، بينما انطلق عمار مع الممرضة للتبرع بالدماء. فهمس طارق بألم:
"ماليش عين أدعيله."
أنهى جملته واستند بظهره على الحائط، ثم تهاوى على الأرض بجسدٍ مثقل بالذنوب والآثام.
ضجيج هاتفه أنقذه من بئر آلامه، فقام بالتقاطه مجيبًا، فصدح صوت فرح المرتعب:
"طارق طمني عليكوا."
طارق بجمود:
"كويسين يا فرح."
لم تروِ إجابته ظمأ فضولها، فصاحت غاضبة:
"فيه إيه يا طارق. عرفني.. سالم موبايله مقفول ومروان وسليم مبيردوش والحاجة أمينة معرفش راحت فين؟"
قاطع استرسالها في الحديث قائلًا بجفاء:
"حازم لسه عايش."
صاعقة قوية ضربتها بعنف، فسقطت على المقعد خلفها وهي تقول بصدمة:
"بتقول إيه؟"
طارق بنفاذ صبر:
"بقولك حازم طلع عايش وكان مع ناجي ومعرفش أكتر من كدا. أنا في المستشفى مع شيرين عشان انضربت بالنار."
شهقت بعنف وخرج صوتها مرتعشًا:
"إيه؟ طب هي جرالها إيه؟ و... و حد تاني اتصاب؟"
"لا هي بس.. ولسه مطلعتش من العمليات.. طالبين دم وعمار راح يتبرعلها."
كانت نبرته تقطر وجعًا، ذرفته عيناها أنهارًا وهي تقول بألم:
"طب جنة.. جنة يا طارق فين وعرفوا؟"
طارق بتعب:
"فين معرفش.. بس هي كانت موجودة وشافت كل حاجة."
"يعني إيه متعرفش."
أوشك على إجابتها، فالتقطت عينيه عمار القادم تجاهه بعد أن تبرع بدمائه لشيرين، فهتف طارق بلهفة:
"طمني عملت إيه؟"
عمار بطمأنة:
"متجلجش اتبرعت بالدم وعرفتو لو عايزين أكتر إني موجود."
ارتاح صدره قليلًا، ثم عاد إلى فرح التي صاحت على الهاتف:
"لو دا عمار اديهولي."
مد طارق الهاتف إلى عمار الذي أجاب، فهتفت فرح بلهفة:
"عمار طمني على جنة."
عمار بخشونة:
"اطمني چنة في الأوضة وبعتلها الدكتور يطمن عليها وأنا دلوق رايح لها."
لم يكد ينهي جملته حتى وجد الممرضة التي أمرها بمرافقة جنة تهرول إليه وهي تصيح:
"يا حضرة الست اللي قولتلي أحجز لها أوضة معرفش راحت فين مش لاقيينها."
انقبض قلب عمار وهتف بصراخ:
"إنتِ بتجولي إيه؟"
"بقولك مش لاقيينها دخلتها الأوضة زي ما قولت وروحت أنادي للدكتور رجعت ملقتهاش طلعت أدور عليها الأمن قالي إنها ركبت تاكسي ومشيت."
***
أوقف سالم السيارة أمام أحد المخازن بمنطقة نائية، فأخذ حازم يتلفت حوله بخوف وترقب، قطعه صوت سالم الصارم حين قال وهو يترجل من سيارته:
"انزل."
لم يجادله، أنما ترجل من السيارة وكل خلية بجسده ترتجف ذعرًا، تجلى في خطواته وهو يتوجه إلى حيث يقف سالم، إلى حيث كانت عيناه لوحة لبراكين مشتعلة بنيران حارقة بثت الرعب إلى أوصاله، وقد تيقن من أن نهايته تلك المرة لن تكون مزيفة كسابقتها.
"عايز أعرف كل حاجة حصلت من يوم الحادثة لحد النهاردة.. وإيه علاقتك بالكلب ناجي."
هكذا تحدث سالم بقسوة جعلت الكلمات ترتجف على فمه حين قال:
"سا.. سالم. أنا.. أنا.. مظلوم.. الكلب.. اللي اسمه ناجي. دا.. هو.. هو السبب.. في.. كل حاجة."
كان يرتجف رعبًا وعيناه تذرفان الدمع ببزخ، فكان مظهره مذريًا للحد الذي آلم قلبه وأثار استنكاره في آن واحد، فهو لم يكن يتخيل أن يقف أيًا من شقيقيه في هذا الموقف وبتلك الطريقة. لذا همس بهسيس قاتل محاولًا التحلي بفضيلة الصبر قدر الإمكان:
"مش هكرر كلامي تاني."
يعلم أنه هالك لا محالة، ولكنه أراد تخفيف وطأة كوارثه قليلاً، فقال يدافع عن نفسه:
"ناجي اللي خطط لكل حاجة عشان ينتقم منكم فيا. هو اللي بعتلي ناصر عشان يشربني مخدرات. وهو اللي خلاني أفكر في الهروب، وهو اللي خطط لحكاية الموت دي وساعدني فيها، وهو اللي كلم الدكتور عشان يديني الحقنة اللي خلت النبض ضعيف جدا عشان لما تشوفوني تتأكدوا إني ميت. وهو برضو فتح القبر بالليل وخرجوني بعد ما جهزلي ورق السفر المزور. هو اللي ورا كل حاجة صدقني يا سالم اقسم بالله ما بكذب."
انهالت الكلمات فوق مسامعه كالحجارة التي تلقاها صدره، وهو يناظر شقيقه الأصغر بعينين جاحظتين وأنفاسٍ محتقنة وقلبٍ منفطر يجيش به شعور قوي من الخزي الذي تبلور في كلماته وهو يقول بقسوة:
"مصدقك. وعارف إنك مبتكذبش. مع إن بتمنى من كل قلبي إنك تكون بتكذب. وإن الكلام ده محصلش."
اخفض رأسه بخزي من كلمات سالم التي تعري مدى ألمه وصدمته:
"مش مكسوف من اللي أنت بتقوله؟ ناجي عمل كل ده وأنت كنت فين؟ عروسة بخيوط بيحركها بإيده؟"
هكذا تحدث سالم بلهجة مفعمة بالغضب الذي أتعبه حازم، فحاول تغيير دفة الأمور لصالحه، فصاح مبررًا:
"نصبلي فخ والله.. وهو اللي رمى البت دي في طريقي."
تحفزت خلاياه وبرقت عيناه عندما تفوه حازم بجملته الأخيرة، وقال بقسوة:
"تقصد بالبنت دي لبنى.. مش كدا؟"
وقع في فخ غبائه، فلم يستطع الحديث، فقط إيماءة بسيطة بالموافقة، فجاءه استفهام سالم الذي كان يخشاه كثيرًا:
"انت فعلاً اغتصبتها؟"
كان جرمًا لا يمكن إنكاره، ولا يعرف كيف ينجو من آثاره، فحاول ارتداء ثوب الطريدة، إذ صاح مبررًا:
"مكنتش في وعيي والله. معرفش حصل إزاي. أما فوقت لقيتها جنبي غرقانة في دمها. والله مكنتش حاسس بحاجة."
لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بيد قوية تمسكه من ذراعه تديره ليصطدم بقبضة فولاذية نالت من أنفه، وذلك الصوت المرعب يصرخ موبخًا:
"يا كلب. يا حقير. إزاي جالك قلب تعمل كدا في بنات الناس.. أنا هقتلك وأشرب من دمك."
انتفض سالم يحاول إنقاذ حازم من بين مخالب سليم الذي كان يكيل له اللكمات بوحشية وهو يصيح هادرًا:
"الله يلعنك. يا كلب. أنا لازم أخلص عليك."
تدخل مروان هو الآخر يساعد سالم في التفريق بينهم، فيما صرخ الأخير:
"اهدي يا سليم. سيبه هيموت في إيدك."
سليم وهو ينازع حتى يطال عنق حازم الذي أبعده مروان عن مرمى يديه:
"سيبني عليه يا سالم. الكلب الواطي اللي حط راسنا في الوحل. جاي يقول غصب عني. دانا هشرب من دمه."
لم يستطع تحمل توبيخ سليم له وانقضاضه عليه بتلك الطريقة، فصاح وهو يجاهد حتى يفلت من بين يدي مروان:
"وانت مالك أهلك. كنت وصي عليا ولا وصي عليا. طب جرب تقرب مني تاني."
سليم بغضب جحيمي:
"وكمان ليك عين تبجح يا كلب. موتك النهاردة على إيدي."
ما حدث تخطى حدود احتماله، وانهار ثباته وجموده أمام غضبه الضاري، وخرج الوحش من مكمنه، فقام بجذب سليم بعنف حتى ألقاه أرضًا، ثم التفت بنفس اللحظة ووجه لكمة قوية إلى وجه حازم الذي كان يستعد للهجوم على سليم، فأردته الضربة أرضًا، فيما صاح سالم بزئير أرعد الجميع:
"بس انت وهو. خلاص هتضربوا بعض قدامي. معدش ليكوا كبير. ورحمة أبويا لهكسر عضمك منك له."
انتفض حازم ذعرًا، بينما حاول سليم ابتلاع غضبه، فهب من مكانه وهو يقول بلهجة حادة:
"انت مش سامع كلامه. ده مغتصب وحقير، لأ وبيقح كمان."
سالم بعنف:
"اسكت يا سليم."
تعاظم الحنق بداخله ولم يستطع الصمت، لذا صاح بعنف:
"انت مش كبيري وكلامي مع سالم. وملكش ضرب عليا."
سليم بتهكم مرير:
"صح عندك حق. أنا مش كبيرك ولا ليا ضرب عليك. لكن مجبر ألملم بلاويك وأصحح عمايلك السودا صح؟"
حازم بسخرية:
"انت ململمتش ورايا. انت اتجوزتها عشان حبيتها. طمعت فيها لنفسك.. فسيبك بقى من دور سوبر مان اللي عايز تلبسه على قفايا. وعمومًا أنا رجعت وهصحح غلطي."
صمت لثوانٍ يتابع وقع حديثه على ملامح سليم التي اسودت من فرط الصدمة، فتابع حازم بتشفي:
"وهشيل شيلتي كاملة.. متقلقش."
يتبع....
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري
خلف جدار الكبرياء يوجد خيبات عظيمة و آلام مريرة و أرواح تحرق قهرًا بينما القلوب معبأة
بـ استفهامات مؤلمة تطوف في فلكها علي غير هُدى !
هل تلك هي النهاية ؟ ام أن للقدر الذي جمعنا يومًا قد يُشفِق علي قلوبنا من جراح لن تندمل ولن يفلح في براءها شئ ؟
" انت ململمتش ورايا . انت اتجوزتها عشان حبيتها. طمعت فيها لنفسك .. فسيبك بقي من دور سوبر مان اللي عايز تلبسه علي قفايا و عمومًا انا رجعت و هصصح غلطي... "
صمت لثوان يتابع وقع حديثه علي ملامح « سليم » التي اسودت من فرط الصدمة فتابع « حازم » بتشفي
" و هشيل شيلتي كاملة .. متقلقش .."
انحبست الأنفاس بصدره و شكل الغضب سحابة سوداء مظلمة انعكست علي ملامحه و خيمت علي نظراته التي توحشت و كذلك لهجته التي كانت وعِرة حين قال
" شيلتك ! طب لو راجل فكر بس تنطق اسمها ! وقتها انا اللي هدفنك حي . بس المرة دي مش هتلاقي حد يخرجك من القبر تاني .."
لا ينكر خوفه الذي غذا سائر جسده من كلمات « سليم » ولكنه لم يستطيع الوقوف أمام تهديده صامتًا فصاح مهددًا
" و ابني هتمنعني اجيب سيرته بردو ؟"
أوشك « سليم » علي الحديث فاوقفته كلمات « سالم » الصارمة
" انا اللي همنعك ! "
التفت الجميع الي « سالم » الذي بدت ملامحه مرعبة و كذلك نظراته فلامس الذعر قلبه لذا سلك طريق الضعف الذي يعلم جيدًا أن « سليم » لن ينجرف إليه ولو بكلمة واحدة
" بس انت كدا بتظلمني يا سالم . انا كنت ضحية لتار قديم من قبل مانا اتولد .. عارف اني غلطت بس دفعت تمن غلطي كبير اوي .."
كان أكثر من يعرفه حتي تلك النظرات التي أتقن تزييفها لم تكن لتؤثر به ولكنه يعلم أن « سالم » لطالما كان يعتبره ابنه و ليس شقيقه لذا اقترب منه يحاول أن يمنعه من الانجراف خلف تيار الخديعة فتفاجئ من يد « سالم » التي امتدت لتوقفه بمكانه و كذلك نظراته التي كانت قاسية وهي تناظره فهوي قلبه رعبًا من القادم و خاصةً حين وجد تلك اللمعة الشامتة بعيني « حازم » والتي سرعان ما انمحت لدي سماعه جملة « سالم » التي كانت كالصاعقة علي آذانهم
" المساواة في الظلم عدل ! و انت ظلمتنا كلنا يبقي تاخد نصيبك.."
تحولت تظراته الزائفة الي رعب حقيقي وهو يقول بشفاة مرتجفة
" سالم..."
قاطعه سالم بصرامة
" اخرس ... "
التفت إلي كلاً من « مروان » و « سليم » المتجهم و قال بأمر
" سليم خد مروان و اسبقوني عالمستشفي متسبش عمتك لوحدها هناك .."
« سليم » بجفاء
" و انت ؟"
« سالم » بوعيد
" انا وحازم بينا كلام لسه مخلصش .. "
تدخل « مروان » مستفهمًا بقلق
" طب و ناجي يا سالم دا هرب و هروبه دا مش مريحني انا خايف ليعمل مصيبة ولا يأذي حد بعد اللي حصل دا .."
التقت عيني الشقيقان فتولي « سليم » الرد بدلاً عن « سالم » حين قال بجفاء
" البيت والمزرعة متأمنين كويس.. و صفوت كمان زمانه وصل المستشفي دلوقتي و عامل حسابه لأي حركة غدر . "
ثم التفت إلي « حازم » الذي كان يتابع ما يحدث بخوف وترقب ثم أردف ساخرًا بمراره
" و لو أن الغدر دلوقتي بقي بييجي من اقرب الناس ! "
يود لو يطلق العنان لعبراته أن تنهمر ولكنه يخشي أن لا يتسع العالم لاستيعابها. كما لم يعد صدره يتسع لهذا الألم الذي يفتك به الآن فهذا الذي يقف أمامه هو شقيقه الأصغر الذي كان يعتبره بيوم من الايام ولده علي الرغم من قسوة طباعه ولكن بداخل قلبه كان يحمل الكثير والكثير من الحب و قد بلغ ألمه حدود السماء ذلك اليوم الذي أعلن فيه خبر موته. حتي أنه كان يتمني لو يكن معه و يفديه بروحه و يلقي بنفسه في أحضان الموت بدلًا عنه !
و الآن ها هو يقف أمامه بصدر محترق وعقل ممزقو روح تائهه تراه عدوًا لا يقدر علي أذيته و حبيب لا يستطيع الاقتراب منه !
بدد الصمت المحيط بهم صوت هاتف « سالم » الذي تأجج قلبه حين رأي اسمها و ود لو كانت الي جانبه في تلك اللحظات العصيبة و الأصعب في حياته لذا لم يتواني عن الرد وهو يشير بعينيه إلي « مروان » الذي لامس كف « سليم » و أشار له بالمغادرة بينما أجاب « سالم » بتعب
" ايوا يا فرح.. "
" الحقني يا سالم جنة مشيت و مش عارفين راحت فين ؟ "
صدح صوت بكائها فدوي صداه بين جدران قلبه فصاح مهدئًا
" اهدي يا فرح و بطلي عياط و فهميني ايه اللي حصل ؟"
اخترقت كلمات « فرح » المشجبة قلب « سليم » الذي ارتج مذعورًا حين سمع اسمها و قطع الخطوات الفاصلة بينه وبين « سالم » ليعرف ماذا حدث فهوي قلبه بين أقدامه حين استمع الي حديثها
" كانت معاهم في المستشفي و تعبت شويه فعمار حجزلها اوضه ترتاح فيها و سابها مع الممرضة و راح يتبرع بالدم لشيرين ... وبعدها جت الممرضة تقوله ان جنة مشيت والامن شافها وهي خارجه من المستشفي بتجري و مش عارفين راحت فين .."
لم ينتظر لسماع كلمة أخري بل هرول إلي سيارته و كذلك « مروان » خلفه فقد أظلمت عينيه بذعر وهو يتخيل ألف سيناريو سيء قد يحدث معها .
" فرح بطلي عياط عشان نعرف نفكر . أنتِ اكتر واحده عارفه جنة . تفتكري تكون راحت فين؟"
هكذا تحدث « سالم » بخشونة فالمصائب لا تنفك عن الوقوع فوق رأسه الذي قاب قوسين أو أدني من الانفجار من كثرة الضغط الواقع عليه
" جنة خايفه يا سالم . و اكيد مش عارفة هي بتعمل ايه ؟ انا مرعوبة ليحصلها حاجة "
هكذا تحدثت « فرح » بشفاة مرتجفة من بين عبرات غزيرة و قلب يتألم علي شقيقتها و ما يحدث معها و قد هاله صوت بكائها فكان أكثر من قدرته علي التحمل فقال بلهجة حانقة
" المرة الكام اللي هقولك بطلي عياط . هتبقي مبسوطة لو وقعتي يعني ؟"
تأثرت من طريقته معها وهمست بألم
" غصب عني.. انا خايفة علي جنة.."
غضب من نفسه لصراخه عليها و قال بخشونة
" كلنا خايفين عليها. و ان شاء الله هنلاقيها. ياريت تتماسكي شويه."
أخذ نفسًا طويلًا عله يطفيء ما بجوفه من حرائق ثم تابع بلهجة مبحوحة مُشددًا علي حروفه
" اتماسكي لحد ما اجيلك بس يا فرح.. "
لم يكن غزلًا ولا إعلان صريح بالحب ولكنها كانت كلمات عميقة تحوي في طياتها مقدار خوفه عليها و عدم رغبته في أن تنهار وهو بعيد عنها .. لكم تعشق هذا الرجل الذي و هو في أحلك لحظاته وغمرة مصائبه يخشي عليها ولا ينساها أبدًا لذا همست بلهجة عاشقة أكثر منها مطمئنة
" حاضر يا حبيبي. بس عشان خاطري خلي بالك من نفسك ... "
لثمت كلماتها جراحه الدامية و هدأ فؤاده بهمسها الناعم فأجابها بخشونة
" و أنتِ كمان خلي بالك من نفسك.. "
" حاضر بس الله يخليك لو عرفت حاجه طمني علي طول .. "
هكذا أجابته بلهفة فأجابها باختصار
" أن شاء الله.."
اغلق الهاتف فتفاجئ بكلمات « حازم » المندهشة
" معقول سالم الوزان بجلالة قدره بيحب ؟"
التفت « سالم » وقد تبدلت ملامحه لأخرى قاتمة فتراجع « حازم » خطوتين وهو يرى « سالم » يتوجه إليه قبل أن يقول بقسوة
" كلامنا هيتأجل لحد ما اخلص اللي ورايا . ولحد ما نقعد و تحكيلي اللي حصل اعرف انك ميت! ولو حاولت تثبت العكس هتموت بجد..."
تصدعت ملامحه خوفًا فقد كان يعلم أن ما حدث لن يمر و أن القادم أسوأ بكثير مما مضي ولكنه حاول أن يلامس اللين في زوايا قلب « سالم » فقال بصوت متحشرج يحوي بكاءً مريرًا
" مش هعمل اي حاجه تضايقك من تاني . و مش خايف من عقابك علي فكرة انت ابويا وانا عارف انك حتي لو عاقبتني اكيد مش هتأذبيني .."
لم يتلاشي جموده ولم تهتز ملامحه انما تحدث بجفاء
" انا مش ابوك يا حازم .. انت متشرفش اي حد...و الحمد لله أن ابوك مات قبل ما يشوفك في الوضع دا.. يالا قدامي .."
مرت دقائق كانت دهرًا الجميع متأهب والجو متوتر مشحونًا بموجات كهربائيه تجعل الصدور تعلو وتهبط من فرط الإنفعال و الأنفاس تتخبط و كلًا يملك بقلبه وجعًا أقسى من الآخر
" الله يخربيتك يا حازم الكلب . قارفنا عايش و ميت .."
هكذا هدر « طارق » بنفاذ صبر وهو يتحدث مع « مروان » علي الهاتف فزفر الأخير حانقًا
" دا حيوان. لو تعرف اللي عمله وقاله لسليم . لولا سالم كان موجود كان دفنه مكانه.."
« طارق » بحدة
" المشكله ان اللي هيطوله هيطولنا احنا كمان . انا معرفش سالم هيعمل ايه في حوار البت اللي اغتصبها دي ؟ "
صاح « مروان » بقسوة
" لا و الباشا بيقولك قمت لقيتها غرقانه في دمها . و مكنش حاسس بحاجة ."
« طارق » بصدمة
" يعني اعترف أنه فعلًا اغتصبها ..؟"
" بقولك بيقول كان شارب و مكنش في وعيه ..."
« طارق » بسخرية
" الواد دا بيكذب .يعني ايه مكنش في وعيه .هو موصلش لدرجة الإدمان عشان يغيب عن الوعي. الحاجه اللي ممكن تعمل كدا الخمرة . "
تصدعت ملامحه من فرط الصدمة و صاح بحنق
" يا ابن ال.... بيدور علي اي حاجه تشفع له عند سالم و تخفف من عقابه . بس لا انا هلفت نظره بردو .. عشان يأدبه صح "
زمجر « طارق » متوعدًا
"هنأدبه ! اسمها هنأدبه . وحياة امي شيرين تقوم بالسلامه بس و هفرتك أمه.."
أخذ عقله منعطفًا آخر و عقب ساخرًا
" اه صحيح ايه دور شاروخان اللي انت عايش فيه دا ؟ "
أوقفه قبل أن يتمادي في سخريته فهو يعرف كم أنه لعين لذا تحدث بفظاظة
" لسانك لو هلفط هقطعهولك .. سامعني صح !"
« مروان » بحنق
" سامعك ياخويا... بس تعرف لايقين علي بعض.. هنعمل قصتكوا فيلم ونسميه العقرب و الأفعي.. من اول بوسه هتموتوا مسمومين أن شاء الله.."
لم يكد ينهي جملته حتي وجد الهاتف قد أغلق في وجهه فلم يبالي إنما التفت إلي « سليم » الذي كان وجهه مكفهرًا و عينيه مشتعلة بنيران الفقد و الخوف و الضياع فاندفع « مروان » باستفهام
" ها في جديد ؟"
اختصر وجعه بكلمة واحدة
" لا .."
التفت صاعدًا الي السيارة و كذلك « مروان » الذي تابع استجوابه قائلًا
" طب ما يمكن الست دي بتكذب عليك .!"
زفر « سليم » بغضب تجلي في قيادته المتهورة و نبرته المرتفعة حين قال
" مجتش عندها يا مروان.. حلفتلي ستين يمين أن من يوم ما سافرت هي و فرح مشافتهمش واصلًا المفتاح معاها يعني لو كانت جت هنا اكيد هتروح تاخده منها.. "
تعاظم القلق بداخله فقد أمضوا أكثر من خمس ساعات يبحثون بكل مكان حتي أوشك الليل علي إسدال ستائره و تشعب الغضب بصدر « سليم » فباتت كل خليه به تؤلمه احتقنت عينيه بنيران القهر و الخوف فلما غادرته بتلك الطريقة؟ و تركته فريسه شهية لأنياب القلق و الخوف الذي كان يقطر من لهجته حين همس قائلًا
" انتِ فين يا جنة؟ روحتي فين بس .."
في المقابر تحديدًا عند قبر المرحوم « محمود عبد الحميد عمران » كانت تجلس طفلة تحمل بين يديها طفلًا صغيراً و هي تستند بكامل ثقلها علي القبر خلفها وكأنها ترجو من في داخله أن يحتضنها حتي يهدأ ذلك الوجع الذي ينخر عظامها دون رحمة ناهيك عن قلبها الذي أكله جمر الخوف الساكن بمقلتيها فذرفته علي هيئة انهار غزيرة روت الأرض تحت أقدامها و كأنها بحار لا تنضب كما لا ينضب الحزن داخلها
" بابا .. انا خايفة .. خايفة اوى .. و مش عارفه اعمل ايه ولا اروح لمين؟ "
هكذا خرج صوتها جريحًا كحال قلبها و خالط الدمع حروفها الواهنة حين تابعت
" لقيت نفسي بجري .. قعدت اجري لحد ما نفسي اتقطع.. و لقيت نفسي جيالك .. زي ما كنت بعمل زمان ، و نفسي اوي اترمي في حضنك و تطبطب عليا و تقولي متخافيش .. "
كانت كلماتها تخرج من بين نهنهات متقطعة تعالت حتي بدد صداها الهدوء حولها و خاصةً حين صرخ « محمود » بين أحضانها فأخذت تناظره بألم و قلة حيلة تجلت في نبرتها حين قالت
" حتي محمود خايف ... انا .. انا مش عارفه اطمن ابني ولا اكونله ام حقيقة .. انا تعبت اوي ... تعبت يا بابا تعبت .."
" جنة..."
كانت الكلمات تخرج متقطعة من بين دموع الوجع الذي ارتد بصدر « سالم » الواقف منذ دقائق يتابع حديثها المتألم ولم يريد مقاطعتها فقد تركها حتي تفرغ ما بجوفها اولًا عل ذلك يساعدها ولو قليلًا ولكن صراخ « محمود » كان اذنًا له بأنه حان أوان تدخله فنادي باسمها فارتعبت حين اخترقت لهجته خلوتها فهبت من مكانها تلتفت اليه فإذا به يتقدم منها بهيبته و حضوره الذي لطالما أخافاها منه ولكنها لم تستطيع منع نفسها من السؤال حين همست
" انت عرفت مكاني ازاي ؟"
« سالم » بخشونة
" سهل اوي اتوقع تفكيرك هيوديكي فين ؟"
" فين ؟"
استفهمت بشفاة مذمومة تجاهد سيل العبرات من الهطول فأجابها بسلاسة
" لأكتر حد يطمنك. و اكتر مكان هتكوني في امان فيه .. بس للأسف اختارتي المكان الغلط يا جنة.."
قال جملته الأخيرة بعتب فتبددت نظراتها المندهشة من إجابته و قد اربكها بُعد نظره و فطنته و كيف أنه توقع مكان وجودها ولكن جملته الأخيرة آلمتها فخفضت رأسها لذا أردف بهدوء
" مينفعش تسيبي كل اللي عندك و تدوري عاللي مبقاش موجود !"
وصل إلي مسامعه صوت نحيبها فاقترب يأخذ « محمود » من بين يديها وهو يقول بتفهم
" انا عارف اللي أنتِ حاسة بيه .. و خوفك من اللي جاي.. بس هروبك مش حل .. دا بيزود المشكلة اكتر .."
همست بيأس
" طب اعمل ايه ؟ انا كل حياتي انهارت و اتدمرت .."
« سالم » بخشونة
" هتنهار لو أنتِ سمحتي بدا .. "
اجتاحت عينيها موجة من التساؤلات فعقب قائلًا
" أنتِ عارفه حالة « سليم » عاملة ازاي دلوقتي ؟"
كيف لا تعلم حال ذلك الذي سكن قلبها و استحوذ علي وجدانها فقد كانت أكثر من يشعر به ؟ ولكن موجة من الضياع جرفتها فلم يعد عقلها يعمل كل ما كان يدور بمخيلتها أنها أصبحت بلمح البصر زوجة لرجلين .
" عارفه .. انا اكتر حد حاسس بيه و عارفه ايه جواه.."
" طب يرضيكِ حالته دي ؟"
كان استفهامًا يحوي عتابًا قاسيًا علي قلبها ولكنه لم يتيح لها الفرصة للرد إذ تابع قائلًا
" انا كان ممكن أقوله علي مكانك . بس حبيت اتكلم معاكِ الاول .."
رفعت رأسها دلالة علي انصاتها الي ما يريد قوله فقال ويديه تجذبانها الي السيارة حتي يقيها هي و الصغير من هذا البرد القارس
" تعالي نقعد في العربية عشان نعرف نتكلم .."
بالفعل اطاعته حتي استقرت الي جانبه في السيارة التي أدارها ليصل الي أحد المحلات التي تصنع المشروبات الساخنة و قام بطلب كوب من الشيكولاته الدافئة التي أخبرته « فرح » يومًا بأنها تحبها وناولها الكوب حتي يدفئ جوفها و انتظر أن تهدأ قليلًا قبل أن يقول مشددًا علي كل حرف يخرج من بين شفتيه
" انتِ مش لوحدك يا جنة . أنتِ حواليكي ناس كتير بتحبك فمينفعش أبدًا تهربي وتسبيها هيتجننوا من القلق كدا .. "
أوشكت علي الرد فاوقفه بحركة من يده حين تابع بصرامة
" هخلص كلامي و قولي اللي أنتِ عيزاه بعدها.. "
اومأت بالإيجاب فتابع بلهجة اهدأ قليلًا
" بخصوص الوضع اللي أنتِ فيه دا فأتأكدي ان محدش هيقدر يفرض عليكِ حاجه . و اللي أنتِ عيزاه بس هو اللي هيحصل . "
همست بضياع
" تقصد ايه؟"
« سالم » بحزم
" اقصد انك مسئوليتي انا من النهاردة. أنتِ و ابنك و كذلك حازم و سليم . شوفي ايه اللي هيريحك وانا معاكي فيه . واوعي تخافي من حد وانا موجود.. سمعاني؟"
لا تنكر شعور الراحة الذي تسرب الي قلبها جراء كلماته فهمست بامتنان
" انا مش عارفه اشكرك ازاي؟"
سالم مقاطعًا
" متشكرنيش و متكرريش اللي عملتيه النهاردة تاني . الهروب عمره ما كان حل بالعكس .. دا هيضرك و هيضر اللي حواليكي .."
نجح في إضرام نيران الذنب بقلبها فقالت بأسف
" انا عارفه انكوا اكيد قلقتوا عليا و أكيد فرح اتجننت.. انا كان نفسي تكون جنبي و اترمي في حضنها كان نفسي اخدها هي و محمود و اهرب لبعيد ..."
تحفزت خلاياه من حديثها و قاطعها بحدة
" فرح دي ملكية خاصة مينفعش تتحرك خطوة واحدة بعيد عني .. "
لاحت ابتسامة باهتة علي شفتيها من حديثه عن شقيقتها و همست بخفوت
" فرح محظوظة بيك.. و بتحبك اوي علي فكرة .."
اي حب الذي يمكن أن يصف ما بينهم أنه تخطي حتي العشق شيء أشبه بالهوس يجعل شوقه لها لا ينضب ابدًا بل كلما اقترب منها يتعاظم الشوق بداخله أكثر فلا يستطيع الابتعاد عنها أبدًا
" عارف ... فرح دي تميمة الحظ بتاعتي .. "
هكذا خرجت الكلمات من جوفه محملة بأشواق عاتية لوجودها بجانبه و عشقًا محمومًا خلق لها فقط..
" ربنا يخليكوا لبعض .."
هكذا همست حين شاهدت تبدل ملامحه وهو يتحدث عنها و نظراته التي رقت ولكن تبدلت لهجته ما أن لاحظ تغيير مسار الحديث فأعاد الدفة الي الموضوع الأساسي مرة أخرى حين قال بخشونة
" قرري أنتِ عايزة ايه ؟ وعرفيني "
لم تستطيع منع نفسها حين قالت بلهفة
" طب . طب انا ممكن اطلب طلب ؟"
" اطلبي .."
تحشرجت نبرتها وهي تقول
" انا محتاجه اقعد لوحدي شويه مش قادرة اتواجه مع حد . ولا أتكلم حتي .."
لم تكن تعرف كيف تصيغ كلماتها ولكنه فطن ما تريده فقال باختصار وهو ينطلق بسيارته
" زي ما تحبي ..."
لم يكن يحتمل حتي النفس الذي يُبقيه علي قيد الحياة و ود لو يتوقف قلبه عن النبض يعلن نهايه حياته و ألمه الذي جعله يقف بتلك البقعة النائية في أرضهم وهو يبكي كطفل صغير ضاع عن والدته و الحقيقة أنه لم يكن بكاء بل كان نحيبًا وسط نهنهات قويه تردد صداها بصدره المنقبض وكأن العالم كله يرسو فوقه..
اختار تلك البقعة المعزولة يبكي امرأة لم يتردد في إعطائها قلبه الذي قدمته قربانًا لشياطين الجحيم بخيانتها !
تلك الكلمة تقسم قلبه إلى نصفين كيف لملاكًا مثلها أن يفعل ذلك ؟ إن لم يكن رآها بعينه لم يكن يصدق بل لم يكن يتردد في إفراغ طلقات سلاحه علي من يخبره عنها امرًا كهذا...
كم من التساؤلات تدور في فلك عقله الذي كاد أن يجن كلما تذكر مشهدها بين ذراعيه حتي أنها لم تُكذب ما حدث ! لم تكن تملك إجابة بل تركت له نفسها ليزهق روحها بيديه دون مقاومة منها !
صرخة قويه شقت جوفه تعبر عن الوجع الكامن بصدره الذي أخذ يضرب عليه بقوة حتي يوقف سيل نزيفه و ذلك الألم الذي سيقضي عليه حتماً
ضاق ذرعًا بهاتفه الذي أخذ يرن و يرن دون توقف وقد ظن انها والدته فقام بالتقاطه ليجيب بنفاذ صبر
" عايزه ايه مني يا ماما ؟"
" الكلب اللي اسمه حازم لساته عايش يا ياسين !"
اخترقت جملته أذن « ياسين » الذي صمت لثوان من تأثير الصدمة ثم هدر باستنكار
" انت اتجننت يا عمار حازم مين اللي لسه عايش ؟"
« عمار » بحدة
" بجولك لساته عايش واني شفته بعيني .. و مش أكده وبس دا الكلب طلع عامل بلاوي زرجا .. ده مغتصب بنت و كانت هتروح فيها بسببه .."
انهالت الصدمات علي مسامعه فلم يكد يستوعب ما حدث حتي أضاء عقله بفكرة فوثب واقفًا و قد تعالت أنفاسه و أخذ يدور حول نفسه واضعًا يده الحرة فوق جبهته ثم قال صارخًا وهو يقاطع حديث عمار الذي أخذ يسرد ما سمعه من مكالمة طارق و مروان
" تعرف توصفلي شكله ؟ طوله عرضه هيئته !"
« عمار » باندهاش
" ايه اللي عتجوله ده ؟ اوصفلك ايه ؟ هو أني بجولك چايبلك عروسه ولا اي؟"
لم يتمالك نفسه فصرخ بعنف
" مش وقت سخافتك يا عمار بقولك اوصفهولي .."
اطاعه « عمار » و أخذ يصف له هيئة « حازم » و قد كانت الحروف وكأنها تحرق صدره و علا هدير أنفاسه أكثر و تقاذف الدمع من عينيه وهو يهمس بينه وبين نفسه
" حلا مش خاينه .. مش خاينه.. "
لم ينتظر أكثر انما اغلق الهاتف بوجه « عمار » و أخذ يهرول الي المنزل ليقر عينيه برؤيتها و ليطلب منها الصفح حتي وإن كلفه الأمر أن يتوسل لها أن تسامحه و أخذ يردد عبارات الحمد أن والدته تدخلت في الوقت المناسب لمنعه من اقتراف جرمه العظيم بحقها فو لم تتدخل و أزهقت روحها بين يديه لم يكن يكفيه حتي و إن قتل نفسه بدل المرة ألف
اقتحم المنزل فوجد والدته تجلس بتعب تستند برأسها فوق كفها وهي متجهمة فصاح من بين أنفاسه اللاهثة
" حلا فين ؟"
هبت « تهاني » من مقعدها بخوف تجلي في نبرتها حين قالت
" عايز اي منيها ؟ بجولك ايه يا ياسين.."
قاطعها بلهفه
" عايز اعتذر لها يا ماما . انا ظلمتها ظلم كبير اوي وهي معملتش حاجه ."
صاعقة اصابت « تهاني » التي ضربت بعنف علي صدرها وهي تولول
" يا مُري هو انت عرفت ؟"
أثارت فعلتها حفيظته فتحدث بترقب
" عرفت ايه؟ ماما .. حلا حكتلك حاجه ؟"
لم يكن أمامها بُد من مصارحته حين اخذت تقص عليه ما أخبرتها به « حلا » و أنهت حديثها محذرة
" يكون في علمك اني مش هجبل اني اخسرك زي ما خسرت اخوك . ابعد عن الموضوع ده. واني اتفجت معاها. جعادها اهنه معاك جصاد انك تبعد عن المچرم ده .."
أيقظت كلماتها جيوش غضبه هل بعد ما حدث لازالت تدافع عن ذلك المغتصب ؟ زمجر باهتياج وهو يتوجه إلي الأعلي و كأنه يتشاجر مع خطواته الي أن اقتحم غرفتهم فوجدها راقدة علي مخدعهم وهي تنظر إلي السقف مغمضة عينيها فاستفهم بلهجة حادة كالسيف
" اللي معاكِ دا كان حازم صح ؟ "
هكذا استفهم بغضب و ترقب فهبت من مخدعها بجزع وبلهفه اضرمت التوتر بكلماتها حين قالت نافية
" لا . لا . مش حازم .."
لهفتها و نفيها السريع لم يكونا سوي مرآة أظهرت كذبها الذي أضاف نيران آخري غاضبة الي نيران ذنبه العظيم تجاهها
" مستغربتيش سؤالي يعني ! مش حازم دا مفروض ميت ولا ايه ؟"
تبلور الألم مُعانقًا الخوف بمقلتيها التي ذرفت مياهها بغزارة دون أن تملك بداخلها أي كلمات لتجيبه فاقترب خطوتين قبل أن يقول بجفاء
" كنتِ هتسبيني اموتك في أيدي عشان تحميه مش كدا ؟ "
تجاهلت منحني الرد و التفتت مولية ظهرها لنظرات قاسية تخشي ما يكمُن خلفها فهدر بعنف
" كنت هتضحي بحياتك و تحرميني منك العمر كله عشان كلب زي دا؟"
" ايوا و عندي استعداد لحد دلوقتي أضحي بنفسي عشانه .."
هكذا صاحت بقوة وهي تلتفت تناظره بعينين تحويان التوسل الذي لم يلاقي صدي بداخله بل قست نظراته و شابهتها لهجته حين قال
" علي الرغم من أنه ضحي بيكوا و مفرقتوش معاه لا ومش كده وبس ! دا حط ايده في ايد عدوكم عشان يدمركم .."
تعلم أنها الحقيقة المرة ولكنها لم تملك سوي النفي لا تعلم إذا كان حماية لشقيقها العاق ام انقاذًا لما تبقي لها من ماء الوجه أمامه لذا صرخت بحدة
" محصلش .. محدش يعرف ايه اللي حصل معاه طول الفترة دي .."
اغضبه دفاعها عنه و تحدي نظراتها أمامه فبصق الكلمات بوجهها
" طب اعرفي بقي .. البيه اخوكي هرب و عمل ميت بعد ما اغتصب بنت قاصر و سابها بين الحيا و الموت. "
أصابتها كلماته كسهم نافذ اخترق قلبها و خاصةً حين تذكرت كلمات شقيقها بأنه لم يكن في وعيه و أنه شعر بالخوف عليهم لذا هرب !
كل خلية بها تشتهي الانهيار ولكنها لم تعتد علي ذلك فاستجمعت كل ما تملك من ثبات خلت منه لهجتها حين قالت
" كل دا كلام مش عليه دليل . وأنا مش ظالمه عشان احكم من غير ما اسمع منه..."
قاطعها بانفعال
" تسمعي ! أنتِ مجنونه ؟ فكراني هسيبك تعرفي الكلب دا تاني ؟ "
تعلم كم أن الحق في صفه ولكنها كانت يائسة بقلب محترق و عقل ممزق جعلها تقول بصراخ
" هتمنعني عن اهلي يعني؟"
ضرب الجنون عقله فصاح بانفعال
" ايوا همنعك ... "
" ولو سمعت كلامك هتبعد عنه و مش تأذيه؟"
هكذا تحدثت بقهر قابله الغضب والقسوة من قبالته حين قال
" انا مش بس هأذيه انا هفرمه تحت رجلي ..."
دق قلبها بعنف حتي آلمتها دقاته و انفطر قلبها خوفًا من تلك القسوة التي تنبثق من عينيه و كلماته فاستخدمت آخر ما بيدها من حيل حين قالت بجمود
" لو فعلًا ناوي علي كده يبقي مش هعيش معاك لحظة واحدة "
" الباب يفوت جمل ! "
باغتتها قسوته خاصةً أنه لم يفكر للحظة و كأنها لا تساوي شيئًا بالنسبة إليه فأصاب كبريائها في مقتل فتولد العنفوان واستملك مكان العشق لتقول بجمود
" تمام يا ياسين بس اعمل حسابك اني لو خرجت من البيت دا مش هرجع تاني ابدًا لو عملت ايه "
اخترقت كلماتها صدره مُحدثه آلام عظيمة تغلب عليها عناد أهوج فقال بلهجة قاطعه
" مش هعمل يا حلا .."
اومأت بصمت وهي تتوجه الي المرحاض لتتركه خلفها يتلظى بنيران الغضب و الذنب فقد كان ذاهبًا لإسترضائها كيف وصل معها الي تلك النهاية ؟
لم يتمالك نفسه وقام بالتوجه الي المرحاض ليدفع الباب بعنف فوجدها تجلس باكيه علي جدار حوض الإستحمام فجذبها بقوة من رسغها لترتطم بسياج صدره وهو يزمجر بوحشية
" اسمعيني كويس. انا ماصدقت لقيتك و انك بقيتي ليا و مش هسمحلك ولا لأي حد يبعدك عني . فاهمه ؟"
علي صوت نحيبها فتابع وهو يهزها بعنف
" الكلب دا بره عنك ملكيش دعوة بيه ولا باللي هعمله فيه "
لم تستطيع التحمل فحاولت نزع نفسها منه وهي تصرخ من بين عبرات ملتهبه أحرقت وجنتيها
" حرام عليك . دا اخويا بالرغم من كل حاجه . عايزني اعيش معاك ازاي وانا عارفه انك عايز تأذيه .. انام في حضنك ازاي وانت ايديك متلوثه بدمه . مش هو دا اللي انت ناوي عليه .."
انتفض قلبه متألمًا لحالها ولكنه كان هناك نيرانًا من نوعًا آخر تجتاحه لتنال من كرامته و مروئته و يود لو يحرق هذا الشاب حيًا لذا هدر بغلظة
" كدا كدا هو كان ميت .. اعتبري انك مشوفتيهوش و أنه مرجعش .."
جن جنونها و برقت عينيها من كلماته ولم تستطيع سوي ان تصرخ بقهر
" انت اكيد اتجننت و أنا فعلًا معدش ليا مكان هنا و روح خد تارك بقي و انساني .."
هكذا تحدثت وهي تتجاوزه و تخرج الي الغرفة لتلتقط حقيبتها وهاتفها فتفاجئت بكلماته العنيفة حين قال
"ابقي وريني هتخرجي من هنا ازاي ؟"
لم تكد تتجاوز حديثه حتي تسمرت بمكانها وهي تستمع الي ثقل الباب فالتفتت لتجده أغلقه بالمفتاح قاصدًا أن يحبسها بالداخل
في الخارج هبت « تهاني » حين وجدته يهرول للأسفل فصرخت توقفه
"ياسين ولدي .. جولي ناوي علي ايه ؟ "
لا يعرف كيف يصيغ كلماته فقال بحرج
" ماما . انا محتاج مساعدتك ضروري.. "
" حوصول ايه ؟"
« ياسين » بيأس
" حلا عايزة تمشي و تسيب البيت وانا عايزك تمنعيها .."
انكمشت ملامحها بصدمة وقالت باستنكار
" اوعي تكون مديت يدك عليها تاني ؟"
سارع بالنفي
" لا لا . مفيش حاجه من دي .. "
ثم قام بسرد ماحدث بينهم باختصار لينهي حديثه وهو يقول بلهجة يشوبها بعض التوسل
" أنا مش هقدر اخسرها ولا اسببها تمشي من هنا يا ماما."
فاجأته حين قالت بصرامة
" كويس انك جولت أكده . عشان لو مشيلتش حكاية اخوها دي من عجلك اني بنفسي اللي هوديها عند أهلها.."
تعالي ادخلي يا جنة .. "
هكذا ناداها « سالم » بصوته القوي لتدخل الى تلك الغرفة التي قام بحجزها لها في أحد افخر الفنادق في القاهرة لتحظي بوقت منفرد تعيد فيه حساباتها و تفكر بطريقة صحيحة..
" شكرًا يا أبية سالم .."
تحدثت بامتنان أطل من عينيها بعد أن استقرت في الغرفة و وضعت « محمود » علي السرير بعد أن تناول غذائه فغط في نومًا عميق
" متشكرنيش قولتلك أنتِ مسئولة مني .. و تحت حمايتي .."
ابتسمت بوهن فأمرها بهدوء
" اقعدي خلينا نكمل كلامنا .."
اطاعته بصمت يتنافى مع ضجيج الاستفهامات بعينيها فجلس هو الآخر و ما أن استقر في مقعده حتي تحدث بجمود
" قولي اللي عندك .."
تحمحمت بخفوت قبل أن تقول بحرج
" هو . هو سليم عارف انا فين ؟"
« سالم » باختصار
" بعتله رساله انك معايا .. فين بالظبط مقولتش ."
اخفضت رأسها قبل أن تقول بألم
" انا دلوقتي بقيت مرات اتنين ؟"
أطلق الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة قبل أن يقول بخشونة
" مش هقدر افتى غير لما اتأكد بنفسي من حكم الشرع في الموضوع دا ."
لاحظ كدرها الذي طغي علي معالمها أكثر فتابع بلهجة ودودة
" بس انا مش عايزك تقلقي من حاجه. مش هيحصل غير اللي أنتِ عيزاه.."
همست بتردد
" بس .. بس الاتنين اخواتك.. هتتحل ازاي لو حازم مقبلش.."
قاطعها بفظاظة
" اخواتي بس مش هقبل بالظلم.. و حازم مالوش يقبل أو يرفض حاجه . الموضوع في ايدك أنتِ "
ودت لو تصرخ بما تريد ولكنها لم تستطيع سوي اخفاض رأسها فوثب « سالم » قائمًا وهو يقول بفظاظة
" فكري و خدي وقتك ... وكلميني .. تقدري تقعدي هنا براحتك "
هبت من مقعدها تناظره بلهفة و كلمات لم تتجاوز حدود شفتيها فأردف باستفهام
" عايزة سليم يعرف مكانك ؟"
" أنا مش عارفه ابص في وشه .. ولا عارفه هقوله ايه ؟"
هكذا رددت بألم فشعر بالشفقة علي حالها لذا هدأت لهجته حين قال
" هسيبك ترتاحي دلوقتي و هنأجل كلامنا لبعدين .. لو عوزتي اي حاجه اطلبيها من خدمة الغرف .. هما مكلفين بتوفير كل اللي تحتاجيه.. و في أي وقت كلميني .."
اومأت بامتنان فتوجه الي باب الغرفة ثم امطرها بوابل أوامره
" تقدري تكلميني في أي وقت . واهم حاجه متنزليش من اوضتك من غير ما اعرف .."
إجابته بإذعان
" حاضر .."
ما أن خرج من عندها حتي قام بفتح هاتفه الذي كاد أن ينفجر من اتصالات « سليم » الذي ما أن أرسل له رسالة نصية يخبره أن « جنة » معه و هو كالمجنون ولكنه قد حمل علي عاتقه حمايتها ولن يتواني عن فعل ذلك أبدًا
دق هاتفه مجددًا ولكن كان المتصل « فرح » فضغط علي زر الإجابة ليأتيه صوتها الغاضب
" ممكن اعرف قافل تليفونك ليه ؟ بقالي ساعتين بتصل عليك مش عارفه اوصلك .. طمني لقيت جنة؟ هي معاك بجد ؟"
توالت استفهامها في أكثر الأوقات خطأً لذا أجابها باختصار و نفاذ صبر
" بجد .."
إجابته كانت مختصرة للحد الذي جعل الغضب يتشعب في أوردتها أكثر فصاحت بانفعال
" ممكن ترد عليا زي الناس انا مش بشحت منك .."
صاح محذرًا
" صوتك يا فرح .. و بعدين هو أنتِ مدياني فرصة اتكلم اصلًا !"
تعاظم الغضب بداخلها مما جعلها تصرخ بدون احتراز
" يمكن عشان حضرتك راميني هنا و مش معبرني واختي هربت ومعرفش راحت فين و البيه اخوك بعد ما عمل كل المصايب دي طلع عايش و راجع يهد كل حاجه علي دماغنا .."
دهست شاحنة كلماتها علي جرحه الغائر و مصابه الي فاحت منه رائحة الخزي فزمجر بقسوة
" تعرفي تخرسي؟ قولتلك اختك معايا يبقي عايزة ايه تاني مني ؟ "
انفجرت براكين الغضب و قذفت حممها علي هيئة عبرات مشتعله ذرفتها عينيها فخالطت حروفها التي خرجت مرتجفة من فرط الألم
" مش عايزة منك حاجة يا سالم . و عمومًا انا كنت هموت من القلق علي اختي عشان كدا اتصلت عليك ؟ ومش هضايقك تاني ولا هسمعك صوتي اصلًا .."
أنهت كلماتها و انهت المكالمة علي الفور بينما ظل هو علي حاله ممسكًا بالهاتف يستند برأسه علي مقعد سيارته بتعب تجلي في نبرته وهو يهمس بحروفها يائسًا
" فرح ..."
أفرغ صدره من الهواء الحارق المشتعل بداخله في زفرة قوية آلمت رئتيه و ظل قابعًا في مكانه للحظات حاول استجماع نفسه التي انهكها التعب و كثرة الصدمات حين رن هاتفه مرة أخرى فوجد المتصل « سليم » فأجاب بعد لحظات ليأتيه صوته الغاضب
" سالم انت بتستهبل مش كدا ؟ قافل تليفونك ليه عايز تجنني ؟"
تجاهل ثورته وغضبه الحارق حين اجابه بفظاظة
" قابلني علي المستشفي .. نص ساعه هكون هناك.."
لم يتيح له الفرصة للإجابة بل اغلق الهاتف و أدار محرك سيارته لينطلق الي المشفى ..
هدأت الأمور قليلًا حين طمأنهم الطبيب علي حالة « شيرين » التي لم تستفق من المخدر للآن و أيضًا عندما زف إليهم « مروان » خبر عثور « سالم » علي « جنة » فتنفس الجميع الصعداء إلا هو ! مع كل دقيقة تمر يتعاظم ألمه و شوقه و غضبه حتي تحولت عينيه الي بركة من الدماء المتقدة بنيران اضعافها بقلبه صار ينفسها بقوة وهو يستند بجزعه علي الجدار فكان مشهده من بعيد مروعًا فلم يجرؤ أحد من الاقتراب منه و هكذا طال صمتهم الي أن قطعه وقع أقدام « سالم » علي الارض الصلبة فتوجه « سليم » إليه وهو يرعد بجنون
" مراتي فين يا سالم .."
تجاهل صوته المرتفع و قال بجفاء
"في الحفظ والصون .."
تجمع كلًا من « مروان » و « طارق » حولهم فهدر « سليم » بعنف
" سالم متجننيش .."
قاطعه « سالم » بزئير
" اهدي عشان تسمع الكلمتين اللي هقولهم . جنة حالتها سيئة و نفسيتها تحت الصفر و طلبت تفضل كام يوم لوحدها عشان تقدر تفكر و تقرر هتعمل ايه ؟"
بهتت ملامحه كما اخترقت الكلمات صدره وكأنها أسهم مشتعلة و خاصةً حين تابع « سالم » بلهجة قوية
" وأنا وعدتها أن مش هيحصل غير اللي هي عيزاه.. و انها تحت حمايتي .."
انكمشت ملامحه بألم لم يفلح في اخفائه و انبثق من بين حروفه حين قال
" حمايتك ! و هتحميها من مين يا سالم مني؟"
يشعر بوجع شقيقه بل حتي اضعافه ولكنه يجب أن يضرب بيد من حديد و يعيد الأمور إلى نصابها حتي ولو طالهم بعض الأذى ولكنه سيضمن سلامة الجميع
" لا مش منك يا سليم . بالعكس . جنة زعلانه عشانك اكتر من نفسها.. بس هي محتاجه أنها تستوعب اللي حصل.."
شوهت وسامته ابتسامة ساخرة جراء حديث « سالم » الذي نال من كبرياءه مرورًا بقلبه ولكنه حاول ابتلاع جمرات الوجع وقال بصوت متحشرج
" اااه.. تستوعب .. وماله.. براحتها.. "
تدخل « مروان » مؤيدًا لحديث « سالم » حين قال
" اديها وقتها يا سليم . الوضع الي هي فيه مش سهل !"
استنكر حديثه وقال بتهكم
" وضع ! أي وضع ؟"
اجابه « سالم » بفظاظة
" أنها بقت مرات اتن..."
" اوعي تكملها يا سالم ..."
هكذا صدح صوته الغاضب للحد الذي جعل شفاهه ترتعش بمرور أنفاسه المتلاحقة فوقها فرق قلب « سالم » لحال شقيقه فقال بلهجة تحوي الطمأنينة بين طياتها
" اوعدك الوضع دا مش هيطول ... "
التفت للجميع وهو يتابع
" اللي احنا فيه مش سهل ! و هروب الكلب دا يقلق . لأني واثق أنه هيقلب الدنيا بعد اللي حصل .."
تدخل « طارق » الصامت منذ بدأ الحديث وهو يؤكد علي حديث « سالم »
" فعلًا يا سليم .احنا لازم نصحصح و نعرف هنعمل ايه مع الحيوان دا .."
لم يتحدث إنما أومأ بصمت فأردف « مروان » باستفهام يشوبه بعض الحرج
" انت . وديته فين ؟"
نظر « سالم » الي ساعته وهو يتحدث بفظاظة
" سيبك منه . خلينا في المهم . انا هروح اطمن علي ماما و شيرين و بعدين هنزل اسماعيليه عشان فرح .."
هتف « طارق » باستنكار
" اسماعيليه ايه اللي تنزلها دلوقتي يا سالم ؟ و لوحدك !"
" خليك في نفسك.."
هكذا أجاب « طارق » بجفاء فتدخل « مروان » مؤيدًا
" طارق عنده حق . استني للصبح نكون روحنا و خد الحراسة معاك و روح هاتها هي و سما.. "
« سالم » بفظاظة
"عيل صغير قدامك أنا مستنيك تقوله يعمل ايه و ميعملش ايه ؟"
أجاب « سليم » بدلًا عن « مروان »
"لا مش عيل صغير بس الظروف دي علينا كلنا ولازم كلنا نتحملها و العيلة ليها حق علينا.. ولا ايه؟"
تبلور الغضب في عينيه و كذلك نبرته حين أرعد بوجههم قائلًا
" لو الحرب قايمه بره مش هسيبها لوحدها و دا موضوع غير قابل للنقاش ."
أوشك « سليم » علي الرد ولكن صدح صوت هاتف « مروان » الذي تبدلت ملامحه فألتقم « سالم » توتره فامتدت يده تلتقط الهاتف وقد صح ظنه عن هوية المتصل فانسحب من بينهم وهو يضغط علي زر الإجابة فصدح صوتها المختنق باللهفة و الخوف
" طمني يا مروان سالم وصل عندكوا ولا لسه ؟"
لعن نفسه كونه احزنها بهذا الشكل فأجابها بلهجة تحمل اعتذار لم يتجاوز حدود شفتيه
" اطمني يا فرح .."
شهقت متفاجئة حين سمعت صوته و اهتز قلبها معلنًا رايه العصيان أمام رجل يندثر أمامه ثباتها و يتحامل عليها قلبها لأجله فقالت بلهجه جافة
" انا بتصل علي مروان اديهولي لو سمحت .."
زفر بتعب قبل أن يقول بخشونة
" حقك عليا .."
ذرفت مياه عينيها تأثرًا بذلك الشجن في صوته ولكنها لم تستطع تجاوز حزنها منه فعاندت قائلة بجفاء
" اديني مروان .."
" حقيقي مكنتش اقصد .."
لم يستطيع تجاوز حزنها كما لم تستطيع تجاوز ألمها منه فواصلت تمردها قائلة
" مش عايزة اكلمك .."
" بس انا عايز.. "
لا يمكنها معاندة رجل له سطوة مطلقة علي كل ذرة من كيانها فرقت لهجتها قليلًا معلنة قرب استسلامها
" ماليش دعوة بيك.."
زفر بتعب تجلي في نبرته حين قال
" فرح انا فعلًا مش متحمل "
تغلب عليها قلقها و همست باهتمام
" فيك ايه ؟"
" نار .."
كان هذا أبلغ وصف لما يشعر به الآن فتقاذفت عبراتها تشكو له نيرانها هي الأخرى
" من وقت ما عرفت اللي حصل وانا هتجنن عليك و لما رنيت ولقيت تليفونك مشغول كنت هموت من القلق بس كلامك وجعني اوي .."
وجعها كان ثقلًا هائلًا أُضيف الي حقيبة جراحه فهمس بصوتًا أجش
" سلامتك من الوجع يا حبيبتي.. "
صمتت تاركه العنان لعبراتها أن تصف له أي وجع تشعر به فتنهد بحرقة وهو يزمجر باعتراض
" للدرجادي زعلانه مني !"
لملمت جراحها بصعوبة وحاولت إضفاء القوة علي نبرتها وهي تقول باهتمام
" طمني عليك .."
أفصح عن احتياجًا قاتلًا يجتاحه إليها
" محتاجلك يا فرح..."
همست بحب
" انا جنب...."
لم تفلح في إكمال جملتها إثر صوت طلقات الرصاص الذي دوي في أرجاء المكان و اخترق مسامعه فصدح صوته مرتعبًا
" فرح ....."
يتبع...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان العشري
كان الوجع أبلغ من أن تصفه حروف واهية، حتى أن قواه العقلية لم تستطع استيعاب ما يحدث للحظات حين أتاه صوتها المرتعب وهي تقول:
"في ضرب نار بره يا سالم، وعربيات كسرت بوابة المزرعة ودخلت ونزل منها ناس مسلحين."
لم يُخلق في هذا الكون ما هو أصعب من القهر الذي كان يمزق قلبه في تلك اللحظة، خوفًا عليها، وهو الذي لم يكن يعرف الخوف طوال حياته. والآن فقدماه لم تعد تحمله من فرط هيمنة ذلك الشعور المروع عليه.
"اهدي يا فرح واسمعيني كويس، خدي سما وانزلوا مكتبي، اقفلوا عليكوا بالمفتاح لحد ما أجيلك. يالا بسرعة."
أطلق زفرة قوية من جوفه المحترق ألمًا، فتهدجت كلماته حين أضاف بلهجة محرورة:
"متخافيش، أنا معاكِ."
كانت محاولة منه أن يبثها الأمان والقوة، التي تتنافى مع ذلك الضعف الذي جعله يستند بيديه على الحائط خلفه. فجاءه صوتها المرتجف ذعرًا:
"حا.. حاضر."
توجهت بخطى مرتجفة إلى الخارج، فوجدت سما التي كانت تهرول من غرفتها قائلة بذعر:
"في إيه يا فرح؟"
فرح بأنفاس متلاحقة:
"مفيش وقت، يالا بسرعة على مكتب سالم."
هرولت الفتاتان إلى الأسفل، وعند بلوغهما درجات السلم السفلية، تعاظم الفزع بقلوبهم حين شاهدوا انعكاس خيالات أولئك المسلحين على باب القصر وهم على وشك فتحه. فتوقفت فرح وقد شعرت بدنو النهاية، فهمست إليه عبر الهاتف بنبرة فاقدة لكل معالم الحياة:
"خلاص يا سالم."
هوى قلبه بين قدميه من فرط الرعب حين سمع همسها، فلم يستطع التحمل وصرخ حتى تقطعت أحباله الصوتية:
"فرح!"
لحظات اخترقتها أصوات أعيرة نارية، شعر بها تجتاح قلبه وهو يهرول كالمجنون بين أروقة المشفى، وخلفه كلا من طارق ومروان وسليم ليصعدوا إلى السيارات وينطلقوا، وخلفهم سيارات الحراسة بأمر من سليم، الذي كان يخشى في تلك اللحظة أن يفقد شقيقه الذي لأول مرة يراه بتلك الحالة. فقد كان ينطلق بأقصى سرعة يمتلكها، فأصبحت السيارة كالوحش ينهب الطريق، كالوحش الذعر الذي يلتهم قلبه الآن.
"تعالي يا فرح بسرعة هنا."
انتزعها صوت سما، كما فعلت يداها. فبمجرد أن كاد أولئك الرجال أن يقتحموا باب المزرعة، حتى اخترقت جماجمهم طلقات نارية جعلت دماءهم تتناثر على زجاج الباب بطريقة اقشعر لها بدن فرح، التي انصاعت إلى يد سما لتجذبها إلى غرفة المكتب وأغلقته. بينما هو لم ينفك عن ندائها عبر الهاتف إلى أن أتاه صوتها المرتجف:
"إحنا في المكتب يا سالم."
خرج زفيره على هيئة حمم بركانية أحرقت قلبه الملتاع، فجاء صوته جافًا متحشرجًا وهو يقول:
"بسرعة روحي عند الجدار اللي ورا الخزنة، في تابلوه ارفعيه، هتلاقي زرار اضغطي عليه."
بأقدام مرتعشة توجهت لتفعل ما أمرها به، وما أن ضغطت على ذلك الزر حتى دوى صوت إغلاق قوي، فشهقت مرتعبة وهي تقول بلهفة:
"هو إيه ده يا سالم؟"
أجابها بلهجة متحشرجة:
"ده سمارت لوك، هيقفل الباب والشبابيك ومحدش هيقدر يدخل غير ببصمة إيدي أو الرمز بتاعه، حتى الرصاص مبيأثرش فيه. بس تحسبًا بردو خليكوا تحت المكتب على ما أجيلك."
سحب نفسًا قويًا حتى يستطيع إخراج كلماته الموقدة:
"متخافيش. أوعي تخافي يا فرح، مش هسيب حاجة وحشة تحصلك أبدًا."
تسرب إلى داخلها شعور قوي من الطمأنينة إثر كلماته، فصمتت أذنيها عن تلك الطلقات التي تدوي في الخارج، وقالت بخفوت:
"متتأخرش عليا."
حروف بسيطة كانت كوقود لنيرانه المستعرة داخل قلبه، فدعس على دواسة البنزين بأقصى قوته ليضاعف من سرعة السيارة التي كادت أن تحلق عاليًا من فرط سرعتها.
***
تآزر بها الوجع حتى جعلها طريحة الفراش، لا تقوى على حمل جسدها من فرط الوهن، فأخذت تسكب ألمها بين أحضان وسادتها التي كانت ترتشف عبراتها الجريحة في مواساة صامتة عما يجول بصدرها من أوجاع.
لا قوة لها على مواجهة قدرها المظلم الذي يأبى أن تحيا بسلام، فما حدث ليس بالشيء الهين، ولا يستطيع أي عقل بشري أن يستوعبه.
فمن بين جميع الرجال، وقعت في عشق ذلك الرجل الذي يفصل بينها وبينه بحر من الدماء والثأر. وبعد أن تجاوزا بشق الأنفس تلك الحقائق المروعة والحروب الدامية، حتى تحققت المعجزات وعاد شقيقها من الموت.
هل هذا بشيء يُصدق؟ هل ما يحدث حقيقي أم أنها في كابوس مريع؟
نعم، كانت حزينة على فقدان شقيقها، ولكنها بدأت بالتأقلم على ألم فراقه. ولكن الآن، ماذا عليها أن تفعل؟ أن تعيش هانئة بين أحضانه وهي تعلم بأنه في ليلة من الليالي سيأتي ويداه ملطختان بدماء شقيقها؟ أم عليها هدم سعادتها والارتماء بين أحضان الشقاء الذي كان نتيجة حتمية لانفصالها عنه؟
تعالت شهقاتها تعبيرًا عن عجزها عن الاختيار، على الرغم من أنها تعلم أخطاء شقيقها القاتلة، ولكن من منا يملك زمام قلبه، الذي حتى جراح أحبته لا تفلح في جعله يكرههم.
وضعت يدها فوق فمها تكمم شهقاتها، ما أن سمعت قفل الباب يدور، فحاولت التمثيل بأنها نائمة. ما أن لامست أنفها رائحته، وتعظم اضطراب قلبها مع كل خطوة كان يخطوها تجاهها، لتشعر بصاعق كهربائي يضرب أنحاء جسدها حين شعرت به يطوق خصرها من الخلف في عناق دافئ، كان كلاهما بحاجة إليه.
استنشق أكبر قدر من رائحتها بداخله، والتي كانت يتخللها رائحة عبراتها التي حاوطت قلبه بغمامة من الألم، فقام بدفن رأسه في عنقها وهو يقول بنبرة متحشرجة:
"حقك عليا."
كان يجاهد الكثير والكثير بداخله، وقد تجلى ذلك في تلك الأنفاس الحارقة التي كانت تلهب عنقها من الخلف، وكذلك صدره الذي كان يتأجج صعودًا وهبوطًا جراء ما يكبته من غضب بداخله، وقد أخافها هذا كثيرًا، لذا تجاهلت منحنى الرد، ليتابع هو بنبرة موقدة:
"مقدرش استغني عنك. كل كلامي كان من غضبي."
شدد من عناقها أكثر وهو يضيف بنبرة متحشرجة:
"مقدرش تبعدي عني لحظة واحدة. بلاش تواجهيني بضعفي قدامك. بلاش تستغليه ضدي."
اشتدت وتيرة نحيبها، وودت لو أطلقت العنان لصرخاتها التي تنحر قلبها من الداخل. ودت لو أخبرته بملء صوتها بأن لا أحد في هذا العالم أضعف منها الآن، ولكنها كانت خائفة للحد الذي جعلها تتمسك بالصمت خوفًا من مغبة الحديث. فقط أطاعت توسلات قلبها حين التفتت تعانقه بقوة توحي بمدى ألمها، فبادلها العناق بأقوى منه وهو يقول بصوت أجش:
"كفاية دموع بقي وبصيلي."
أنهى كلماته وهو يضع أنامله أسفل ذقنها ليرفع رأسها إليه، وقد كانت الغرفة مظلمة إلا من شعاع نور بسيط لم يفلح في إبراز مظاهر الألم والبكاء على وجهها، ولكنه شعر بها، فقام بتفريق قبلاته بين عينيها في اعتذار صامت، اختتمه قائلًا بشجب:
"لازم تعرفي إني عمري ما هفرط فيكِ أبدًا."
أخيرًا خرج صوتها متحشرجًا من فرط البكاء:
"متكذبش عليا يا ياسين. انت عمرك ما هتتراجع عن اللي في دماغك. ولو نفذته تبقي بتنفذ فيا حكم الإعدام."
يعلم مقدار صدق كلماتها، وقد آلمه حتى انفطر قلبه، فتابعت بتوسل لم يعهده منها مسبقًا:
"وحياة أغلى حاجة عندك متعملش فيا كده. أنا عارفة إنه غلط وغلطه كبير، بس في سليم في النص، ولا هو ولا سالم هيسيبوا حق جنة، أنا واثقة."
أنهت كلماتها بسيل من العبرات التي تردد صداها بقلبه الذي وقع أمام ضعفها، فشدد من احتضانها بكل ما أوتي من عشق تجاوز حدود الكلمات. فهمست شفتاها فوق صدره:
"ياسين."
زفر بقوة وقال مرغمًا:
"حاضر يا حلا."
***
مرت حوافر الانتظار على قلبها الذي كان يرتعب كلما ازدادت أصوات القتال في الخارج. فمن فرط صخبها ظنت أنها ستبقى عالقة هنا للأبد، ولكن بعد مرور وقت لا تعلم ماهيته، توقف إطلاق النار فجأة. وجعلها ذلك تشعر بالسوء، فقد شعرت باقتراب أقدام من باب غرفة المكتب، وقد كان هذا يشير إلى أمرين: أولهما أن أولئك المسلحين قضوا على الحراسة في الخارج وجاء دورهم، أو العكس. وهنا همست بقلب مرتعب:
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
دعاء سيدنا يونس وهو في جوف الحوت، لطالما كان هذا نداء استغاثتها ما أن تقع في مأزق، ولم يُرد نداءها يومًا. فبعد لحظات جاءهم الغيث حين شعرت بباب الغرفة يفتح، وصوته المُحبب إلى قلبها، وخاصةً في هذه اللحظة:
"فرح."
اندفعت من أسفل المكتب بلهفة، فإذا به تراه أمامها، فتساقطت عبراتها كتعبير عن الخلاص، وقادتها قدماها لتهرول إليه وهي تصرخ بانفعال:
"سالم."
التقطتها يديه ليقوم بغرسها داخل أحضانه، غير مصدق أنها بين يديه سالمة. فكان طوق ذراعيه حولها مؤلمًا لعظامها التي بدأت تئن تحت سطوة عناقه الضاري. فهمست بألم:
"سالم.. بالراحة."
كان هذا العناق تعبيرًا منه عن خوفه وشوقه وعشقه، فلم يكن يفلح في صياغة الكلمات لوصف ما يعتمل بداخله، ولكن أفعاله كانت تتولى هذه المهمة. فلم يكن يشعر بقوته التي لم تحتملها، ليأتي همسها المتألم كتحذير جعله يتركها على الفور وهو يقول بلهفة:
"حقك عليا. مقصدش أوجعك... انتِ كويسة صح؟"
قال جملته الأخيرة ويداه تتفحصان جسدها بلهفة تجلت في نبرته التي لم تعهدها منه. فاقتربت تحتوي وجهه بين كفوفها بحب انساب من بين شفتيها:
"ماتخافش يا حبيبي، أنا كويسة."
لم تروِ كلماتها ظمأه، فقام بوضع يديه أسفل رقبتها ليقربها منه، وهو ينهل من رحيق قربها بضراوة كانت أكثر من محببة إليها، مما جعل سما تضع يدها على وجهها بخجل وهي تخرج من الباب لتفسح لهم المجال للانفراد ببعضهم. فما أن خطت إلى خارج الغرفة حتى تفاجأت بمروان الذي اقترب منها يحتضنها بلهفة تجلت في نبرته حين قال:
"سما، أنتِ كويسة؟"
تلاحقت ضربات قلبها من اقترابه منها بتلك الطريقة، والتي كانت المرة الأولى التي يأخذها بين ذراعيه، فتورد خداها بقوة أسرت جميع حواسه. حين ابتعد ليطمئن عليها، فامتدت يديه تبعد خصلات شعرها إلى ما خلف أذنها وهو يقول بخفوت:
"إيه يا عم الكسوف ده كله؟ دا حضن يعني. أومال لو بوستك هتعملي إيه؟"
شهقت بخجل وتراجعت للخلف، فإذا به يرى سالم الذي كان يعطيه ظهره، ففطن إلى ما يحدث، فقال بنبرة ساخرة:
"إيه يا جماعة مش كدا؟ خدشتوا حياء البت..."
ما أن أنهى كلمته حتى تفاجأ بسالم الذي قام بركل الباب بقدمه ليغلقه في وجهه، حتى يستطيع التنعم بقربها أكثر، بينما هي الأخرى كانت تشدد من عناقه حتى تهدأ من روع قلبها الذي لا يأمن سوى بوجوده.
فصل اقترابهم، ولكن يديه ظلت تحاصرها وتحكم تطويق خصرها في عناق صامت يتخلله دقات قلوبهم التي كانت تضرب بجنون. فكانت هي أول من تحدثت بأنفاس متهدجة:
"كنت هموت من الخوف يا سالم."
زفر بقوة محاولًا أن يخرج معه ذلك الشعور المؤلم الذي يجيش بصدره، قبل أن يجيبها بنبرة متحشرجة:
"أوعي تقولي كدا تاني. طول ما أنا جنبك، أوعي تخافي."
لثم جبينها بقبلة دافئة قبل أن يتابع بخشونة:
"عمري ما هسيب حاجة وحشة تحصلك أبدًا."
رفعت رأسها وهي تناظره بشغف، تريد أن ترتوي من بحر عشقه أكثر:
"خوفت عليا يا سالم؟"
خيم الألم على ملامحه وهو يسترجع شعوره منذ ساعات، ثم أجابها بنبرة خشنة:
"عمري ما عرفت الخوف في حياتي غير النهاردة."
سحب قدر كبير من أريجها المحبب إلى داخله، قبل أن يضيف بلهجة مشجبة:
"لما قولتيلي خلاص يا سالم، حسيت إن قلبي اتشق نصين."
لم تحتمل الألم في صوته وملامحه، فأرادت محوها قائلة بغرور زائف:
"اعترف يالا إنك بتحبني ومتقدرش تعيش من غيري."
راقت لها بسمتها الجميلة، وأعجبه غرورها ومحاولتها لتهدئته، فقال يشاكسها:
"بعترف."
اغتاظت من سخافة إجابته، فقد أرادت انتزاع إجابة مشتعلة من بين شفتيه، فصاحت بحنق:
"أنا قولتلك قبل كده إنك رخـم."
"قولتي."
بسمة رائعة أضاءت ملامحه وهو يجيبها باختصار، قاصدًا استفزازها أكثر، فهتفت مغلولة:
"وبارد."
ردد كلماتها ساخرًا:
"وبارد."
صاحت بصوت أكثر انفعالًا:
"ومستفز كمان."
يروق له انفعالها كثيرًا، مما جعله يقول ببرود ثلجي:
"كل ده قولتيـه قبل كده. دوري على حاجة جديدة تضيفيها."
كظمت حنقها منه وهي تقول بسخرية:
"بس كده، انت تؤمر."
باغتها يديه التي جذبتها من خصرها لتقربها منه، وكذلك غزله المبطن وهو يقول بخشونة:
"ده انت اللي تؤمر."
لم تفلح في قمع ضحكتها التي أضاءت ملامحها جراء كلماته غير المتوقعة، والتي كانت لها القدرة على إذابة بقايا الخوف العالق بثنايا قلبها، ولكنها قالت بتمنع:
"متحاولش عشان أنا لسه مخصماك."
ضيق عينيه بخبث تجلى في كلماته الماكرة:
"مكنتيش كده من خمس دقايق. لو نسيتي تعالي أفكرك."
كان يشير إلى قبلته، فتجاهلت تورد خديها وقالت مبررة:
"ده كان رد فعل طبيعي بعد الخوف اللي كنت فيه."
سالم بفظاظة:
"محسيتش كده. بس ماشي، مش هتفرق."
فرح بانفعال:
"يعني إيه مش هتفرق دي؟"
سالم بملل:
"أنا شامم ريحة هرمونات، ودا مش وقته خالص على فكرة."
أوشكت على إجابته، ولكن جاء الطرق على الباب ليوقفها، فقام سالم بفتحه، فإذا به يجد مروان الذي وضع إحدى يديه فوق عينيه وهو يقول بسخرية:
"حد خالع راسه؟"
التفت سالم يناظرها بحنق تجلى في نبرته وهو يقول:
"شايفه العاهات اللي مجبر أتعامل معاها؟ عرفتي ليه بقولك مش وقت هرموناتك."
تدخل مروان قائلاً بجدية مفتعلة:
"إيه مالها هرموناتك يا فرح؟ أوعى يكون مزعلك؟ لا، كله إلا ده."
سالم بجفاء:
"وانت مالك ومال هرموناتها يا بغل. امشي من قدامي."
مروان بلهفة:
"حاضر يا برنس."
ثم التفت إلى فرح قائلاً بحدة:
"ما تظبطي أنتِ وهرموناتك دي يا ستي، ناقصين دلع إحنا."
قال جملته ثم هرول إلى الخارج ما أن رأى ملامح سالم المتجهمة، فاندلعت ضحكة رائعة من بين شفتيها، جعلته يكظم غيظه وهو يقول:
"ضحكتك أوي كلمته؟"
فرح بدلال:
"طبعًا، هو أصلاً مروان كله على بعضه سكر وبيضحكني."
اندلع صوت مروان من الخارج وهو يقول بانفعال:
"الله يخربيت مروان وسنينه يا ستي، سبيني في حالي، ده أيده مرزبة."
تجاهل حديث ذلك الوغد، وأخذت نظراته تبحران فوق ملامحها التي تناظره بتحدٍ، يعلم أنها تود إغضابه، ولكنه بالفعل شعر بالغضب، فقام بالعض على شفتيه وهو يقول بوعيد:
"هربيكي، بس الصبر."
تورّد خدها من كلماته ومعانيها المبطنة، فاخفضت رأسها خجلًا، وقام هو بجذبها إلى أحضانه، يريد أن يشعر بها بجانب قلبه، عل وجودها يخدر أوجاعه ولو قليلًا.
في الخارج، كان سليم يجلس بغرفة الصالون، وطارق الذي كان يقف ممسكًا بهاتفه يطمئن على حال شيرين. فاقترب مروان من سليم يحاول انتشاله من بحر أوجاعه قائلًا:
"بقولك إيه؟ هو أنا المفروض أعمل إيه مع سما في الموقف ده؟"
التفت سليم يناظره بحنق، فلم يكن ينقصه سوى أن يعطي نصائح في الحب لذلك المعتوه، ألا يكفيه ما يمر به؟ فأجابه هادرًا بغضب:
"اخفي من وشي."
مروان بامتعاض:
"تصدق، أنت صح. هي دي أشكال آخد رأيها بردو؟"
كان سليم يوشك على لكمه، ولكن أوقفه صوت سالم الصارم حين قال:
"يالا عشان هننزل القاهرة دلوقتي. خلينا نتجمع كلنا في مكان واحد بدل ما نشتت الحراسة."
أومأ الجميع، فتدخل طارق مقترحًا:
"طب أنا هخلع، وانتوا ابقوا تعالوا ورايا."
سالم بفظاظة:
"مينفعش، هنمشي كلنا سوا."
لوى فمه قائلًا بامتعاض:
"سالم، متقوليش إنك خايف عليا والأفلام دي."
نظر سليم إلى ساعته وهو يقول بجفاء:
"كلها نص ساعة، البنات هيلموا حاجتهم وهنمشي. اقعد بقي متقرفناش."
أوشك على الحديث، فاوقفـته كلمات سالم الحازمة:
"مفيش نقاش، ومفيش حد هيمشي لوحده."
تدخل مروان ساخرًا:
"ما انتوا مش عارفين. أصل البيه بيحب جديد.. وعايز يروح يطمن على المزّة."
زمجر طارق بحنق:
"لم لسانك يا واد بدل ما أقطعهولك."
التفت إليه سالم وهو يقول بفظاظة:
"هنشوف الموضوع ده بعدين."
زفر طارق بحنق، مما جعل ابتسامة مستفزة على ملامحه، قبل أن يقول بتهكم:
"اقعد اقعد. أحسن تروحيلها تحدفك ببتاعت الكلوكوز تفتح نافوخك."
لمعت عينا سالم بابتسامة، بينما تعاظم الحنق بداخل طارق، الذي قال مغلولًا:
"ليك يوم. اتك على الصبر بس."
صمتت الأحاديث الشفوية، وبدأت أحاديث العيون، فالجميع كان يتساءل بصمت عن القادم، ولا يجرؤ أحد على التفوه بما يجول بخاطره. فلم يعد يحتمل مروان ذلك الصمت أكثر، وقام بالخروج تزامنًا مع اهتزاز هاتفه. وما أن رأى المتصل، حتى تعاظم الغضب بداخله، فأخذ ينفثه على هيئة زفير قوي لم يفلح في تهدئة نيران صدره. فمنذ أن رآه حيًا أمامه، حتى بدأت عقارب الخوف تلدغ قلبه دون رحمة، لم تفلح محاولاته في إخمادها أو إبعاد سمومها عن عقله، مهما حاول السخرية التي كانت سلاحه الوحيد في مواجهة أزماته. ولكن تلك المرة كان الأمر أصعب بكثير، وهو لم يعد يحتمل، لذا أخذ ينهب درجات السلم متوجهًا إليها، لكي ينهي هذا الصراع اللعين لمرة واحدة وإلى الأبد.
وصل إلى غرفتها، فقام بدق الباب، وما هي إلا ثوانٍ حتى وجدها تقف أمامه، فألقى بكلماته دفعة واحدة ودون أي مقدمات:
"حازم لسه عايش."
شهقة قوية شقت جوفها حين ألقى بقنبلته المدوية، والتي جعلتها تتراجع خطوتين إلى الخلف، قبل أن تتمالك نفسها وهي تقول بأنفاس مقطوعة:
"مروان، أنت بتقول إيه؟ أنت بتهزر صح؟"
"شكلي شكل واحد بيهزر؟"
نبرته الحادة وملامحه المتجهمة كانتا خير دليل على حديثه، فصاحت بصدمة:
"إزاي حصل ده؟ إزاي؟ هو فيه حد بيصحى من الموت؟"
تحاهل ضجيج قلبه ووخزات الألم التي تفشت بجسده، وقال باختصار:
"كان مع أبوكي، ومنعرفش لسه ده حصل إزاي."
وضعت يدها فوق جبهتها وأخذت أنفاسها تتلاحق، قبل أن تقول بنبرة حزينة:
"طب جنة عرفت اللي حصل ده؟"
أومأ بصمت، فصاحت بتأثر:
"يا عيني يا ربي، الله يكون في عونها، كدا بقت مرات اتنين."
بترت جملتها وهي تشهق كمن تذكر شيئًا، فصاحت باندفاع:
"طب وسليم؟ سليم هيعمل إيه؟ ده ممكن يموت فيها؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الاتنين دول مش مكتوبلهم يفرحوا أبدًا؟ إيه اللي بيحصل ده بس ياربي؟"
تحمحم بخشونة محاولًا تهدئة نبضاته الثائرة وهو يقول بترقب:
"هو ده بس اللي أنتِ شايلة همه؟"
فاجأته إجابتها القوية حين قالت:
"أيوا، هو ده بس. وأوعى تحط في دماغك حاجة تانية غير كده."
تنفس الصعداء إثر كلماتها التي أعادت الحياة لقلبه مرة أخرى، فصاح بحبور:
"الله يحرقك يا شيخة."
نهرته بغضب:
"بطل طوله لسان."
مروان بسخرية:
"أنتِ بتكشريلي يا بنت همت؟"
"مش عاجبك."
مروان بتودد:
"عاجبني ونص. أنا أقدر."
أنهى كلماته وأخذها بين ذراعيه ليؤكد لنفسه حقيقة ما يحدث، فهمست بخجل:
"مروان."
همس بخفوت:
"هش. اسكتي. خليكي في حضني شوية."
انصاعت لمشاعرها الجارفة نحوه، واستكانت بين ذراعي عشقه تنشد الراحة والأمان الذي تبلور في كلماته حين تراجع لينظر إلى داخل عينيها وهو يقول بقوة:
"أنا مش هطلقك يا سما. أيًا كانت ظروف جوازنا، بس أنا لما مضيت على القسيمة دي مكنتش ناوي أطلقك."
ارتج قلبها من فرط المشاعر التي بثتها كلماته في جوفها، فهمست بخفوت:
"ليه؟"
"عشان بحبك. أنا مبعرفش أكذب ولا أخبي. أنا فعلًا بحبك وعايز آخد فرصتي معاكِ. موافقة؟"
هكذا تحدث بنبرة قوية تصاحبهما نظرات عاشقة انصاعت لسحرها، فهمست قائلة:
"موافقة."
مروان بمزاح:
"ولا مش موافقة. كفاية أنا موافق."
ابتسمت على كلماته وقالت وهي تـلكزه في كتفه:
"رخـم أوي."
مروان بسخرية:
"آه صحيح، بمناسبة الرخامة، شيرين انضربت بالنار."
شهقت بفزع اندفع من بين شفتيها:
"يا نهار أسود، حصل إزاي ده؟"
لابد لها من أن تعلم الحقيقة، لذا قال بجفاء:
"أبوكي. كان عايز يهرب، فضرب رصاصة جت فيها. بس متقلقيش، هي كويسة."
انهارت في البكاء، فاقترب منها يحتضنها بين ذراعيه لكي تهدأ، وهو يقول:
"تعالي النهاردة في حضني، تعالي."
تراجعت للخلف وهي تقول بنبرة متحشرجة:
"جهز حاجتي بسرعة عشان أروح أطمن عليها."
لم يعارضها، إنما أفسح لها المجال لتكمل حزم حقائبها، وهو يقول بامتعاض:
"ياريتها كانت ماتت، كنت فضلت حاضن للصبح."
***
بعد نصف ساعة، كان الجميع يستقل السيارات في طريقهم إلى محافظة القاهرة. وقد كانت تجلس في المقعد المجاور لمقعده، وعيناها تراقـبانه بحزن على ذلك الجبل الصامد الذي يستند عليه الجميع، وكأنه حجر صلب لا يشعر ولا يحزن ولا يتألم، بينما كانت الوحيدة التي رأت داخله وكيف يحترق بصمت دون أن يجد من يستند عليه.
"بتبصيلي كده ليه؟"
هكذا استفهام سالم، فامتدت يديه تتلمسان جانب وجهه بإعجاب صريح تضمنته كلماتها حين قالت:
"معجبة."
لاح شبح ابتسامة على شفتيه، ولم يجبها، فأردفت بخفوت:
"تعرف إن أول مرة في حياتي أحس بالفخر زي ما أنا حاسة دلوقتي؟"
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"ليه؟"
"عشان أنا مراتك."
لم يجبها، إنما التقط أنامله التي تتلمس وجهه بحنان تسرب إلى وحشة قلبه، فاستكانت، وقام بوضع قبلات صغيرة على يديها، بينما كانت عيناه مسلطة على الطريق أمامه. فتابعت بحب فاض به القلب وطغى:
"بإذن الله كل حاجة هتبقى كويسة."
زفرة قوية خرجت من جوفه، جعلتها تدرك مدى معاناته، قبل أن يقول بنبرة مشجبة:
"تفتكري؟"
اقتربت تضع قبلة دافئة على كتفه، ثم تراجعت إلى مكانها مرة أخرى، قبل أن تجيبه بثقة:
"طبعًا، بس أنت قول يارب."
"يارب."
خرجت حروفه مشبعة بالتوسل الذي لا يظهر إلا لخالقه، ثم قام بمد يده ليجذبها لترتاح بين أحضانه ويرتاح هو بوجودها، بينما يداه الأخرى على المقود وعيناه ما زالت مسلطة على الطريق أمامه.
***
"صفوت.. ممكن أتكلم معاك؟"
هكذا تحدثت سهام بخفوت وهي تنظر إلى صفوت الذي كان يعطيها ظهره ولم يبالي بحديثها. ف قامت بالالتفاف لتقف أمامه، فتفاجئت من ملامحه الجامدة وعينيه القاسية، وهي تطالعها لأول مرة بتلك الطريقة التي أفزعتها، خاصةً حين أتاها صوته الفظ:
"مبقاش بينا أي كلام."
أخذت تتلفت يمينًا ويسارًا وهي تحاول قمع فيضان العبرات الذي يهدد بالانفجار في أي لحظة، حتى خرجت لهجتها متحشرجة وهي تقول:
"أنا مكذبتش عليك في حاجة يا صفوت، كل حاجة كنت عارفها."
قاطعتها صفعة قوية من يديه جعلت رأسها يدور إلى الجهة الأخرى، وبنفس قوة الصفعة جاءت قبضته على خصلاتها ليجذبها إليه بعنف، تجلى في نبرته حين قال:
"ولما طلبتي مني الطلاق وروحتيله، مكنتيش بتكذبي عليا؟"
كان شفتيه ترتجف من فرط الغضب المستعر الذي يجيش بصدره، فهمست بألم من بين أوجاعها:
"عملت كده عشان بنتي."
"بنتك! ولا عشان وحشك حبيب القلب."
كان استفهامًا يمزق قلبه الذي يتلظى بنيران الجوى والغيرة، فحاولت التملص من بين يديه وهي تهتف بغضب:
"اخرس وأوعى تقول حرف واحد. أنا اتجوزتك عشرين سنة مشوفتوش فيها ولا مرة واحدة ولا حتى فكرت."
كان يعلم صدق قولها، ولكنها الغيرة والألم الذي جعلها تنتفض من بين يديه وهي تتابع بكبرياء وشموخ:
"بالرغم من إننا أطلقنا وانتهينا، بس أنا جيلتك عشان أعتذر عن اللي حصل مني وإني روحتله عشان عارفة ده جرحك قد إيه، بس أنا عملت كده عشان بنتي. ولو رجع بيا الزمن هعمل كده تاني."
"يبقى تمشي وترجعي تاني عند بنتك."
هكذا تحدث بقسوة، فقابلتها بتحدٍ أضفى نيرانًا أخرى فوق بركانه المشتعل:
"أنا فعلًا همشي. والألم اللي أديتهولي ده تمنه غالي أوي يا صفوت، خليك فاكر."
أنهت كلماتها وتوجهت إلى داخل الغرفة، فلم تجد لا أمينة ولا نجمة، التي كانت تهرول إلى خارج المشفى تصاحبها عبراتها التي لم تفارقها منذ أن وعـت على هذه الحياة التي أمطرتها بصفعات متتالية، كل واحدة كانت أشد وأقسى من سابقتها، وآخرهم أنها تنتمي إلى تلك العائلة الكبيرة، وأن من خطفها وألقى بها في هذا العذاب كان عمها!
جدار بشري صلب اصطدمت به، جعلها توشك على السقوط، لولا يد قوية أحكمت تطويق خصرها، تمنعها من الارتطام بالأرض الصلبة، ثم اخترقت قلبها نبرة جافة تعرفها كثيرًا، ولكن تلك المرة يشوبها لهفة قوية:
"وه. نچمة. أنتِ كويسه؟"
رفعت رأسها تطالعه بصدمة، كانت أضعافها بقلبه الذي اهتز من ملامحها الباكية، فصاح باهتمام:
"حوصول إيه؟ حد زعلك ولا إيه؟"
بنبرة مرتجفة أجابته:
"لاه.. مفيش حاجة. إني كنت عايزة أشم شوية هوا."
كان يعلم أنها تكذب، ولكنها لم ترد الضغط عليها أكثر، لذا قال مقترحًا:
"طب إيه رأيك نروحوا نشربوا أي حاجة في الكافتيريا؟"
لم تجد مفرًا للهروب منه، وأيضًا كانت خائفة، وهو الشخص الوحيد الذي لا تخشى من وجوده حولها، لذا ذهبت معه دون أن تدري أن هناك من يحترق ذعرًا من هاجس فقدانها مرة أخرى.
"صفوت ألحقني يا صفوت."
التفت صفوت إلى سهام المرتعبة، فاقترب يحاوط كتفيها بلهفة تجلت في نبرته حين قال:
"في إيه يا سهام؟"
"نجمة مش لقياها، مش في الأوضة."
صُدِم من حديثها، ولكنها لم ترد بث الذعر في قلبها أكثر، فقد كان يرتعب هو الآخر، ولكن جاءت كلماته مطمئنة:
"اهدي يا سهام. هتلاقيها هنا ولا هنا، ولا ممكن تكون في الكافتيريا بتشرب حاجة."
أخذت تهز رأسها يمينًا ويسارًا وهي تقول بانهيار:
"وهي تعرف حاجة إيه هنا يا صفوت؟ بنتي اتخطفت، بنتي ضاعت مني تاني يا صفوت."
أنهت كلماتها وارتخت أقدامها لتقع بين أحضانه مغشية عليها.
***
خطت بأقدامها إلى داخل ذلك الطابق السفلي للقصر الكبير، وبداخل جسدها شيء ممزق مهترئ بفعل الوجع الكامن بداخلها، يُسمى بالقلب! أخذت يديها تتلمس الحائط إلى أن وقفت تنظر إلى ذلك النائم على الأريكة بأعين انبثق منها الخزي، على هيئة عبرات غزيرة من بين نهنهات متقطعة، جعلت حازم يهب من مكانه بصدمة، سرعان ما تحولت لشعور عارم بالضيق والحرج. فها قد حانت المواجهة التي كان يخشاها.
أخذت أمينة تتقدم منه بخطٍ سلحفية، ونظرات غاضبة جريحة معاتبة، إلى أن توقفت أمامه مباشرةً. وما أن هم بالحديث، قاطعًا هذا الصمت غير المريح، حتى هوت بيدها فوق خده بصفعة قوية لم يكن يتوقعها.
"عملنا فيك إيه عشان تعمل فينا كده؟"
كان استفهامًا لا يقوى على إجابته، لذا حاول المناص منها وهو يلتفت إلى الجهة الأخرى، لتقود يدها بجذبه من ذراعه بقوة، تجلت في نبرتها حين صاحت:
"بكلمك رد عليا.. عملنا فيك إيه؟ عملت أنا فيك إيه؟ تحرق قلبي عليك كده ليه وأنت عايش؟"
قالت جملتها الأخيرة بصراخ هز أرجاء المكان، فحاول أن يهدئ من روعها خوفًا على حالة قلبها:
"اهدي يا ماما شوية. اهدي، قلبك مش هيستحمل."
صاحت مستنكرة بمرارة:
"قلبي! قلبي اتحرق بسببك. لسه جاي تفكر في قلبي؟ مفكرتش في ليه وأنت بتكذب علينا وبتمثل إنك ميت؟ مفكرتش في قلبي ليه وأنا بدفنك تحت التراب بإيديا؟"
انفجرت في نوبة عويل، دوى صداها في أنحاء المكان حولهم، فحاول امتصاص غضبها قائلًا:
"ياما أنا اتضحك عليا. أنا اتلفق لي مصيبة وماكنش قدامي غير إني أعمل كده. كان لازم أهرب، وإلا كنت هروح في ستين داهية وأنتوا معايا."
شهقت أمينة متفاجئة من حديثه الذي مر على قلبها بشاحنة ضخمة، جعلت حوافر القلق تنشب بداخلها، فقالت بذعر:
"تق. تقصد إيه؟"
لم يكن يعلم كيف يخبرها، ولا يعلم مدى معرفتها بالأمر، لذا توقفت الكلمات على أعتاب شفتيه، لتأتيه النجدة من استنتاجها غير المتوقع:
"تقصد موضوع جنة؟"
"آه. آه أقصد جنة."
هكذا صاح بلهفة، فزجرته باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت:
"إزاي جالك قلب تعمل في بنات الناس كده؟ مصعبتش عليك البنت اليتيمة دي تعمل فيها كده؟ بنت زي الوردة تضيع مستقبلها. مفكرتش في اختك؟ حد يعمل فيها كده؟"
اخفض رأسه بخزي أمام هجمات كلماتها التي لم يجد لها مبررًا واحدًا، سوى أنه حقير، فلجأ للصمت ولذرف عبرات الندم، علها تطهره من تلك الآثام والخطايا، فجاءه صوتها الصارخ ليصم آذانه:
"أنت إيه يا خي شيطان. الله ينتقم منك. الله يلعن البطن اللي شالتك. الله ينتقم منك. ياريتني موت قبل ما خلفتك."
بترت كلماتها هذا الألم الجسيم الذي شعرت به أيسر صدرها، فحال بينها وبين تنفسها، فخارت قواها لتسقط بين يدي حازم، الذي صاح بصراخ اهتزت له أرجاء القصر:
"ماما."
***
"نجمة."
صوتًا في الخلف جعلها ترتجف للحد الذي جعل الكوب يهتز من بين يديها، وبريق ذلك السائل الدافئ على ملابسها، فاشتعل مكان إصابته. فهبت من مكانها حتى كادت أن تقع، فامسكها عمار بلهفة وهو يقول:
"حاسبي. أكده حرجتي نفسك وكتي هتوجعي."
جذبت نفسها من يده وهي تتراجع إلى الخلف، ما أن وصل إليها صفوت الذي انخلع قلبه وهو يراها، كادت أن تسقط. فأخذت تتراجع إلى الخلف وهي تفرق نظراتها بينه وبين عمار، الذي أشفق على خوفها الذي يود لو يفعل المستحيل ليمحيه، فقال بنبرة متحشرجة:
"متخافيش. محدش فينا هيقدر يزعلك ولا ييجي جارك. إحنا هنا عشان نحميكي."
همست بحرقة:
"بعدوا عني."
تحدث صفوت بلوعة:
"أنتِ خايفة مني يا نجمة؟"
أومأت بالإيجاب، بينما تساقطت عبراتها بصمت ينافي عويل قلبها الضائع في أروقة الحياة دون أي هدى.
"أنا أبوكي يا نجمة، اوعي تخافي مني."
همست بخفوت:
"إني عايزة أروح."
صفوت بابتسامة مطمئنة:
"هنروح كلنا، متقلقيش."
أجابته باعتراض:
"لا، أنا عايزة أروح عند أهلي اللي أنا أعرفهم."
أجابها صفوت بحرقة، بينما غلفت عينيه طبقة كرستالية من العبرات:
"إحنا أهلك يا نجمة. أنا أبوكي اللي عشت محروم منك ستاشر سنة. حقك عليا. والله فراقك ما كان بإيدي. أنا دورت عليكِ في كل مكان. أنا مفيش ليلة نمتها مرتاح وأنت بعيد عني. أنا وأمك اتعذبنا أوي من غيرك."
أمطرته عيناها ألمًا فاض بالقلب حتى طغى ولم يعد يحتمل، فأردف صفوت بتوسل:
"تعالي في حضني، تعالي في حضن أبوكي، ومتخافيش يا بنتي."
لا تعرف ماذا دهاها، كانت على وشك الرفض، ولكن شيئًا ما جذبها لتلقي بنفسها بين أحضان هذا الرجل الذي احتوائها بقوة، وكأنها كنزه الثمين، وقد كان هذا أول عناق حقيقي تتلقاه في حياتها.
***
وصل الجميع إلى المشفى، فكان أول من قابلهم همت التي قالت بحبور:
"شيرين فاقت."
ابتهج الجميع، وهرولت سما تحتضنها فرحًا، ولكن كان هو شعوره مختلفًا، يشبه شخصًا محتجزًا في أعماق المياه الدامسة، يحبس أنفاسه حتى أوشك على الهلاك، والآن فقط استطاع أن يطفو على سطح المياه، مطلقًا نفسًا قويًا خرج من أعماق صدره الذي اخترقه سهمًا مشتعلًا حين سمع كلمات همت المحرجة:
"سالم. بصراحة شيرين طلبت تشوفك أول ما تيجي ضروري."
تجاهلت تلك الغصة بقلبها وهي تشعر بيده تشدد من قبضته عليها، قبل أن يلتفت ناظرًا إلى عمته وهو يقول بجفاء:
"خلي بالك من فرح، وديها أوضة ماما ترتاح لحد ما أرجع لها."
"من عيني يا سالم."
هكذا أجابته همت بلهفة، فالتفت يتطلع إليها بنظرات خاصة مطمئنة، فتحت دربًا للراحة والسكينة ليستوطنوا قلبها، قبل أن يقول بخشونة:
"ارتاحي لحد ما أجيلك. مش هتأخر عليكِ."
أومأت بصمت، بينما ارتسم على ثغرها ابتسامة بسيطة كان بحاجة إليها، قبل أن يلتفت قاصدًا غرفة شيرين، التي ما أن أطل من الباب حتى دعته للدخول، فقام بجذب أحد الكراسي ليجلس بجانبها وهو يقول باهتمام:
"عاملة إيه دلوقتي؟"
"الحمد لله."
هكذا تحدثت بخفوت لكي لا يزداد ألمها أكثر، فقال بنبرة خشنة:
"حمد الله على سلامتك."
"الله يسلمك.. ينفع أتكلم معاك شوية؟"
هكذا استفهمت بخفوت، فأجابها بهدوء:
"ينفع، بس لما صحتك تتحسن. هنتكلم. هنتكلم كتير أوي يا شيرين."
أغمضت عينيها بخزي، فقد كانت لهجته توحي بمدى غضبه منها، أو لنقل عتابه لها. فحاولت تجاوز ذلك وقالت بتوسل:
"أرجوك يا سالم تسمعني وتديني فرصة أشرحلك."
بتر توسلها بلهجته القاطعة حين قال:
"قولت بعدين يا شيرين. لما تبقي كويسة هنتكلم."
أذعنت لأوامره، ولكن داخلها شيء ينذر بالسوء لا تستطيع تجاوزه.
"هسيبك دلوقتي ترتاحي، وبكرة إن شاء الله هاجي أطمن عليكِ."
هكذا تحدث، فقابلت كلماته ببسمة واهنة، وحين كاد أن يفتح باب الغرفة، لم تتمالك نفسها وهي تصيح قائلة:
"الفويس اللي سمعته لفرح يوم فرحكم كان بصوت حازم."
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان العشري
"هسيبك دلوقتي ترتاحي وبكرة إن شاء الله هاجي أطمن عليكي."
هكذا تحدث، فقابلت كلماته ببسمة واهنة. وحين كاد أن يفتح باب الغرفة، لم تتمالك نفسها وهي تصيح قائلة:
"الفويس اللي سمعته لفرح يوم فرحكوا كان بصوت حازم."
هل يمكن لعدة حروف بسيطة أن تصبح طلقات نارية قادرة على انتزاع روح إنسان؟
تجمد بمكانه لثوانٍ يحاول التقاط أنفاسه الهاربة، قبل أن تأتيه كلماتها المحملة برذاذ الاعتذار:
"أنا آسفة يا سالم. مبقتش قادرة أتحمل كل اللي شيلّاه في قلبي. لو اتكتب لي عمر جديد، هيبقى بقلب نضيف مش شايل أي مرارة جواه."
كان الصمت طابعه المميز الذي يكمن بين طياته شموخ وكبرياء، ولكن الآن كان صمته خزي وخذلان.
أخيرًا، اتخذت قرار إخلاء سبيل كل تلك الأسرار المخفية كالعلقم في جوفها:
"حازم كمان اللي ولّع في المزرعة يوم فرحكوا، عشان مكنش عايز سليم يقرب من جنة. وهو اللي خلاني أقنع ماما تحط حبوب منع الحمل في العصير عشان تسقطها. مكنش عايزها تخلف ولد يورث فلوسه. وهو اللي خد فلوس الصفقة الألمانية. لما جنة ولدت، فكّر إنه ياخد أي حاجة من ورثه."
تناثرت أشواك الحقيقة بقلبه، مما جعله يُغمض عينيه وداخله يبتهل لخالقه أن يستيقظ من ذلك الكابوس قبل أن يقضي عليه. ولكنه لم يكن كابوسًا، بل واقع مرير دهس على ثباته وقوة تحمله حتى كاد أن يسقط في تلك اللحظة من فرط ذلك الثقل الذي لم تعد قواه تكفي لتحمله.
أشفقت على ألمه، ولكن لم يكن هناك وقت للتراجع، لذا أكملت تجلده بسوط تلك الحقائق المريعة:
"هو اللي خطف محمود عشان يساوم جنة إنها تسيب سليم. وهو اللي هدد لبنى وأهلها إنها تغير أقوالها وتتهم عدي، لما عرف إنه اتجوز ساندي."
صمتت لثوانٍ قبل أن تضيف بلهجة تتضور وجعًا:
"حازم زي بابا بالظبط. نفس الأنانية. نفس الطباع السيئة. ماعندوش مشكلة إنه يأذي أي حد، المهم ياخد اللي هو عايزه."
تعاظم الوجع حتى أسدل ستاره على ملامح وجهه وطمس بريق عينيه، ولهجته التي جاءت متحشرجة وكأنه كان يحاول انتزاع الحروف لتخرج من بين شفتيه:
"هو اللي حاول يقتل لبنى؟"
التقمت عينيها ذلك التوسل الخفي بعينيه لإجابة قد تخفف من وطأة ألمه ولو قليلًا، فلم تبخل عليه بها:
"لا. بابا اللي عمل كده، بس بطلب منه. أصلًا سبب هروب حازم كان لبنى دي. حكاية لبنى دي بابا اللي ملفقها، زي برضه ما جرّ حازم عشان يشرب مخدرات."
سالم بجفاء أطل من عينيه أولًا:
"عايز أعرف كل حاجة من البداية."
أومأت برأسها قبل أن تسهب في سرد ما حدث:
"بابا سلط واحد ديلر على حازم وأصحابه عشان يجرهم للمخدرات، وبعد كده بدأ يجيب رجل حازم عنده في المنطقة الشعبية دي عشان يلبسه تهمة يكسر عينكوا بيها. ولما بدأ حازم يتردد على الولد ده في منطقته، شاف لبنى دي وحاول يقرب منها، رفضته. فبدأ يتعلق بيها ويروح للولد ده كتير، وهو لاحظ نظرات حازم ليها."
صمتت لثوانٍ تسترد أنفاسها، محاولة تجاهل ذلك الألم الدامي في كتفها، ثم استطردت بتعب:
"ومن هنا بدأوا يرتبوا لكل حاجة. ويوم الحادثة شربوا حازم مخدرات وخمرا ومنشطات. وخطفوا البنت وقفلوا عليها هي وحازم في شقة عشان يعمل عملته. وطبعًا حازم لما فاق، لقي البنت غرقانة في دمها ونهار، وفكرها ماتت، وهما أكدوا عليه الاعتقاد ده. والولد الديلر ده قاله إنه عنده حد يسفره بره. وطبعًا حازم مكنش في عقل يفكر، كل اللي كان في دماغه إنه مرعوب منكم تعرفوا بعمله، ومرعوب لا يُقبض عليه بتهمة الاغتصاب والقتل. فوافق."
خرجت كلماته قاسية كملامحه في تلك اللحظة:
"وطبعًا البيه كان مجهزله ورق سفره حتى قبل ما يحصل اللي حصل."
أومأت بصمت:
"فقد تشعب الخوف إلى داخلها من نظراته وملامحه التي كانت مرعبة. وكذلك جاءت لهجته حين أمرها قائلًا:"
"كملي."
"بابا مكنش عايز انتقام عادي. كان عايز يدمركوا بمعنى الكلمة. وطبعًا موضوع حازم ده كفيل إنه يكسركم العمر كله. اتفق مع الدكتور إنه يديله حقنة هتخلي النبض ضعيف جدًا، وهو اللي خلى الدكتور يقولكم إنه مدمن، ودي كانت بداية انتقامه. وبعد ما خرج حازم من القبر، سفره على إيطاليا ومنها على ألمانيا."
سالم بقسوة:
"وعرف امتى إن أبوكي ورا كل ده؟"
"بابا في الأول قابله في بار بعد ما سابه شهر يتلطم في كل حتة، لحد ما حازم كان بيفكر إنه ينتحر. وقتها ظهرله في البار، كان حازم بيشتغل هناك، يعني بينضف الحمامات."
كانت تشاهد فكه الذي كان يطبق على الآخر بشدة، وعروق رقبته التي كانت بارزة للحد الذي يجعل من يراها يظن بأنها ستنفجر في أي لحظة، مما جعلها تبتلع ريقها بصعوبة وهي تكمل:
"بابا كان قاصد كده عشان أول ما حازم يشوفه يترمى تحت رجليه، وفعلاً ده اللي حصل. وأخده معاه على ألمانيا بعد ما حازم حكاله كل حاجة، وبابا طمنه إنه عمره ما هيقول أي حاجة لحد. وقبل ما لبنى تفوق بتلت أيام، سمع بابا وهو بيتكلم مع الواد الديلر ده وبيسأله على لبنى، فاقت ولا لسه. وقتها حازم اتجنن وقال لبابا إنه هينزل مصر ويحكيلكم على كل حاجة. فبابا حب يقرص ودنه، راح كلم دكتور يعرفه وكلفه إنه يفصل عنها الأجهزة. وكان في احتمالين، يا إما تموت ويبلغ عنه لأنه طبعًا كان مصوره جنبها يوم الحادثة. يا إما تفوق وتحكي إن حازم اللي اغتصبها، خصوصًا إن حازم لما دخل عليها الأوضة كانت فاقت وشافته."
أومأ برأسه فقد استشف ما حدث بعد ذلك، وقال ساخرًا بمرارة:
"وطبعًا عشان يأكد تمثيليته، بعت الشرطة عندنا البيت؟"
أكدت على كلماته قائلة:
"فعلًا، وحازم وقتها مقدرش يرجع، بس اشترط عليه إنه يلبس التهمة لعدي عشان يفضل معاه، وبابا وافق. كان كل همه إن حازم يفضل معاه عشان يضرب ضربته الأخيرة لما يصدمكم بوجوده، وكمان كان قاصد يجننكم. وهو اللي أجبر أهل البنت إنهم يهربوا وهددهم إنه هيقتلها وإنه من طرفك!"
أنهت كلماتها بوهن فقد تمكن منها الإعياء، مما جعله يكتفي بتلك الجرعة المسمومة التي سُكبت فوق مسامعه اليوم:
"ارتاحي دلوقتي، وبعدين نكمل."
"سليم. ممكن نتكلم شوية؟"
هكذا تحدثت فرح التي شعرت بالشفقة على ألمه المرتسم بين طيات ملامحه والمنبثق من عينيه التي لأول مرة تراها منطفئة هكذا.
"سامعك."
كانت نبرته جافة تشبه قلبه الذي تيبس من فرط اللوعة والاشتياق المرير لامرأة نفخت بقلبه الروح بعد أن كان شعوبًا لسنوات. امرأة أغرته بالجنة وأسكرته بنعيمها، فأصبحت أنفاسها هواؤه وعشقها يسري في عروقه مسرى الدماء، حتى ظن أن سرمدية بقاءها أمرًا غير قابل للنقاش، وإذا به ينال صفعة هجر قاسية سقطت على قلبه لتنتزع منه تلك الحياة التي بثته إياها ذات يوم.
"أنا حاسة بيك وبوجعك.. بس عارفة ومتأكدة إن جنة روحها فيك، وأنت كمان عارف دا."
بشق الأنفس استطاع أن يتحكم في صراخه الذي إن أطلق له العنان سيحطم جدران ذلك المبنى، فأي حبيب هذا الذي يقتل محبوبه بتلك الطريقة؟ ولكنه اكتفى بإيماءة بسيطة قبل أن يقول بتهكم مرير:
"عارف."
شعرت بما تحويه كلماته، لذا شددت من كل حرف تتفوه به حين قالت بجفاء:
"لازم تقدر موقفها يا سليم. جنة اتحطت في أسوأ وضع ممكن واحدة تتحط فيه؟ تبقى متجوزة اتنين.."
تلك الكلمة تدهس على قلبه دون رحمة. حروفها كالسم السريع المفعول الذي يذهب بتعقله إلى الجحيم.
التفت بحدة لتقاطعه كلماتها القاسية حين قالت:
"شفت انت مش قادر تتحملها إزاي؟ أومال هي تعمل إيه؟ جنة مش قادرة تبص في وشك يا سليم. مكسوفة ومرعوبة منك."
استنكر حديثها قائلاً:
"مرعوبة مني؟"
"أيوه مرعوبة منك. افتكر كنت إزاي معاها قبل ما تعرف حقيقة اللي حصل. افتكر كنت بتعاملها إزاي وبتجرحها قد إيه؟"
اندفع ينفي تلك الشبهات عن نفسه:
"وقتها أنا كنت متضايق من اللي عملته والفخ اللي وقعت نفسها فيه. كنت بقسى عليها من غضبي منها."
صاحت بنفس لهجته:
"ودلوقتي مش متضايق؟ مش ممكن تلومها؟ ماهو خيط الغلط لسه موصول. غضبك مش ممكن يخليك تقسى عليها؟"
صمت لثوانٍ يتفهم حديثها ويعيد تلك الأسئلة على كلًا من عقله وقلبه، فاستمهل نفسه قبل أن يجيبها بقوة:
"لا.. عمري ما هعمل معاها كده."
انشرح قلبها لإجابته ورقت لهجتها وهي تقول:
"يبقى قولها كده. طمنها. عرفها إنك مش هتلوم ولا هتقسى عليها أبدًا. جنة محتاجة وجودك قوي يا سليم."
كانت بوادر الاقتناع تلوح في الآفاق، ولكنها كانت تعلم بأن كبرياءه يمكن له أن يفسد الأمور، لذا خاطبت قلبه العاشق قائلة:
"حتى لو زعلان منها، مش وقته. أنت ناسى إنها لسه بتاخد جلسات، وده من غير حاجة بيأثر عليها."
نجحت في مبتغاها فقد صفت ملامحه قليلاً، وأومأ برأسه. وأضافت هي بابتسامة بسيطة:
"أنت أقرب واحد ليها في الدنيا دي. وأكتر حد بتحبه ومحتاجاه. ده حتى أنا اتركنت عالرف."
ابتسامة هادئة سطعت في سماء عينيه، فحاول الهروب بها عن عينيها، فواصلت هجومها تعزز من ذخيرته أكثر:
"أوعى تسيب حد يدخل بينك وبينها. أنتوا شفتوا العذاب ألوان عشان توصلوا لبعض. ومعتقدش هتقدروا تتحملوا تاني ولو ربع اللي اتحملتوه قبل كده."
نجحت في مسعاها فقد لون التصميم ملامحه وزين نظراته ولهجته حين قال:
"عندك حق...."
"سليم.."
فاجأهم صوت سالم القاسي، فالتفت كلًا منهما إليه وقد هالها مظهره المرعب، ولكنها كانت أكثر من يعلمه، لذا هرولت إليه فقد شعرت أن تلك القسوة خلفها آلام عظيمة. احتوت ذراعه وعينيها تبحران فوق ملامحه باهتمام تجلى في نبرتها حين قالت:
"أنت كويس؟"
تجاهلها متعمدًا. فعينيها ولمساتها يغريانه بالانهيار باكيًا بين ذراعيها، ولكن التوقيت كان أكثر من خاطئ، لذا وجه حديثه إلى سليم قائلاً بجفاء:
"اطمنت عالحاجة؟"
زفر بقوة قبل أن يقول باختصار:
"لا."
لم يكن بحاجة لسؤاله عن السبب، لذا قال بفظاظة:
"هروح أطمن عليها."
أوقفته يد فرح التي علمت أن الأمر جلل وتعظم الخوف بداخلها، فقالت بنبرة تحوي التوسل بين طياتها:
"سالم.."
باغتها حين قال بجفاء:
"مش كويس يا فرح. مش كويس."
شعر سليم بوضع شقيقه فقد كان أكثر من يعلمه، وعلى الرغم من تفشي الفضول بقلبه الذي فطن إلى أن هناك الكثير مما يجهله، ولكنه تجاهل كل شيء واقترب منه قائلاً بخشونة:
"هروح أطمن أنا عالحاجة. وأنت خد فرح وروح."
لم يكد ينهي جملته حتى جاء رنين هاتف سالم، فقام بالتقاطه ليجيب بفظاظة:
"فيه إيه؟"
كان المتصل أحد الحراس الخاص بالفيلا الذي صاح بلهفة:
"سالم بيه والدة حضرتك جتلها الأزمة وهي عند حازم بيه، وجبنا الإسعاف خدتها المستشفى وهو هنا مبهدل الدنيا عايز يروح وراها واحنا مانعينه."
هاج كوحش كاسر:
"ولسه فاكر تقولي دلوقتي؟"
"يا باشا تليفونك كان مقفول وماكنش قدامي وقت، كنت عايز ألحق الحاجة زمانها دلوقتي وصلت المستشفى عندك."
تمالك نفسه بمشقة وقال بقسوة:
"اقفل عليه وإياك تخرجه أبدًا، حتى لو اضطريت تكتفه.. فاهم؟"
"بس يا سالم بيه.."
قاطعه سالم بزئير:
"نفذ اللي قولته لك عليه ومش هحاسبك نفذته إزاي."
كان إذنًا بتجاوز الخطوط الحمراء إن لزم الأمر، لذا قال الحارس بخضوع:
"أوامرك يا سالم بيه."
أغلق الهاتف، فهبت قائلة بخوف:
"فيه إيه يا سالم؟"
كذلك استفهم سليم الذي توقف إثر سماعه حديث سالم مع الحارس:
"حصل إيه يا سالم؟"
ابتلع جمراته الحارقة وأجابهم بعجالة قبل أن يتوجه إلى قسم الطوارئ:
"الحاجة جتلها الأزمة والإسعاف جايبها وجاي."
تلك آخر كلمات قالها قبل أن يغادرهم متوجهًا للأسفل، فهرولوا خلفه بخطْ متلهفة وقلوب مذعورة.
ذرفت من العبرات ما يكفيها لأعوام، ولكنها أبداً لم تكتفِ، فقد كانت كمن أراد تطهير قلبها من كل شيء. فقد جاءتها فرصتها على طبق من ذهب للتخلص من كل تلك الآثام والذنوب، لذلك عزمت ألا تضيعها من يدها.
شعرت بباب الغرفة يُفتح، فالتقمت عيناها ذلك الذي أطل عليها بجسده الضخم وحضوره الطاغي، فحاولت كتم أنفاسها وإغلاق جفونها عن رؤيته، ولكنها لم تستطع منع قلبها الذي تاق لرؤيته، فهاجت ضرباته حتى آلمها صدرها، ولكنها قمعت كل ما تشعر به داخلها وواصلت التمثيل بأنها نائمة. وكم كان هذا شاقًا وهي تشعر به يقف قبالتها وعينيه تطوفان على ملامحها التي اهتزت، وكذلك جسدها حين شعرت بأنامله تتجول بحرية على ذراعها وكأنه أراد إخبارها بأنها كاذبة فاشلة.
"أنصحك تبطلي تمثيل عشان متعبيش. أنا ناوي أفضل هنا طول الليل."
ولدت شحنات اقترابه نيراناً هوجاء بداخلها، سرعان ما تحولت إلى غضب حارق جراء كلماته، فالتفتت بغضب تألم له جرحها، فخرجت آهة متألمة من شفتيها جعلته يقترب منها بلهفة لاقت صداها بقلبها، خاصةً حين قال باهتمام:
"بالراحة.. فيه إيه؟ أهدي شوية."
كان ألمها جلياً على ملامحها للحد الذي جعلها عاجزة عن الرد، فجاءت لمسته حانية على وجنتها وهو يقول بنبرته العابثة:
"حاسب على نفسك، ده أنت غالي."
في تلك اللحظة كانت تود أن تلعنه، فهو يقف أمامها بكامل أسلحته وهي عزلاء وجريحة، وهناك خيانة تلوح بالآفاق من قلبها الوغد الذي يتأثر بقربه بطريقة كبيرة، جعلت لهجتها مرتجفة وهي تقول:
"اخرج بره يا طارق."
"مش هخرج."
كان يتحدث بسلاسة استفزتها، فصاحت بغضب:
"هو أنت مش شايف إن أنا تعبانة ومش حمل وجع أكتر من اللي أنا فيه."
"ماهو وجعك ده اللي مخليني هنا."
استنكر عقلها حديثه على عكس قلبها الذي رضخ بإذعان لوجوده بجانبها على الرغم من جراحها النازفة:
"أنت كنت السبب في جزء كبير أوي منه. عشان كده أخرج."
شعرت بثقل السرير الذي تنام فوقه، فعلمت أنه جلس بجانبها، وسرعان ما شعرت بتيار كهربائي يضرب أنحاء جسدها حين احتوت كفوفه كفها بحنان، جعل العبرات تعرف طريقها إلى عينيها، وخاصةً حين أضاف بخشونة:
"أنا مكذبتش عليكِ في حرف واحد من اللي قولته. واتفاقي مع أمينة مكنش إني أوقعك في حبي. كان إني أراقبك وأمنعك لو لقيتك بتعملي حاجة غلط."
التفتت إلى الجهة الأخرى وصاحت حانقة:
"مش مصدقاك."
"مش مهم."
أثارتها كلمته البسيطة، فاعادت نظراتها إليه مرة أخرى لتقع أسيرة تلك الابتسامة الرائعة التي أضاءت ملامحه، وخاصةً حين أضاف بخفوت:
"كلامك اللي هتقوليه دلوقتي كله مش مهم. مش هيأثر في حاجة من اللي جوايا أو اللي نويت عليه."
بللت حلقها الذي جف من نظراته المغوية وكلماته الغامضة، وقالت بنبرة متحشرجة:
"وهو إيه بقى اللي نويت عليه؟"
"إني أنسى كل اللي حصل وأبتدي معاكِ من دلوقتي. جاهزة نرمي كل حاجة ورا ضهرنا ونكمل المشوار سوا؟"
"جاهزة يا طارق، أبدأ من جديد."
لونت ابتسامة عريضة ملامحه، استنكرتها هي، فقد كانت كلماته عرضاً بالحياة لشخص على مشارف الموت، ولكن ندوب الغدر السابقة ما زال وجعها قائمًا، لذا جاءت كلماتها جافة حين أردفت:
"بس مش معاك. معنديش نية أبدأ معاك من جديد ولا أكمل معاك في مشوارك."
لدهشتها لم تنمحي بسمته أو حتى تهتز نظراته، إنما أخذت أنامله تلهو فوق كفها بخفة، تجلت في نبرته حين قال:
"عارفة أنا طول عمري مش محبوب في العيلة ليه؟"
"ليه؟"
أجابها يشدد على كل حرف يغادر شفاهه وتؤازره نظراته القوية تجاهها:
"عشان أنا أكتر واحد بيعرف يحدد أهدافه صح وبيقدر إزاي يوصلها. ذوق، عافية، إجبار. كل الوسائل عندي متاحة ومفيش حاجة بتقف قدامي."
لن تنكر أبدًا ذلك الشعور بالبهجة الذي غزي قلبها جراء كلماته، ولكنها حاولت ارتداء قناع البرود أمام نظراته التي أذابت عظامها، فتابع بخشونة:
"طبعًا كل الحاجات دي بالنسبالك عيوب، بس هقولك على ميزة حلوة أوي فيا. أنا شخص مبيقاوحش في الغلط ولا بيكسف إنه يعترف بيه. ولأول مرة هيعتذر عنه. أنا آسف.. سامحيني."
فاق الأمر حدود الروعة، فهذا الرجل الذي لا تفلح أي كلمات في سرد صفاته يجلس أمامها ويضع قلبه بين كفوفها، بل ويعتذر منها على خطأه الذي بناءً على ما حدث يُعد غير مقصود. ولكنه يعتذر لأجلها.
تدفقت العبرات بغزارة من مقلتيها، فلأول مرة بحياتها تشعر بأن أحد يحارب لأجلها. يشعرها أنها شيء ثمين يخاف ضياعه.
عبراتها عرت شعورها في تلك اللحظة، فانتزعت عينيها من بين براثن عينيه الصقرية وهي تقول بنبرة متحشرجة:
"أنا تعبانة وعايزة أنام."
جاءت نبرته حانية وكأنها قبلة دافئة لجراح قلبها الدامية:
"نامي وهتصحّي تلاقيني هنا.. جنبك."
شدد من كلمته الأخيرة، فأخذت نفسًا عميقًا لأول مرة يحمل الراحة إلى صدرها، وأغمضت عينيها، بينما يداها مازالت عالقة بين كفوفه التي أخذت تمسدها بحنان إلى أن خلدت إلى النوم.
انتشر خبر إصابة أمينة بأزمة قلبية بين الجميع، فهرولوا إلى غرفة العناية المركزة التي نُقلت إليها، وقد كان الأمر مروعًا على الجميع، وكان أكثرهم تأثرًا سالم الذي اختلط بقلبه الخوف والغضب ليشكلوا شعورًا هائلًا جعل الجميع يتجنبون مواجهته أو الاقتراب منه، إلا هي. لم تستطع تركه فريسة لكل تلك الأحاسيس المروعة التي حتمًا ستنهيه، لذا اقتربت منه تتلمس بيدها الحانية ذراعه، التي رفعتها ووضعتها حول كتفها، وبيده الأخرى حاوطت خصره، واضعة رأسها فوق موضع نبضه، الذي كان الجنون حاله، فقد صح ظنها بأنه يعاني بقسوة مما يشعر به.
التقمتهم الأعين بنظرات مندهشة وأخرى مشفقة على فرح من رد فعل عنيف قد يصدر منه، فقد كان في أقصى درجات غضبه، ولكن لدهشتهم ودهشته أيضًا، وجد نفسه يقربها منه بقوة، وعينيه التي أخفضها لتشتبك معها في حوار صامت كان يحمل التوسل من جانبه بألا تتركه، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط أمامهم والانحناء أمام ألمه لأول مرة في حياته، ولكن وجودها أنقذه وقام بانتشاله من بحور الوجع الذي كان يقتات على روحه.
خرج الطبيب من الغرفة، فاندفع الجميع تجاهه، فأجاب على تساؤلاتهم بعملية:
"مكدبش عليكوا، الحاجة حالتها غير مطمئنة بالمرة. صحيح الأزمة عدت، بس حالة القلب تعبانة ومافيش في إيدينا غير الدعاء. عن إذنكم."
خيم الحزن على وجوههم، على الرغم من توافد عبارات الحمد على شفتيهم، فجاء صوته آمرًا:
"يالا عشان تروحوا البيت. مش عايز حد هنا."
قبل أن يدع المجال لأحد بالاعتراض، تدخل سليم قال مؤيدًا حديث شقيقه:
"قعدتنا هنا مالهاش لازوم. محدش في إيده حاجة يعملها."
تحدث صفوت بعملية:
"النهاردة اليوم كان متعب عالكل، والفجر أذن أصلًا. يالا يا همت أوصلكوا البيت ترتاحوا شوية، وبعدين تبقوا تيجوا تطمنوا عالـحاجة بالليل."
تدخل مروان مضيفًا:
"أنا كلمت الشركة وزودت عربيات الحراسة عالقصر، وهنسيب اللي بره هنا مع سالم وطارق. وهنروح إحنا نرتاح شوية، وبعدين هاجي أنا وسليم نبدلهم."
أومأ بصمت، فلم تعد له طاقة للحديث، فغادر الجميع إلا هي. فالتفت يناظرها، وحين أوشك على الحديث، سبقته قائلة بلهجة قاطعة:
"متفكرش لحظة إني هسيبك."
فاجأها حين امتدت يديه تقربها منه بقوة، تجلت في نبرته المتعبة حين قال:
"متسبنيش."
"مش هسيبك أبدًا يا عمري."
قالتها فرح بعشق كبير انبعث من عينيها وكفوفها التي حاوطت وجهه بحنو، فاخفض نظراته إلى بطنها المسطح، وامتدت يديه تتلمسها بحنان، ونظراته توحي وكأنه يشكو لصغيره وجع والده دون أن تفصح شفاهه عن أي شيء، فشعرت هي به وتآزر قلبها معه، ولأنها تعلم أنه لن يفصح عما يجول بداخله، حاولت تشتيت انتباهه قائلة بمشاكسة:
"نحن هنا على فكرة. من دلوقتي مطنشني عشانه."
لاحت ابتسامة بسيطة على ثغره، فأضافت بحنو:
"تعالى ننزل نشرب حاجة تحت وترتاح شوية من امبارح عالـحالة دي."
لم يعارضها فلم يكن له طاقة لذلك، فتبعها متوجهًا إلى الأعلى، ولكن قبل أن يغادر، التفت إلى غرفة والدته وهو يلقي نظرة طويلة بها، وعينيه تتوسل بصمت ألا تغادره، فلا يملك طاقة لتحمل فراقها أبدًا.
فوجئ مروان بعمار الذي كان في المقهى الخاص بالمشفى، لا يعلم ما عليه فعله، ولا يطاوعه قلبه بالمغادرة وتركها خلفه حتى وهي آمنة مع أبويها، وفضل الجلوس هنا عله يلمح طيفها ويستطيع تصليح الأمور العالقة بينهم.
"إيه ده؟ هو عم ذئاب الجبل دا لسه هنا؟ بيعمل إيه؟"
أجابه سليم بسخرية:
"معرفش ومش عايز أعرف."
ناظره مروان بامتعاض تجلى في نبرته حين قال:
"يا ابني افرد بوزك دا. بطل تشوه خلقتك أكتر وأكتر، مش كفاية علينا قرعتك دي."
تعاظم الحنق بداخله، فهدر بعنف:
"أقسم بالله لو ما بطلت استظرافك ده، هكون مطبقلك وشك. أنا دمي محروق ومش طايق نفسي."
لم يبدُ عليه التأثر بكلماته المتوعدة، بل تابع سخريته قائلاً:
"يا بني آدم، شغل دماغك دي شوية. يا حبيبي دا ربنا ما ميز الإنسان عن الحيوان بالعقل. شغل عقلك ده هيصدّي والله."
أوشك سليم على لكمه، فجاءهم صوت عمار الذي صاح من بعيد باستنكار:
"خبر إيه؟ هتضربوا بعضيكوا ولا إيه؟"
مروان بتهكم خافت:
"قابل يا عم. أهو شمّت فينا اللي يسوى واللي.. يسوى برضه عشان خاطر العيش والملح."
تجاهل سليم حديثهم وقال بانفعال:
"أنا ماشي عشان مرتكبش جناية."
أوقفته يد مروان قائلاً بخفوت قبل أن يصل عمار إليهم:
"يا ابني أنت عامل زي النار اللي لما مبتلاقيش حاجة تاكلها بتاكل نفسها."
صاح سليم بنفاذ صبر:
"عايز تقول إيه؟ أنجز."
مروان بغموض:
"خلي النار دي تحرق اللي يستحقها بدل ما تحرقك أنت."
سليم بتعب:
"وأمي اللي راقدة بين الحياة والموت فوق دي؟"
مروان باتزان:
"يبقى دور عاللي هيطفيها يا سليم. جنة مراتك لوحدك. حقك. سيبك من كل كلامهم ده."
انتشى قلبه بتلك الجملة كثيرًا، حتى أنه استطاع أن يأخذ نفسًا طويلًا ملأ صدره المكتظ بنيران الغضب، ولكنه تفاجأ بحديث عمار الذي جاء مستنكرًا:
"وهو أنت عندك شك في الموضوع ده يا سليم؟"
كان يتجاهل عمار وما يأتي خلفه، يريد استردادها واسترداد أنفاسه معها، قبل أن يلتفت لتلك العقبة القوية التي سيخلفها ظهور حازم، وقبل أن يتمكن من الحديث، جاءهم صوت سالم الصارم خلفهم:
"أنت لسه هنا يا عمار؟"
التفت الثلاثة لسالم الذي كان يتجه إليهم، وبجانبه فرح المتخوفة من مغبة هذا الحديث:
"أيوه لسه أهنه يا سالم. عندك مشكلة في وجودي؟"
سالم بجفاء:
"مش هيبقى فيه مشكلة لو كان السبب مقنع."
عمار بغضب بدأ يظهر على السطح:
"أنا هنا عشان بنات عمي وخطيبتي!"
تجاهل جملته الأولى بدهاء، وعلق على الأخيرة مستنكرًا:
"خطيبتك! هي مين اللي خطيبتك؟"
كان داخليًا يرتجف من رفضها لتلك العلاقة التي ألصقها بها عنوة، ولكنه قال بقوة:
"نجمة."
سالم بفظاظة:
"وخطبتها امتى ومن مين؟"
عمار بتوتر خفي:
"قبل ما تنخطف. طلبت يدها."
سالم بجفاء:
"وقالتلك إيه؟"
تنحنح قليلاً قبل أن يجيبه قائلاً:
"قالت هتفكر."
سالم بفظاظة:
"طب لما تفكر وتقرر، هنبقى نبلغك."
كان مروان يقمع ضحكته بصعوبة، وكذلك سليم من مظهر عمار الذي يكاد يجن غيظًا، فلم يستطع مروان الصمت أكثر وأراد الثأر لنفسه قائلاً:
"آه هي تفكر. وسالم بما إنه البوص هنا هيفكر، وسليم ببوزه اللي يقطع الخميرة من البيت ده لازم يفكر. والبغل طارق بما إنه طب علينا زي القاضي المستعجل، فلازم برضه يفكر. إحنا عيلة بنحب نفكر. وإلا أنا بقى لازم أفكر تفكير لحد ما تضرب نفسك طلقتين إنك فكرت تناسبنا. ولا فاكر نفسك هتاخد النيزك من وسطنا كده برغيف عيش وحتة جبنة.. لا دا في تار بينا وطلاق تلاته هاخده."
لم يجبه عمار، فقد شعر بأنه على وشك ارتكاب جريمة، وقد أنقذهم قدوم صفوت الذي أخذ عمار ليتحدث معه، فيما انطلق سالم في طريقه إلى المقهى وسط صيحات فرح الغاضبة، ولكنه لم يتوقف سوى أمام الطاولة، فخاطبته بحنق:
"دي شكرًا اللي بتقولهاله يا سالم؟"
سالم بفظاظة:
"صفوت شكره مرة وخلصنا."
هتفت بسخرية:
"كتر خيرك والله. أنا هروح أشكره واعتذر له على كلامكوا معاه."
أوقفتها يداه التي امتدت تقبض على رسغها بعنف، وقال بتحذير:
"إياكِ."
عاندته قائلة:
"سالم."
تمكن منه الغضب وفاح من لهجته حين قال:
"هكسر دماغك لو خطيتي خطوة واحدة."
لم تحتمل حديثه ولا لهجته، فالتفتت تنوي الجلوس بعيدة عنه، فجذبها من يدها لتجلس بقربه، وقال بنفاذ صبر:
"اترزعي هنا جنبي وافردي وشك، أنا على أخري."
لم تحتمل طريقته أكثر، فقالت بحدة:
"أنا مبتعاملش بالطريقة دي على فكرة."
"يبقى متجبرنيش أعاملك بيها."
تعاظمت دهشتها، قالت باستنكار:
"أنت مجنون؟ أنا عملت إيه دلوقتي؟"
أجابها بفظاظة:
"أنتِ عارفة. واحمدي ربنا إني أصلاً بخليكِ تردي عليه السلام."
تغيره الواضح جعل غضبها يهدأ قليلاً، ولكنها لم تمنعها من القول بحنق:
"مستبد."
فاجأها حين قال بغلظة:
"أيوه مستبد. اعرفي كده أحسن لك عشان ترتاحي."
تجاهلت منحنى الرد وأدارت وجهها إلى الجهة الأخرى، ثم قامت بلف ذراعيها حول كتفها تقيها من هذا البرد المحيط بهم، فتفاجئت به يحاوطها وهو يضع جاكته حولها، ثم قام بوضع قُبلة سطحية فوق رأسها، قبل أن يضيف بخشونة:
"أنتِ عارفة طبعي، اتأقلمي."
لم تجبه وتمسكت بصمتها، فأطلق الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة، قبل أن يضيف بلهجة فظة:
"وأنا بغير، فحاولي تتعودي."
خففت كلماته من حدة الموقف، فالتفتت تناظره بابتسامة بسيطة لا توحي بالرضا، ولكنها توحي بتفهمها للأمر وما يمر به، لذا لم تطُل واستجابت ليديه التي مدها إليها، فقد كان يعلم بأنها لا تجيد الخضوع، ولكنها تفهمت دوافعه وما يمر به، وقد كان هذا أكثر من كافٍ لجعله يشعر بالامتنان نحوها.
بعد مرور يومين لم يحدث بهما جديد سوى استقرار حالة أمينة، فهدأ باله قليلاً وقرر أن يضع الأمور في نصابها الصحيح، لذا أمسك بهاتفه ليقرر الاتصال بسليم، الذي ما إن أجاب حتى قال بخشونة:
"جنة في فندق (..) جناح (..) روح لها."
سليم بسخرية:
"كتر خيرك والله، لسه فاكر تقولي.. أنا عارف على فكرة."
سالم بفظاظة:
"عارف إنك عارف. وعارف برضه إنك مكنتش هتروح لها غير لما أقولك. جنة مراتك شرعًا وقانونًا، أنا اتأكدت بنفسي."
تجاهل ثورة قلبه الذي هاج فرحًا على الرغم من استنكاره لأي شيء آخر، ولكن كانت فرحته عارمة، حتى أنه كان أمام المصعد قاصدًا غرفتها، فقد كان يقضي ليله ونهاره ما بين المستشفى للاطمئنان على والدته والفندق ليكون بالقرب منها بانتظار ذلك الفرمان الذي أعاد الحياة لقلبه من جديد.
دق باب الغرفة قبل أن يقول مخاطبًا أخيه بجفاء:
"إنها مراتي، ده شيء مفروغ منه. مش شكيت فيه لحظة. أنا بس كنت مستني أشوف دماغها هتوديها لحد فين."
فطن سالم إلى ما يحدث، فقد كان يعلم بمكان شقيقه، فأغلق الهاتف ليتركه يعالج أموره بالطريقة التي يريدها، وكم كان يتوق إلى هذه الفرصة، فأعاد سؤاله أمامها بنبرة جافة تنافي عتاب نظراته التي اشتاقتها كثيرًا:
"دماغك ودتك لحد فين يا جنة؟"
كان شوقه متبادلًا، فبكل مرة يدق أحد باب غرفتها تتوسل إلى الله أن يكون هو الطارق، وكم كان يخيب أملها حين لم تجده، ولكن تلك المرة اخترق دعائها السماء السابعة وتحققت أمنيتها حين رأته، ولم تستطيع منع نفسها من الهمس بين طوفان العبرات التي أغرقت وجهها:
"ودتني لحد عندك يا سليم."
قالت جملتها واندفعت بين أحضانه كغريق عانق قشة نجاته الخاصة.
"أخيرًا البيه عاود وافتكر إن له أهل.."
هكذا صاح عبد الحميد بغضب ما أن رأى عمار الذي دخل إلى باب البيت، ولكن استوقفته كلمات جده الغاضبة، فالتفت يناظره قائلاً بنفاذ صبر:
"أهلًا يا جدي."
"أهلًا أهلًا. كنت بتعمل إيه في مصر كل ده؟"
عمار بملل:
"كأنك متعرفش يا جدي؟ ملهاش لازمة الأسئلة دي."
هدر عبد الحميد بغضب تجمهر أهل البيت على إثره:
"عارف. وبقولك أهو لو نفذت اللي في دماغك دي، أنا اللي هكسرهالك.. سامع؟"
أنهى جملته والتفت إلى ياسين الذي كان يقف أعلى الدرج وبجانبه حلا، وصاح بتحذير:
"سامع يا دكتور؟ اللي مش هيخرج عن طوعي ومش هينفذ أوامري يتحمل ما يجراله."
انقبض قلبها بعنف وتلاحقت أنفاسها، خاصةً حين خصها عبد الحميد بتلك النظرات القاتلة وكأنه يعنفها، ولكن جاءت كلمات عمار الغاضبة لتجعل جسدها يرتجف من فرط الرعب:
"كلام إيه ده يا جدي اللي بتجوله؟ أنت عايزنا نسيب تارنا ويا الكلب ده؟ بعد ما مرمّغ شرفنا في الوحل؟"
عبد الحميد بصراخ هز أرجاء القصر:
"اقفل خاشمك واعرف بتجول إيه.. بيتنا متعززة أهناك في دار جوزها، ولو فيه تار جوزها أولى بيه. وبعدين أنت ناسي إن بنتهم عندنا. خلاص موضوع التار ده اتجفل."
لم يستطع تحمل حديث جده، فالتفت إلى ياسين يبغي المؤازرة:
"سامع كلام جدك يا ياسين؟ عاجبك اللي عم بجوله ده؟ هنتخلوا عن تارنا عشان السنيورة مراتك؟"
فجأة صوت ياسين القاطع الذي كان منصل سكين حاد على عنقها:
"تارنا عمرنا ما نتخلى عنه عشان أي حد يا عمار."
ترجل من سيارته وهو ينظر إلى أحدهم قائلاً:
"جاهزين؟"
أومأ الرجال بصمت، فتوجه إلى الطابق السفلي وقام بفتح الباب، فوجد حازم ملقى على الأريكة مكبل اليدين والقدمين، وآثار الضرب بادية على ملامحه، فما أن رآه حتى صاح بانفعال:
"سالم. تعالي شوف اللي الكلاب رجالتك عملوه فيا؟"
سالم بجمود:
"عملوا فيك إيه؟"
حازم بانفعال:
"ضربوني وكتفوني إزاي؟"
سالم بسخرية:
"غلطانين. مع إني كنت مدي لهم أوامر أكسر إيديك ورجليك."
صدمة حديث سالم، فشهق مستنكرًا:
"أنت بتقول إيه يا سالم؟"
تجاهل سؤاله وأضاف بتهكم:
"بس يالا معلش، أنت عريس برضه، ومافيش عريس بيحضر كتب كتابه وهو مكسر."
كادت روحه أن تغادره وهو يقول بارتباك:
"عريس إيه؟ أنا مش فاهم حاجة."
سالم باندهاش زائف:
"معقول مش فاهم؟ ده أنت اللي قلت بعظمة لسانك."
حازم بذعر:
"قلت. قلت إيه؟"
سالم بجفاء:
"إنك رجعت وهتشيل شيلتك."
ارتجف بدنه حتى كاد أن يتقيأ من فرط الذعر، فقال باكيًا:
"تقصد إيه يا سالم؟"
سالم بقسوة:
"بصراحة أنت وفرت عليا كتير وحكمت على نفسك. وأنا جاي النهاردة أنفذ الحكم. يالا عشان هتكتب كتابك على لبنى دلوقتي."
وقع حديث سالم كمسامعه وقع الصاعقة، فصاح كالمجنون:
"لااااا. أنت بتقول إيه يا سالم. أنا مستحيل أعمل كده."
سالم ببرود ثلجي:
"ليه مستحيل؟ مش أنت اغتصبتها برضه زي ما عملت مع جنة؟ ولا الشيلة مش على هواك المرة دي عشان مش هتدوس في طريقك على حد؟"
تجاهل ما يرمي إليه وصاح بنبرة محترقة:
"أنت مش فاهم حاجة يا سالم. مش فاهم!"
سالم بنفس بروده:
"فهمني."
حازم بقهر:
"عشان مش أنا لوحدي اللي اغتصبتها. الكلب سعيد كان معايا."
لم تتأثر ملامح سالم عدا عينيه التي قست وهو يحضر لدحر ما تبقي من كبريائه حين قال بتهكم:
"آه سعيد. لا متقلقش، ماهو خد جزاءه. وعلى فكرة هو مستنيك بره. أصله هيبقى شاهد على جوازك من لبنى."
يتبع..
•
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان العشري
شريدٌ أنا في مَغيبِكَ
كتائهٍ بين أروقةٍ الحياة ضَلّيت
تلهفُ لعناقٍ صفيّ
ضَنّ عليهِ بالتلاقِ وبالوصلِ بخَليه
يمُ مُشجبًا في دروبِ الهوى
ينعي عشقًا بأغلالِ الفراقِ و أصفادهِ كُبِّلي
شتهي الوصالَ وإن أضنته شهيته
يناجي الإلهَ غوثه من عُمقِ جُرحٍ مُستعِر
شابَ الفؤادُ وباتَ كهلاً دونكَ
كعمرٍ بغيابِك غابَتْ عينَهُ و صار مُرٌّ
روحاً مزّقتها عواصفُ الجوى
وقلباً من فرطِ لَوعته قد ثَمِر
"تارنا عمرنا ما نتخلي عنه عشان أي حد يا عمار …"
و كأن أحدهم غمس قلبها في خندق مليء بالجمرات الحارقة التي لم يحتملها جسدها فاستندت على مقدمة الدرج بوهن تحبس أنفاسها ولكن جاءت كلماته التالية لتنتشلها من بين براثن الأنين
" بس دا مش تارنا ! جنة موضوعها انتهى بالنسبالنا من اللحظة اللي بقت فيها مرات سليم الوزان . بقت تخصه هو الوحيد اللي له يقف و يتكلم في الموضوع دا . "
استنكر كلمات ياسين بشدة فصاح غاضبًا
" كلام ايه اللي عم بتجوله دا يا ياسين؟ سليم ايه و زفت ايه دي بتنا و الكلب دا ضحك عليها ."
قاطعه ياسين بقوة
" و أخوه صلح غلطته . و بقت مراته خلاص يبقي تقفل عاللي فات و متفتحش فيه . "
شيعه عمار بنظرات الخسة قبل أن يقول بسخرية
" فاچأتني يا ياسين . بتتنكر من تارك علشان متخسرش السنيورة بتاعتك . يا خسارة .."
هدر بعنف
" خلي بالك من كلامك يا عمار . و مش عيب على فكرة إني أحافظ علي بيتي و بعدين تعالي هنا ما احنا في مركب واحدة . هتقبل تضحي بنجمة ؟ ماهي طلعت بنت الوزان بردو ؟ "
شهقة قوية خرجت من جوفها إثر سماعها تلك الكلمات فأخذتها قدماها لتهرول إلى الأسفل وهي تقول بصدمة
" أنت بتقول ايه يا ياسين ؟"
و جاء استفهام تهاني من خلفها
" كلام ايه دا يا ابني ؟ مين دي اللي بنت الوزان ؟"
ياسين بجفاء
" نجمة . طلعت بنت اللوا صفوت اللي كانت مخطوفة من وهي طفلة .."
تدخل عبد الحميد مُستغلًا الموقف و محاولًا التغلب على صدمته
" چاوب علي ابن عمك يا عمار . هتجدر تضحي بيها ؟ أنا عن نفسي رافض الموضوع من أساسه . ولكن لو أن لك شوج فيه مش همنعك .."
تراجع خطوتين للخلف غاضبًا يحاول الهرب من بين براثن الحيرة التي تجلت في نبرته حين قال
" خرجوا موضوعي ده من حديتكوا. اني محدش يجدر يوجف جدامي لو فكرت اتچوزها ."
تدخلت حلا بانفعال
" لا يقدروا. و يقدروا اوي كمان . و هتلاقي بدل الراجل ألف يقفلك .."
غلت الدماء في عروقه من تدخلها في الأمر أمام جده و عمار و خاصةً انفعالها بتلك الطريقة فالتفت يناظرها بعينين مستعرتين و لهجة تشبههما
" اطلعي على اوضتك . "
أوشكت على أن تعارضه فنهرها صارخاً
" يالاا…"
كسى الحرج معالمها و تعاظم الغضب بداخلها فتراجعت للخلف و هرولت إلى الأعلى باكية فحسم عبد الحميد الموقف قائلاً بجفاء
" مش هكرَر كلامي تاني. الموضوع ده خولوص و انتهي . مالناش طار مع ولاد الوزان . بينا نسب و اتفاج مش هنجضده الحديت ده تحطوه علجه في ودنك منك ليه .."
أنهى حديثه و توجه إلى غرفة مكتبه تاركًا بركاناً مشتعل يوشك على الانفجار في أي لحظة فتدخلت تهاني قائلة برفق وهي تربت بحنو علي كتف عمار
" فكر بعجلك يا عمار يا ولدي بتنا و عايشة و متهنية مع چوزها نروحوا احنا نخرب عليها ليه ؟ الموضوع دا بين چوزها و اخوه احنا ملناش صالح بين .."
هدأت كلماتها من روعه قليلاً ولكنه لازال غاضباً فتحدث ياسين باتزان
" أنا حاسس بيك و جوايا نار من الكلب اللي اسمه حازم دا . بس عشان جنة هسكت متنساش أنها بتتعالج و اي ضغط هيجيب نتيجة عكسية معاها بلاش نبقي احنا كمان عبئ عليها كفاية اللي هي فيه .."
لم يجيب فقط إيماءة بسيطة من رأسه قبل أن يتوجه إلى غرفته و ما أن غاب عن الأعين حتى تحدثت تهاني بتقريع
" مكنش له لزوم تهب في مرتك أكده يا ياسين . جدر موجفها يا ابني . البنيه دموعها مبتنشفش من وجت الي حصل ده و أعصابها تعبانه . خليك حنين و هادي عشان نعدوا الأزمة دي .."
من دون أي شئ كانت عقارب الذنب تقرضه من الداخل ولكنه تجاهل ما يشعر به و قال بجفاء
" مينفعش يا أمي لازم تتعلم متدخلش في كلام الرجالة. و مينفعش تصغر جوزها كدا .""
" بالهداوة و واحده واحده .مش في الوجت ده . يالا اطلع راضيها "
لم يتراجع عن ما ينتويه لذا قال بفظاظة
" مش وقته لما ارجع . أنا خارج. عن إذنك .."
"عشان مش أنا لوحدي اللي اغتصبتها. الكلب سعيد اغتصبها معايا .."
لم تتأثر ملامح سالم عدا عينيه التي قست وهو يحضر لدحر ما تبقي من كبرياءه حين قال بتهكم
" اها سعيد . لا متقلقش ماهو خد جزاءه وعلى فكرة هو مستنيك بره . أصله هيبقي شاهد على جوازك من لبنى ."
تبلور الجنون بعينيه وهو يصيح كالممسوس
" لا . أنت مش هتعمل فيا كدا يا سالم . عاقبني بأي حاجه إلا كدا . أنا مش بقرون عشان اقبل اتجوز واحدة زي دي ؟"
تقدم سالم يفك وثاقه وهو يقول ببرود ثلجي
" مالها دي ؟ مش أنت اللي ضيعت مستقبلها ؟ و على ذكر موضوع القرون دا بيتهيألي انك سبت جنة اللي هي مفروض مراتك تتجوز سليم عادي و محاولتش حتي تمنع دا !"
صرخ بملئ صوته
" مين قالك اني محاولتش؟ كل حاجه جت فجأة . و الكلب دا كان مهددني . "
هدأ صوته و قال من بين نحيبه
" أبوس رجلك يا سالم متعملش فيا كدا . أبوس رجلك ارحمني عاقبني بأي حاجه غير كدا .."
تمزق نياط قلبه حين رآه يتذلل بتلك الطريقة المُهينة فقد كان وجعه لا يُطاق لذا قال بجفاء
" موافق يا حازم . مش هجوزك لبنى . "
لم يصدق أذنيه حين سمع حديث أخاه و هب من مكانه يقول بلهفه
" بجد يا سالم مش هتعمل فيا كدا ؟"
سالم بهدوء
" بجد . بس للأسف مش هقدر أقف جنبك لما يتقبض عليك بتهمة التعدي على بنت قاصر و هتك عرضها و شروع في قتلها.."
حازم بذعر
" بت. بتقول ايه ؟ لا . ما . ماهو عدي …"
قاطعه سالم بجفاء
" ماهو عدي خرج عشان معملش حاجه ."
أخذ نفسًا قويًا قبل أن يتابع
" أنا اتفقت مع أبوها تتجوزها بدل ما يبلغ عنك.. و الموضوع في إيدك دلوقتي يا الجواز يا السجن أو الإعدام و للأسف مش هقدر اعملك حاجه .."
أخذ يهز برأسه يميناً و يساراً وهو يصيح بانفعال
" لا . لا. لااااا"
لم يتأثر سالم خارجياً بانهياره بل أخذ يناظره بجمود يخفي الكثير من الخزي و الأسف وفجاة تبدلت نظراته إلى أخرى حانقة وهو يراه يهرول إلى السكين الموضوع بجانب طبق الفاكهة وهو يقول بصراخ
" لا يا سالم مش هقبل باللي أنت عايز تعمله فيا أنا كنت ضحية عداواتكوا مع الكلب ناجي مش هكون ضحيه تاني .."
بدا جامداً لا يتأثر على عكس ما يدور بداخله من وحوش ضارية فقد كان يريد أن يحطم رأسه حتى يريه ما يستحقه ولكنه تحدث بجمود
" دا خيار تالت مكنتش أحب أطرحه عليك. بس أنت وفرت عليا و بالنسبة لينا أنت كدا كدا ميت . مش هنحزن عليك أكتر ما حزنا . هسيبك نص ساعه تقرر .."
التفت إلى الخارج تاركًا حازم الذي كان مصعوقًا من جفاءه و عدم تأثره بهذا التهديد الأرعن..
اختزلت العالم فيك فأرجوك ألا تخذلني ..
استكانت في براح صدره واضعة رأسها فوق قلبه الذي كان يهمس باسمها بين الدقة و الأخرى فكانت أشبه بسجين أُطلِق سراحه بعد أعوام قضاها حبيساً بين جدران مخاوفه وهواجسه ليعانق حريته أخيراً و يتلمس براح إنعتاقه بين جنبات صدره الدافئ الذي احتوى أنينها يريد التنعم بحضورها بعد عناء الغياب الذي كان لعدة أيام قضاها في الجحيم .
" مشيتي ليه يا جنة؟"
خرجت كلماته حزينة مُحمّلة بعتاب كبير لاقى صداه في قلبها الذي كان يئن وهي تجيب بلوعة
" كنت خايفة اوي أشوف في عنيك أي نظرة لوم . كنت مرعوبة أنك ترجع سليم القاسي بتاع زمان. "
لامس خوفها من انتفاضة جسدها بين ذراعيه فتحدث بنبرة محرورة
" حكمتي عليا من غير ما تديني فرصة"
قاطعه صوتها الشجي وهي تنتحب قائلة
" مكنتش هقدر اتحمل .. كان عندي الموت أهون . أنا كنت بتعذب في كل مرة كنت بتبصلي فيها باحتقار .."
امتزجت عبراتها مع حزنه فاقترب واضعاً قبلة اعتذار على جبينها فأخلت سبيل مخاوفها التي جاءت بين نهنهاتها المتقطعة
" كلامك كان بيقتلني . كنت بتمني الموت في الدقيقة ميت مرة . انا منستش يا سليم. لسه الوجع جوايا كنت بحاول أنساه بيك كنت بترمي في حضنك عشان دا المكان الوحيد اللي كنت بهرب فيه من كل خوفي و ألمي . مكنتش هقدر اتحمل نظرة واحدة منك ترجعني للعذاب دا تاني "
خَطت بأُجاج كلماتها على جراحه الغائرة فاحتدمت و تأجحت ليزداد ألمه أضعافاً مما جعله يشدد من احتضانها وهو يقول بأسى
" في حاجات أنتِ متعرفيهاش يا جنة.. أنا كنت بتعذب أضعاف ما بتتعذبي . أنا كنت ببعدك عني بالكلام دا . كنت بقولهولك عشان اسمعه لنفسي و أحاول أهرب من مشاعري ناحيتك . "
صمت لثوان يسترد أنفاسه الهاربه من براثن ألمه العظيم ثم أردف بنبرة موقدة
" أنتِ اقتحمتي قلبي وحياتي غصب عني . حاولت بكل الطرق ارفضك مكنتش عارف . "
رفعت رأسها تناظره بأعين التمعت بهم نجوم الحب فتابع بعشق انبثق من عينيه و أنساب من بين شفتيه
" كنتِ نقطة ضعفي أنا للي عمري ما عرفت يعني ايه ضعف .."
لامست كلماته قلبها الذي تأجج بداخلها يشكو له جرحاً لازال نازفاً
" بس أنا كنت بتوجع يا سليم . كنت بتوجع اوي "
امتدت يديه تحتوي وجهها وهو يقترب منها هامساً أمام عينيها بندم
" أنا عارف إني غلطت في حقك كتير . بس كان غصب عني . "
سقطت عبراتها على كفوفه المحتضنة وجهها و أجابته بخفوت
" عارفة .. و خفت المرادي بردو يكون غصب عنك . "
لم يعد يحتمل ندوب الماضي ولا آلام الحاضر فنفض عنه آثار الذنب وهو يقول بخشونة
" انسي . انسي كل اللي حصل و اوعي تفكري فيه أنا عمري ما هظلمك ولا هجوعك أبداً"
سحب أنفاسها إلى داخله لتطيب بها ألامه قبل أن يتابع بلهجة محترقة
" أنتِ روحي لا ينفع أعيش من غيرك ولاينفع أعيش بعيد عنك .."
لونت ثغرها التوتي بسمة هادئة سرعان ما انمحت واسدل القلق ستائره على صفحة وجهها و تجلى في نبرته حين قالت
" طب هنعمل ايه دلوقتي بعد رجوع."
قاطعها بقسوة
" اللي حصل دا مش هيغير حاجه في حياتنا. رجوعه من عدمه واحد. أنا دفنت أخويا مرة و انتهت ."
تفاجئت من قسوته فهمست بخفوت
" طب ومحمود ؟"
" ميستاهلوش . محمود ابني أنا و أنتِ . "
كانت لهجته قاطعه ولكنها لم تستطيع إلا أن ان تطمئن فاستفهمت على استحياء
" طب و ممتك ؟"
سليم بنفاذ صبر
" هي حرة في موقفها منه . لكن عمرها ما هتقدر تأثر عليا. ولا حتى هتحاول . و اقفلي عالموضوع دا .."
عاندت بتوسل
" سليم .."
قاطعها بصرامة
" جنة خلاص . "
اذعنت لرغبته رغمًا عنها فقالت بتذمر
" طيب "
غيَّر دفة الحديث قبل أن يتشعب أكثر و قال بخشونة
" أنا كلمت الدكتور بتاعك و قالي لو حابين نكمل جلسات هنا في القاهرة هو هيتابع معانا لأن أصلاً شغله الأساسي هنا ولو حابة نكمل هناك مفيش مشكلة "
تَعلَم طريقته في مراضاتها و أيضاً راق لها أنه من بين كل ما يحدث لم يغفل عن أي شيء يخصها فهمست بخفوت
" أنت عايز ايه ؟"
" أنا عايزك تكوني مرتاحة اللي هيريحك هعمله."
كم هو رائع هذا الرجل ؟ دلاله و عشقه و حنانه كل شيء به كان له مذاقه الخاص فقد كان نموذجاً مثالياً للجبر بعد طول الصبر
" طب و راحتك أنت؟"
استفهمت بدلال فأجابها بلهجته الخشنة التي تترك بصماتها علي قلبها العاشق
" راحتي أنك تكوني جنبي و في حضنني على طول.."
استرد أنفاسه من أنفاسها قبل أن يأسرها بين ذراعيه و كأنه يتأكد من أن وجودها لم يكن حلماً بل واقع يعيشه و يتمتع به ثم أردف بلوعة
" متتصوريش غيابك اليومين اللي فاتوا عمل فيا ايه يا جنة؟ "
مسدت خصلات شعره بأناملها الرقيقة وهي تجيبه بحنو
" حقك عليا ؟"
أطلق العنان لضعفه في الظهور على السطح فهمس بنبرة مختنقة
" أول مرة في حياتي أحس إنيّ انكسرت . "
جملته كانت كالسهم المشتعل بنيران الذنب التي اخترقت قلبها فهاج متألماً فتراجعت عنه بلهفة تنظر إلى داخل عينيه بأسى تضمن كلماتها المتلهفة
" بعد الشر عنك . حقك عليا يا سليم .. أنا آسفة والله "
بكت بقوة فتناثرت عبراتها على قلبه كالجمرات فأخذ يمحي دموعها بأنامله الحانية قبل أن يقول بوعيد
" مش قلنا بلاش دموع ولا فاكرة أنك كدا بتثبتيني ؟"
راقت لها نظراته العابثة و سرعان ما حل الشغف محل الأسى فقالت بدلال
" بحاول .."
اقترب يداعب أرنبة أنفها بأنفه وهو يقول بعبث
" لا معلش أنا ليا حق عندك وسليم الوزان مابيسبش حقه أبداً .."
" يعني ايه أن شاء الله؟"
دلالها أوقد نيران الشغف بجوفه و عزّزها شوقه الضاري لها فامتدت يديه تعانق خصرها و الأخرى أخذت تنحي خصلاتها الثائرة خلف أذنها وهو يقول هامسًا
" اومال أنتِ فاكرة أنك هتضحكي عليا بالكلمتين دول ؟ "
ضمت ذراعيها عنقه وهي تقول بغنج
" طب اضحك عليك بكام كلمة ؟ "
دكنت نظراته المسلطة على حسنها و ازدادت نبضاته بجنون رغبته بها فهمس ضد شفتيها
" قربي وأنا هقولك .."
تراجعت لإنشات قليلة قائلة بخجل
" سليم بطَّل بقى .."
خجلها ضاعف من حسنها مرة و من رغبته عشرة فقال بنبرة شغوفة
" أحبك وأنت مكسوف كدا .."
غادرت يديها عنقه و خبئت بها وجهها المشتعل خجلًا فقهقه على مظهرها الطفولي قبل أن تحملها يديه لتجلسها بين أحضانه ليقربها منه هامسًا بجانب أذنها
" طب عيني في عينك كدا. حضن سليم مش وحشك ؟ "
وهل يمكن أن تنفي لوعة قلبها في غيابه و غبطة و ابتهاج روحها بحضوره ؟
" وحشني جداً لدرجة إني عمري ما هقدر أبعد عنه تاني .."
ضيق عينيه بغضب زائف و شدد من كلماته المتوعدة حين قال
" جربي كدا عشان اقطع رقبتك المرة الجاية . فكراني طيّب ولا ايه ؟ لا دانا شراني "
أرجعت رأسها إلى الخلف بضحكة خلابة أسرت قلبه كما أسرتها كلماتها العاشقة حين قالت
" أحلى شرير في الدنيا كلها.."
لم يعد هناك مجال للحديث أمام عشقًا جارف اجتاح كليهما و تنحت كل الحواجز أمام شغفه القوي تجاهها فقام بحملها و التوجه الى الغرفة الداخلية بالجناح وهو يؤكد على عشقه مراراً و تكراراً حتى انطبع على ساحة جسدها و تفنن في سكبه بين أوردتها و فوق ضفتي شفاهها والتي من فرط الجنون تناثرت آهاتها في الغرفة تعزف سيمفونية عاشقان تنحت أمام عشقهم كل الصعاب و فشلت جميع حواجز الحياة في تفريقهم . و هكذا جرفتهم لجة العشق و الولع في تيار اهوج انتهى بعد ساعات غير معلومة وهي مستكينة بين ذراعيه تنعم بالسلام بين أحضان رجل ظنت بأنه الجحيم بعينه ليتضح لها بعد ذلك بأن جحيمه هو النعيم لا تبغي الإجلاء عنه أبدًا
اجتمعت الأنظار على ذلك الذي كان يتقدم وهو محني الرأس بثقل كُل آثامه الذي ظن يوماً أنه يمكنه طمسها و دفنها في ذلك القبر الذي مكث به أكثر من سبع ساعات وهو مرتعب ينتظر خلاصه الذي اتضح بعد ذلك أنه باب من أبواب الجحيم الذي انفتح على مصراعيه و ها هو يوقع على وثيقة احتجازه به و إلى الأبد
" هدخل اخلي لبنى توقع ."
هكذا تحدث محمد والد لبنى وهو ينظر إلى حازم بغل لم يتجاوز حدود شفتيه احتراماً لذلك الرجل الذي يفعل المستحيل من أجل تصحيح أخطاء هذا الشيطان
اومأ سالم بصمت و حاول ألا ينظر إلى حازم فقد كانت رؤيته تسبب له أزمة نفسية كبيرة و خيبة أمل عظيمة
صراخ قوي جعل الجميع يهب من مكانه و كان أولهم سالم الذي توجه على وجه السرعة إلى أحد الغرف فتفاجئ من تلك التي كانت تقف في أحد الزوايا ممسكة بسكين و كل خلية من جسدها تنتفض و حولها أبويها يحاولان ثنيها عما تنتويه
" اهدي يا بنتي أبوس ايدك .. متحرقيش قلوبنا عليكِ أكتر من كدا .."
كان هذا صوت رضا والدتها التي كانت تنتحب قهراً على طفلتها التي نالت منها يد الغدر دون أن تأخذها أي شفقة أو رحمة
" اسمعي كلام أمك يا بنتي. متخافيش محدش هيقرب منك تاني . "
صرخت لبنى بقهر
" اسكتوا . أنتوا كل اللي يهمكوا الناس وبس. لو حد فيكوا بيفكر فيا مكنتوش هتجوزوني لمجرم زي دا .."
" سيبوني أنا ولبنى لوحدنا شوية .."
هكذا تحدث سالم بصرامة فأطاعه الوالدان بإذعان و قلة حيلة مع هذا الوضع الأليم الذي فُرض عليهم عنوة..
" ممكن تسيبي اللي في ايدك دي عشان نعرف نتكلم . "
كانت لهجته هادئة بعثت في نفسها الطمأنينة ولكنها أبت الإذعان هي الأخرة و صاحت بانفعال
" ابعد عني أنا مفيش بيني و بينك كلام . "
سالم محاولاً التحلي بفضيلة الصبر معها
" لا في كلام كتير بينا و كنت مستني الوقت المناسب عشان أقوله ."
لبنى بقهر
" الوقت المناسب لما تطمن عالمجرم أخوك صح ؟"
سالم بجفاء
" لا مش صح . أنا كنت مستني اطمن عليكِ. و دلوقتي ارمي اللي في ايدك دا عشان نعرف نتكلم . "
علا صوته في الجملة الأخيرة فاهتزت يدها الممسكة بالسكين و أخذت شهقاتها تعلو وعينيها ترسلان سهاماً نافذة إلى أعماقه فأضاف بلهجة مطمئنة
" أنا عمري ما هأذيكي يا لبنى . و كل حاجة اتعملت و هتتعمل عشان مصلحتك. ادي لنفسك فرصة تسمعي مش هتخسري حاجة.."
إن تجاوزنا عن لهجته المطمئنة و نبرته التي شابهتها فقد كان الإمتثال لأوامره هو الخيار الوحيد أمامها لذا ألقت بالسكين جانباً٠ قبل أن تفترش الأرض بقهر انبعث من عينيها على هيئة أنهار لم تفلح أي كلمات في ردعها ولكنه اقترب منها خطوتان وهو يقول بنبرة متزنة على عكس ما يجول بخاطره من لوعة و شفقة على حالها
" أنا عارف إن أي كلام هيتقال مش هيعزيكي ولا هيواسيكي عن اللي حصلك . "
صمت لثوانٍ يتجرع حنظل ما يحمله بجوفه قبل أن يقول بنبرة متحشرجة
" و على الرغم من أني عمري ما اعتذرت لحد طول حياتي بس أنا مدين ليكِ باعتذار ."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بخشونة
" أنا آسف يا لبنى. على كل حاجة وحشة حصلتلك بسبب حازم .. "
تعلقت نظراتها بملامحه التي بدا عليها الألم و الكدر و كأنه ينازع ليخرج هذه الكلمات من بين شفتاه
" بس أنت مغلطتش عشان تعتذر .."
سالم بلهجة تتضور وجعاً
" غلطي أنتِ أصغر من إنك تفهميه . و حازم دا يعتبر ابني و مسئول مني .."
احنى رأسه قائلاً بمرارة
" وعشان كدا و مهما عمل أنت بتدور على مصلحته و خلتني أتنازل و جوزتني ليه عشان تضمن أنه ميتأذيش .."
فاجأتها كثيراً نبرته التي كانت حادة كنصل السكين
" لا .. كلامك مش صحيح. جوزتك ليه عشان أضمن حقك و أضمن مستقبلك. "
رسمت معالمها عدم الفهم فأردف بجمود
" الناس بره مبترحمش . ومهما كنتِ ضحية مش هيتعاطفوا معاكِ . بس اسم الوزان يخليهم يفكروا ألف مرة قبل ما حد يتعرضلك بأذى.."
تعلم مدى صدقه ولكنها لم تكن تستطيع تقبل وجود ذلك الوغد بحياتها أبداً لذا صرخت بقهر
" بس أنا مش قادرة حتى أشوفه قدام عيني دا واحد سرق مني حياتي و شرفي وعمري كله.ازاي عايزيني ابقي مراته و أعيش معاه ازاي؟"
جاء إنقاذه علي هيئة قنبلة نووية تفجرت الوسط فتبدل كل شيء
" مين قالك أنك هتشوفيه ولا حتى هتعيشي معاه ؟"
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت
" تقصد ايه ؟"
زفر بقوة محاولاً ابتلاع أشواك حديثه بجوفه قبل أن يجيبها بجفاء
" يعني دا جواز على ورق يضمن حقك و يضمن أنك متتعرضيش لأي موقف سيء لو فكرتي تتجوزي تاني . لأن هيبقى معاكِ ورقة طلاق .."
فطنت إلى معنى حديثه و الذي من فرط ما يحمله من طمأنة لروحها المعذبة لم تصدقه لذا هبت بتوسل
" أنت مبتكذبش عليا صح ؟ مش هتسيبه يدمر الباقي من حياتي صح ؟"
امتزج الألم مع الغضب بداخله فشكلا لوحة مريعة لرجل يحاول الثبات أمام ثِقَل تلك الجبال الماثلة فوق صدره و بشق الأنفس استطاع أن يخرج صوته جامدًا حين قال
" قد ما آذاكي هيتأذي و قد ما خد منك هيدفع .."
" تقصد ايه ؟"
استفهمت بترقب فالتفت ينظر إلى النافذة يحاول كبح جماح غضبه هو يجيبها بمرارة و كأن صباراً نبتَ في جوفه
" هتعيشي في بيته وهو لأ..هتعيشي وسط أهلك وهو لأ .. هتكملي تعليمك و هو لأ ..هتتمتعي بفلوسه وهو لأ .. كلنا هنبقي حواليكِ وهو لأ.."
أخذ نفسًا قويًا قبل أن يتابع بخشونة
" قوليلي ايه تاني يرضيكي وأنا هعمله ؟"
لم تصدق ما تسمعه بأذنيها . فلم تكن تبغى العيش بسلام بعيداً عنه فقط بل كانت تشتهي بكل جوارحها انتقام يشفي نيرانها من ذلك الشيطان وقد كان هذا أكثر ما تمنت لذا قالت بخفوت
" مش عايزة أكتر من إنك تنفذ كلامك دا .."
في الخارج كان يغلي من الغضب وحين سمع صراخها تعاظم غضبه و حقده أكثر لذا همس بنبرة موقدة
" مش كفايه إنه لبسهالي كمان جايبها لحد هنا يارب تكون ماتت و خلصت منها .."
انهي كلماته ينوي الهرب قاصداً غرفته فقد كان يتحاشى تلك النظرات الثاقبة و التي شعر و كأنها تحرق ظهره من الخلف و لكنه توقف إثر جملة ساخرة أصابت كبرياءه في مقتل
" مبروك يا عريس .."
كان هذا الصوت الساخر الآتي من الخلف هو لعُديّ الذي كان أقلهم تأثراً بعودة هذا الضّالّ فقد كان يتوقع منه كل شيء فهو أكثر من يعلم بدناءته مما جعل حازم يلتفت وهو يرسل نظراته الإجرامية إلى عُديّ الذي كان يرسم ابتسامة متشفية أراد حازم محوها لذا تشدق ساخراً
" متفرحش أوي مانت خدت اللي أوسخ منها .."
لم يتمالك عُديّ نفسه و قام بتوجيه لكمة قوية أطاحت بأنف حازم الذي تراجع عدة خطوات إلى الخلف ولم يتثنى له استيعاب ما حدث حتى انقض عليه عُديّ بلكمات متفرقة في معدته و صدره الذي ضاق و لم يعد يستطيع استرداد أنفاسه فعلى الرغم من تعادل قواهما إلا أن ضربات عُديّ كان يغذيها انتقام أهوج أعمى عينيه عن ذلك الذي كان سيهلك بين يديه لولا تدخل سالم الذي هرول ما إن سمع صوت شجارهم و ها هو يمنع جريمة محققة كانت على وشك أن تحدث .
" أبعد ايدك عنه يا حيوان .."
هكذا صاح سالم قبل أن يلكم عُديّ بقوة مما جعله يتراجع إلى الخلف ثم التفت إلى حازم الذي كان يسعل بشدة و نظراته تحمل اهتماماً ً لم يتجاوز حدود شفتيه و سرعان ما تبدلت نظراته إلى جمود حين رآه يسترد أنفاسه وهو ينظر إلى عُديّ بحنق و حين أوشك على الانقضاض عليه كانت يد سالم أسرع حين منعه وهو يزمجر بوحشية
" مكانك . "
التفت إلى عُديّ قائلًا بقسوة
" وجودك هنا مالوش لازمة و ياريت مشوفكش تاني.."
ثم التفت إلى سعيد الذي كان يقبع في زاوية الغرفة يرتعب مما يحدث حوله و مما هو قادم فصاح به معنِّفًا
" أنت لسه هنا بتعمل ايه ؟ يالا عشان تنفذ المطلوب منك .."
اومئ بلهفة ثم اندفع إلى الخارج وكذلك فعل عُديّ الذي ما إن خطا إلى البوابة الرئيسية فتفاجئ بمؤمن يهاتفه و ما إن أجابه حتى باغته مؤمن صارخاً
" أنتَ فين يا بني آدم أنتَ؟ أمك و أبوك هنا و مبهدلين ساندي و عيلتها "
هوى قلبه ذعراً بين قدميه وهو يستمع إلى كلمات مؤمن فأطلق لساقيه الريح إلى حيث ترك قلبه بين يديها..
"نجمة.."
كان هذا الهمس الحاني لسهام التي قضت أكثر من ساعة تتطلع إلى ابنتها الغالية تتأمل كل تفاصيلها التي اشتاقتها حتى كاد الشوق أن يفقدها عقلها ولكن الآن تغير كل شيء فها هي تعود لتنير تلك الظلمات التي حاوطت حياتها طوال السنين المنصرمة
" أيوا.."
هكذا أجابتها نجمة التي كانت تشعر بالضياع لكل ما يحدث معها حتى و إن استكانت لتلك المرأة و شعرت بحقيقة انتمائها لها إلا أنها لازالت تشعر بالرهبة و الحزن
" سرحانة في ايه ؟"
تحدثت نجمة باقتضاب
" ولا حاچة. "
ابتسمت سهام بحنان تساقط من بين حروف كلماتها حين قالت
" أنا عارفة إنك متلخبطة و لسه مش قادرة تتأقلمي بينا بس دا كله هيروح أول ما تدي لنفسك الفرصة تقربي مننا .احنا تعبنا اوي يا بنتي عشان نوصلك . "
قالت جملتها الأخيرة بنبرة مشجبة لامست قلب نجمة التي قالت بحزن
" هو أنتوا ازاي جدرتوا تسبوني كل الوجت ده ؟ اجصد يعني دورتوا عليا ؟"
لم تعرف كيف تصيغ كلماتها ولكن كان العتاب غالب على نظراتها فارتجف قلب سهام ألماً انبثق من بين جفونها وهي تقول بأسى
" اه لو تعرفي العذاب اللي شفناه في بعدك . أنا كنت بموت . اعتزلت الناس و الدنيا كلها . كنت بتمني الموت كل لحظة وأنا بتخيل أنتِ فين و ولا جرالك ايه ؟"
زفرت بحرقة وهي تتابع من بين نهنهاتها المتقطعة
" مفيش مكان مدورناش فيه . مسبناش حاجة غير وعملناها و النتيجة واحدة . بنتكوا أكيد ماتت .. الكلمة دي كانت بتحرق قلبي اللي متأكد إنك لسه عايشة. و رافض كل اللي بيسمعه لدرجة إني قربت اتجنن بقيت كارهه نفسي و كارهه الناس و كارهه كل حاجة حتى أبوكي.."
صمتت لثوانٍ فقد غزا قلبها ألماً من نوعٍ آخر ليس له شبيه و لا يمكن الإفصاح عنه
" أبوكي تعب معايا اوي . كان متحمل كل حاجة لوحده اتعذب ألف مرة عشانك و مليون عشاني . كنت بطلع غضبي عليه و احمله مسؤولية اختفائك وهو كان متحمل لحد ما وصل بيا الأمر إني حرّمت نفسي عليه . "
حاولت التحكم بشهقات الألم الذي يحرق جوفها وهي تتابع و كأنها تجلد نفسها بسوط ذنبها العظيم تجاهه
" سنين وأنا محرّمة عليه حتى ينام معايا في أوضة واحدة . سنين بموت و أموته معايا . وهو مكنش يستحق مني كدا . "
احنت رأسها مثقله بذنوب اغرقتها كليًا هامسة بألم
" متعمليش زي مانا عملت . متظلميهوش هو كمان زي مانا ظلمته .. هو ميستاهلش كدا أبداً .."
كانت عبراتها تؤازر عبرات سهام بل و تفوقها أضعاف فقد كانت كليهما تتشاطران القهر و الألم مع اختلاف المواقف والأماكن لذا امتدت يديها تمسكان بيد سهام وهي تقول بحزن
" متعمليش في نفسك اكده . كلنا اتعذبنا و اتوچعنا وهو راچل و راچل طيب جوي و عشان أكده اتحمل .."
اومأت برأسها وهي تشدد على كلماتها و كأنها تشكو لها جرحاً نازفاً بأعماقِ قلبها
" وأنا بغبائي خسرته . خسرت الراجل الطيب دا و مبقاش ليا مكان جواه و مبقاش عنده طاقة يتحملني أو يسامحني .. زي ما يكون مكتوب عليا الوجع . مينفعش أعيش و حبايبي حواليا. لازم عشان اكسب واحد اخسر التاني .. أنا تعبت تعبت اوي يا نجمة . تعبت.."
تبدلت الأوضاع و أصبحت نجمة من تواسيها و كأن ما يربط بينهم تأثر و انتفض لعبرات سهام فقامت بلف ذراعيها حول والدتها في مواساة صامتة كانت تحت مرآى و مسمع منه و قد كان هو الآخر يتشاطر معهما الألم ولكن كعادته صامتاً هادئاً على الرغم من أنه كان أكثر من يحتاج عناق دائم يلثم جراح قلبه ..
دوى رنين هاتفه مما جعل الثلاثة ينتبهون لهذا الوضع و قد كان المتصل كما توقع لذا زفر بغضب و تراجع عنهم دون أي حديث و هو يجيب بحنق
" نعم يا عمار…"
كان هذا العاشق الغاضب بوادٍ و الجميع بآخر . يشتهي قرب المحبوب حتى و إن اضطر لأن يضحي بكل ماهو غالٍ و نفيس لذا تجاهل نبرة صفوت الحانقة و قال بخشونة
" كيفك يا صفوت باشا . جولت اطمن عليك .."
صفوت بحنق
" بخير يا عمار . ولو أن دي المرة التالتة اللي تطمن عليا فيها النهاردة و العاشرة تقريباً من وقت ما رجعت المنيا. لو في حاجة عايز تقولها اتفضل ."
وصل إلى نقطة اللاتراجع لذا قال بصراحة
" عايز أخد منك معاد عشان آچي اطلب يد نچمة.."
كان يعلم شعوره نحوها ولكن أن يأتي ذلك الرجل ليأخذها من بين يديه وهو الذي لم يتمتع بقربها مقدار ذرة تطفئ ظمأ قلبه من عزيزته لذا قال بجفاء
" و أنا مش موافق يا عمار…"
" نورتي بيتك يا ختي. كنا مرتاحين والله . "
هكذا تحدث مروان ساخرًا حين وطأت أقدامهم أرض القصر بعد أن صرح الطبيب لشيرين بأن تُكمل علاجها بالمنزل و علي الرغم من أنها كانت لا تُطيق البقاء في المشفي إلا أنها كانت تشعر بالخزي و الذنب من مواجهة الجميع و خاصةً سالم و فرح التي كانت تناظرها بجمود شابه نبرتها حين قالت
" حمد لله عالسلامه .."
الوضع برمته لم يكن مريحًا فقد كان الجميع يتطلع الي بعضهم البعض بهدوء مريب قطعته كلمات شيرين الخافتة
" الله يسلمك.."
غاضبًا من الماضي رافضًا الواقع متوعدًا للمستقبل هذا كان شعور طارق الذي علي الرغم من حنقه من ماضيها و رفضه لواقع تجنب الجميع لها إلا أنه اقسم أن المستقبل لن يكُن هكذا أبدًا
" يالا ندخل جوا عشان ترتاحي شويه .."
اومات بصمت و تركت يديه تقودها الي الداخل برفقتها همت الصامتة و سما التي أرسلت بسمة هادئة الي فرح التي كانت تغلي من شدة التوتر فضيق مروان عينيه قائلًا بمكر
" الحلو بياكل في نفسه ليه ؟"
ناظرته فرح بحنق تجلي في نبرتها حين قالت
" و كأني لو قلتلك هتفيدني يعني !"
مروان بسخرية
" علي حسب هتغريني ازاي ؟"
" اغريك! لا الطرق دي بتاعت جنة . ماليش انا فيها. "
مروان بتهكم
" اه والله البت جنة دي كانت مطرياها علينا . بيضاله في القفص ابن المحظوظة. زمانه هايص .. "
قال جملته الأخيرة بحنق فاقتربت منه فرح قائلة بترقب
" ايه دا هو سليم عند جنة ؟"
دار مروان حول نفسه في حركة تفي بأنه لا يعلم هل حديثها موجه إليه ام لأحدهم بالخلف فصاحت محذرة
" مروان متستعبطش عليا.. و جاوب.."
مروان باستهلال
" ايه دا أنتِ بتكلميني ؟"
" ايوا بكلمك .."
واصل المراوغة فتهكم قائلًا
" طب و دا كلام . انا بردو اعرف الأشكال الغلط دي ؟ سلومة الاقرع و جنة الأوزعة ؟ دي أشكال تتعرف ؟"
ظلت نظراتها علي جمودها و كذلك ملامحها بينها احتدت لهجتها حين قالت موبخة
" اظن عيب اوي لما تحاول تستعبط مرات اخوك الكبير . صح ولا ايه ؟"
مروان باستنكار
" ايه جو استغلال النفوذ دا ؟ فكراني لما تقوليلي مرات اخوك الكبير هخاف و اعترف مثلًا ؟"
فرح بوعيد
" انت ايه رأيك ؟"
" طبعًا هعترف دا أيده مرزبة هو انا لاقي نفسي . عايزة تعرفي ايه يا اخرة صبري .."
فرح بصرامة
" مكان سليم وجنة.."
حاول الإفلات من بين براثنها قائلًا بمماطلة
" يا بنتي الراجل بقاله كتير مشفش الوليه بالإضافة لإنه لسه ملسوع قلم علي قفاه محترم برجوع الحيوان دا . لولا الغالي ابو قلب حنين اللي مدلعنا و مشخلعنا و رافع راسنا . سالم هو اللي اداله الإفراج النهاردة.."
قال جملته الأخيرة بصياح قابلته بالغضب المطعم بالتهكم حين قالت
" علي ذكر البية الحنين اللي مدلعكوا و رافع راسكوا هو فين من الصبح وليه مبيردش علي تليفونه..؟"
كان يتحدث قاصدًا صرف انتباهها ولكنه في النهاية أوقع نفسه بمصيدة استفهاماتها التي تزداد خطورة اكثر
" اوبا. انا طلعت من نقرة وقعت في دوحديرة . طب بصي بقي . جوزك هيخزق عيني لو قولتلك علي مكان جنة و سليم . و هيقطع رقبتي لو قولتلك علي مكانه . "
شهقت مستنكرة
" للدرجادي ؟ ماشي يا سالم . بقي بتخبي عليا و سايبني هتجنن هنا ولا سائل فيا.."
مروان مستغلًا الموقف
" ما هو أنتِ لو مسيطرة مكنش عمل كدا .انما قعدتي تتساهلي تتساهلي لحد ما عياره فلت . و مبقاش عاملك اي حساب"
فرح بحنق
" عندك حق .."
تابع هجومه عله يصرف انتباهها عما يحدث في الخارج
" بقولك ايه الموضوع دا مينفعش يتسكت عليه. هو فاكرك ايه معدومة الشخصية . لا لازم ترجعي فرح بتاعت زمان اللي طلعت عين أهله وجابته علي جدور رقبته .."
كانت تعلم بأن ذلك الماكر يلهيها بحديثه ولن يفيدها في شئ ولكنها رغمًا عنها تأثرت و شعرت بالغضب يتعاظم بداخلها أكثر لذا قالت بانفعال
" ماشي يا مروان. مفكر انك هتضحك عليا انت وهو . طب انا بقي هعرف بطريقتي و خليك فاكر اني سألتك و انت مجاوبتنيش ..""
" مزعل مراتي ليه يا حيوان ؟"
صدح صوتًا قوي خلفهم جعل دقاتها تتقاذف بداخلها ولكنها أتقنت رسم الجمود علي ملامحها لكي لا تتأثر بنظراته التي كانت تشملها كليًا
" وربنا ما جيت جنبها دي هي اللي كانت عماله تستجوبني ولا المفتش كرومبو . واقولها يا بنتي جوزك طالع عينه اهدي عليه شويه و دي راسها و ألف سيف أبدًا سالم بيخونني.."
ارتفع إحدي حاجبيه إثر حديث مروان الذي جعلها تخرج عن طور الجمود الذي تحاول ارتداؤه أمام عينيه فصاحت بانفعال
" انا قلتلك كدا يا نصاب انت ؟"
مروان بحزن زائف
" شايف يا كبير . بتشتمني ازاي ؟ يرضيك ؟"
كان يتطلع إليها بشغف قاتل و كأنها نعيمه الذي يسكن إليه بعد أن نجي من براثن الجحيم .."
" يا كبير . نحن هنا .. شكلي هيبقي وحش جدًا لو مشيت قفايا يقمر عيش كدا .."
لم يقطع ذلك التواصل البصري بينهم انما قال بجفاء موجهًا حديثه لمروان
" امشي .."
تحمحم مروان بخفوت وهو يضيف بسخرية قبل أن يغادر
" ماشي ياعم هطلع جدع واضحي ببرستيچي الغالي في سبيل الحب . أما اشوف البومة بتاعتي في انهي داهية .."
ربعت ذراعيها حول صدرها وهي تقول بجفاء
" سمعاك .."
اقترب قاصدًا العبث بإعداداتها و قلب هذا الجمود الذي لا يروقه أبدًا
" بقي كلام الواد دا يهزك كدا ؟ "
عاتبته بجفاء قائلة
" و ليه لا؟ إذا كان كل كلامه صح !"
اقترب منها قاصدًا جذبها بين ذراعيه فقد كان في أمس الحاجه للحظة سكينة يقضيها بجانبها فاوشكت علي التراجع خطوة لتجد يديه تمتد لتجذبها إلي أحضانة لتحملها ذراعيه من خصرها قاصدًا غرفة المكتب حتي يتثني له مراضاتها و مراضاة قلبه بها وما أن أغلق الباب خلفهم حتي قال بصوتًا أجش
" و ايه هو كلامه الصح ؟ "
التفتت تعطيه ظهرها وهي تقول بغضب
" انك لا بقيت تسال فيا ولا عاملي اي اعتبار.."
لا تفهم مصابه ولا تعي حجم احتياجه لها و الأدهي من ذلك عدم قدرته علي شرح ما يجول بخاطره والذي لخصه بكلمه واحده وهو يدفن رأسه بجانب نحرها المرمري
" وحشتيني.."
اهتز ثباتها و اختلت أنفاسها تأثرًا بقربه فهمست بعناد
" سالم .."
أجابها وهو مايزال يدفن رأسه متنعمًا بطراوة عنقها البض
" هرمونات الحمل دي آخرها امتا عشان بتيجي في أوقات غلط ؟"
إجابته أججت نيران الغضب بداخلها فاحتدت نبرتها حين قالت
" شايف .. اهو بتستهتر بكلامي و بتتجاهلني . سالم انا عمري ما كنت شخص فضولي. ولا بيتدخل في اللي ميخصوش انا بس عايزة اعرف مكان جنة عشان اطمن عليها و اللي يخصك انت حر فيه .."
لم يعد ينفع كوننا انا و أنتِ أما نحن و أما نحن لا خيار ثالث لذا أجابها بخشونة
" اللي يخصني يخصك يا فرح .."
عاندته غاضبة
" مش صحيح .."
كان يود أن يخبرها بأنها فلكه و مداره وأن كونه بأكمله يدور حولها ولكنه اكتفي قائلًا بصوتًا أجش
" أنتِ الوحيدة اللي كل حاجه تخصني تخصها."
لم تجيبه غاضبة فاشتدت ذراعيه حولها فتثني لها الشعور بدقاته الهائجة و أنفاسه الموقدة و شابهتها نبرته حين قال
" الكلام صعب و تقيل يا فرح مش راضي يخرج . مش استهتار بيكِ ولا حاجه. "
تعلم مدي لوعته ولكنه يحرمها من حقها في ترميم جراحه لذا التفتت قائلة بلوعه
" مش يمكن انا اقدر اريحك ؟"
أكد علي عشقه و حديثها بكلماته الدافئة
" هو دا فعلًا اللي بيحصل . انا مبرتحش غير جنبك . عشان كدا مببقاش عايز افتكر اي حاجه غيرك . "
تبادلا الصمت للحظات قطعه رغبة متأججة بداخل صدورهم جذبتهم بقوة في عناق شغوف موقد بنيران عشقًا جارفًا يكمن في قلوبهم
" زهقتي ؟"
جاء استفهامه خافتًا فأجابته بصراحة
" شويه ..""
" مني ..؟"
استنكرت و قلبها استفهامه البسيط و قالت مُصححة
" من تحكماتك .. "
لدغت انامله خصرها الرقيق بعتب حوته نبرته حين قال و هو يتراجع ناظرًا الي عينيها
" اللي هي ؟"
تدللت ويديها مازالت تحيط عنقه
" اول حاجه غيرتك اللي فاجئتني بيها بصراحة.."
قاطعها وهو يضيق عينيه متوعدًا
" ولسه ..؟"
"دا تهديد ؟"
صحح استفهامها قائلًا بخشونة
" تنبيه . انا ممكن ابقي عاقل في كل حاجه الا غيرتي عليكِ . دي لا بيخضع ليها عقل ولا منطق ."
اتسع قلبها حتي بات صدرها لا يتسع له حين سمعت كلماته ولكنها حاولت الثبات حين قالت تعانده
" علي فكرة بقي مش صح ..""
" مش فارق . "
ارتفع إحدى حاجبيها وهي تقول بتخابث
" تقريبًا اتغيرت ولا انا بيتهيقلي ؟"
اقترب من أذنها هامسًا بعذوبة
" بيتهيقلك.."
لم يكن لها مفر من تأثيره القوي علي حواسها ولكنها أرادت أن تضاعف شغفه اكثر حين قالت بدلال
" بقي سالم الوزان مبقاش يفرقله الغلط من الصح .؟"
أعطاها إجابة تفوق في روعتها أعمق كلمات العشق
" سالم الوزان كيانه كله اتشقلب بسببك .. "
أوشكت علي الذوبان كقطعة من الثلج امام نيران عشقه الضارية ولكنها انتشلت نفسها بصعوبة من بين ألسنه اللهب لتستدير عنه وهي تقول بتذمر
" علي فكرة بقي متحاولش مش ناوية اتصالح"
كانت سلامه وسط تلك الحروب الضارية لذا لم يستسلم أمام زوبعة غضبها الواهية و اعتقل خصرها بيديه لتصطدم قضبان صدره القوي بعظام ظهرها الرقيقة وهو يقول بوقاحة
" أنتِ اللي متحاوليش.. مش هحلك النهاردة…."
لم تجيبه انما أعطته أكثر من الكلمات حين ضغطت بقوة علي يديه المحيطة بخصرها فزمجر بخشونة
" اياكِ تبعدي .. وجودك بيفرق في كل حاجة حتي النفس اللي بتنفسه وأنا جنبك بيكون مختلف .."
همست بعذوبة لتلثم جراح روحه
" حتي لو فكرت ابعد قلبي مش هيطاوعني ولا هيقدر يمشي خطوة واحدة بعيد عنك .."
خبت الكلمات و تسيد العشق دفة الموقف فقام برفع يده و جذب سحاب ثوبها لينزل قليلًا حتي يتثني له نثر ورود عشقه فوق ساحه ظهرها الأملد و يديه تمارسان فنون العشق فوق كل ما تطاله من جسدها الذي اشتعل من فرط التأثر بأفعاله فهمست بضياع
" سالم احنا في المكتب.."
اطلق زفرة قويه حارة من جوفه و تجاهل حديثها قائلًا بولع
" وحشتك ؟"
" فوق ما تتخيل .""
" فين ؟"
لازالت تخجل من التعبير أو الإفصاح عن شوقها إليه ولكنها الآن شعرت بأن ما يقصده كان أبعد من الشوق لذا التفتت تناظره بعينين غلفهما الشغف فوقعت أسيرة لنظراته التي تناشدها فتغلبت علي خجلها بمشقة و اقتربت منه تريد أن تروي ظمأ احتياجه إلي حنانها فتصلب جسده الذي يعانقها وهو يفطن لما تنتويه وحين أوشكت علي نيل مبتغاها و مبتغاه تصاعد رنين الهاتف ليجعلها تفزع بين أحضانه و تتراجع خطوتين فسمعته وهو يلعن من تحت أنفاسه فقالت محاولة أن تهدئ من حدة الموقف
" رد ممكن يكون حاجه مهمة…."
قاطعها حين جذبها إليه بقوة وهو يبتلع باقي حروفها بجوفه مطلقاً العنان لجيوش غضبه لتلتحم مع نيران شوقه و كأنه يعلن التحدي أمام كل العراقيل و الصعوبات التي تحول بينه و بين لحظات راحة ينشدها بين ذراعيها و كانت هي ضحية تلك الحرب الهوجاء وبرغم الألم احتملت لأجله الي أن هدأت وتيرة لمساته لتصبح حانيه و كأنها تعتذر عن ما بدر منه منذ لحظات فلم تبدي اي رد فعل ليفصل اقترابهم تزامنًا مع رنين هاتفه مرة اخري فقام بوضع قبلة اعتذار قويه علي جبهتها قبل أن يتوجه ليجيب علي الهاتف قائلًا بحدة
" انت فين يا زفت مابتردش علي تليفونك ليه ؟"
تفاجئ سليم من حديث أخاه وقال بذهول
" ايه يا سالم في ايه؟"
سالم بجفاء
" رنيت عليك كذا مرة ومردتش .. كنت فين ؟"
سليم بغضب
" كنت مع مراتي اللي بالمناسبة غايبة عني بقالها فترة و أظن انت عارف انا فين .."
كلمات سليم أعادت اليه بعضًا من رشده فتجاهل مقصده وقال بفظاظة
" نص ساعه و تكون عندي انت وهي . رايحين عالصعيد .."
سليم باندهاش
" رايحين نعمل ايه في الصعيد ."
سالم بحدة
" رايحين نشوف اختك ولا نسيتها ؟ "
تحمحم سليم قائلًا بحرج
" لا طبعًا منستهاش .."
سالم بصرامة
" مش هسمح للي حصل دا يأثر عليها . ولازم الناس تعرف اننا جنبها عشان محدش يفكر يتعرضلها…"
سليم بتفهم
" ولازم جنة تكون معانا ؟"
" لازم.."
سليم بإذعان
" تمام اللي تشوفه .."
اغلق الخط ثم التفت يناظرها فتفاجئ من ستائر الحزن التي تغطي ملامحها و لكنها فاجئته أكثر حين قالت بشجن
" بغض النظر عن أي حاجه بس احساس أن البنت ليها اخ ولد بيمارس حقوقه في أنه يحميها و يدافع عنها دا احساس حلو اوي.."
لم يتأثر خارجيًا ولكنه من الداخل شعر بالأسي علي حزنها و كعادته تجاهل كلل شئ و قال بتملك
" كويس أنك معندكيش عشان مكنتش هسمحله يمارس حقوقه دي عليكِ و أنا موجود.."
اغتاظت من تملكه الذي ليس له حدود فصاحت بتذمر
" سالم بقي .."
باغتتها جملته التي استقرت في منتصف قلبها كرصاصة قناص ماهر يتقن إصابة ضحاياه في مقتل
" بحبك يا فرح و دا قدرك اللي مفيش مفر منه.."
ما أن أوشكت علي الحديث حتي تفاجئوا من تلك الجلبة في الخارج فاحتدت ملامحه وهو يتوجه الي باب الغرفة و ما أن فتحه حتي تفاجئ بطارق الذي يقف أمام حازم و معالم الشراسه باديه علي وجهه بينما الآخر تحولت نظراته الي ساخرة حين قال سالم بجفاء
"ايه اللي رجعك تاني مش كنا اتفقنا ؟"
اخرج ورقة مطويه من جيبه و قام بمدها إليه وهو يقول بتخابث
" وانا سمعت كلامك و جيت عشان أشيل شيلتي كاملة .."
هدر طارق بغضب
" شيلة ايه و زفت ايه ؟ ما تجيب من الآخر و تخلصنا.."
برقت عيني سالم حين وقعت علي تلك الكلمات المحفورة في الورقة أمامه فاتسعت ابتسامة حازم الشامتة وهو يقول بتشفي
" عايز اخد مراتي و ابني و امشي من هنا…"
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري
"ايه اللي رجعك تاني؟ مش كنا اتفقنا؟"
أخرج ورقة مطوية من جيبه ومدها إليه وهو يقول بتخابث: "وأنا سمعت كلامك وجيت عشان أشيل شيلتي كاملة."
هَدَرَ طارق بغضب: "شيلة إيه وزفت إيه؟ ما تجيب من الآخر وتخلصنا."
بَرَقتْ عينيّ سالم حين وقعت على تلك الكلمات المحفورة في الورقة أمامه. اتَّسعت ابتسامة حازم الشامتة وهو يقول بتشفي: "عايز آخد مراتي وابني وأمشي من هنا."
رُبَّما هي غريزة الأم في حماية صغارها هي من دفعتها. لا تعلم كيف تحركت، تجاوزت تتجاوزه، بل تجاوزت الجميع. امتدت يدها لتنتشل الورقة من بين يد حازم. فوقعت أنظارها على تلك الكلمات التي جعلت عينيها تبرقان من شدّة الصدمة. خرجت حروفها مبهوتة حين قالت: "يعني إيه الكلام ده؟ أنا مش فاهمة حاجة."
بينما جذبَ طارق الورقة من يديها لمعرفة ما بها، التفتت هي إليهِ مُستنجدة: "سالم. ألحق."
لم يجيبها، ولكن كانت ملامحه في تلك اللحظة مرعبة. عينان مظلمتان بقسوة، عروق بارزة، شفاه مذمومة. كل ذلك يُحيط بهِ هالة من الظلام الذي كان يحاول ابتلاعها، ولكنها كانت تقاومه. فجاءها صوته القاسي حين قال: "وصلت للورقة دي إزاي؟"
تجمهر الجميع وتعالت الشهقات من رؤيته. فالتقمت عينيهِ شيرين التي كانت مدهوشة من مدى وقاحته. فتجاهل الذعر الذي كان ينشب مخالبه بشراسة في قلبه، وقال بثبات واهي: "شيرين اللي ادتهالي."
كلماته استقرت في قلب طارق الذي خابت آماله، ولم يعد يعلم مدى قدرته على الغفران. لذا التفت يسألها، فشاهد الحيرة على معالمها. فناوله الورقة بصمت. وكذلك فعلت هي حين شرعت تقرأ ما بها لتخرج منها صرخة استنكار: "محصلش. أنا أول مرة أشوف الورقة دي دلوقتي."
صاحَ مُهدداً: "كذابة. أنتِ اللي ادتيهالي عشان كنتِ عايزة تنتقمي من فرح في أختها، زي ما خلتيني أسجل الفويس إياه عشان صوتي زي صوت سالم بالظبط. كنتِ عايزة تِسمَّعيه لفرح وتخليها تطلق منه."
تراشقت كلماته كأسهم نارية بقلب فرح التي التفتت تناظر سالم فوجدت نظراته الفولاذية. فأخفضت رأسها حنقًا. كان يحوي الشفقة بداخله. أما حازم فصمت لثوانٍ وهو يُفرِّق نظراته بين شيرين التي كانت ترتجف خُزياً، وبين طارق الذي أظلمت عينيه غضباً. تعاظم حتى وصل إلى ذروتهِ حين أضاف حازم بخبث: "ما هو أصله حبيب القلب."
لم يتمالك نفسه حين قام برفع قبضته ولكم حازم لكمة قوية أطاحت به إلى الخلف وهو يزأر بصوت أرعدهم جميعاً: "اخرس يا كلب."
لم يَكَدْ حازم يتمالك نفسه حتى اقترب طارق ينوي إعطاءه لكمة ثانية. فَجاءهُ صوت سالم الصارم: "مكانك يا طارق."
تراجع طارق امتثالًا لأوامر سالم الذي التفت إلى شيرين متسائلاً: "الكلام ده صحيح؟"
تفرقت عينيها بين سالم الجامد وحازم المتوعد. فأذعنت للأخير قائلة: "أيوا أنا."
"لا يا شيرين. بلاش تبقي أنتِ اللي عملتي كدا!"
كان هذا صوت سما المتوسل لشيرين أن تنفي عن نفسها حقارة ما حدث. فإذا بالأخيرة تخفض رأسها قهراً وخزياً. فاقترب مروان يحاوط سما من خصرها بمواساة صامتة. فالتمع الغضب بعيني حازم الذي قال بِسُمّ الأنانية: "الله دي احلوت أوي. مروان بيحضن هو كمان؟ دانا فاتني حاجات كتير باين."
تجاهل ذلك الاستفزاز الذي يغلفه السخرية وشدد من عناق سما واضعاً قبلة قوية فوق خصلات شعرها وهو يقول بسعادة كمن يَزُف نبأً عظيم: "فاتك كتير بصراحة يا حازم. بس ملحوقة. لو مكتوبلك تخرج من هنا على رجليك هنبقى نعزمك على فرحنا. أصلنا كتبنا الكتاب."
نيران الأنانية والتملك تفشت بقلبه. فلم تفت ذلك الذي كان يشاهد جميع انفعالاته بترقُّب. فصاح حازم ساخراً: "إيه دا؟ الكل بقى يعمل موف اون بسرعة أوي. أومال فين وعود الحب والعشق والسهر والمقابلات والذي منه؟ راحت عليه خلاص!"
صاحت همت بانفعال: "اخرس يا كلب. أنا بنتي طول عمرها أشرف من الشرف."
خطة خبيثة ومردودها لن يكون بالهَيّن. ولكنه ابتلع جمرات غضبه الحارق وقال بسخرية: "مش كبرت على حركات المراهقين دي بقي! ولا مفكرني عيل صغير هييجي واحد هايف زيك يشككه في مراته؟"
تبدلت ملامح حازم إلى أخرى واجمة. فتابع مروان يضرب على أوتار كبريائه بيد من حديد: "وعموماً أنا مقدَّر حالتك. ما هو مش سهل بردو على الواحد أنه يلاقي الكل كرفه وقرف منه كدا."
التمعَت عيني سما بالتشفي. و خاصةً حين تابع مروان باحتقار يغلفه السخرية: "أما بخصوص الموڤ اون فصدقني مخدش وقت خالص. أنت كنت أقل بكتير من إنك تسيب أثر يستدعي أي مجهود."
تلاحقت الإهانات بصدره. فلم يعد يستطيع الحديث. فجاءه صوت سالم الجامد حين قال: "نرجع لموضوعنا. وصلت للورقة دي إزاي؟"
تفاجئ الجميع من استفهام سالم الذي تبلور الاحتقار على ملامحه. وازدَرَِد حازم ريقه بصعوبة وهو يقول كاذباً: "ما أنا قلت. شيرين...."
"اخرس... ولآخر مرة هسألك جبت الورقة دي إزاي؟"
احنى رأسه غاضباً وقال بخفوت: "عرفت من الكلب ناجي إن سالم نقل ميراثي باسم جنة و... ابنها! وكنت عايز أسرق الورق دا. جبت عربية وفيها رجالة نزلوا اتخانقوا مع مجاهد كان غرضهم يشغلوه عشان أدخل أسرق الورق من المكتب. ووقتها سليم جه وملحقتش أخده، بس شفت الورقة دي وخدتها عشان كنت عارف إن ناجي هيغدر بيا!"
تعالت الشهقات حوله. فلم يكن يتخيل أحد أن يصل إلى هذه الدرجة من الدناءة. و خاصةً هو. فصاح متألماً: "انتَ إزاي قادر تكون وحش كدا؟"
التفت الجميع إلى سليم الذي كان يقف أمام باب المنزل وبيده جنة، التي كان الاحتقار يشوه ملامحها وهي تطالع حازم. الذي لمع الغضب لوهلة بعينيه وسرعان ما انطفئ حين صاح سليم بحرقة: "دا ناجي نفسه معملش فينا اللي أنت عملته؟ إحنا عملنا فيك إيه؟ آه أنا كنت أوقات بقسى عليك، بس عمري ما كنت بتحمل عليك الهوى."
تشكلت طبقة كريستالية منَ الدموع في مقلتيه وهو يقترب متابعاً بنبرة مُشجبة: "أمك وسالم وحلا. كلهم كانوا روحهم فيك. محدش فيهم قسى عليك أبدًا. سالم دا كان بيعتبرك ابنه. يستاهل منك كدا؟"
تابع بحرقة أصابت قلوبهم جميعاً: "مفكرتش في أمك اللي كذا مرة كانت هتموت مننا بسببك؟ مفكرتش في حلا. أختك مفكرتش فيها وانت بتهتك عرض بنات الناس كدا؟"
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بحرقة: "ليه؟"
تساقطت العبرات من مقلتيه احتجاجاً على هذا الألم الهائل بصدره. فتقدم منه وقام بدفعه بكلتا يديه وهو يزمجر بشراسة ارتعدت لها الأبدان: "رد عليا لييييه؟"
كان استفهاماً مؤلماً هربت جميع منه الإجابات. فلم يلقى صدي سوى رأس مُنَكّث وقلب لأول مرة يزوره الندم. فلم يجد من الكلمات ما يسعفه، ولم يستطع حتى مواجهة نظراتهم. فتابع سليم بنبرة لوّعَت قلوب الحاضرين: "معندكش إجابة يا حازم؟ مفيش مُبرر واحد عندك تقوله يطفي نارنا؟ حاجة واحدة تخلينا نقدر نرفع راسنا وسط الناس."
لم يستطِيع تحمل المزيد. فصدح صوته القاسي يبدد كل هذا القهر الذي يتشارك به مع شقيقه: "كفاية يا سليم. هو اللي حكم على نفسه."
تقدم من بينهم جميعاً مروراً به وهو يأمره بجفاء: "ورايا."
لم يتحدث بحرف، بل تقدم خلف سالم محني الرأس. فلم يحتمل سليم ما يحدث فانطلق هارباً إلى الخارج. حتى أن نداءات جنة لم توقفه. فاقتربت منها فرح تمسك بيدها وهي تقول بحنو: "سيبيه يا جنة. خليه يهدي مع نفسه شوية."
جنة بأسى وقلب يتقاسم وجع المحبوب: "إزاي أنتِ مشوفتيش حالته يا فرح؟"
تحدث مروان هذه المرة بدلًا عن فرح: "فرح عندها حق يا جنة. سليم في أقصى مراحل ضعفه ويأسه. بلاش تروحي وراه من غير حاجة. هو حاسس بالإحراج منك ومننا كلنا. سيبيه. هو عارف هيتخلص من كل دا إزاي."
لم تستطع احتمال كل ما يحدث معها. فأحنت رأسها لتقترب منها همت بأقدام متوجسة قائلة بترقب تخشى رفضها: "مروان عنده حق يا جنة. اللي مروا بيه يا بنتي مش سهل."
رفعت جنة رأسها تطالعها بحزن تجلى في إيماءة بسيطة من رأسها. فاطمأنت همت قليلًا واقتربت تُمسِّد بحنو على كتفها وتضمن لهجتها وهي تقول: "اطلعي أنتِ ارتاحي شوية في أوضتك على ما هو يكون رجع. ولو عايزة تسيبي محمود معايا عشان تعرفي تنامي براحتك سيبيه."
نبش القلق حوافره في قلبها. فازدادت من ضمة محمود أكثر إلى صدرها. فتابعت همت تطمئنها: "متخافيش عليه يا جنة. دا في عنيا والله. وأنتِ وفرح زي سما وشيرين."
انفرطت عقدة دموعها مع آخر كلمة تفوهت بها. فتحمحمت فرح ثم قالت بهدوء: "أكيد طبعاً يا حاجة همت. سيبي محمود معاها يا جنة واطلعي ريحي فوق."
أرسمَتْ ابتسامة بسيطة على محيّاها قبل أن تناولها الصغير وتلتفت تناظر فرح بحزن احتوته فرح بضمة قوية وهي تهمس بأذنها برفق: "متقلقيش. خلي عندك حسن ظن بربنا واعرفي إني مش هسيب أي حد أو أي حاجة تأذيكي طول ما أنا عايشة."
هَدَأ الفؤاد بكلماتها. فشددت جنة من ضمها قبل أن ترفع رأسها وهي تقول بامتنان: "ربنا ما يحرمني منك أبداً."
"ولا يحرمني منك."
كان الجميع يشاهد ما يحدث بتأثر. فتقدم هو إلى حيث تقف وقال بخفوت صارم: "تعالي ورايا عالمكتب."
ارتجف قلب شيرين الذي كان يخشى المواجهة كثيراً. ولكنها في النهاية اذعنت إلى ما طلبه وتقدمت تجرّ أقدامها المثقلة بذنوبها العظيمة. وهي في طريقها إلى المكتب توقفت أمام كُلّاً من فرح وجنة. وقالت بصوت مبحوح من ثقل ما تشعر به: "فرح. لو تسمحي كنت عايزة أتكلم معاكِ شوية."
أومأت فرح بصمت. فأردفت شيرين بخفوت: "ساعة وهعدي عليكِ في أوضتك نتكلم."
فرح بجمود: "تمام."
***
كانت دمائه تغلي في مراجل. بينما لسانه لم يكف عن إطلاق السُباب لكل ما يحدث معه. وكأنما القدر يعاقبه على جميع أخطائه دفعة واحدة.
زفر بحنق وهو يستمع إلى صوت إغلاق الباب. فحاول أن يستبدل ثاني أكسيد الغضب بأوكسجين نقي. فأخذ يكرر عملية التنفس عدة مرات حتى جاءه صوتها المبحوح ليضرب بكل محاولاته في الهدوء عرض الحائط: "عايزني في إيه؟"
التفت بسائر جسده وهو يناظرها بغضب تبلور في لهجته التي كانت مرعبة تشبه عينيه حين قال: "عايز أعرف حازم بيهددك بـ إيه؟"
تراجعت خطوتان إلى الخلف من مظهره المرعب ولهجته وعينيه. فحاولت أن تشحذ صوتها الهارب وهي تقول بخفوت: "مبيهددنيش."
زمجر بوحشية يقاطعها: "متكذبيش."
شهقة قوية شقَّت جوفها من صراخه. فهمست بخوف: "طارق أنت مخوفني."
طارق بشراسة: "أنا لسه هخوفك لو مجاوبتنيش بصراحة. مش عايزك تشوفي وشي التاني يا شيرين. فأحسنلك جاوبيني."
لم تتقبل طريقته ولا مخاوفها. فنفضت ضعفها قائلة بجفاء: "بأي حق بتسألني وبتعاملني بالطريقة دي؟"
ابتلع جمرات غضبه وأجابها بقسوة: "موضوع حقي وحقك دا خليه على جنب. عشان أنا ممكن أوجد ألف حق يخليني أكسر دماغك دلوقتي. فجاوبيني أحسنلك."
شعرت بتعب كبير يغزو أطرافها. فتقدمت تجلس على أقرب مقعد قبل أن تتهاوى أقدامها وتسقط أمامه. وقامت بإسناد رأسها بين كفيها بتعب لامس قلبه الذي أحكم تطويقه. حين قال بجفاء: "إحنا في وقت صعب. والكلب دا محدش يأمن مكره. واديكي شايفة جري إزاي يهددنا بورقة الجواز دي. لولا إننا عاملين حسابنا كان زمانا اتفضحنا في كل حتة."
رفعت رأسها تطالعه باندهاش تجلى في نبرتها حين قالت: "تقصد إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. الورقة دي اتعملت إزاي وهو كان متجوز جنة عرفي؟ وبعدين هو أنتوا كنتوا عارفين إنه سرقها أصلاً؟"
طارق بخشونة: "حازم وحلا كانوا عاملين توكيل عام لسالم عشان يتصرف في الورث كله. وبالتوكيل دا سالم كتب على جنة وعمل العقد بتاريخ قديم لما كان حازم مسافر إنجلترا الصيف اللي فات. ودا عشان تقدر تورثه هي ومحمود ومحدش يقدر يتكلم عنها بحرف."
شيرين باندهاش: "آها صح. أنا سمعت بابا بيقول لحازم إن عشان جنة تورث فيه لازم جواز رسمي."
طارق بجفاء: "بالظبط. وسالم اكتشف إن الورقة اتسرقت. ودا قبل ما نعرف إن الزفت دا عايش. وبعد ما عرفنا بدا شكيت إن ممكن يكون حازم سرقها بأي شكل من الأشكال. وفضلنا مستنيين نشوف هيحصل إيه عشان سالم يقدر يتصرف معاه صح بعد كدا."
هبت من مكانها وهي تتساءل بترقب: "تقصد إيه؟ سالم ناوي يعمل معاه إيه؟"
طارق بقسوة: "ملكيش فيه. انجزي وقوليلي الكلب دا بيهددك بإيه؟"
اخفضت رأسها لا تقوى على إجابته. فتقدم يهزها من كتفها بعنف: "لآخر مرة هسألك وأعرف منك أحسن ما أعرف من حد تاني. جاوبيني. مش هيكون أوحش من عمايلك اللي قبل كدا."
غمس سموم كلماته بقلبها الذي انتفض بين يديه. فنزعت نفسها من ذراعيه وهي تقول بألم: "عمايلي دي أنت كنت هتعمل أسوأ منها لو كنت مكاني. أو شفت اللي أنا شفته. لو اتحرقت بنار الذل والقهر كنت عملت أكتر من كدا. وعلى فكرة مش هجاوبك ولو حصلي كارثة. بعفيك من إنك تحاول تنقذني."
أنهت كلماتها والتفتت مهرولة إلى الخارج. فاصدمت بفرح التي كانت في طريقها إلى الخارج. وإذا بها تجد شيرين التي كانت في طريقها للانهيار: "في إيه؟ حصل إيه؟"
هكذا تحدثت فرح بذعر من مظهر شيرين. فهمست الأخيرة بحرقة: "بدفع تمن أخطائي."
أنهت كلماتها وهرولت إلى الأعلى وشهقاتها تشق جدران المنزل من فرط الألم.
***
"ادينا لوحدنا أهو ياستي اتفضلي قولي اللي عندك."
اخفضت رأسها بخجل. فقد خطت بجانبه إلى الحديقة وبداخلها الكثير والكثير من الكلمات التي تخجل الإفصاح عنها ولا تعرف كيف تصيغها. لتأتيها كلماته العابثة حين قال: "إيه؟ أوعي تكوني ناوي تتغرغري بيا؟ لا بقولك إيه شرف العيلة يا بنتي."
صرخت باستنكار: "مروان."
مروان بلهفة: "خلاص مرمطي شرف العيلة براحتك ولا يهمك. أنا من إيدك دي لإيدك دي."
اغتاظت من وقاحته فقالت محذرة: "والله لو ما بطلت هسيبك وأمشي."
مروان باندفاع: "لا تسبيني وتمشي إيه؟ بهزر معاكِ. قولي سامعك."
تعاظم شعورها نحوه للحد الذي لم يعد شيء يستطيع إيقافه. و خاصةً بعد أن احتواها ودافع عنها وعن زواجهم بشراسة أمام هجوم حازم الدنيء. فقد كانت تلك الخطوة هي الفاصلة لقلبها الذي همس بعذوبة: "أنا بحبك يا مروان."
ظلت ملامحهُ على جمودها للحظات. فزارها القلق. ولكنها تجاهلته وقالت بخفوت: "مش هتقول حاجة؟"
تفاجئت من تغير نظراته وابتسامته التي توحي بمن يراه بأنه طاله مس من الجنون. الذي تجلى في نبرته حين قال: "أقول إيه؟ دا أنا هعمل. أنتِ خليتي فيها حاجة تتقال!"
تراجعت بخوف من مظهره وقالت بذعر: "هتعمل إيه يا مجنون؟"
قام بخلع جاكيته وإلقاءه بجانبه وهو يقول بوعيد: "هبوسك. تقوليلي بحبك وعايزاني أقول؟ دانا ههرّيكي بوس."
ارتعبت وبرقت أنظارها من هذا المجنون وأخذت تتراجع للخلف وهي تقول: "يخربيتك أنت اتجننت رسمي."
هرول مروان خلفها وهو يصيح: "أنتِ لسه شفتي جنان؟ دا أنا من كام يوم بس كنت بحلم أقعد جنبك. جاية تقولي بحبك في وشي؟ وربنا أبداً. مش هعتقك النهارده."
صرخت وهي تهرول إلى داخل المنزل: "خلاص والله أنا غلطانة."
برقت عينيه وصرخ باستنكار: "غلطانة إيه؟ نهارك أسود أنتِ يا بت."
تلقفت يد همت سما التي كانت تهرول لاهثة إلى أن احتمت بظهر والدتها من ذلك المجنون. فصاحت همت مستفسرة: "في إيه يا واد يا مروان بتجري ورا البت ليه؟"
مروان بنفاذ صبر: "اوعي يا عمتي من وشي. دي حاجة بين الراجل ومراته."
صاحت باستهجان: "راجل مين ومراته إيه؟ أنت صدقت نفسك يا وله؟"
مروان بانفعال: "إيه صدقت نفسي دي يا عمتي؟ لا بقولك إيه جو الحموات القرشانات دا من أولها مش هسكتلك. هبعت أجيب دولت تيجي تقفلك. مانا مش هيتاكل حقي في البيت دا."
همت باندهاش: "حق إيه يا ابني؟ هوا حد جه جنبك؟"
"أيوا حقي. بوسة كتب الكتاب مخدتهاش ولا حتى الحضن. إيه هتستعبطوني؟"
همت باستنكار من حديثه: "بوسة كتب كتاب إيه يا قليل الحيا؟"
تشدق ساخراً: "طبعاً ما أنتِ من أيام المصريين القدماء هتفهمي أنتِ في الحاجات دي إزاي؟ ابعدي شوية الله لا يسيئك."
آتاهم من الخلف صوت طارق الغاضب: "في إيه يا ابني صوتك عالي ليه؟ صدعتنا."
مروان بتهكم: "اهو شاروخان شرَّف أهو."
كان الغضب من نصيب سليم الذي صاح محذراً: "مروان محدش متحمل رزالتك دي."
صاح مهللاً بسخرية: "إيه دا؟ وأميتابتشان كمان شرَّف! لا أميتابتشان إيه دا مكنش أقرع. أقولك خليك سلومة الأقرع أحسن."
تشارك الرجلان شعور الغضب وتبادلا نظرات ذات مغزى قبل أن يقتربا بمكر لون عينيهما تجاه ذلك الذي فطن لما يحدث وأنهم يبيتون نية له. فصاح محذراً: "في إيه يا زفت أنت وهو؟ البصة دي مش مرتاحالها؟"
لم يَكَدْ ينهي جملته حتى تفاجئ منهما يقومان بحمله والتوجه به إلى الخارج. فصاح مروان مستنكراً: "الحقونااااي."
هرولت كلّاً من سما وهمت خلفه. وقالت الأخيرة بلهفة: "استنى يا واد أنت وهو هتعملوا إيه؟"
صرخ مروان باستغاثة: "الحقيني يا همت. الله يسامحك أنتِ وبنتك فقر زي بعض."
توقف كلّاً من طارق وسليم أمام المسبح. ففطن مروان إلى نيتهم وصرخ قائلاً: "لا بقولكوا إيه أنا لسه مستحمي و متليف الشهر اللي فات. هتعملوا إيه يا ولاد الكالللللب."
قال جملته الأخيرة تزامنًا مع إلقاءه في المسبح بيد الرجلان. واللذان كانا ينظران إليه بتشفي. فأخذ ينثر المياه عليهم وهو يصيح بغضب.
بعد نصف ساعة كان مروان يلتف بشرشف ثقيل وبيده كوب من الشيكولاتة الساخنة ورأسه ملقى على كتف سما التي كانت متأثرة للغاية بحالته التي كان يدَّعيها قائلاً: "برتعش يا سما. كل حتة في جسمي وجعاني."
سما بتأثر بالغ: "معلش يا مروان اشرب الشيكولاتة دي هتدفيك وهتبقى زي الفل إن شاء الله."
مروان باستنكار: "شيكولاته إيه اللي هتدفيني؟ هو أنا عدمتك؟ دفيني أنتِ."
اغتاظت من حديثه وقالت بتحذير: "هقوم وأسيبك."
مروان بتعب زائف: "آه قومي وأسيبني وأما الحمى تموتني ابقي ارجعي عيطي."
رق قلبها تأثراً بكلماته: "حمى؟ هي وصلت للدرجادي؟"
مروان بأسى مزيف: "أومال. دانا حاسس إن كل عظمة في جسمي وجعاني. اااه منه لله اللي كان السبب."
كان يتحدث وعينيه ترسل نظرات غاضبة لهذا الثنائي الذي يجلس براحة بعد أن قاموا بفعلتهم. فلم يتأثروا بنظراته ولا كلماته. فتابع متحسراً: "ما أنتِ لو كنتي وافقتي وخلتيني أبوسك مكنش دا كله حصل. لكن هقول إيه؟ بومة."
"أنت قليل الأدب على فكرة."
هكذا همست بخفوت. فتحدث بنفس لهجتها الخافتة: "اتنيلي على عينك. أنتِ كنتِ لسه شفتي قلة أدب."
همست بعتاب: "وبعدين ما أنت اللي خضتني. في حد يطلب حاجة زي دي بالطريقة الغبية بتاعتك دي؟"
ضيق عينيه بمكر تجلى في نبرته حين قال: "آه. يعني الطريقة بس اللي غلط. شوف ياخي وأنا اللي ظلمتك. وتقولي عليا قليل الأدب. آه يا سافلة."
زجرته في كتفه وهي تقول بتحذير: "والله بجد هخاصمك."
"دا أنا أموت. يرضيكي مروان حبيبك يموت؟"
سما بخجل: "لا ميرضنيش. بعد الشر عنك."
رفع رأسه يناظر طارق فوجده منشغل بهاتفه. وكذلك سليم. فوجَّه أنظاره إلى همت التي كانت تتابع حديثهم باهتمام. فقال حانقاً: "بقولك إيه يا عمتي ما تقومي تتفسحي كدا شوية؟"
"عايزني أقوم ليه ياخويا؟"
مروان بسخرية: "يعني هيكون ليه يعني يا عمتي؟ عايزك تهوي رجلك شوية. هكون بطرقك يعني!"
همت بسخافة: "لا أنا قاعدة على قلبك مش قايمة."
ناظرها شذراً وهو يتمتم بحنق: "ربنا عالظالم."
***
أنهت شيرين كلماتها مع فرح وهرولت إلى الأعلى وشهقاتها تشق جدران المنزل من فرط الألم.
أغلقت باب غرفتها واستندت بكامل ثقلها فوقه حتى خارت قواها. فتلاشت أقدامها وسقطت في نوبة انهيار قوية. قطعها صوت اهتزاز كان كالشوك في جوفها. فقد جاء وقت المواجهة التي لن تمر مرور الكرام أبداً. التقطت هاتفها السريّ وهي تجيب بغضب يحوي القهر بين طياته: "بتتصل عليا ليه؟ في إيه تاني عايز توحنلني فيه؟ ولا في بلاوي تانية ناوي تلبسهالي؟ عايز تسود وشي وتقل من كرامتي أكتر من كدا إيه؟ بأي عين بتتصل عليا؟"
قالت جملتها الأخيرة بصراخ أدمى حبالها الصوتية. فجاءتها قهقهاته المستفزة وكذلك نبرته حين قال: "ياااه فكرتيني بالذي مضى يا شيري. أمك قالت نفس الكلمتين دول من كام سنة ومصعبتش عليا بردو."
خرجت نبرتها محتقرة حين قالت: "ومين قالك إني عايزة أصعب عليك؟ مين قالك إنك بقيت تفرق معايا أصلاً."
ناجي بغضب: "عارف إنك كلبة ودم الوزان بيجري في عروقك."
"وانت عروقك بيجري فيها إيه؟ مية؟ إزاي قدرت تأذيني وأنا بنتك اللي من لحمك ودمك؟"
استفهمت بقهر. فأجابها بلؤم: "متكبريش الموضوع أوي كدا يا شيري؟ وعلي فكرة دم الوزان دا أوسخ حاجة فيا. وبعدين ما انتِ طلعتي أوطي مني وبعتيني عشان حبيب القلب."
أجابته مصححة: "بعتك لما عرفت كذبك وخداعك ليا."
ناجي بسخرية: "وحتى بعد ما عرفتي كذبي هترجعي تساعديني من تاني."
صاحت بكل ذرة من كيانها: "مش هيحصل أبداً. لو عملت فيا إيه عمري ما هساعدك ولا هسمعلك حتى. كفاية إني مش قادرة أرفع عيني في عنيهم بسببك."
ما أن أنهت جملتها حتى تفاجئت بفرح التي فتحت باب غرفتها دون استئذان وهي تشير لها باستمرار الحديث. فأطاعتها شيرين وهي تستمع إلى كلمات ناجي الآمرة: "هعتبر إني مسمعتش ولا حرف من اللي قولتيِه عشان ردي مش هيعجبك أبداً."
أشارت لها فرح بالهدوء والاسترسال معه في الحديث حتى تعلم منه ماذا يريد. ففهمت شيرين وقالت بجفاء: "أنت متصل عايز مني إيه؟"
ناجي بقسوة: "عايز أوصل للبت مرات سالم دي. تعرفي تجيبي رجليها عشان تقابلني؟"
شهقت شيرين وارتعبت فرح من حديثه. فاستفهمت شيرين باندهاش: "وعايز إيه من فرح؟"
ناجي بقسوة: "عايز أكسر عينه."
كان ثباتها شيء تُحسد عليه. ولكنها أشارت لشيرين لتجاريه. فهبت الأخيرة باندهاش: "أنت بتقول إيه؟ دا سالم كان يدبحني!"
تشدق ساخراً: "لما يدبحك هو أحسن من إني أدبح أنا أمك. ماهي كمان خانتني ولا إيه؟"
نجح في غرس أسهم الذعر في قلبها. فصاحت بقهر: "أنت شيطان."
"أسوأ. أسوأ من الشيطان بمراحل. واسمعي كلامي عشان مترجعيش تندمي بعدين."
كانت تود أن تذيقه ولو قطرة من بحر العذاب الذي ألقاها به: "أنا كدا عرفت ليه سهام سابتك زمان واتجوزت عمو صفوت."
اخترقت كلماتها عمق جرحاً من فرط مرارته تحول على إثره لمسخ لا يعرف معنى الرحمة. فصاح بصوتٍ جهوريّ: "هقطع لسانك يا بنت همت. هدفنك حية أنتِ وكل اللي جه على ناجي الوزان في يوم."
لم تحتمل كلماته ولا صراخه. فقامت بإغلاق الهاتف في وجهه وسقطت فوق السرير خلفها وهي تنتحب بقهر جعل فرح تشفق على حالها. وذلك الابتلاء القاسي الذي على هيئة أب لم يعرف قلبه شعور الأبوة يوماً. فاقتربت منها لتجلس بجانبها بصمت. بينما مدت يدها تربت على كتفها برفق لامس قلب شيرين. فهمست بنبرة محشوة بالوجع: "شفتي بقي أنا اخترت ابقى وحشة ليه؟ شفتي أبويا اللي مفروض يحميني برموش عينيه هو اللي رماني في النار بإيديه."
تنهدت فرح بقوة وقالت بتأثر: "شفت. بصراحة مش عارفة أقولك إيه؟"
التفتت شيرين وهي تقول بتوسل: "سامحيني يا فرح. مش هقولك مكنتش أقصد اللي عملته. لا كنت قاصدة بس مكنش بمزاجي. أنا مش فاكرة إذا كنت حبيت سالم في يوم ولا لأ؟ بس أنا بلف في دايرة انتقام كبيرة. مش هقولك كنت ضحيتها. لا أنا كنت من جوايا عايزة انتقم من اللي طردوا أبويا وذلوه قدام عينينا."
لم تكن ممن يحكمون بمشاعرهم. ولهذا تحدثت بعقلانية: "بصراحة يا شيرين لو مكنتش سمعت مكالمتك معاه مكنتش هتعاطف معاكِ. يعني اللي حصل منك مش قليل. بس اللي سمعته النهارده غير حاجات كتير جوايا."
أحنت رأسها بألم تجلى في نبرتها وهي تقول: "أنا عارفة إن ذنوبه هتفضل طوق حوالين رقبتي العمر كله. بس غصب عني والله. كان مزيف كل حاجة في عيني. وللأسف مكنتش قادرة حتى أحكي ولا أتكلم. مكانليش غيره. وكنت بعيد عن أمي كان صدري الحنين اللي كنت بلجأله من كل العذاب اللي بشوفه مع الزفت اللي كنت متجوزاه. بس عارفة أنا دلوقتي بسأل نفسي ليه محاولش ينقذني من العذاب دا؟ دا مفيش مرة قالي اتطلقي منه!"
فرح بغضب من ذلك المسخ: "علشان تفضلي محتاجاه على طول وميكونش ليكِ حد غيره."
شيرين بقهر: "صح. أنا اللي حسابت على كل حاجة. واتحملت كل حاجة. حتى لما يحبوا ينتقموا منه بينتقموا فيا يا فرح."
قالت جملتها الأخيرة قبل أن تنخرط في دوامة بكاء مريرة. فاقتربت منها فرح التي تأثرت بحالتها. ولكن هناك هاجس قوي هاجمها بأن هناك مغزى خلف حديثها. فامتدت يد فرح تربت على كتفها برفق. وقالت بطمأنة: "اهدي يا شيرين. الكلب دا مش هيقدر يعملك حاجة. سالم مش هيسمحله."
انتزعت نفسها من بين ذراعي فرح وهي تقول بلهفة: "لا يا فرح. أبوس إيدك اوعي تقولي لسالم حاجة. مش عايزة حد يعرف حاجة ارجوكِ."
فرح بترقب: "شيرين أنتِ خايفة حد تاني اللي يعرف صح؟"
أومأت بصمت. فزفرت فرح بحنق قبل أن تطرأ على بالها فكرة. فصاحت مستفهمة: "أنتِ شفتي أي فيديو ليكي مع الكلب دا؟"
نفت بلهفة: "لا. هو وراني صور وأنا نايمة على السرير وأنا مقدرتش أكمل."
فرح باتزان: "يبقى تسمعيني. في أسوأ الاحتمالات حتى لو حصل بينكوا حاجة يبقي أكيد هيبان في الفيديو إنك كنتِ متخدرة ومش بمزاجك زي ما جنة بردو مكنش بمزاجها. وعشان كدا سليم سامحها. وأنا واثقة إن طارق هيسامحك لو عرف. طارق أصلاً اوبن مايند ومتربي بره وهييتفهم إن اللي حصل دا كان غصب عنك."
شيرين بلهفة: "تفتكري يا فرح؟"
"أفتكر أوي. ودلوقتي يالا عشان ورانا مشوار مهم لازم نعمله."
شيرين باستفهام: "مشوار إيه؟"
فرح بعجالة وهي تمسك بهاتفها: "هتعرفي كل حاجة بعدين."
لم تخمد ثورة استفهاماتها. فقالت بلهفة: "طب وهنعمل إيه مع بابا؟ اللي هو بيقوله دا."
قاطعتها فرح باستهجان: "اللي هو بيقوله دا يبله ويشرب ميته. هو مفكر إننا أغبية."
"تقصدي إيه؟"
فرح وهي تحاول إجراء مكالمة هاتفية: "دا فخ. بيلهينا عشان منركزش في اللي هو ناوي يعمله."
شيرين بتعب: "أنا مش فاهمة حاجة يا فرح."
فرح بنفاذ صبر: "هو مش هيكشف أوراقه قدامك كدا بصراحة. عشان عارف إنك مليون في المية مش هتعملي كدا. خصوصاً بعد ما بان وشه الحقيقي. هو يا إما بيعمل فخ لسالم يا إما بيعمل تمويه على مخططه الحقيقي."
أنهت كلماتها حين أتاها صوت مروان على الطرف الآخر. فقالت بلهفة: "مروان جهز نفسك عشان تيجي معايا مشوار أنا وشيرين."
مروان باستنكار: "أنتِ وشيرين! إيه هتمصوا دم بعض ولا إيه؟ لا أنا مش فاضي لشغل الحريم دا. إحنا ممكن نفضيلكوا الجنينة اللي ورا نعملها حلبة وتقطعوا شعور بعض براحتكوا."
ابتلعت حنقها من ذلك المستفز وهي تقول من بين أسنانها: "اخلص يا أبو لسان عايز أقطعه. أنا لسه مش حسبتك على اللي عملته قدام سالم من شوية. اتفضل جهز العربية هروح معاد الكشف بتاعي النهارده."
مروان بحنق: "حاضر ياختي مفترية زي جوزك."
أغلق الهاتف وهو يخلع عنه هذا الشرشف. بينما التفت ينظر إلى سما بحنق تجلى في نبرته حين قال: "أنا قلت إنك بومة محدش صدقني. شكلي هموت مجلوط بسببك يا سما الكلب."
***
كان ينظر إلى المكان برهبة كبيرة. و خاصةً أنه لم يكن يعلم ماهي وجهته. ولا يجرؤ على سؤال شقيقه الذي كانت كل خلية به تضج غضباً لم يعهده منه. ولكنه لم يستطيع الصمت أكثر. فقال بخفوت: "قد كدا بقيتوا كلكوا تكرهوني يا سالم؟"
سالم بقسوة: "دا أقصى شعور ممكن تستحقه مننا."
قسوته كانت مريعة تشبه هذا الوضع الذي أقحم نفسه به. لذا حاول أن يدير الدفة تجاهه قليلاً. فقال بانكسار: "ليه مش قادرين تفهموا إنه غصب عني وإن ناجي الكلب هو اللي نصبلي كل دا!"
سالم بجفاء: "وهو بردو اللي قالك تهددنا بالورقة اللي زورناها عشان ننضف وساختك؟"
حاول الإفلات من بين براثن ذنوبه قدر الإمكان: "كانت محاولة فاشلة مني عشان أفرض نفسي عليكوا. كنت عايز أدخل البيت و مكنتش عارف أعمل إيه؟"
سالم بفظاظة: "واديك شفت نتيجة محاولتك الفاشلة كانت إيه؟"
هم بالضرب على وتر يعلم مدى حساسيته: "يرضيك اللي قالوهولي جوه دا يا سالم؟ مانا بردو ابنكوا مهما كان؟"
تحدث بقسوة مريرة: "كل كلمة اتقالتلك جوا أنت كنت تستحقها. بس إحنا منستحقش أخ زيك."
انقلبت لعبته وكان هو أول ضحاياها. فصاح محاولاً التمسك بآخر حبال النجاة: "أنا مش وحش يا سالم."
قاطعه بجفاء: "فعلاً. أنت مش وحش. أنت عايز تتربي. ودا غلطنا الوحيد."
شعر بأن هناك المزيد خلف حديثه. فهتف بلوعة: "سالم."
للمرة الثانية التي يقاطعه. ولكن كانت تلك هي الأشرس. فقد زمجر بقسوة: "بس أنا المرة دي هضمن بجد إنك هتتربي يا حازم. ودي هتكون آخر فرصة ليك."
حازم بذعر: "تقصد إيه؟"
سالم بغموض: "هتفهم دلوقتي. وصدقني أقسم بالله المرة دي لو متعدلتش مش هتردد أغسل عاري وأقتلك بإيدي زي ما الناس بتعمل مع بناتها لما يقعوا في الغلط."
كان مشغولًا بالحديث. فلم يدرك ما يحدث حوله. ولم يَكَدْ يتحدث حتى تفاجئ بتوقف سالم. وبلمح البصر وجد شيئًا مسنن يخترق عنقه. وبعدها انعدمت الرؤية لديه وفقد كل اتصال له في الحياة.
***
"تهاني."
هكذا صرخ عبد الحميد مناديًا على تهاني التي هرولت إليه. فقال بغلظة: "جولي لحلا إن خواتها سالم وسليم چايين عشان يزورونا النهاردة."
جاءت كلماته تلك تزامناً مع دلوف ياسين إلى البيت. فـتوقف لثوانٍ يستوعب ما سمعه الآن. ولكن باغتته كلمات تهاني الماكرة حين قالت: "حاضر يا عمي. والله مظلومة يا حلا. وربنا راد يرچعلك حجك لحد عنديكي."
قالت جملتها الأخيرة بعد دلوف عبد الحميد إلى غرفته. ثم هرولت إلى المطبخ لتخبر الخدم حتى يُعِدّوا وليمة للضيوف القادمين. ومن ثم توجهت إلى حلا وهي تقول بغبطة: "يا حلا. حلا."
أطلت حلا من غرفتها وهي تجيبها: "نعم يا ماما."
تهاني بحبور: "خواتك سالم وسليم چايين من مصرعشان يزوروكي."
هللت بفرحة: "بجد يا ماما؟"
تهاني بمكر وهي تنظر من طرف عينيها لياسين الذي يتابع بصمت: "بچد يا روح جلب ماما. جولت أفرحك أهلك وناسك مش مفرطين فيكِ و چايين عشان يزوروكي من آخر الدنيا."
فطنت حلا إلى ما تقصده تهاني. فقالت تجاريها: "ربنا ما يحرمني منهم ويخليهملي دايماً في ضهري وسانديني."
تهاني بنفس طريقتها: "يارب يا حبيبتي. روحي أجهزى أنتِ بجي. واني هروح أجهز الوكل. عايزين نعملهم عزومة تليق بيهم."
"حبيبتي يا ماما ربنا ما يحرمني منك أبداً."
كان يراقب ما يحدث باستهجان أطل من نبرته. حين قال محادثاً نفسه: "دول بيشقطوني لبعض ولا أنا بيتهيألي؟"
لم تتثنى له الفرصة للتفكير أكثر. فقد خطر على باله هاجس جعل طبول الحرب تدق بصدره. فأخذته أقدامه بسرعة البرق إلى الأعلى. فإذا به يجدها تقف أمام الخزانة تنتقي ملابسها. فتقدم منها قائلًا بخشونة: "حلا."
أجابته بتجهم دون أن تكلف نفسها عناء الالتفات: "نعم."
زمجر باستهجان: "إيه الغتاتة دي؟"
التفتت تناظره بجمود تجلى في نبرتها حين قالت: "في حاجة يا دكتور؟"
استنكر ذلك اللقب الذي قلما نادته به: "دكتور!"
ارتفع أحد حاجبيها باستفهام تجاهله. واقترب منها مغلفاً اعتذاره بعتاب لم تخطئ في فهمه: "ينفع يا حلا اللي أنتِ عملتيه من شوية تحت؟"
فاجأته حين أقرت بذنبها بسلاسة: "لا مينفعش. عن إذنك."
استوقفتها يداه وهو يقول بلهفة: "إيه. إيه؟ رايحة فين؟ إحنا بنتكلم على فكرة!"
جذبت يدها من بين براثنه وواصلت تمنعها قائلة: "مش فاضية. أخواتي جايين وعايزة أجهز عشان أقابلهم."
استنكر حديثها قائلاً: "تجهزي عشان تقابليهم! ويّاترى هتحطي مكياج ولا هتلبسي قميص نوم؟"
لم تجيبه. فزمجر بعنف: "أنا جوزك يا هانم. الوحيد اللي مفروض تتجهزي عشان خاطره."
واصلت استفزازه قائلة بسلاسة: "حاضر. في حاجة تاني؟"
استفزته ببرودها قاطعة عليه جميع السبل لمراضاتها. فهتف باندفاع: "آه طبعاً في. أنا الوحيد اللي مفروض ترضيه وتسمعي كلامه. ربنا أمرك بكدا."
حلا باستمتاع أخفته جيداً خلف قناع الدهشة: "وهو أنت قلت حاجة وأنا مسمعتهاش؟"
أجابها باندفاع: "لا."
(إيه الغباوة دي يا ياسين!) هكذا عنف نفسه قبل أن يستطرد قائلاً بمراوغة كحال جميع الرجال في الهرب من أخطائهم: "بصي من الآخر بقي أنا مش بتاع اعتذار والكلام الفارغ دا."
اغتاظت من حديثه فقالت ببرود: "وأنا مش مستنية منك أي اعتذار. وعن إذنك عشان أروح أجهز. أخواتي جايين في الطريق."
تعاظم حنقه و غيرته. وصاح بانفعال: "تاني هتقولي تجهز عشان أخواتها وأنا إيه؟"
"ألعب باليه!"
لم يتوقع إجابتها المريعة تلك. وصاح باندهاش: "إيه؟ بقي أنا الدكتور ياسين عمران الوقور المحترم يتقالي العب باليه؟"
استغلت دهشته وهرولت إلى الحمام مغلقة الباب خلفها وهي تقول بنبرة عابثة: "دا لزوم القافية بس يا دكتور وقور."
تجاوز صدمته وتوجه إلى الحمام يدق الباب بعنف وهو ينوي النيل منها ومن لسانها السليط بشتى الطرق. فهب صارخاً: "في واحدة تقفل الباب في وش جوزها؟ وعلى فكرة بقي أنا ممكن أرد عليكي بنفس الوزن والقافية بس أنا متربي!"
(تفتكروا هيقولها إيه يا حلوين؟)
أجابته ساخرة: "برافو والله ونعم التربية."
زمجر بخشونة: "افتحي الباب دا."
عاندته بدلال: "باخد شاور."
رقت لهجته قليلًا وهو يقول: "طب ما عادي جداً إنك تفتحي وأنتِ بتاخدي شاور. أنا جوزك يا هانم."
تشدقت ساخرة: "الناس كلها في البلد والبلاد اللي حواليها عرفت إنك جوزي خلاص بقي."
تعاظم غضبه وشوقه في آن واحد. فصرخ قائلاً: "افتحي بطلي استفزاز بدل ما أكسر الباب."
لم تريد إغضابه أكثر. فهتفت قائلة: "ياسين لو مفكر إني هحكي لأخواتي على اللي أنت عملته متقلقش. بنت الوزان متربية على الأصول."
كظم غيظه من غبائها بصعوبة. فهو إن كان يخشي شيئًا في هذه الحياة فهو فراقها. لذا صدح صوته قاسياً حين قال: "أولاً مابخافش من حد. ثانياً عارف إن سيادتك عارفة الأصول. وبلاش كل شوية بنت الوزان دا محسساني إنه وسام شرف. ناقص تعلقيه على راسك."
قال جملته الأخيرة بحنق. فصرخت محذرة: "عندك شك في كدا؟"
"مش هفضل أتكلم من ورا الباب كدا. افتحي."
فتحت الباب بغل تجلى في نبرتها حين قالت: "نعم."
جاءها رده الهادئ مع تلك الغمزة العابثة: "عايز آخد شاور أنا كمان."
غلت عروقها من وقاحته وتجاوزته وهي تقول حانقة: "اتفضل ادخل. سيبالك الحمام والأوضة كلها و خارجة."
جذبتها يديه التي حملتها كعروس. فامتزجت دقات قلوبهم بشغف تجلى في نبرته حين قال: "على أساس إن أنا هسيبك تعتبي برة الباب دا أصلاً."
تجاهلت تأثرها بوضعهم هذا وقالت بحنق: "عايز إيه يا ياسين؟"
احنى راية تمرده أمام عشقها وقال بنبرة شغوفة: "عايزك تسامحيني ومتزعليش مني."
عانقت رقبته وهي تقول بدلال: "وأيه كمان؟"
داعب أنفها بأنفه وهو يقول بعتب: "تبطلي رخامة وتقبليني زي مانا."
هتفت غاضبة: "مانتا مش قابلني زي مانا!"
همس أمام شفتيها بنبرة موقدة: "قابلك بس؟ دانا عاشقك يا حلا."
أدارت وجهها الجهة الأخرى تخفي ابتسامتها الرائعة وحاولت الثبات على موقفها وهي تقول بدلال: "بإمارة إيه؟ دا أنت في أول فرصة بتبيعني ولا أكني فارقة معاك أصلاً."
شددت يديه من احتضانها وقال هامساً بجانب أذنيها: "أنتِ أكتر حد فارق معايا في حياتي. بس أنتِ متهورة ودا ممكن يوقعنا في مشاكل إحنا في غنى عنها."
قال جملته وهو يضعها فوق الأرض. بينما يديه لم تفارقها. فقد أراد أن تكون في أقصى انتباهها لما يقول. فأجابته بتذمر: "يعني أنت مسمعتش كلام ابن عمك؟"
"سمعته. عشان كدا زعقتلك."
هبت معارضة: "ليه بقى؟"
ياسين باتزان: "شيفاه عامل زي الطور الهايج تقومي تقفي قدامه. افرضي كان قالك كلمة ولا علا صوته عليكي كنت هعمل أنا إيه بقي؟ أقف أتفرج ولا أكسرله سنانه ويقولوا إنك خلتينا نقف قدام بعض؟"
تفهمت دوافعه ومدى خطأها. فأخفضت رأسها وهي تقول بخفوت: "مانا كان غصب عني."
ياسين بحنو: "بردو عارف. وعشان كدا لازم تتحكمي في انفعالاتك شوية. واعرفي إن محدش هيتجرأ أبداً عليكي ولا على أهلك بالرغم من أي حاجة طول ما أنا موجود."
أومأت بتفهم: "حاضر."
اقترب أكثر وهو يقول بعبث: "خلاص صافي يا لبن؟"
تدللت قائلة: "ماشي."
يروق له كل شيء منها. حتى أنفاسها. فهمس يداعبها: "ماشي كدا حاف؟"
أجابته برقة: "حليب يا قشطة."
أظلمت عينيه واقترب منها. بينما تراجعت هي. حين قال بوقاحة: "طب عايز أدوق القشطة بقى؟"
تدللت وهي تعطيه ظهرها قائلة بغنج: "معلش بقى مش فاضية يا دكتور."
قادته أقدامه إلى حيث قلبه. وهو يزمجر بشوق: "يبقى تفضيلي يا بنت الوزان."
لم تشعر بنفسها سوى وهي محمولة بين ذراعيه التي احتوتها بشغف قاتل أذاب عظامها. خاصةً طريقته تلك المرة معها. والتي كانت حانية شغوفة وقاسية أحياناً. فقد كان يقربها منه كأنه يريد غرسها بين سياج صدره. يبثها مشاعر عاتية تركت بصماتها فوق معالمها الرقيقة وجسدها اللين. ولكنها لم تكترث. فقد غابت معه في دوامة من السحر والجنون الذي كان ضجيجه يدوي في أرجاء الغرفة حولهم. وقد كان هذا يضاعف أشواقه التي بدت وكأنها نيراناً هوجاء لا تخمد. و خاصةً وهي تبادله جنونه بشغف جعله يهمس من بين أنفاساً ثائرة: "مجنون مين يفكر ياخدك مني؟ أو يبعدك عني؟ أنتِ حتة مني مقدرش استغني عنها أبدًا."
ملست بأناملها الرقيقة شعيرات ذقنه الكثيفة وهي تقول بخفوت أشبه بالعزف: "اوعدني إنك مش هتزعلني تاني. وأنا اوعدك إن مفيش حد يقدر ياخدني منك أبداً."
لَثم موضع جنونه يرتشف منه وعدها الأخير. بأن لا شيء يمكن أن يأخذه منها. ثم قال بنبرة محرورة: "دا ابتزاز صريح. بس عشان الشفايف الحلوة دي اللي نطقته. اوعدك."
كان وعداً يستحق المكافأة. ولم تبخل بها. فقد اقتربت ترتشف هي الأخرى وعده الرائع. فأثارت فعلتها جنونه وأخرجت شياطينه من جحيم رغبته العاتية بها. فانهال عليها بعشقه الجارف ينهل من شهدها حتى أسكره نبيذ رمقها وعذوبته. ولكن كان لخوار جسدها رأياً آخر. فتركها على مضض. بينما استندت هي على صدره هانئة القلب على الرغم من آلام جسدها الهائلة.
***
دلف سالم إلى المنزل تزامناً مع وصول فرح هي الأخرى. والتي ما إن رأته حتى توقفت قائلة بلهفة: "جيت إمتى؟"
سالم بخشونة: "لسه دلوقتي. عملتي إيه عند الدكتورة؟"
التفتت تنظر إلى مروان بعتب قابله الأخير بسخط قبل أن يتوجه للداخل. وكذلك فعلت شيرين. فاقترب منها مستفهماً: "قالتلك إيه؟"
فرح برقة: "متقلقش طمنتني. ممكن نطلع فوق نتكلم شوية."
لأول مرة بحياته كان يود الهرب منها. فقال بجفاء: "ورايا شغل كتير ومبقاش فاضل على ميعاد الطيارة غير ساعتين بس."
اقتربت منه واضعة يدها على صدره وهي تهمس قائلة: "يتأجل. الشغل يتأجل والساعتين دول يبقوا من نصيبي. هتوحشني أوي."
هل يمكنه مقاومة إغواء امرأة ملكت قلبه ذات يوم والآن تملك كل ذرة من كيانه؟
أطاعها بصمت. حين أمسكت بيده وتوجهت إلى الأعلى. وحين دلفوا سوياً إلى الغرفة تحدث ينوي بتر كل محاولاتها للحديث: "فرح أنا معنديش طاقة للكلام."
فاجأته حين اقتربت تبتلع باقي حروفه في جوفها في قبلة شغوفة بعثرت كيانه وأطاحت بثباته الذي لا ينال منه سواها.
بادلها قبلتها الشغوفة بأقوى منها. حتى أنه أطلق العنان لعشقه الضاري بامتلاكها محرراً جيوش شوقه العاتية. لتتسيد لقائهم الذي كان يحوي من الشغف ما يجعل العظام تذوب والقلوب تحترق. فكان هذا التشبيه الأمثل لما يحدث. الاحتراق. كان كلّاً منهما ينصهر بين أحضان الآخر. يبثه كافة أنواع الشعور. من بينها الألم الذي تقبلته بصدر رحب. فقد كان وكأنه يشكو لها مرارة ما يشعر به. فتمتصها بكل رحابة وتقبله كأنها تسكب حلاوة ريقها في جوفه. فتمحي كل ما يعلق به. ولا يتبقى سوى شهدها الرائع. فأخذ يسحب منها حتى أنفاسها. يختزن ما يكفيه حتى يعود. ولكنه كان يخشى عليها من الألم. فهمس من بين لهاث محموم: "لو قسيت عليكِ نبهيني. مش عايز أتعبك."
تساقط العسل فوق قلبه من شفاهها حين قالت: "تعبك راحة. وقسوتك على قلبي سكر."
لثمت بكلماتها جراحه الدامية. فأخذ نفساً قوياً معبأ برائحتها العذبة قبل أن يهمس بصوت أجش: "أنتِ راحتي في الدنيا دي. حضنك دا هو المكان الوحيد اللي بحس إني مطمن فيه."
استرد أنفاسه الهاربة قبل أن يضيف بنبرة مُشجبة: "اوعي تخذليني يافرح. أنا مملكش في الدنيا غيرك."
اقتربت تلثم جبهته بقبلة حانية اتبعتها بأخرى فوق شفاهه. وهي تقول بهمس صادق: "قلب فرح اللي مبيدقش غير ليك. اخذلك! دا انت روح قلبي يا سالم و عمري كله فداك."
زمجر بخشونة: "أنتِ لو قاصدة تجننيني مش هتقولي كدا. أكلك دلوقتي ولا أعمل فيكِ إيه؟"
همست بدلال: "أنا من إيدك دي لإيدك دي. أعمل اللي أنت عايزه."
كلماتها أوقدت نيرانه الملتهبة وأذهبت بحسنها عقله. فاجتاحها كطوفان أغرقها وغرق معها في لُجة العشق الملتهبة التي توازيها آنّاتها المستمتعة وأنفاسه المتحشرجة. فلم يدع مكان حولهم إلا وجعله شاهداً على تلك الملحمة الرائعة التي لن تكفي الحروف لوصفها.
***
"سليم."
التفت سليم إلى جنة التي كانت تقف خلفه أمام باب غرفة الملابس. فاقترب منها قائلًا بحنو: "صَحيتي امتى؟"
جنة بخفوت: "أول ما حسيت بيك دخلت الأوضة."
حاوط خصرها بحنان تجلى في نبرته حين قال: "صح النوم يا حبيبي."
لونت ثغرها ابتسامة هادئة قبل أن تقول باهتمام: "عامل إيه دلوقتي؟"
سليم بخشونة: "لما شفتك بقيت أحسن."
أومأت برأسها قبل أن تقول بلوّعة: "إحنا مش مكتوبلنا نرتاح بقى؟"
زفر بقوة قبل أن يقترب مُلثماً خدها برقَّة تجلت في نبرته حين قال: "بالنسبالي حضنك هو راحتي."
همست بلوّعة: "خايفة بعد كدا ميبقاش كافي يا سليم؟"
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال: "ليه بتقولي كدا؟"
جنة بألم: "هتخسر أخوك عشاني؟"
"أنا خسرته من زمان ودا مالوش علاقة بيكِ."
هكذا تحدث بجفاء. فصاحت متألمة: "غلط. أنت عيطت النهاردة عشانه. دا أخوك وأنت عمرك ما تخسره يا سليم. هيفضل جواك معزة ليه مهما حصل."
تمالك نفسه بصعوبة وقال بقسوة: "أيوا يعني أنتِ عايزة إيه دلوقتي؟"
تزاحمت العبرات بمقلتيها قبل أن تقول بشفاه مرتجفة: "خايفة اخسرك."
غرسها بداخل أحضانه بكل ما أوتي من قوة تجلت في نبرته حين قال: "مفيش حاجة في الدنيا دي هتخليني اخسرك. حتى لو أنتِ نفسك حاولتي تبعديني مش هتعرفي."
همست بلوّعة: "سليم."
قاطعها قائلًا بنبرة محرورة: "عارفة سليم عايز يعمل إيه دلوقتي؟"
استفهمت قائلة: "إيه؟"
سليم بوقاحة: "عايز يعضك."
شهقت مستنكرة: "إيه؟"
"اه والله. عايز يعض لسانك اللي بيقول حاجات ملهاش أساس من الصحة دا."
اغتاظت من وقاحته وقالت بتذمر: "أنت قليل الأدب."
مارست يديه فنون العبث على ظهرها وهو يقول بوقاحة: "حلو إنك فكرتيني بقلة الأدب. تعالي بقي أقولك."
قال جملته وهو يقترب منها ليهوي على ثغرها بقبلة جامحة يمتص حلاوة نبيذها مع أفكارها السوداء. ويؤكد عشقه بالأفعال أكثر حتى يُنقّي قلبها من كل مخاوفه. وبينما كان منغمسًا في بحور الهوى معها كانت يديه تحنو على خصلاتها تارة و تقسو تارة. وكذلك شفاهه التي تركت بصماتها بكل إنش من جسدها البض. فتناست كل شيء حولها. فقط ذلك الرجل الذي كان قربه دواء لكل هواجسها وندوبها. فنحت خجلها جانباً وبادلته جموحه. فأصابته لعنة الهوس بها. فلم يسلم أي شيء حولهم من تلك المعركة الحامية. والتي ختمها قائلًا بنبرة مدججة بلهيب الصبوة: "خايفة تخسريني. دا أنا أموت ولا أبعد عنك لحظة واحدة."
هتفت بلهفة وبصدر يعلو ويهبط من فرط التأثر: "بعد الشر عنك."
انساب عشقه من بين زئير قوي لامس أوتار صدرها: "أنتِ حقي من الدنيا دي. وأنا مش بسيب حقي ولا بفرط فيه."
شاركته شغفه قائلة بجرأة: "ولا أنا هسمحلك تبعد عني خطوة واحدة أبداً."
إن كان العشق يقتل فقد كانت هي أول شهدائه. وإن كانت لجدران الغرفة صوت لصرخت تعزف سيمفونية رائعة عن ثنائي العشق الرائع. الذي لا يصمد أي شيء أمامه ولا يجرؤ عائق على التصدي له.
***
كان يعمل على حاسوبه. فإذا به يجد رسالة تصل إلى إيميله الشخصي. فحين فتحها توقفت الأنفاس بصدره وبرقت عينيه من شدة زهولها. حين رأى....
يتبع...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السابع 7 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الأنشودة السابعة 💗🎼
لم يكُن الأمر عادلًا أبدًا حين يتعلق أي شيء بك . تتبدل فيزيائية الأمور و تنحاز المُعطيات و الدوافع و المُبررات وفق إرادتك و إن خالفت كل حدود المنطق ، يختل ميزان النظريات العلمية فلا يعُد لكُل فعل رد فعل بل لفعلك أنتِ ما يُناسبه و يليق بك . حتى و إن خرق ذلك مقاليد الكون والطبيعة ف رُوَاء أنفاسك يُكمم كل هتافات و احتجاجات العقل الذي أسلم رأيته هو الآخر أمام إغواء حضورك ..
فبات كل شئ يتهاون معك رُغمًا عني و عن إرادتي فلم يعُد بُد من الانهزام و ما أشهاه بين حنايا صدرك..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تلاحقت الأنفاس بصدره وهو يرى تلك الصور التي تروي حقارة ذئب لم يتوانى عن نهش أعراض الغيد و هتك سترهن و المُشين أن هذا الذئب ينتمي إلى عائلتهم و يحمل نفس دمائهم ..
زفر طارق بحرقة وهو يُغلِق الحاسوب بينما عروقه تتدافع بها الدماء حتى أوشكت على خرق جلده الخشن فما يحدُث ليس بالهين عليهم وهم رجال فما بالك بتلك الذبيحة التي تم عقد قرانها اليوم على يد قاتلها ؟!
نصب عودة متوجهًا إلى الأسفل فتقابل مع مروان الذي كانت حالته لا تُبشر بالخير هو الآخر فتخاطرت العقول بصمت لثوان قطعه مروان الذي قال بقسوة
_ بدل شكلك كدا يبقى وصلك اللي وصلي..
طارق بحنق
_ و أكيد وصل للكل . متعرفش سالم فين ؟
_ مفروض ينزل في خلال عشر دقايق عشان هيمر على الحاجة أمينة قبل السفر .
زفر حانقًا قبل أن يزأر بنفاذ صبر
_ و الحل ؟ دا بيقولهالنا صريحة اللي بتبنوه من ناحيه ههده انا من الناحية التانيه .
لم يكد مروان يتحدث حتى سمع صوت سالم الخشن وهو يقول
_ مين دا اللي بيهد اللي بنبنيه يا طارق ؟
التفت الأخوان إلى سالم و من خلفه سليم فقال طارق بمراوغة حين التقمت عينيه ظهور كُلًا من جنة و فرح أعلى الدرج و من خلفهم ظهرت شيرين
_ متشغلش بالك شوية مشاكل في الفرع في ألمانيا. هتسافروا امتى ؟
فطن سالم إلى محاولة طارق إخفاء الأمر فألقى نظرة خاطفة على ساعته قبل أن يقول باختصار
_ دلوقتي.
تخطاهم جميعًا إلى غرفة المكتب في أمر صامت حتى يتبعه الجميع و قد كان هذا ما حدث و ما هي إلا ثوان حتى هب سليم من مقعده وهو يصيح كأسد جريح
_ الله يلعنك يا كلب .. وصلت أنه يصورهم بالطريقة دي ؟
اندفع طارق هو الآخر مُضيفًا
_ انا معرفش البني آدم دا جنسه أيه ؟ معندوش ذرة إحساس واحدة !
تشدق مروان ساخرًا
_ على الرغم من أن كل خلفته بنات إلا أنه قذر و ميهموش لو حد فيهم اتأذى !
أوقف سالم سيل صيحاتهم حين قال بجفاء
_ لا يهمه ! و يهمه أوي كمان . احنا بس اللي كنا بنلاعبه غلط !
سليم بتهكم غاضب
_ يعني كنا نأذيه في بناته يا سالم ! دول لحمنا و دمنا..
أضاف طارق بنبرة محرورة
_ لا طبعًا دا دول بناتنا احنا وهو مالوش فيهم حاجه .
ضاق ذرعًا من صياحهم فقال بنبرة صارمة
_ ناجي ميهموش با شيرين ولا سما . ولا يفرقوله بتكلم عن حد تاني خالص ..
انكمشت ملامح الجميع بحيرة قطعها صوته الباتر حين قال
_ إيلينا رودريجز . بنته من مراته الإيطالية !
خيمت الدهشة على ملامح الجميع فكان أول من قطعها صوت سليم المُستفهم
_ بتقول ايه يا سالم ناجي عنده بنت واحنا معرفش !
تولى مروان الإجابة بدلاً عنه
_ بنت عندها خمستاشر سنة عرف أمها في بار و دخل في علاقة معاها و على الرغم أنه مكنش عايز يخلف و شدد عليها دا إلا أنها خلفت و جابت البنت دي و الغريبة أنه حبها و اتعلق بيها لدرجة أنه مخبيها عن كل العيون و حتى منسبهاش لنفسه دا نسبها لأهل أمها عشان محدش يعرف انها بنته .
مزق طارق ثوب الذهول و قال بسخط
_ طبعًا لازم يعمل كدا اسمه لوحده وصمة عار في تاريخها ..
استفهم سليم قائلًا
_ عرفتوا كل دا امتى؟
اجابه سالم بفظاظة
_ النهاردة الصبح . من خلال مراقبتنا له لاحظنا ظهوره واختفائه الغير مُبرر و بدأنا نمسك الخيوط واحدة واحدة لحد ما اتأكدنا ..
لم يصل لمرحلة الثقة الكاملة فأضاف سليم باستفهام
_ وايه عرفك انه خايف عليها اوي كدا ؟ دا كان هيموت بنته بإيده. ما يمكن هيستغلها زي ما عمل مع شيرين !
تولى مروان الإجابة قائلًا
_ تفتكر واحد يسافر من كل بلد و يدخل كذا بيت و يلبس لبس زبال عشان بس يروح يشوف بنته يبقى مابيحبهاش . و بعدين بالرغم من أنه كان بيستغل شيرين إلا أنه عمره ما فكر يحميها ولا حتى يخاف عليها ..
اسودت عيني طارق و ازدادت قتامتها حين قال بقسوة
_ دي حقيقة . دا كان بيرميها في النار بإيديه ..
لاحظ سالم تبدل معالم طارق و حديثه الذي يقطُر غضبًا فقال بلهجة جافة
_ اللي على وشك دا مش عايز اشوفه . الغضب مش هينفعنا أبدًا في المرحلة دي . بالعكس هيضرنا .
طارق بحنق
_ متلومش عليا يا سالم
_ مبلومش يا طارق بنبهك . احنا دلوقتي في حرب باردة معاه عايزة أعصاب من حديد و عقل شغال و واعي يعرف يتصرف صح . فهمتني !
همس باختصار
_ فهمت .
أضاف سالم بجفاء
_ لو سيبنا نفسنا للغضب هنتشتت و هنغلط و الغلطة بحساب . مفهوم ؟
اجابه الجميع بالموافقة على حديثه فنصب عوده يغلق أزرار بذلته وهو يقول باختصار
_ مش هوصيك يا طارق انت و مروان و متقلقوش مش هتأخر هناك .
مروان بحنق
_ بصراحة يا سالم كنت عايز نروح معاك افرض حد من الحوش دول قال كلمه كدا ولا كدا لازم يشوفونا كلنا مع بعض و يعرفوا أن محدش يقدر ييجي علينا و أن ظهور حازم ميهزناش ابدا
سالم بخشونة
_ الزيارة دي إثبات حالة مش استعراض عضلات . هما فاهمين كويس اوي أن مفيش حاجه تهزنا. و ان محدش له حق عندنا .
أنهى سالم النقاش و توجه للخارج فوجد فرح عند مدخل القصر الداخلي فجذبتها ذراعيه تطوق خصرها وعينيه تأسرانها بنظرة خاصة يليها همسه الخشن
_ خلي بالك من نفسك .
همست بعذوبة
_ وحشتني من قبل ما تسافر
زينت شفتيه ابتسامة خطرة كنبرته حين قال
_ الإغراء دا جاي في اكتر توقيت غلط ..
همست بتحسر مفتعل
_ اغراء ايه بقى هو أنت بيأثر فيك حاجة !
نقشت أنامله لحنًا مُغريًا على خصرها الممشوق بينما همست شفتيه بنبرة موقدة
_ مبيأثرش فيا غيرك و مستعد اسيب كل حاجه و أثبتلك دلوقتي بس متجبيش ورا .
غافلتها ضحكة صاخبة لها وقع السحر على قلبه الذي فاقت دقاته حدود المعقول تأثرًا بقُربها فأضاف بنبرة شبه آمرة
_ تعالي معايا !
همست بذهول
_ آجي معاك فين ؟
أجابها بلهجة لا تقبل الجدال
_ هاخدك معايا البلد .
_ سالم بتقول ايه ؟
بتر استفهامها بتعويذة سحرية ألجمت جميع حواسها
_ بقولك مش هقدر ابعد عنك لحظة واحدة . و هتسافري معايا يا فرح .
تأجج قلبها من فرط تأثرها و انحبست الأنفاس بصدرها لسويعات لم تسعفها الكلمات لإجابته فتابع هجومه الساحق حين قال بخشونة
_ سكوتك دا خطر مش عايز اتهور يا بنت الناس في هيبة هتضيع بسببك ..
لا تعلم ماذا دهاها ولكنها همست بخفوت
_ سالم شيلني ..
أطاعها على الفور ليحملها برفق يُنافي قوة تمسكه بها وقد تبدلت نظراته إلى أخرى مُرتعبة
_ تعبانه ولا ايه ؟
تفاجئ حين احتضنته واضعه رأسها فوق صدره و يديها تطوقه بقوة لم يعهدها مُسبقًا و كعادتها تُفاجئه بل و تُدهشه بكُل ما فيها حين همست بجانب صدغه الأيمن
_ ماهو انا لو نفذت اللي قلبي قالي عليه مكنتش هقدر ابص في عيونهم بعد كدا . يبقى اترمي في حضنك انا و قلبي اللي مبقاش عارف يعشقك اكتر من كدا ايه !
لم يُزيد على حديثها بكلمات واهيه لا تفلح في سرد نيران هوجاء تعصف بجنبات صدره فقام بالتوجه إلى السيارة ليضعها بجانبه و احكم ربط حزام الأمان على خصرها الذي تلمسته أنامله بشغف تجلى في نبرته حين قال بجانب أذنيها
_ النهاردة لينا قاعدة طويلة انا و هو عايز اعرف كل اللي مستخبي جواه ..
يعدها بالجنة و هي التي تهفو إلى نسمات هواء قد تحمل أنفاسه العطرة ولكن كحالها دائمًا متمردة تتمنع فتضفي لهيبًا براق على كل شئ يُحيط بهم
_ سالم اعقل احنا رايحين عند اهلي و البلد مينفعش ...
كان مُستمتعًا لأقصى درجة بكل أفعالها و خاصةً ذلك التمرد الذي يجعلها كنيران حارقة تُذيبه و تثير به أقصى درجات الاشتهاء لذا قال بغطرسة تتناسب مع تمردها
_ مفيش حاجه متنفعش مع سالم الوزان .
همسات بغنج يغلفه التهكم
_ اه من سالم الوزان و غروره اللي مالوش حد ..
شملتها عينيه بنظرات متوعدة أشعلت حمية العشق بقلبها وفجأة صدح صوت جهوري أخرجها من لجة بحرها الهائج
_ ايه دا يا كبير انت واخد الست دي و رايح على فين ؟
اربتسم الجمود على ملامحه وهو يُناظر مروان من نافذة السيارة و قبل أن يجيبه تدخلت فرح التي قالت باستهجان
_ ست مين دي يا أبو لسانين أنت ماليش اسم ولا ايه ؟
مروان بتهكم
_ و مالك فخورة كدا ليه اسمك ماهيتاب يعني ؟ اسمك فرح ..
بكل ما تمتلك من غرور أجابته
_ اسمي فرح الوزان ... سمعت ولا مسمعتش .
كانت تنطق حروف اسمها وهي تُشدد على انتمائها له بطريقة أرضت غروره و عززت من نيرانه التي لم تكن هادئة مُسبقًا فالتفت يُناظرها فوجدها تحدج مروان بنظرة مُتشفية قابلها الأخيرة بصياح
_ ايوا بقى استغلال نفوذ و كدا . بتتلزقي في الكبير . ايه رأيك في الكلام دا يا بوص ؟
كان صياحه يُفسد الأجواء حولهم لذا قال بفظاظة
_ اوعى من قدام العربية ..
مروان بصدمة
_ ايه اوعى دي ؟ انت بتنصرها عليا يا كبير ؟
صاحت فرح بسخط
_ ينصر مين يا ابني هو في مقارنة اصلًا بينا ؟
مروان بغرور
_ انا صديقه وكاتم أسراره
فرح بتشفي
_ دا كان زمان .. يا مُره ..
لم يستطيع قمع ضحكاته على ذلك اللقب و تبدل ملامح مروان الذي ما أن رأى ضحكته حتى صاح باعتراض
_ بتضحك يا كبير . عجبتك اوي ؟
سالم بخشونة
_ انا مش فاضي للعب العيال دا .
مروان بسخرية
_ طبعًا معطلاك عن مصالحك انا عارف الحريم مبيجيش من وراهم غير وجع القلب ..
سالم بتهكم
_ طب بمناسبة الحريم لو اللي حصل النهاردة تتكرر تاني هتزعل مني .
مروان بتساؤل
_ تقصد ايه مش فاهم ؟
سالم بجفاء
_ متقربش من سما تاني يا مروان . و بطل شغل الجنان بتاعك دا
امتقع وجه مروان وقال بصدمة
_ مين ابن الجزمة اللي فتن عليا ؟ و بعدين ماهي مراتي يا كبير ..
سالم بجفاء
_ مراتك لما تتجوزوا و اسمعها منها أنها موافقة تكمل معاك . و قبلها موافقة عمتك .
مروان بتحسر
_ عمتي ! يبقى الجوازة باظت . طب دي كارهه الرجالة و الجواز و الدنيا تغرزني جنبها ليه ؟
_ عشان انت راجل و قدها . اعمل اللي قولتلك عليه
التقمت عينيه شيئًا في الخلف فألقى على مروان نظرة ذات مغزى فهمها الأخير على الفور فتراجع إلى الخلف ليُفسح لهم المجال للمرور ..
*************
_ جهزتي حاجات محمود ؟
كان هذا استفهام سليم وهو يناظر جميلته وهي تتأنق و ترتدي ذلك العقد الماسي الذي أهداه لها يوم زفافهم و كان مصيره الإلقاء بإهمال في أحد الأدراج ولكنها اليوم ترتديه و كأنها تخبره و كل من يراها انها زوجته و تفخر بذلك الشئ و خاصةً وهم بصدد التوجه إلى عائلتها فكان هذا إعلان صامت بأنها هانئة تحيا حياة رغيدة في كنفه و قد اسعدته فعلتها للغاية
_ جهزتها و كل حاجه تمام التمام .
مال عليها يلثم خدها برقة قبل أن يجيب بغزل أخجلها
_ مفيش حاجه هنا تمام التمام غيرك .
تراجعت للخلف خجلة من افعاله وحديثه
_ سليم عيب احنا مش في أوضتنا حد يشوفنا
اوقفتها يديه عن التراجع عنه و اعتقل خصرها يحثها على السير قائلًا بوقاحة
_ طب ايه رأيك بقى اني هاجي قدامهم كلهم و ابوسك و خلي حد يفتح بقه .
تعلم أنه يشاكسها ولكنه خجلت رغمًا عنها فهبت باعتراض
_ بطل قلة أدب والله اخاصمك
انتقال يديه تحاط أناملها حتى انسابت بين تجاويف انامله وهو يتابع شن هجومه على ثباتها
_ أنا موافق خاصميني و قدامنا ساعتين في الطيارة اصالحك فيهم على أقل من مهلي .
جنة بمزاج
_ على أساس أن سالم هيسكتلك
قهقه بشدة قبل أن يقول بعبث
_ اقطع دراعي أن ما كان هو كمان عمال يصالح في فرح ..
كان حديثه مُخجل بالنسبة إليها فاكتفت بلكزة في كتفه وهي تتوجه لتأخذ طفلها من همت التي قالت بحنو
_ عايزة اقولك سبيه معايا عشان ميتعبش من السفر بس أكيد اهلك نفسهم يشوفوه ..
جنة برقة
_ كفاية يا عمتو دا اكيد تعبك الفترة اللي سبته معاكِ فيها.
همت بلهفة
_ والله يا بنتي أبدًا دا زي النسمة ربنا يباركلك فيه .
كان الأمر مُريح إليه كثيرًا فقد عادت عمته رقيقة القلب التي تربى بين ذراعيها فاقترب يضع قبلة حنونه فوق مقدمة جبهتها وهو يقول بحب
_ ربنا ما يحرمنا منك يا عمتي ..
كلماته رفعتها إلى أعالي السماء فقد كانت تحاول بكل ما تملك أن تُكفر عن سيئاتها ولا تعلم كيف انقادت خلف شياطينها في لحظة غباء فاغرورقت عينيها بالدموع التي ارفقتها بابتسامة مُمتنة وهي تودعهم للخارج
_ واخد علبة الكانز بتاعتك و ماشي كده من غير ما تسلم . صحيح مين لقى أحبابه نسي أصحابه . عيلة واطية ..
لم يغضب تلك المرة من مُزاح مروان ولكنه بادله سخريته قائلًا
_ سالم شكله نفضلك و جاي تروق علينا معلش يا مارو هي الكيميا كدا غدارة .
ارتسم الامتعاض على ملامح مروان الذي قال بسماجة
_ اضحك يعني ولا ايه ؟ مين قالك تهزر ؟ حد اتهطل في دماغه وقالك أن دمك خفيف . مش كفاية متحملين قرعتك هنتحمل تُقل دمك كمان !
اغتاظت سليم واوشك على لكمه فأوقفته يد جنة التي امتدت تحيط بكفه و هي تقول بثقة
_ انا قولتله أن دمه خفيف و زي العسل . و قرعته دي محلياه و مخلياه قمر ..
و امتدت يديها برقه تلامس ملامح وجهه و خصلاته التي بدأت بالنمو فصاح مروان باستهجان
_ قمر ! دا قمر من انهي اتجاه . و بعدين دلوقتي بقى حبيب القلب و قلبتي على مارو .
تبدلت لهجته إلى العتب حين قال
_ خلاص نسيت يا غالي سهر الليالي و الوعود ..
صراخ سليم غاضبًا
_ ليالي ايه و وعود ايه يا بغل انت !
سرعان ما جن جنونه حين تفاجئ بها وهي تقول بعتب
_ مش انت اللي بدأت و قولت عليا علبة كانز !
تجاهله مروان وهو يقول بصوت خفيض قاصدًا اغاظته
_ يا بنتي دانا بشيل عنك العين وانت حلو و قمر كدا...
قاطعه كلماته شهقة قويه خرجت من جوفه حين وجد ذلك العقد الماسي فصرخ مُهللًا
_ ايه دا ؟؟؟ عقد ألماس .. يا نهارك ازرق بتضيع ثروة العيلة على النسوان والله لهقول للكبير ..
انهى كلماته و هرول من أمام سليم الذي كان على وشك سفك دمائه في تلك اللحظة و لكنه تسمر بمكانه من تبدُل حالة ذلك المجنون و أيضًا تلك الضحكات الرائعة التي اندلعت من جوفها على ما حدث فالتفت يقول بهسيس
_ أنتِ بتضحكي على ايه ؟
تحدثت من بين قهقهاتها
_ مروان دا مسخرة اقسم بالله . اول ما حس أنك هتخلص عليه عرف يضحك عليك و خلع .
تبدلت نظراته فبدت مُخيفة وهو يتقدم نحوها فتراجعت بخوف تجلى في نبرتها حين قالت
_ ايه يا سليم في ايه ؟
هسهس بخشونة
_ بقى أنتِ و الحيوان دا بتشقطوني لبعض ؟ و عمالين تتعاتبوا قدامي ؟ و كمان عماله تضحكي على عمايله فيا ؟
احتمت بمحمود في أحضانها وهي تقول برقة علها تؤثر به
_ انا بهزر والله . و بعدين دا مارو يعني ..
_ مارو ! ايه مارو دا ان شاء الله يا ست هانم ؟ دا واضح انك فايتك كتير عشان تتعلميه ..
كانت يتحدث بغضب يتنافى مع ذلك الوميض بعينيه والذي جعلها تقول برقة أذابته
_ علمني طيب .
جاءت رقتها بنتائجها المرجوة حين اعتقل خصرها بينه و بين الحائط خلفها وهو يقول بهمس
_ قربي طيب عشان اعلمك .
همست بدلال
_ علمني من بعيد
_ لا طبعًا لازم اقرب عشان اكون دقيق . و تتعلمي من اول مرة .
كان قد اقترب حتى لفحت أنفاسها الدافئة وجهه فجاء همسها مُثيرًا حين قالت
_ ولو طلعت تلميذه خايبه !
هسهس بنعومة اذابتها
_ هعيد مرة و اتنين و تلاته و عشرة . هو احنا ورانا حاجه ..
فجأة صدح صوت من أعلى الدرج جمدهم بمكانهم
_ الله يخربيتك انت بتعمل ايه ؟ بتتغرغر بالبت عيني عينك كدا . طب احترم الطفل البرئ اللي بينكوا هتخدشوا حيائه يخربيتكوا..
هذه المرة جن جنونه بالكامل فاندفع في طريقه إلى الأعلى و هو يقول بصوت أرعد الجميع بمكانهم
_ وديني لهطلع عين أهلك النهاردة
صرخت جنه التي نجحت في جذب يديه
_ رايح فين يا مجنون قدامنا سفر .
احتمى مروان بغرفته قبل أن يقول
_ بقولك ايه ابقى قول للكبير أن الفار دخل المصيدة .
استفهمت جنة
_ فار ايه و مصيدة ايه ؟
صاح مروان قبل أن يغلق باب غرفته
_ مش مهم تفهمي قولي لظلبطه يبقى يقوله حبسنا الطيور بيتك بيتك و هو هيفهم .
توقف للحظات لا يدري ماذا يفعل قبل أن تمتد يد جنة تحتضن وجهه خشية أن يصاب بأزمة قلبية إثر أفعال ذلك المجنون
_ سليم يا حبيبي . يلا ورانا سفر . دا معتوه سيبك منه ..
أخيرًا انصاع سليم خلفها بعد أن يأس من أفعال ذلك المعتوه كما وصفته ..
**********
_ ادخلها لوحدك وانا هستناك بره .
هكذا همست وهي تقف معه على أعتاب غرفة العناية المُركزة بالمشفى التي ترقد بها أمينة فاومأ برأسه ليبتسم بامتنان على تفهمها لما يحدُث ثم خطى إلى داخل الغرفة وهو يحصي خطواته كي لا يقلق راحتها ولكنها ما أن شعرت بوجوده حتى فتحت عينيها تناظره بحزن يشوبه العتب فاقترب يُلثم كفها بعذوبة انسابت من بين شفتيه على هيئة كلمات
_ ست الكل . عامله ايه ؟
_ بقيت كويسه لما شفتك .
همسها الخافت يؤلمه ولكنه تجاهل ذلك قائلًا
_ هتبقي كويسه أحسن و أحسن لما تنوري بيتك و تستعدي للوزان الصغير اللي جاي في الطريق .
همست بألم
_ تفتكر هعيش لليوم دا يا سالم ؟
_ هتعيشي بإذن الله و هتفرحي بيه و تجوزيه كمان .
أنتِ جدعة يا حاجه أمينة مش شويه تعب دول اللي يأثروا فيكِ
كلماته حركت رماد الحزن بعيونها التي اغرورقت بالعبارات فهمست بحزن
_ قلبي مبقاش متحمل يا سالم . خيبة الأمل وحشة يا ابني ربنا ما يكتبها لا عليكوا ولا على حد .
نحى مشاعره جانباً قبل أن يقول بتعقل
_ لسه الوقت مفاتش عشان نصحح غلط امبارح يا حاجه . و خيبة الأمل دي ربنا قادر يبدلها . و لا تقنطوا من رحمة الله أنتِ ست مؤمنه . بلاش شيطانك يتمكن منك
_ خايفه يا ابني . و مش عارفه هتتحل ازاي ؟
سالم بنبرة قوية مُطمأنه
_ اتحلت . متقلقيش .
أمينة بكمد
_ ما احنا حلينا اللي قبلها و بعدين ؟ حصل ايه ؟ البذرة فاسدة يا سالم .
هطلت عبراتها بغزارة فهدهدتها يديه كطفل صغير قبل أن يقوم بوضع قبلة دافئة فوق جبهتها وهو يقول بنبرة لا تقبل الجدال
_ هتتعدل يا حاجه . وعد من سالم الوزان هربيه من اول وجديد و هخليه راجل غصب عن عينه . لو كانت دي آخر حاجه هعملها قبل ما أموت .
تدفقت جرعات الأمان التي بثتها كلماته الى قلبها فأسكنت وجعه قليلًا فقالت بامتنان
_ بعد الشر عنك من اي شر يا ضنايا . ربنا يعينك .
كان هناك إستفهام يلوح بآفاق عينيها فأجابه على الفور
_ انا رايح دلوقتي الصعيد عند حلا . و هطمنها عليكِ و هطمنك عليها و احتمال كبير اجيبها هي وجوزها هنا يزوروكِ اهم حاجه لما ارجع الاقيكِ منورة بيتك .
لون الفرح تجاعيد وجهها الذي أشرق بفعل كلماته العذبة فامتدت يديها الضعيفة تعانق وجهه لتقربه منها و تزين جبهته بعطر رضاها عنه ذلك البار الذي كان ولايزال أكثر ما تفخر به في حياتها .
***********
بعد عدة ساعات كان الجميع في مقعده في الطائرة التي ستُقلهم إلى محافظة المنيا و قد كانت عينيه لا تُبارح تلك التي تستلقي بسكينه تجاوره في المقعد و في القلب أيضًا يشعر بالذنب الذي يعبث بطيات قلبه كونه جلبها معهم في هذه السفرة التي قد تُرهقها وهي في شهور حملها الوسطى ولكنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن اطمأن من طبيبتها أن الأمور طبيعية و على الرغم من ذلك هناك نغز لا يتوقف بداخله خوفًا عليها فقلبه بات مُمزقًا بين اشتهائه لوجودها بجانبه و بين خوفه عليها أي لعنة قد ألقتها عليه تلك المرأة لتجعله يتخبط بتلك الطريقة ؟
_ ارتاح يا حبيبي انا كويسة .
ازدانت شفتيه بابتسامة خافته قبل أن يُضيف هامسًا بجانب أذنها
_ و هو بعد حبيبي دي في راحة !
همست تشاكسه
_ انت بتتلكك بقى
_ هتصدقي لو قولتلك اه .
حلاوة غزله بها لها وقعًا مُميزًا يجعل ابتسامة خاصة ترتسم على شفتيها فتزيد من عذابه وولعه بها و خاصةً حين اتبعتها قائلة
_ لا و كمان بقيت تعترف بسهولة . دا ايه الهنا اللي انا فيه دا ؟
مازحها قائلًا
_ قومي بالسلامة بس عشان نشوف موضوع الاعترافات دا و اقدر اقررك بطريقتي .
_ قلبي مش مرتاحلك
التفت ناظرًا أمامه وهو يقول بوعيد
_ حقه !
بعد وقت ليس بقليل كان الجميع يترجل من السيارة أمام منزل عائلة عمران و كان الجميع في انتظارهم و على رأسهم عبد الحميد الذي تحدث بوقار وهو يصافح سالم
_ خطوة عزيزة يا سالم بيه . نورتونا بزيارتكوا الغاليه
سالم بنفس نبرته
_ نيرة بأهلها يا حاج عبد الحميد . و بعدين اشتقنا لأهلنا قولنا نيجي نزورهم
_ طبعا طبعا يا راچل احنا اهل و حبايب بس مكنش فيه لزوم تكلف نفسك كل الحاچات دي .
كان يُشير إلى تلك الزيارة الهائلة التي جلبها معه وفقًا لعادات اهلهم و أيضًا ليُزيد من قدر شقيقته أمامهم لذا قال بلهجة ودودة
_ مفيش تعب ولا حاجه يا حاج ميجيش من بعد خيرك .
كان داخله مُمتنًا لتلك الزيارة كثيرًا و لطريقة سالم في حل الأمور لذا ابتسم ببشاشة ثم توجه لمصافحة سليم قائلًا بقوة
_ الغالي چوز الغاليه والله اتوحشناك يا سليم .
تفاجئ الجميع من بادرة سليم الذي اقترب يعانقه وهو يقول بود حقيقي
_ وانتوا وحشتونا يا حاج عبد الحميد و جنة أصرت نيجي عشان نزوركم..
أومأ عبد الحميد بحبور و توالت السلامات لتنتهي عند مفترق الوحوش الذان كانا يتبادلان السلامات بنظرات متوعدة ختمها عمار حين قال بصوت خفيض بجانب إذن سالم
_ عايزك في المكان اللي اتجابلنا فيه جبل سابج ..
ابتسم سالم ساخرًا قبل أن يُجيبه
_ ما بلاش المكان دا في ذكريات مش ولا بد .
تعاظم الحنق بداخله و تبلور في عينيه ولكن يد سالم التي ربتت على كتفه فاجأته و كذلك حديثه حين قال
_ عمومًا انا عارف انت عايزني في ايه و متقلقش .
رغمًا عنه تبدلت معالم وجهه إلى الترقب و اللهفة التي سرعان ما أخفاها جيدًا قبل أن يقول بلهجة خشنة يشوبها الغرور
_ مش جلجان . اني باخد اللي رايده ولو من خشم السبع ..
ابتسم سالم على جملته و قد ارتاح لإصراره كثيرًا فتجاهل ثقته المزعومة قائلًا
_ تعجبني . بس متنساش أنه مش سبع واحد . دول كتير . خليك ذكي عشان تكسب ..
في الداخل ما أن رأت حلا قدوم كلًا من فرح و جنة حتى اندفعت لا إراديًا لمعانقة الأخيرة وسط شهقات لم تفلح في قمعها فأخذت جنة تربت على كتفها في محاولة لتهدئتها و استغرق الأمر عدة دقائق لتهدأ حلا التي ما أن رفعت رأسها حتى همست بخزي
_ أنا اسفه يا جنة.
تلك المرة ارتفعت يد فرح لتربت على كتفيها قائلة
_ خلاص يا حلا . مالوش لازمة الكلام دا .
_ انا عايزة اقول كلام كتير يا فرح بس مش عارفة اقول ايه ولا ابتدي منين بس انا بجد أسفة . ياريت في أيدي حاجه غير كدا اقولها .
امتدت يد جنة تكفكف عبراتها قبل أن تقول بحنو
_ متقوليش حاجه يا حلا اللي حصل دا مش ذنب حد و بعدين دا قدري و ربنا راضاني بمحمود و سليم ..
عند ذكر الطفل اقتربت تهاني التي كانت تحمله لتضعه بين احضان حلا وهي تقول بقوة مفتعلة
_ خدي حطتيه في حضنك و شمي ريحته الحلوة ياكش تچبيلي واد عسل أكده زيه ..
ابتسمت حلا و قامت باحتوائه بين أحضانها وهي توزع قبلاتها على معالم وجهه الجميل وتوزع نظراتها المُمتنة للشقيقتين بينما كان الرجال في الداخل يتحدثون في أمور شتى إلى أن بادر سليم بالسؤال
_ حلا عامله ايه ؟ عايز أشوفها .
تقدم ياسين الذي كان صامتًا منذ قدومهم ولكنه قطع صمته مُقررًا الحديث
_ حلا موجودة هناديلها تيجي تسلم عليكوا بس قبلها لازم نتكلم ..
تدخل سالم بنبرة حازمة
_ مفيش كلام عشان نقوله يا ياسين . حلا بنتنا مراتك و جنة بنتكوا مرات سليم . و الموضوع منتهي لحد كدا .
ياسين بجفاء
_ و رجوع حازم ..
بتر سالم جملته بحسم
_ دا وضع يخصنا احنا . ميأثرش عليكوا في حاجه .
تدخل عمار مستفهمًا
_ مش جلة ذوق ولا حاچة بس نفسروا بأيه زيارتكم دي في الوجت ده بالذات ؟
سالم بجفاء
_ احنا جايين نشوف بنتنا و انتوا تشوفوا بناتكوا اللي هما في الحفظ و الصون عندنا زي ما بنتنا عندكوا في الحفظ و الصون كدا ولا ايه يا حاج عبد الحميد ؟
فطن عبد الحميد لمحاولات سالم في جعل الأمور في مكانها الصحيح فايده قائلًا
_ عداك العيب يا ولدي . و دلوق شيعوا للبنات ياجوا نطمنوا عليهم .
ما أن ذهبت الفتيات لتخبرهم بالتوجه إلى مجلس الرجال حتى هرولت حلا لرؤية أشقائها و ما أن التقمت عينيها سليم حتى اندفعت إلى أحضانه تعانقه بقوة بادلها إياها وهو يضمها إلى صدره بحرارة جعلت العبرات تتدفق من مُقلتيها بغزارة و قد ضاق صدره حين شاهد زوجته تبكي بين أحضان شقيقها بتلك الطريقة ولكنه التزم الصمت و اكتفى بالمشاهدة وهي تنتقل الى أحضان سالم الذي احتواها هو الآخر بشوق بالغ و قام بوضع قبلة قوية فوق جبهتها كان كوسام يوحي بمدى غلائها على قلبه.
_ ربنا ما يحرمني منكوا أبدًا .
هما همسات حلا فقابلها استفهام سالم
_ أنتِ كويسة ؟
تفننت في سكب الطمأنينه في أوردته حين قالت بصدق
_ أوي ..
لمعة عينيها كانت كافيه لتُريحه فابتسم بهدوء بينما توجهت جنة إلى جدها لتحتضنه بشوق كبير دون تحفظ على عكس فرح التي احتضنته بود ولكن يشوبه الرسمية و قامت بمصافحة الجميع إلى أن وصلت إلى عمار الذي قال بنبرة خفيضة
_ نورتي يا ضكتورة ..
ابتسمت بود وهي تقول
_ خلاص بقى يا عمار ..
عمار بود
_ في نظري هتفضلي فرح بت عمي العيلة الزغيرة اللي حلمها تبجى دكتورة .
شعرت بيد قوية كصاحبها تخترق حديثهم بضمة خشنة آلمت خصرها و نبرة أخافتها أكثر
_ الدكتورة دي تبقى بنتك . لما تتجوز دا أن حصل و تخلف . ابقى طلع بنتك دكتورة .
برقت عيني عمار ولكنه تجاهل غضبه بشق الأنفس قبل أن يُضيف بجفاء
_ وماله و اهي تحجج حلم عمتها .
تدخلت تهاني قائلة بحبور
_ الوكل چاهز يا حاچ ..
تقدم الجميع لتناول وجبة الغداء وسط أحاديث هادئة ولكنها لم تخلو من نظرات متوعدة لفرح من جانب ذلك الذي يحاول الهرب بضراوة من بين براثن غيرته الجنونية بها و التي جعلته يُصر على المُغادرة بعد الغداء لرؤية صفوت بعد أن جمعه بعبد الحميد حديث قصير و لكنه كان مُجزيًا
_ حاج عبد الحميد انا عارف اللي بيدور في دماغك و عشان كدا انا هتكلم معاك دوغري
عبد الحميد بوقار
_ تعچبني يا وزان . جول أنا سامعك
تحمحم بخشونة قبل أن يقول
_ اللي حصل و رجوع حازم دا مش هيأثر ولو للحظة على جنة . و أظن أننا حلينا موضوع الجواز العُرفي و جنة دلوقتي مرات سليم وسليم راجل و يقدر يحميها و أظن بردو انت شفت هو بيحبها قد ايه .
عبد الحميد بخشونة
_ كلامك زين واني بنفسي شاهد عليه بس دول خوات يعني وارد يتچمعوا مع بعضيهم بتنا ايه وضعها ؟
_ بنتكوا مرات سليم و دا سيف على رقبة اي حد يفكر يبصلها مع ان دا مش هيحصل.
هكذا تحدث سالم بقوة فأجابه عبد الحميد بلهجة هادئة فقد شعر بالشفقة عار ما يحدث معهم
_ واني مصدجك وعارف اني ناسبت مين و ان بناتي في يد أمينة . و اوعاك تجلج على بتكوا دي في عنينا و ده اني اضمنهولك برجبتي لكن بجى هي لازمن تعرِف أن الأمور مهتمشيش على كيف حد
قاطعه سالم بجفاء
_ كلامك مالوش لزوم يا حاج عبد الحميد حازم مسافر و مش هيرجع دلوقتي و مفيش مجال أن حلا تشوفه .
_ ده في الوجت الحالي انما بعد أكده مسيره يرچع
للمرة الثانية يقاطعه بها حين قال بنفاذ صبر
_ محدش عارف بكرة في ايه ؟ مش هنتناقش في سنين لسه جايه يا عالم مين يعيش ومين يموت.
_ على جولتك يا ابني . المهم زي ما جولتلك بتكوا في عنينا متجلجش عليها واصل
انتابته الراحة إثر حديث عبد الحميد فقال بهدوء
_ عارف يا حاج عبد الحميد و اتأكد اني واثق من دا من قبل ما آجي هنا ..
انتهى النقاش بينهم فتوجه سالم إلى حلا وهو يقول بحنو
_ هنبات الليلة عند صفوت وبكرة نتغدى سوى و هكلم ياسين عشان ناخدك معانا تشوفي ماما .
تدخل ياسين إثر سماعه كلمات سالم فقال بجفاء
_ حلا مش هتقدر تسافر في أي مكان قبل أربعين بابا يا سالم بيه . دي الأصول .
أظلمت عيني سالم و حين أوشك علي الحديث تدخلت حلا تهدئ من حدة الموقف قائلة
_ معلش يا أبية ماما تهاني لوحدها و لسه مفاقتش من صدمة الموت وأنا أول ما اطمن عليها ياسين هيجبني و ييجي على طول .
التفتت تناظره برجاء خفي وهي تقول
_ صح يا ياسين ؟
راق له انصياعها له و احترامها لحديثه أمام شقيقها فقال بلهجة ودودة
_ طبعًا . هنيجي كلنا نطمن على الحاجه . دا واجب ..
هدأت الأمور قليلًا و بعد جلسة لم تكن طويلة توجه الجميع إلى السيارات و لكن قبل المغادرة اقترب سالم من عمار قائلًا
_ هستناك بكرة الساعه ستة عند صفوت متتأخرش .
عمار بنفاذ صبر
_ و ليه مش النهاردة ؟
سالم بملل
_ عشان مش هيدخلك من بوابة الفيلا اصلًا ..
لون الامتعاض ملامحه ولكنه لم يقدر على الاعتراض حتى لا يخسر حليف كسالم قد تودي عداوته به إلى الهلاك ..
***********
_ وبعدين هتفضلي مقطعانا كدا كتير يا بنتي ؟
كان هذا صوت سهام المُشجب و المُشبع بانكسار عظيم فمن ناحيه خسرت زوجها و من ناحية آخرى تتجاهلها طفلتها التي لم ترتشف من عذب قُربها الا الفُتات
_ اني مش مجاطعاكوا ولا حاچة اني بس زهجانه ..
_ طبيعي هتزهقي وأنتِ طول الوقت قاعدة لوحدك . اطلعي اقعدي معايا أنتِ وحشاني اوي ..
هكذا تحدثت سهام بحزن ارتج له قلب نجمة التي اقتربت ويبدو على وجهها إمارات التردد فتابعت سهام بشجن
_ أنا بطلت آخد الحبوب المُهدئة وهتعالج . هتعالج عشان أنتِ جنبي . انا خسرت صفوت و مش هقدر اخسرك انتِ كمان .
لم تستطيع منع استفهامها من الصعود على السطح
_ ليه تخسريه ؟
سهام بألم
_ خلاص مبقاش في قلبه اي حاجه تشفع لي . صفوت اتعذب معايا كتير اوي و كانت آخر حاجه يوم ما طلبت منه الطلاق لما ناجي هددني بيكِ . مبقاش ليا عين اطلب منه يسامحني ..
غافلتها الكلمات حين قالت بلهفه
_ اني ممكن اطلب منه . مش هيرودني صوح ولا اي ؟
التمع وميض الأمل بعينيها وهبت الكلمات تتدافع من بين شفتيها
_ بجد يا نجمة ؟ أنتِ هتعملي كدا عشاني ؟
لم تعُد قادرة على الاستمرار في تلك الدولمة أكثر فلتخطو بأقدامها إلى بر الأمان لذا قالت بعزم
_ ايوا . هعمل أكده عشانك وعشاني و عشانه . اني تعبت بجى مبجاش فيا حيل للمناهدة و العذاب ده
لم يعد هناك مجال للحديث فقد اجتذبتها ذراعي سهام لتحتضنها بشغف وشوق بالغ دام لوقت طويل و قد كان كل هذا يحدُث أمام أعين تشتهي أن يُضمها ذلك العناق و لو ثوان عله يُرمم تلك الندوب التي تفتك بروحه ..
قطع تلك اللحظات قدوم الخدم لتخبره بأن الجميع في الأسفل بانتظاره فحاول ارتداء ثوب القوة وهو يقوم بطرق باب الغرفة قائلًا بخشونة
_ سالم الوزان تحت و معاه سليم و فرح و جنة . يالا عشان تستقبلوا الناس .
كانت أكثر من يعرفه لذا فقد أخبرتها عينيه أنه قد استمع لحديثهم فقالت بهدوء
_ امرك ثواني و هننزل وراك .
اربكته كلمتها الأولى فقد ذكرته بها عندما كانت تُحاول إرضاءه في السابق ولكنه لم يدع الأمر يؤثر عليه إذ تراجع للخلف دون قول كلمة واحدة
_ باين عليه بيحبك .
هكذا تحدثت نجمة فأجابتها سهام بحبور
_ وانا والله بحبه .
التمع الخبث بنظراتها وهي تضيف
_ و باين كمان أن في عاشق ولهان و ابوكي هيطلع عينه
غمرها الخجل فهبت قائلة
_ ايه الحديت الماسخ ده ؟ عاشق ايه و بتاع اي؟
سهام بمكر
_ ايوا عاشق و اسمه عمار وابوكي طرده من البيت يجي خمس مرات الاسبوع اللي فات
نجمة بإنكار
_ عمار ايه واني مالي و ماله الجحش ده ؟ اني ماليش صالح بيه ده مُفتري و يستحج ما يچراله ..
صاحت سهام بحماس
_ لا بقى دا أنتِ باينك شايله منه اوي . دا احنا لازم نقعد نحكي كتير بس بعد ما الضيوف يمشوا عشان نتكلم على رواقه..
**************
_هتفضلي تتهربي مني لحد امتى ؟
انتفضت في مكانها إثر سماعها صوت طارق الآتي من الخلف لتتحول برودة الجو إلى لهب ساخن جعل دقاتها تتقاذف بقوة حتى أوشكت على الفتك بضلوعها مُعلنه رايات التمرد عليها لأجله
_ انا مبهربش . انت اللي مُصر تعيش جو الأكشن .
صاح هادرًا
_ متكذبيش عليا . و بطلي تحوري . عشان لو فضلتي كدا هتشوفي جو الأكشن بحق و حقيقي .
لم يعُد في مقدورها المراوغة فقالت بوهن
_ طارق ارجوك متضغطش عليا . مش كل حاجة هقدر احكيها أو اتكلم فيها . سيبني اخد وقتي..
كان لضعفها وقعًا لم يتخيله على قلبه فاقترب منها يحاول بثها أمان يعلم بأنها تفتقده
_ أنا عايز احميكِ . مش عايزك تخافي أبدًا
لم تستطيع منع هواجسها و ألمها الذان تبلورا في استفهام مؤلم
_ وياترى المرة دي بأمر من مين ؟
زفر غضبه و وجعه في آن واحد وقال بنبرة جافة
_ انا محدش بيأمرني . و اللي حصل قبل كدا مش زي ما أنتِ فاهمه .
جاءت فرصتها للتملص من استجوابه فانصاعت خلف جراحها وقالت بهتاف
_ وانا مش عايزة افهم . ولا هقدر انسى و انت كمان مش هقدر تنسى اي حاجه حصلت قبل كدا يبقى كل واحد يلزم حدوده مع التاني . دا رجاء . ابعد عني يا طارق .
قالت جملتها و هرولت إلى الأعلى تحاول قمع شهقاتها التي أن تركت لها العنان لصمت جميع الآذان ..
***********
أخذت تدق بهاتفها بغضب تحاول الاتصال بشيرين مرارًا و تكرارًا ولكنها لا تُجيب و قد شعرت بالقلق و لا تُريد أن تُثير أي بلبلة في الوسط و إلا لكانت هاتفت سما لتخبرها اين هي ولكنها اكتفت بالصمت فقامت بوضع الهاتف على المنضدة تزامناً مع شهقة قويه شقت جوفها حين جذبتها يديه التي احتجزت خصرها بقوة اجفلتها ولكن تبدد كل شيء حين سمعت همسه الخشن
_ غلطاتك كترت اليومين دول . اعمل فيكِ ايه دلوقت ؟
أجابته بدلال و يدها تقبض على خاصته المُلتفة حولها
_ غلطات ايه ؟ انت بتتلكك على فكرة .
همهم باستمتاع وهو يستنشق رائحتها قبل أن يتحدث بهسيس قاتل
_ الصراحة اه بتلكك بس دا ميمنعش انك عايزة قرصة ودن
تدللت هامسة
_ دا ليه بقى ؟
_ بتعاندي .و العند وحش يا فرح و خصوصًا معايا .
فهمت ما يرمي إليه فقالت بهدوء
_ مبعاندش يا قلب فرح انت اللي بتعمل من الحبة قبة
لم يعجبه حديثها فقست أنامله على خصرها وهو يقول بفظاظة
_ اعتبريه كدا . نتلم بقى عشان القبة دي متقعش على دماغك .
أوشكت على أجابته ولكنه بتر حديثها بكلماته المتوعدة
_ نيجي للمهم . و اللي مش هعديه أبدًا
استفهمت قائلة
_ اللي هو ايه ؟
تحدث هامسًا خلف أذنها و أنفاسه المحرورة تُذيب عظامها
_ عمالة تحلوي و أنا بصراحة مبقدرش اقاوم .
التفتت بين ذراعيه حتى تستمتع بدفء قربه أكثر قبل أن تقول بدلال
_ ومين قالك تقاوم ؟
أجابها و أنفاسه تتلاحم مع خاصتها
_ اخاف عليكِ .
أراحت رأسها فوق منبع ارتوائها الذي يضخ عشقها ضخًا وهي تقول بنبرة هامسة
_ طول مانا هنا في حضنك انا في أمان و مش عايزة حاجه في الدنيا. مفيش حاجه تأذيني غير اني اكون بعيدة عنك .
عزفت أنامله سيمفونية رائعة فوق سائر جسدها وقد قضت بكلماتها على آخر ذرة مقاومة لديه فهمس بخشونة
_ طب اعرفي بقى انك أنتِ اللي قولتي و متلومينيش عاللي هعمله .
انهى كلماته و بلمح البصر وجدت نفسها محمولة بين ذراعيه التي أغرقتها في بحور عشق رائعة تتقاذفها الأمواج العاتية بين جنبات صدره الدافئ الذي لم يعُد به مُتسع لشعوره نحوها و لم يبقى هُناك مجال للسيطرة على جيوش شوقه التي لا تهدأ أبدًا فأخذ يبثها شغفه بها تارة و يقتنص ولعها به تارة أخرى و لم تكد تهدأ زوبعة مشاعرهم حتى تتجدد مرة أخرى إلى أن جاء صوت صراخ قوي قادم من الخارج فتبدد عالمهم الوردي و هرول سالم لإرتداء ملابسه لمعرفة ماذا يحدث فإذا به يتجمد عند أعلى درجات السلم حين شاهد ...
يتبع..
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان العشري
آيه اللي بيحصل هنا؟ وأنتِ مين يا ست أنتِ؟
كان هذا صوت صفوت الذي صدمه مظهر تلك السيدة التي كان وجهها مُلطخًا بالدماء، وكأن أحدهم اختاره كوسيلة لأفراغ شحنات عنفه وحقاراته، فهرول سالم هو الآخر من أعلى الدرج تزامنًا مع كلماتها المتقطعة.
الحقني يا بيه.. هيموتني.. الظالم المفترى..
اهدي يا ست أنتِ وقوليلنا في إيه؟
لم تكد تُجيبه حتى آتاهم صوتًا مذعورًا من الأعلى، والذي كان لنجمة، التي صرخت قائلة:
أمه...
آذرتها نجيبة، التي صاحت بلهفة:
بتي.. نجمة..
هرولت الفتاة لتُلقي بنفسها بين أحضان والدتها، التي ربتها، والتي كانت تنتفض إثر وجع قلبها وجسدها في آن واحد، فكان مشهدًا مُروعًا يُلونه الألم، وتُكلله العبرات الغزيرة التي عرفت طريقها إلى عيني سهام الواقفة بجمود، تهفو نفسها لاحتواء كهذا من ابنتها التي حرمها منها شيطان مريد.
فيكِ إيه ياما وإيه اللي عَمِل فيكِ أكده؟
أخيرًا استطاعت نجيبة أن ترفع رأسها وتستند على نجمة، التي حاوطتها، وتقدم منهما سالم ليُقرب إليها المقعد حتى تُريح جسدها فوقه، وناولها صفوت كوبًا من المياه لتُبلل حلقها الجاف من فرط الألم، قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
اللي ميتسماش.. جَه مش شايف جدامه وجعد يزعج فينا وفي خواتك لَجل ما ياخد كل الفلوس اللي في الدار، ولما ملجاش حلف ستين يمين لازمن يخلي عبير تنزل تشتغل، ولما جولتله دي زغيرة جعد يضرب فيا وفي البنات، سيبته وجيت على أهنه.
لونت الصدمة معالم نجمة، التي تربعت على الأرض أسفل قدم نجيبة، وهي تقول باندهاش:
أنتِ بتجولي إيه ياما؟ أبوي إني يعمل أكده؟
إلى هُنا لم يحتمل، فاندفعت الكلمات من فمه مُستنكرة:
دا مش أبوكي يا نجمة.
استدارت رؤوس الجميع إلى صفوت، الذي كان ثائرًا وعروقه نافرة، فأجابته نجمة بعتب:
بس هو اللي رباني. وكان بيعاملني زي بنته ومكنش بيفرق بيني وبين بناته واصل.
تدخل سالم قائلًا باستفهام:
ولما هو كويس كدا تفسري اللي عمله في والدتك وإخواتك دا بإيه؟
تدخلت سهام بهدوء:
تعالي معايا يا حاجة نجيبة اغسلي وشك وريحي شوية، ونجمة هتحصلك.
التفتت نجيبة تناظر نجمة بتردد، فأومأت الأخيرة بطمأنة، وسارت مع سهام إلى الداخل، ليُعيد سالم استفهامه مرة أخرى:
ها يا نجمة. قوليلي تفسري بإيه اللي حصل دا؟
نجمة بضياع:
معرِفش. إني مش مصدجة اللي حُصُول. أبوي طول عمره طيب وفي حاله، وحتى لما نزلت اشتغل مكنش موافق. وإني اللي أصرت عليه.
صفوت باستخفاف:
ولما هو كدا بهدل والدتك بالشكل دا ليه؟
لم تجبه، فتدخل سالم مُستفهمًا:
قوليلي يا نجمة أنتِ عرفتي إمتى إن دول مش أهلك الحقيقيين؟
ارتخت أقدامها لتتربع على المقعد خلفها، وهي تقول بحزن:
كنت لساتني زغيرة في الإعدادية، كانت أمه نجيبة تعبانة ومصاريف علاجها كتير، وكان أبوي معاهوش فلوس.
ترددت في إكمال حديثها، فحثها سالم على الحديث قائلًا:
كملي يا نجمة سامعاكِ.
زفرت بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
سمعت أمه نجيبة وهي بتجوله نبيع السلسلة اللي معاها دي، اهي تصرفنا حبابة، بس هو رفض وقالها دي آخر حاجة باجيه من أهلها.
صمتت لثوانٍ تحاول تجميع تلك الومضات من الذاكرة، ثم تابعت بتشوش:
جعدوا يتعاركوا وسمعت أمي بتجوله يبجى تجعد من المدرسة، إحنا أولى بفلوسها.
عبأت صدرها بالأكسجين النقي، قبل أن تُضيف بنبرة مُشجبة:
وجعدت من المدرسة، وبعدها بسنتين أو تلاتة اتجملي عريس، وأمي نجيبة وجتها ووقفت لأبوي وقالتله مش هنشيل شيلة غيرنا، معناش فلوس لجهاز ولا غيره. ووقّتها حكتلي إني مش بنته، وإنه أهلي ماتوا في حادثة، وإنه هما ربوني، ومن وقّتها وأنا بدأت اشتغل عشان أساعدهم.
نشب الوجع حوافره في قلب صفوت، وتعَاظم معه غضبه من ذلك المسخ الذي اختطف زهرة حياتهم، وغمسها بالوحل، ولكن كان لسالم رأي آخر، حين واصل استجوابه قائلًا:
طب أنتِ يا نجمة بتقولي إن والدك كان راجل طيب، لكن تفتكري إنه كان عارف إن ناجي خاطفك من أهلك وخايف يتكلم مثلًا؟
زحفت الحيرة لتحتل ملامح وجهها، قبل أن تُجيبه قائلة:
معرِفش. بس ما ظنيش.
ولا والدتك. أقصد الحاجة نجيبة؟
بدأ أمرًا مقبولاً إلى حد ما بالنسبة إليها، ولكنها لم تُفصح عنه، إذا قالت بحسم:
لا. ما ظنيش إنها تعرف.
أومأ سالم بغموض، قبل أن يقول:
طب يا نجمة روحي أنتِ شوفي والدتك. ولو عرفتي خليها تقعد معاكِ كام يوم.
لا إراديًا التفتت بلهفة تناظر صفوت، الذي كان للوهلة الأولى مُستنكرًا الأمر، ولكنه شعر بأن هناك خطبًا ما يدور في رأس سالم، فقال باختصار:
مفيش مشكلة.
بعد دقائق، كان سالم يغلق باب غرفة المكتب، فباغته سؤال صفوت الغاضب:
إيه في دماغك يا سالم؟
صدمة سالم، الذي أجاب بفظاظة:
الست دي مزقوقة عليك.
******************
شهقة قوية شقت جوفه، حين شعر بالماء يُلقى فوقه بقوة، أفزعته وأخرجته من سُباته، الذي دام لأكثر مما يستطيع معرفته، فهب من مكانه مذعورًا ليجد نفسه بمكان رث ذي رائحة كريهة تُشبه روث الحيوانات، فأخذ يتلفت حوله بضياع ونظرات مشوشة، إلى أن جاءه ذلك الصوت الخشن الذي زاد من فزعه:
قوم اصحى. نمت كتير. ورانا حاجات نعملها.
خيم الذهول على ملامحه مما يدور حوله، فقال بلا وعي:
أنا فين؟
الرجل بغلظة:
في الدنيا. جوم يالا. مفضيينش للرط ده.
كان كالمصعوق، لا يُصدق ما يحدث حوله، حتى أن قدماه قادته يتجول في هذا المكان المتسخ بشكل يثير الاشمئزاز، إلى أن خطى إلى الخارج، فتفاجأ بتلك البقعة الصفراء الممتدة أمامه بصورة لا نهاية لها، وهاله تلك الأصوات الآتية من الخلف، فالتفت ليجد قطيعًا من الماعز، وبجانبهم هذا الرجل الضخم، الذي ناداه بقسوة:
إيش فيك تشن عليا. هِم يالا هِم لنوكل المعزي.
كان الأمر برمته كارثيًا، لا يُصدق أن شقيقه قام بالزج به في هذا المكان المعزول في أعماق الصحراء مع هذا الرجل المجنون وحيواناته، والأدهى من ذلك أنه من المفترض به أن يساعده!
لم يتحمل عقله ما يحدث، فصرخ حتى جُرحت أحباله الصوتية:
لاااااا. دا مش حقيقي. أنا مش هنا. أنا بحلم. أكيد بحلم.
أخذ يدور حول نفسه كمن طاله مس من الجنون، الذي تضاعف حين لم يجد أي رد فعل من ذلك الرجل الضخم الجثة، الذي كان يرتدي جلبابًا أبيض وفوقه صدرية باللون الرمادي، ويلف شالًا فوق رأسه، فوَد حازم في تلك اللحظة لو ينحر عنقه، ولكن تراجع إلى داخل الغرفة، صافقًا الباب خلفه، واضعًا يديه حول رأسه، الذي كاد أن ينفجر من شدة ما يشعر به.
***************
كان صباحًا مشرقًا كملامحها، التي بدا عليها الارتياح، وظهرت بشائره متجلية في ابتسامتها الجميلة على طاولة الإفطار، وهي توزع ضحكاتها هنا وهناك، لأول مرة منذ زواجها، فأسرت أنظار الجميع، وعلى رأسهم هو. كان يُطالعها بإعجاب كبير ونظرات شغوفة يشوبها الامتنان، وهو يرى اهتمامها بوالدته وحنانها التي تُغدقها به، وكذلك جده، الذي تفاجأ بها تسأله عن دوائه وتُغدق عليه ابتساماتها الرائعة، حتى عمار نال حظه هو الآخر بأن صنعت له أحد الأصناف المحببة له. فوجد نفسه أمام استفهام يحمل الكثير بين طياته:
هل لقاءها بعائلتها له هذا المفعول القوي عليها للحد الذي يجعلها كشمس مشرقة تتوهج أشعتها مضيفة نورًا وضاحًا على أرجاء المنزل؟ ماذا أضاف وجودهم لها؟ ماذا فعلوه أكثر مما يفعله لأجلها؟
جاءت كلمات تهاني لتُنير عقله بأشياء كانت غائبة كليًا عنه:
شفت مراتك نورت إزاي لما شافت أهلها وخواتها؟
ياسين بسخرية:
شُفت ومستغرب بصراحة.
تهاني بتعقل:
لا متستغربش. أهل البنت دول سندها وضهرها. عزوتها جدام جوزها. البت اللي أهلها يعززوها ميكسرهاش أي راجل واصل.
استنكر حديثها قائلًا:
هو أنا عمري هكسرها يا أم ياسين؟ تفتكري أنا ممكن أكون وحش كدا؟
تهاني برزانة:
لا مش وحش يا دكتور. ولا هتبقى قاصد تكسرها في يوم. بس افتكر كدا في اليوم المشؤوم إياه عملت فيها إيه؟
هب من مقعده غاضبًا:
أي راجل في مكاني كان هيعمل كدا لما يشوف مراته يتحضن راجل غريب.
عِندك حق، بس اسأل نفسك أكده لو كان سالم ولا سليم مكانك كانوا هيعملوا إيه؟ أقولك إني كانوا هيقعدوا مع بتهم ويفهموا منها حُصُول إيه؟ مكنوش هيضحوا بيها في لحظة أكده لولا ستر ربنا.
كان حديثها يحوي تقريعًا خفيًا لم يُخطئ في فهمه، ولكنه حاول الدفاع عن نفسه قائلًا:
الوضع يختلف يا أمي.
أديك جولت يختلف. جفل على اللي حُصُول وأنت عرفت غلطك. نَاجي للمهم. مراتك روحها وعجلها في أهلها وأنت شفت بعينك زيارتهم عملت فيها إيه؟ وبدلتها إزاي، يبقى تشتريهم لجل خاطرها.
ياسين بحدة:
وأنا عملت فيهم إيه؟ ما أنا عاملتهم أحسن معاملة.
تهاني بعتب:
لأه. طريقتك كانت ناشفة معاهم وأني شفت بعيني. وبعدين لازمن تفهم إنك مش طرف في حدوتة جنة وحازم دي. حازم دا ابنهم وجنة مرت ابنهم التاني، يعني منهم في بعضيهم، إحنا ملناش صالح.
حاول مقاطعتها قائلًا:
يا أمي إزاي بس؟
زي الناس. سليم راجل و روحه في مراته، هيحافظ عليها أكتر منك كماني. خرّج نفسك ومراتك من الليلة دي عشان تعرف تعيش مرتاح. مراتك بت أصول وأهلها ناس محترمين، وحازم ده موجود في كل عيلة. دا ابتلاء يا ولدي ربنا يعافينا منه. إنما الجدعاين إن كان سالم ولا سليم، الاتنين رجالة وولاد أصول ميتخيروش عنك.
تغلغل حديثها إلى عقله وبدا عليه الاقتناع، ولكنه يشعر أنها ترمي إلى أبعد من ذلك:
حاضر يا أمي.
يحضرلك الخير يا جلب أمك. جوم يالا شوف مراتك وأوعاك تزعلها، بت الأصول كبرتك جدام أخوها بالرغم من إنها كان ليها حق تزعل منك.
وصل إلى مبتغاها من الحديث، فقال بتذمر:
اقفلي ع الحوار ده يا أمي.
لأ مهجفلش. الحج حج، والبنية أمها مرمية في المستشفى، وهي يا حبة عيني هيتجلعلها عين وتشوفها، يبقى تخليك راجل بتفهم ولا إيه يا دكتور؟
جعد ما بين حاجبيه وأوشك على الرد عليها، ولكنه توقف إثر دخول حلا إلى المطبخ، لتقول ببشاشة:
ماما تهاني هنعمل أكل إيه النهارده؟
تهاني بحبور:
يا نهار الهنا الغالية مرت الغالي بنفسها جايه تطبخ.
حلا بغرور مصطنع:
أومال إيه؟ هو أنتِ متعرفيش إن أنا شيف محترم ولا إيه؟ دا أنا الوحيدة اللي كانت الحاجة أمينة تاكل الملوخية بتاعتها وتقولي الحاجة الوحيدة اللي خدتيها مني يا حلا.
قالت جملتها الأخيرة بشجن لاقى صدى كبير بداخلها وبداخل تهاني، التي قالت بتعاطف:
ربنا يجومهالك بالسلامة يا بتي.
اقترب ليقف إلى جوارها، يناظرها بعينين تلتمع بوميض الشغف:
دا إحنا عندنا مواهب مدفونة بقى محدش يعرف عنها حاجة.
ناظرته شذرًا، فقد كانت تخجل من وجود تهاني معهم، لذا قالت بارتباك:
هاه. لأ، عادي يعني. متكبرش الموضوع.
ضربها بكتفه قاصدًا مشاكساتها:
لأ، دا الموضوع كبير وكبير أوي كمان.
اغتاظت من طريقته وما تحمله عيناه من عبث، فقالت بسخط:
بطل هزارك السخيف ده.
ياسين مُدعيًا البراءة:
لأ هزار إيه؟ أنا أهزر في أي حاجة إلا الملوخية، وخصوصًا اللي بالجمبري. أي هزار مع الفوسفور بيقلب بقلة أدب، وأنا راجل متربي.
قال جملته الأخيرة بجانب أذنها، التي احمرت وشاطرتها وجنتاها اللائي نبت بهم محصول التفاح الشهي، ليُزيد من ولعه بها، بينما هي مشغولة بمراقبة تهاني، التي أعطتهم ظهرها لتُفسح لهم المجال بالحديث على راحتهم، وقد استغلت ذلك حين لكمته في معدته، وهي تقول بغضب مُطعم بالخجل:
بطل استهبال. مامتك واقفة عيب.
أعجبه خجلها، الذي ولد لعنة الاشتهاء بداخله، فصاح بصوت عالٍ:
بقولك يا حاجة تهاني هاخد حلا نصايه فوق أعرف منها طريقة الملوخية بالجمبري وأجي نطبخها سوى. الغداء النهاردة علينا.
أنهى كلماته، ثم جذب حلا من يدها، وسط قهقهات تهاني، التي جعلتها تتمنى لو أن الأرض تبتلعها من أفعال ذلك الماكر، الذي ما أن اختلى بها، حتى غمرها معه في عناق قوي، اندهشت له كثيرًا، ولكنها استمتعت به، وخصوصًا حين انحنى يُزين جبينها بقبلة دافئة، انتشى لها قلبها كثيرًا، فقالت بخفوت:
هو أنا وحشاك أوي كدا؟
قَبّل وجهها بين يديه، التي كانت حانية كنظراته ونبرته، حين قال:
بتوحشيني في كل وقت يا حلا. بتوحشني طلتك الحلوة اللي كنتِ حرمانيني منها الفترة اللي فاتت دي كلها، والنهاردة بس رويتي قلبي بيها.
كان غزله كغيمة وردية حملتها إلى أقصى درجات السعادة، التي غمرت جسدها، فاستكان بين يديه، التي أخذت تُداعب خصلاتها الناعمة، بينما داعبتها كلماته، حين قال:
عمالة تتنقلي من حضن سالم لحضن سليم، زي ما يكون قاصدة تجننيني.
همست بلهفة:
لأ والله، دول كانوا واحشني أوي و...
قاطعه همسه الخافت أمام شفتيها:
ماهي دي المشكلة الكبيرة. قد كدا كانوا واحشينك؟
اندلعت ثورتها على هيئة عبرات غزيرة وكلمات متقطعة:
أوي. أوي. روحي. ردتلي. لما. شوفتهم.
التهَم بشفتيه عبراتها، ولثم عينيها باعتذار صامت، لم يتجاوز حدود شفتيه، ولكنه عبر عن بطريقة أخرى:
يعني أنتِ كدا كأنك بتقولي إن قلبك مش ليا لوحدي. وأأقلم نفسي إني ليا بدل المنافس اتنين.
لثم كلماته جروحها، فقالت بهمس:
مفيش حد في الدنيا يقدر ينافس مكانك في قلبي.
ابتهج قلبه بكلماتها، ولكن معه تخلى عن فضيلة القناعة، فصار نهمًا لكل ما يصدر منها، لذا قال بعتب:
بتضحكي عليا بكلمتين.
اندفعت بلهفة:
لأ والله، أنت حبيبي وجوزي، أغلى حاجة عندي في الدنيا.
وصل إلى مبتغاه، والذي كان مذاقه أروع مما تخيل، فاقترب حتى اختلطت أنفاسهم، وأوشكت شفاههم أن تتعانق، حين همس قائلًا:
أنا إيه؟
فطنت إلى هول ما تفوهت به، فأغمضت عينيها تُحارب خجلها، الذي كان أكثر من عاشق له، ولكنه كان كالناسك الذي ينتظر أمام أبواب الجنة لتفتح له مغاليقها، حتى يتنعم بثراها، فهمس بنبرة مُلحة:
قوليها يا حلا. عايز أسمعها منك.
أسكرها عشقه وأذابها قربه، فأعلن قلبها راية التسليم، لتُعلنها بنبرة مُوقدة:
بحبك يا ياسين.
اقتطف ثمار إعلانها بين شفتيه، التي كانت نهمة حد القسوة، التي ولدتها نيرانًا هوجاء، عصفت بسائر جسده، الذي أوقده إعلانها الصريح، فتوه بها في بحور العشق، وتقاذفتهم أمواجه العاتية، التي تناقلتهم بين هنا وهناك، تاركين بصمات عشقهم بكل أرجاء الغرفة، التي أصبحت لوحة مبعثرة لعشق أهوج يتأجج بين جنبات صدورهم، ويُهلك تلك الأجساد، التي كانت تئن من فرط الجنون، الذي يكتنفهم، وتلك النغمات الصاخبة، التي كانت كسيمفونية رائعة عزفتها شفاهها لتُطرب قلبه الغارق في لجة الهوى، فأخذ يغترف المزيد من شهدها، ويمارس طقوس العشق باحترافية على ساحة جسدها، الذي لم يعد يحتمل جنونه أكثر، فسكن بين ذراعيه، ناشدًا الراحة، فلبى استغاثته على الفور، وهو يقول بلهفة من بين أنفاس مُتهدجة:
أنتِ كويسة؟
لم يخرج صوتها، فأومأت تطمئنه بابتسامة هادئة، فاقترب يُزين جبينها بقبلة اعتذار، قابلتها بأخرى ممتنة، فهمس يُداعبها:
طب أعملك إيه؟ ماهو أنتِ اللي مصرة تجننيني.
همست بنبرة مُتحشرجة:
أنا عملتلك إيه طيب؟
أجابها بنبرة عاشقة:
جننتيني يا حلا. خلتيني زي المهووس بيكِ.
رفرفت برموشها، وهي تقول بنبرة خافتة:
مش لوحدك على فكرة.
أوعي تزعلي مني أبدًا. حقك عليا في اللي فات كله. من النهاردة هنبتدي صفحة جديدة. صفحة كلها حب وسعادة وبس.
كان الأمر رائعًا حد تدافع العبرات من مقلتيها تأثرًا بكلماته الدافئة، والتي شابهتها لهجتها، حين قالت:
وأنا معاك في كل حاجة. وأوعدك أكونلك الزوجة اللي بتتمناها.
صمتت لثوانٍ، ولكن عينيها تولت إكمال الحديث، الذي عجز لسانها عن سرده، وكانت نظراتها كافية لترويه له، فأجاب حديثها الصامت قائلًا:
هديكِ تشوفي مامتك وتطمني عليها، وعمري ما همنعك عنها ولا عن أخواتك أبدًا.
احتوت كفوفها وجهه، وهي تقول بامتنان بلغ عنان السماء:
ربنا ما يحرمني منك أبدًا. لو تعرف كلامك ده عمل فيا إيه؟
لم تُسعفها الكلمات، وطغى تأثرها حد اندفاع العبرات من مقلتيها، وتحشرج نبرتها، فأخذت يديه تُهدئانها برفق، وتُكفف دموعها، ثم قال قاصدًا مشاكساتها:
لأ، اهو أنا كدا بقى هبتدي أغير، ولو غيرت هرجع في كلامي.
شقت ابتسامة جميلة ثغرها، ثم قالت بلهفة مقصودة:
لأ، وعلى إيه؟ الطيب أحسن.
قد كدا الموضوع كان مسببلك أذى؟
طبًعا. دول أهلي يا ياسين، في حد يقدر يستغنى عن أهله؟ بكرة لما تجرب وربنا يديلك بنت هتعرف معنى كلامي ده كويس.
تلمع وميض المكر بعينيه، فقال بلهجة عابثة:
حلو دا. أنا أحب موضوع التجارب ده أوي. إحنا نجيب البنت عشان نتأكد إن كان كلامك ده صح ولا غلط.
أنهى كلماته، وشرع في التهامها، وهو يُغدق عليها من زخات عشقه ما يُنسيها مرارة الماضي ولوعته، وقد كان قربه على قلبها أشهى من العسل.
****************
انتصف النهار، وتجمعت الفتيات بجانب سهام، التي رحبت بهم كثيرًا، وكذلك نجمة، ولكن على استحياء، إلى أن دق جرس المنزل، فتوجهت إحدى الخدم لتفتح الباب، وإذا بشمسه تُشرق على قلبها، الذي انتفض ليجعلها تهب واقفة ما أن رأته، وكذلك هو، ليتوقف به الزمن ثوانٍ، يُريد أن ترتوي عينيه من رؤيتها، فقد اشتاقها بحجم هذا الكون وأكثر.
كان مشهدًا صامتًا، ولكنه يحمل بين طياته صخب وضوضاء حنين وشوق ضارٍ، لا يُسمح بالإفصاح عنه، بل تعيشه قلوبهم بتفاصيله المؤلمة وخزاته المبرحة، والتي استشعرها جميع الحضور، فتوجهت سهام لتحيط بكتف ابنتها في مؤازرة صامتة، بينما جاء صوت صفوت القاسي ليمزق هدوء المكان حولهم:
إيه اللي جايبك يا عمار؟
التفت عمار يُناظر صفوت بحنق، تجاهله بشق الأنفس، قبل أن يقول بجفاء:
أكده تعرّح بضيوفك يا صفوت بيه؟
لم يُمهله سالم الوقت لإجابة عمار، إذ قال بفظاظة:
أنت مش ضيف يا عمار. أنت من أهل البيت. صفوت بيحب يهزر.
أنهى جملته وهو يرمق صفوت بنظرات مُحذرة، لم يتقبلها الآخر، بل اندفع إلى غرفة مكتبه، فتبعه سالم، بعد أن أومأ لعمار بالدلوف إلى الداخل، وما أن أغلق باب غرفة المكتب خلفه، حتى صاح صفوت بغضب مُريع:
بص يا سالم، مصلحة العيلة آه، بس نجمة ملهاش ذنب، ومش مجرد رصيد هتعزز بيه علاقتك بولاد عمران.
كان مُتفهمًا لحالته، لذا تمسك بفضيلة الصبر، حين قال:
أنا مش محتاج لدا، وأنت عارف كدا. بس لو أنت عايز تستخدم العذر ده شماعة عشان تبرر بيه أنانيتك، فهقولك لأ.
صفوت باستهجان:
أنانيتي يا سالم؟
سالم بتعقل:
أنت شُفت بعينك بيبصوا لبعض إزاي؟ الأعمى يفهم إنهم بيحبوا بعض. وأنت فاهم وعارف دا من قبل ما تعرف إنها بنتك.
أوشك على مقاطعته، فتابع سالم بإصرار:
نجمة مش هتعوضك عن سهام. أنا عارف إنك عايز تشبع منها، بس طريقتك دي مش صح. متظلمش سهام وتاخدها بذنوب مش بتاعتها.
قهقه بسخرية تجلت في نبرته، حين قال:
أنا باخدها بذنوب مش بتاعتها، أومال لو مكنش الكلب ده اتكلم قدامك كنت قلت إيه؟
سالم بجمود:
الكلب ده مقالش حاجة أكتر من إنه كان بيحبها، وأي تزويد في الكلام معروف إنه كان عشان يستفزك، وأنت أكتر واحد عارف دا. لأن لو كان كلامه صح بنسبة واحد في المية، مكنتش هتقبل تتجوز سهام.
ضاق ذرعًا من ذلك الحديث الشائك، فقال غاضبًا:
يا سالم، أنت مش فاهمني.
لأ فاهمك، وعشان فاهمك واجبي أحذرك من خطورة اللي أنت ناوي عليه. أنت من الأول اخترت سهام، وأنت عارف إنها كان في مشاعر من ناحيتها لأخوك، وهو كمان كان بيحبها.
صرخ مغلولًا:
مكنش بيحبها، كان كل شوية مع واحدة، وكل علاقة أقذر من التانية.
سالم باتزان:
حلو. هي مش ذنبها إنك حبيتها واخترتها. ومع ذلك عشت معاها أيام جميلة، وكانت زوجة صالحة ليك لحد ما حصل اللي حصل.
أوشك على مقاطعته، فتجاهله سالم بنبرة قاطعة:
لو مكنتش كدا، مكنتش هتصبر عليها كل دا يا صفوت، متغالطش نفسك. ودلوقتي انت كرامتك وجعاك من اللي حصل، وعايز تنتقم، بس من الشخص الغلط. سهام ملهاش ذنب، ولا نجمة ليها ذنب تحرمها من حد بتحبه.
تجاهل انصياع قلبه لكلمات سالم، وقال بحزن:
أنا ملحقتش أشبع منها عشان ياخدها مني.
سالم برفق:
مين قالك إنه هياخدها منك؟ بنتك هتتجوز جنبك، وهتشبع منها، وحتى الجواز مش هيكون خبط لزق كدا. لازم الحمار اللي بره ده يتسوى على الجنبين.
هُدِرت طاقته في الجدال، فاقترب يلقي بجسده على أقرب مقعد، واضعًا رأسه بين يديه بتعب، تجلى في نبرته حين قال:
أنا تعبت أوي يا سالم. حقيقي تعبت. مبقتش عارف أعمل إيه؟
سالم بمواساة:
طبيعي تتعب بعد كل اللي حصل دا. وخصوصًا إن الخصم المرة دي من دمك مش غريب. بس أنا عايزك متدمرش حياتك بإيدك. بُعدك عن سهام ده انتصار ليه، وهزيمة مش هتتحملها لا أنت ولا هي.
رفع رأسه غضبًا، وقال بنبرة يتخللها القهر:
أنا هتجنن. كرامتي وقلبي وكل حاجة ضدي. مش عارف أرضي مين ولا مين؟ مش عارف أقف على أرض صلبة.
أنت فعلاً على أرض صلبة، مراتك وبنتك في حضنك. يبقى تحفر أنت ليه؟ توقع نفسك وتوقعهم؟ عايز أسألك سؤال، هتتحمل إن سهام تتجوز ناجي؟
هب واقفًا، وهو يصيح بلهجة لا تقبل الجدال:
لأ طبعًا، أنت بتقول إيه؟
زفر بما أراده، فقال بلهجة ودودة:
بقول تعقل وتطلع تصالح مراتك، وتقعد مع الراجل اللي بره ده تشوفه عايز إيه، ولو بنتك عايزاه مش هتلاقي أحسن منه. حاوط بيتك وعيلتك يا صفوت. ومتدمرش حياتك بإيدك.
زفر صفوت بنفاذ صبر، ولكن بداخله انشرح قلبه لحديث سالم، الذي أزال غمامة الانتقام من عينيه، فهَدأت سحبها وبدأت تصفو، وتجلى ذلك في نبرته، حين قال:
دخّلهولي.
تلمع المكر بعيني سالم، حين قال:
عنيا. عايزك تربيه على أقل من مهلك. هدية ووقعتلك من السما. طلع فيه كل الكبت اللي جواك، وادعيلي.
لم يفلح في قمع ضحكاته على كلمات سالم، الذي خرج ليُشير إلى عمار بالدلوف، والذي ما أن دخل، حتى تفاجأ من هدوء صفوت المُريب، فقال بغلظة:
كولات دا بتتحدتوا في إيه؟ بجالي ساعة مستني.
لمع الخُبث في نظرات صفوت، الذي قال:
لحقت زهقت من الانتظار! لأ، دا أنت كدا هتفرهد مني بسرعة، ودا مش حلو عشانك.
عمار بعدم فهم:
تقصد إيه؟ أنا مش فاهمك.
صفوت بوعيد:
بقى أنت عايز تتجوز بنتي صح؟
عمار بلهفة:
أيوا صوح.
صفوت بمكر:
حلو. طبعًا أنت عارف إن دي بنتي اللي طلعت بيها من الدنيا. يعني مش هديها لأي حد.
عمار بغرور:
وأنا إيه حد ولا إيه؟ إني زينة شباب المنيا، وعيلتي أحسن عيلاتها، وأنت خابر أكده زين.
صفوت بتخابث:
لأ طبعًا في دي عندك حق، بس أنت عارف الأصول، وطبعًا كل عيلة وليها سلو صح ولا لأ؟
أيوا صوح.
صفوت بمكر:
إحنا بقى اللي ياخد بنت من بناتنا لازم يمر بشوية اختبارات كدا عشان يثبتلنا إنه يستاهلها.
كان الأمر مثيرًا للحنق، ولكنه كان يبغي الخلاص والفوز بها، لذا قال بنفاذ صبر:
وماله. جولي مفروض أعمل إيه، وأنا أعمله.
تلمع المكر بعينيه، وتجلى في نبرته، حين قال:
هقولك.
****************
هو صحيح حازم لسه عايش؟
كان استفهامًا يبغضه، كما يبغض إجابته، وكل تلك الظروف، التي تحيط بهم، وتجعلهم في دائرة النار، التي تحرقهم بكل ثانية.
عرفتي منين؟
انتفضت أوداجه غضبًا، تجلى في نبرتها، حين قالت:
جاوب على سؤالي. حازم لسه عايش؟
أجابها بصراخ أفزعها:
أيوا يا ساندي لسه عايش. ارتحتي؟
كان شعورها أبعد ما يكون عن الراحة، فقد ألقى بها في مراجل تغلي بنيران الجحيم، الذي لون حدقتيها ونبرتها، حين قالت:
إزاي حصل دا؟ مش معقول. أكيد في حاجة غلط. دا حد شبهه. صح؟
عُدي بسخرية مريرة:
وهو حازم في حد شبهه؟ على الأقل في القذارة. لو كنتِ فاكرة إنك ضحيته الوحيدة، فأنتِ غلطانة. حتى عيلته مسلمتش من أذاه. طلع حاطط إيده في إيد عدوهم، وعمال بيحارب فيهم من بعيد لبعيد.
لم تستطع أقدامها حملها، فأراحت جسدها فوق المقعد، وهي تقول بذهول:
أنت بتقول إيه؟
بقول اللي سمعتيه. حازم ده أقذر إنسان شفته في حياتي. ولازم تنسيه وتمحيه من ذاكرتك عشان نعرف نكمل حياتنا زي الناس.
استنكرت كلماته، التي أيقظت جروحها الغائرة، فآنت عليها وبشدة، للحد الذي جعلها تصيح باستهجان:
حياتنا! حياة مين؟ أنت بتجمعنا سوا ليه؟
اقترب منها بخطى وئيدة، حتى وصل إلى مقعدها، ودنى ببطء مثير، واضعًا يديه حولها، وهو يقول بهسيس خشن ضد عينيها:
عشان إحنا سوا. هنعيش سوا ونموت سوا.
كان قربه كفيضان قوي، أصاب سدًا هشًا، فحطمه في الحال، للحد الذي جعلها ترتجف أمامه، وجعل الحروف تخرج متقطعة من بين شفتيها:
أن. أنت. بتقول. إيه؟ أن. أنا. لَا. يُمكن. أكمل. حياتي. معاك.
تألم لحالتها ولضياعها وتخبط نظراتها، فامتدت كفوفه تحنو على ملامح وجهها، وقال مخاطبًا عينيها بصدق:
أنتِ معنى الحياة بالنسبالي يا ساندي. مفيش حياة من غيرك. ومش هسمح تكون لك حياة من غيري.
صمت لثوانٍ، يُخاطب عينيها بنظرات متوسلة، رافقت كلماته، حين قال:
هنمشيها خطوة خطوة. نبتديها إننا نرجع أصحاب تاني، وارجع عُدي صاحبك اللي مبتخبيش عنه الهوا، واللي مبترتاحيش غير لما تفضفضي له وتخرج له كل اللي في قلبك، وأنا هسمع لك لو قولتي إيه.
صمت لثوانٍ، قبل أن يُضيف بمزاح:
وطبعًا أنا كمان هحكيلك على كل مصايب زي زمان. وتقعدي تخانقيني وتزعقي لي، وأقعد أشد شعرك وأجري وراكِ، وفي الآخر أتعاقب إني أقعد أعمل لك ضفيرة من اللي بتحبيهم.
استمهل نفسه لثوانٍ، قبل أن يسحب أنفاسها العطرة بجوفه، قائلًا بنبرة مُتحشرجة:
مش وحشتك الضفيرة بتاعتي؟
خانها جسدها، وأعلن عن شوقه بتلك الإيماءة البسيطة، والتي كانت مؤشرًا قويًا كونه على الطريق الصحيح، فاردف بخفوت:
وبعدين نرجع من تاني نذاكر سوا في أيام الامتحانات، ونقعد نولول على الوقت اللي ضيعناه، وعلى الزنقة اللي زنقنا نفسنا فيها.
ابتسم، وشاطرته ابتسامته بأخرى بسيطة، وكأنها مُغيبة عن واقعها الأليم تحت سطوة ذكرياتهم الرائعة معًا، ليُزيد جرعات الأمان بقلبها، حين قال:
وبعد ما يمر كل ده، هتلاقي واحد بيعشقك واقف على بابك مستني بس تطلي عليه، ولو بنظرة. حتى لو اتأخرتي هيفضل مستني. عارفة ليه؟
لم يفلح في قمع عبرات الألم، التي انبثقت من مقلتيه، وهو يُضيف بعشق تخطى حدود احتماله:
عشان أنتِ النفس اللي بتنفسه. النور اللي بينور حياتي. يكفيني أشوفك بخير، حتى لو كان التمن انتظاري ليكِ العمر كله. أنا موافق.
تاهت الكلمات من فوق شفتيها، وتبدلت أشياء كثيرة بعينيها، التي كانت ضائعة، تتقاذفها الظنون وتلهو بها الهواجس، ماذا لو صدقت ونالت خذلانًا آخر؟ وماذا لو لم تُصدقه وخسرت كل شيء؟ وكان هناك استفهام مُلح، يدور بآفاق عقلها، هل سيفلح النسيان في العبور من بوابات الظلام المُحيط بها؟ وهل سيتمكن ذلك العشق، الذي يعدها به، من ترميم جروحها النازفة وشفاء ندباتها البشعة؟
**************
عادوا إلى الديار، بعد وقت كان مُتعبًا مع الجميع، وبالرغم من كل ما حدث، ولكنه لا يستطيع أن يُنكر شعور الراحة، الذي تسرب إلى قلبه، حين اطمأن على وضع شقيقته وأنها آمنة هناك.
انتهت طاقته إلى هذا الحد، وأشارت الساعة إلى الواحدة بعد منتصف الليل، فقد عادوا ظهر اليوم، وها هو لم يُبارح مكتبه، يُحاول إنجاز الكثير من الأمور المتراكمة فوق رأسه، الذي كاد الصداع أن يفتك به، ولحظة تذكر وجهها البديع، الذي يُضفي سكينة من نوع خاص على صدره، فيهدأ ويستكين، ولأن القلوب إن عشقت، فإنها تغدو متصلة ببعضها البعض بخيوط خفية، فقد تململت في نومتها، لتجده لم يعد بعد، فأخذتها خطواتها المتلهفة إليه، في أكثر وقت ينشد وجودها فيه، فإذا بها تقوم بفتح باب غرفة مكتبه، لتُطل عليه بحضورها الطاغي، وبهاء وجهها المتورد بفعل العشق، وكعادتها معه، لبت ندائه الصامت، وتوجهت رأسًا إلى حيث يجلس، لتقوم بمحاوطة رأسه، ليستكين فوق موضع قلبها الصارخ بعشقه، وأخذت كفوفها الحانية تتلمس خصلاته بهدوء، جعله الاسترخاء يعرف طريقه إليه، وبعد عدة دقائق هانئة، لثمت مقدمة رأسه بقلب دافئ، أذابت صقيع شباط، الذي يُحيط بهم، واتبعتها بحنو كلماتها:
مش كفاية شغل بقى، أنت تعبت أوي النهاردة.
احتوى خصرها بذراعيه، رافعًا رأسه، يُناظرها بنظرات حانية ممتنة لوجودها، وأجابها بلهجة خشنة:
كنت تعبان لحد قبل ما تدخلي من الباب.
همست ضد شفتيه بعذوبة:
وإيه اللي حصل بعد ما دخلت من الباب؟
نقشت أنامله لحنًا مغريًا فوق خصرها، قبل أن يقول بنبرة شغوفة:
طلتك الحلوة ضيعت كل التعب، وبدلت الليل نهار في عيني.
مازحته ويداها تتلمسان شعيرات ذقنه القصيرة:
إيه دا كله؟ سالم الوزان بقى يقول شعر؟ أنا أكيد بحلم!
قست أنامله في مكان ما أسفل ظهرها، ردًا على مزحتها، قبل أن يقول بعبث:
ماهو أنتِ الصراحة تخلي الحجر ينطق، وبعدين سالم مابيقولش، سالم بيعمل. ولا إيه؟
أنهى كلماته بغمزة أربكتها، وأشعلت حمية العشق بقلبها، فأخذت تُداعب أنفه بأناملها، قبل أن تقول بخفوت:
بحب فيك أوي لما تتبدل من الشخصية القوية اللي الكل بيخاف منها، وتبقى في حضني عاشق بيعمل المستحيل عشان يفرحني.
جملتها أيقظت رماد الندم بعينيه، فاقترب غارسًا بتلات عشقه فوق قلبها النابض، قبل أن يُعيد دفة نظراته إلى عينيها، وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
حقك عليا يا فرح. أنا مدين لكِ باعتذار.
قطبت جبينها، قائلة باستفهام:
اعتذار إيه؟
تحمحم بخشونة، قبل أن يقول بجفاء:
عشان لما قولتيلي إن شيرين سمعتك فويس بصوتي، مصدقتكيش. وطلع عندك حق. بس أنا مش ساحر يا فرح.
قاطعت حديثه بوضع إبهامها فوق شفتيه، ثم بدلته بشفاهها، التي لثمت خاصته بقبلة دافئة، اتبعتها بعذب كلماتها:
أوعى تعتذر أو حتى تفكر في كدا يا عيون فرح. هو أنت فاكر إن حيرتك دي كانت سهلة عليا؟ إنك تبقى هتتجنن قدامي عشان مش قادر، ولا قلبك مطاوعك تكذبني، دي عندي كبيرة أوي يا سالم. أنا عارفة إنك عمرك ما شكيت فيا. وصدقني بندم على كل حرف قلته في الليلة دي ندم عمري.
قاطعها ليمحي ذرات الندم، التي تنبعث من عينيها:
أي حد مكانك كان هيعمل ويقول كدا. حازم صوته نفس صوتي بالظبط. أنا بعد كدا لما هديت عذرتك.
تدللت بحزن، أضرم النار بقلبه:
أنت وجعتني أوي بكلامك اليوم ده.
أجابها بلهفة قلما تظهر عليه:
ندمت ندم عمري على كل حرف قلته وجعك اليوم ده. بس غصب عني لهفتي عليكِ خلتني مكنتش شايف ولا حاسس بنفسي.
لن تُفسح المجال لأي شيء في هذا العالم في إفساد سعادتهم، حتى ولو كانت تلك الذكريات المؤلمة، لذا استراحت بثقلها على ساقه، ويداها تُحيط عنقه، بينما نظراتها تدللت كنبرتها، حين قالت:
طب إيه رأيك كل واحد فينا يصلح غلطته اليوم ده؟
انكمشت ملامحه بحيرة، قطعتها جملتها، التي تحمل وعود العشق، الذي يتراقص في مقلتيها بإغواء، وذلك الشغف، الذي يقطر من نبرتها، حين اقتربت من أذنه هامسة:
هوديكِ أوضتنا، قدامك رُبع ساعة، وتيجي هتلاقي عروستك مستنياك، أوعى تتأخر.
لم تترك له مجالًا لاستيعاب كلماتها، إذا استقامت متوجهة للخارج، بعد أن زرعت بصدره ألسنة العشق المتوهجة، فأصابته بلعنة الاشتهاء، التي جعلت الدقائق تمر على ظهر سلحفاة، وهو ينتظر مرور المدة، التي حددتها، حتى يظفر بقربها، الذي ما أن يتخيله، فيجف حلقه، وتتصاعد دقات قلبه للمليون دقة في الثانية الواحدة، وبشق الأنفس استطاع أن يتحمل لدغات الثواني، ليقطع الخطوات الفاصلة بينه وبين غرفته بلمح البصر، ويقوم بإدارة مقبض الباب، ليتصنم مكانه، وهو يراها بفستان زفافها، مُطلقة العنان لخصلاتها الثائرة، لتُحيط بها كأشعة الشمس، فتُعطيها توهجًا براقًا وجمالًا آخاذًا، يفوق جمالها ذلك اليوم، فأخذته قدماه إليها دون وعي منه، فقد أسَرته فعلتها حد الجنون، الذي تحول لرغبة عاتية في امتلاكها، يتخللها عشق أهوج، قد لا تحتمله تلك المجنونة، ولكن سبق السيف العزل، ففعلتها أطلقت جيوشه الآتية من الجحيم، فقام بجذبها بعنف، لترتطم بسياج صدره المُعضل، الذي لا يحتمل جنون قلبه بها في تلك اللحظة، فجاءت نبرته مُتحشرجة من بين أنفاس مُتهدجة، حين قال:
أنتِ عارفة خطورة اللي بتعمليه دا إيه؟
تعانق العشق بالرغبة بداخلها، فبدد كل شعور بالخوف من ظلمة نظراته ورغبته الموقدة، والتي يستشعرها جسدها في تلك اللحظة، فهمست بجُرأة غير معهودة:
عارفة، ومستعدة لكل حاجة منك.
أغمض عينيه، يُحاول تنظيم دقاته الهادرة، وتحجيم شعوره المُروع بها الآن، فتفاجأ بها تقترب منه، حتى تعانقت أنفاسهم الموقدة، والتي تُشبه نبرتها، حين قالت:
أنا بين إيديك يا سالم. خدني لدنيا تانية بعيد. مفهاش حد غيرنا. مش عايزة حد غيرنا.
دعوة صريحة من امرأة اجتمعت بها عجائب الكون في نظره، فهل يملك من الحول ما يمكنه من رفضها، وهل لذلك العقل، الذي أكثر ما يميزه، القدرة على مجابهة نظرة واحدة منها؟
إجابته كانت قُبلة ساحقة، أودت بها إلى الهلاك بين ذراعيه، اللتان عزفت أقسى وأروع معزوفة فوق جسدها، الذي كان أصبح كنوت بيتهوفن، الذي أطلق العنان لجميع مشاعره، ليُبدع في أنشودة غرام، كان صداها يتردد في جميع أنحاء الغرفة، وترتج له الجدران، وتنتفض لها الأبدان، التي غمرتها نشوة العشق، فصارت تنهل بنهم، لا يُقصيه تعب، ولا يُبدده ألم، فقد فاض بهم العشق، وطغى، حتى صار مسموعًا، محسوسًا، وملموسًا فوق تلك الأشياء المحطمة والملابس المبعثرة، ولكن كان فرسان الغرام بوادٍ آخر، غير عابئين بأي شيء، سوى ترميم صدوع الشوق، الذي لا ينضب، ولا يخمده ثورة المياه، التي غمرتهم، فشدد من جذبها، ليلتصق ظهرها بصدره، وهما بحوض الاستحمام، الذي ملأه سالم بالمياه الدافئة، علها تُهدئ من آثار تلك المعركة الدامية، التي نشبت بينهم، ولكن هيهات، فمجرد نظرة بسيطة منها، تنشب مخالب الصبوة بقلبه، فكيف بوجودها بين ذراعيه؟
لو كنت أعرف إنك هتعوضيني عن اليوم ده بالطريقة دي، كنت كررتُه كل شوية.
ابتسمت من بين ذلك التعب المُضني، الذي ألم بجسدها، وقالت بنبرة مُتهدجة:
لو كنت أعرف الافترى بتاعك ده، كنت كملت نوم، ومكنتش نزلت لك من الأساس.
قهقه بصخب نادر ما يحدث، فلم تُريد أن تُضيع تلك الفرصة أن تستمتع بضحكاته الرائعة، فالتفتت تُناظره بلهفة، كان لها وقع خاص عليه:
إحنا بنجيب ورا بقى، أومال فين القطة المخربشة، اللي كانت من شوية؟ وأنا بين إيديك، وقصاد عينيك، والكلام ده كله؟
فرح بمزاح:
سحبته.
جبانة.
مُفتري.
بس بحبك.
همسة القاتل وإعلانه الصريح، جعلوا قلبها يرتجف بين ضلوعها، فهمست بوله:
وأنا بعشقك. خلاص، افتري براحتك.
تعالت قهقهاته على كلماتها، وشدد من احتضانه لها، وهو ينثر عشقه فوق كتفها المرمري، قائلًا بشغف:
يااه يا فرح، كنتِ فين من زمان.
كنت محافظة على قلبي عشان أقابلك.
لو كنت قابلتك من بدري، كان زمان حاجات كتير اتغيرت.
همست بعذوبة:
كل حاجة بتيجي في وقتها بتكون أحلى.
أنتِ أحلى حاجة جتلي. ومش هيجيلي أحلى منك مهما جالي.
انتشى القلب بكلماته، التي أذابت عظامها من فرط روعتها، فشددت من نفسها، لتلتصق به أكثر، وهي تقول بخفوت:
خليك ماسك فيا أوي يا سالم. أنت كل حاجة فيا. كل حياتي بتتلخص في وجودك. متبعدش عني ولا ثانية.
الحاجة الوحيدة اللي مقدرش عليها في الدنيا دي هي بُعدك. اطمني.
تعانقت أضلعهما، وهنئت قلوبهم، واستكانت أرواحهم لثوانٍ، قبل أن تقول بهمس يعرف الطريق لقلبه جيدًا:
قلبي مطمئن بيك.
**************
قال، وعلى رأي المثل: جه الحزين يفرط، طلعت له همّ في البخت.
صححت ريتال كلماته قائلة:
اسمها جت الحزينة تفرح ملقتلهاش مطرح. متبوظش الأمثال يا عمو.
زفر مروان بحنق:
وأنتِ مالك أنتِ أبوظ ولا مبوظش؟ هو المثل كان بتاع أبوك.
ريتال بتقريع:
عيب يا عمو، اسمه بابي.
مروان باستنكار:
بابي؟ أميتابتشان ده بقى بابي؟ يا بنتي ده عربجي. أبوك ده تقول له يابا يا بويا، وأصلًا متناديش عليه.
ريتال مُدافعة عن والدها:
لأ طبعًا، دا بابا دا أجمل أب في الدنيا كلها.
مروان بسخرية:
أجمل أب؟ لأ، وأنتِ الصادقة، ده سفن أب. ماهو كدا إنتوا يا بنات متحبوش غير اللي يديكوا على دماغكوا، لكن يكون إنسان مرهف الحس زيي، وبيحافظ على مشاعركوا، يبقى ده جزاته.
هو مين اللي مرهف الحس! أكيد مش أنت.
كان هذا صوت شيرين الساخر، فقابل مروان سخريتها قائلًا بتهكم:
حوش مين بيتكلم! يا بنتي ده أنتِ عندك كمية برود، لو اتوزعت على الصعيد، الناس هتتجمد.
دمك يُلطش.
مروان بنبرة ذات مغزى:
طبعًا دمي يُلطش، ماهو عشان مش محشور في الهدوم ولا فاتح القميص ومبين نص صدري، هيبقى دمي يُلطش المبادئ في ذمة الله.
التفتت شيرين إلى ريتال قائلة بتعجب:
هو ماله ده، اتهبل ولا إيه؟
ضاق ذرعًا من وجودهم، فاندفع بنفاذ صبر:
أنتِ مالك يا باردة أنتِ وهي؟ واحد قاعد يندب حظه، جايين تقرفوه في عيشته ليه؟
اقتربت شيرين لتجلس بقربه، وهي تقول بتعاطف:
لأ يا مارو، مقدرش أسيبك تزعل أبدًا. قولي مالك؟ مين مزعلك؟
مروان باندفاع:
المخفية أمك، واقفالي زي العُقلة في الزور.
لكزته في كتفه بقوة، وهي تقول بغضب:
احترم نفسك يا حيوان، متقولش كدا على ماما.
مروان بتحسر:
هو أنا في إيدي حاجة غير إني أقول. كشفت شعري ودعيت عليكِ يا همت يا بت رئيفة هانم. يبتليكِ باللي أقوى منك.
بس يا حيوان.
زجرها بعنف:
اسكتي وسبيني، أنا هتجلط منها. طب هي مُعقدة، وربنا وقعها في أبوكِ، راجل ابن ستين كلب، أنا مالي أحاسب على المشاريب ليه؟ تقولي بنتي لسه صغيرة، ومش ناوية أجوزها دلوقتي. أومال هتحنطها!
قال جملته الأخيرة بصراخ، وما أن أوشكت أن تنهره، حتى جاءهم صوت غاضب من الخلف:
إيه يا ابني، أنت عمال تولول ليه؟ صدعتنا.
مروان بسخرية:
أهي كملت. غُربان البيين هل.
شعرت بحزمة من المشاعر الموترة تتفشى في سائر جسدها، حين استشعرت حضوره، ولكنها لم تلتفت، بل ظلت بجانب مروان، الذي شعر بما يحدث، فضيق عينيه بمكر، تجلى في نبرته، حين قال:
شيري، بقولك إيه؟ ما تيجي نقوم نكمل كلامنا جوه. عيب، دي أسرار بردو.
استشاط طارق لدى سماعه كلمات مروان، وهب غاضبًا:
أسرار إيه اللي بينكوا دي؟ وبعدين ماتتكلموا هنا، هو أنا غريب؟
مروان بمكر:
لأ طبعًا مش غريب، بس دي أسرار بين الأصدقاء، وبعدين زي ما بحفظ أسرارك، لازم أحفظ أسرار شيرين، صح ولا إيه؟
حضوره كان طاغيًا للحد، الذي لم يجعلها تنتبه لذلك المكر، الذي يقطر من بين كلمات مروان، وانصب اهتمامها على كلمة أسرار، فتفشى الفضول بقلبها، وقالت باندفاع:
والله هو طارق كمان عنده أسرار؟
مروان ببراءة مُزيفة:
طبعًا عنده أسرار، مش بني آدم ولا إيه؟ ماهو زي الهِلف قدامك أهو. إلا عنده أسرار دي. دا عنده حتة سر هولندي بشعر أصفر وعينين زرقا، إنما إيه. يالهوي يخربيت أبوها.
اندلعت الحرائق في جوفها، فالتفتت بقوة تناظره بعينين لمع بهما الغضب، الذي جعله يقول بجفاء:
إيه يا زفت، أنت الهبل اللي بتقوله ده؟ هولندي إيه وشعر أصفر إيه؟
مروان مُدعيًا البراءة:
كان أحمر باين؟ إيه دا؟ آه، أنت سبتها. صح نسيت.
وجه كلماته إلى شيرين، قائلًا:
مقولكيش بقى يا بت يا شيري على السر الروسي، يالهوي حاجة كدا نووي، دمار شامل. روسي روسي، صناعة محلي يعني. يالهي يطفحها.
تجاهل نظرات وتحذيرات طارق بالصمت، وخرجت الأمور عن السيطرة، فهبت شيرين من مجلسها بعصبية، تجلت في نبرتها، حين قالت:
والله وطارق بيه طلع مش سهل، وقال، وإحنا اللي كنا فاهمينه غلط.
اختتمت كلماتها، وهربت قبل تتدافع العبرات من مقلتيها، فهب طارق خلفها، محاولًا أن يراضيها، وسط قهقهات مروان المتشفية، والذي التفت إلى ريتال، قائلًا بارتياح:
أحسن كدا الكل يفركش. أومال أقعد أندب حظي لوحدي. لأ. نندب كلنا سوا. أما أقوم أنكد على جنة وسليم كمان، عشان يبقى الندب للرُكب. بت يا جنة. أنتِ يا أوزعة.
**************
صح النوم. يالا يا كسلان.
همساتها الناعمة أيقظته من غيبوبة النوم، التي قضاها بين ذراعيها، ليفتح عينيه على مهل، وكان أول وأشهى ما رآه هو وجهها الصبوح، الذي يُضيء الكون بضحكاته الساحرة، والتي تبعث الراحة والطمأنينة إلى قلبه، الذي يشتهي أبعد من ذلك، فمد يده في دعوة صريحة إليها، لبتها على الفور، فاكتنفها بين جنبات صدره، الذي كان يضخ عشقها إلى سائر جسده.
يعني حد يسيب القمر ده ويقوم بردو؟ دا أنتِ الكسل جنبك فضيلة ونعمة.
اخترقت ضحكاتها أذنيه، فاطربتها كما أطربتها كلماته الرائعة، للحد الذي جعلها تقول بخفوت:
الحقيقة إن أنت اللي وجودك في حياتي أجمل نعمة يا سليم.
اشتهى الجنة، فقبلها بقوة وشغف، أذابا عظامها، ففصل قبلته، قائلًا بأنفاس مُتهدجة:
أنتِ لو قاصدة تجنني أمي، مش هتقولي كدا.
لكزته في كتفه برقة، وقالت مُعاتبة:
أمك ست طيبة، ملهاش دعوة بجنانك. دي مواهب مكتسبة.
أجابها بوقاحة:
على ذكر المواهب، دانا عندي شوية مواهب مدفونة يا بت يا جنة، بس إيه يستاهلوا بقك.
قهقهت بصخب، أطاح الباقي من ثباته، ولكنها أوقفت جموحه، قائلة بتحذير:
الوقت اتأخر، وزمان الناس عايزة تفطر. أجل مواهبك دي لوقت تاني.
سليم بتذمر:
ناس مين وفطار مين؟ بقولك مواهب مدفونة مبتطلعش غير للحبايب.
صاحت بتحذير:
سليم بطل وقوم بقى.
تلبدت سماءها بالغيوم، وهي تُضيف بخفوت:
وبعدين أنا متضايقة.
اعتدل جالسًا، وهي بين ذراعيه، التي احتوتها بضمة حانية، وكذلك لهجته، حين قال:
مالك يا حبيبي؟ إيه اللي مضايقك؟
لم تفلح في إخفاء التوسل من نبرتها، حين قالت:
سليم، هو أنا ينفع أتكلم معاك في موضوع مهم، وتسمعني للآخر؟
ينفع طبعًا.
لم تستطع احتمال ما بجوفها، فاطلقته بوجهه دفعة واحدة:
أنا عايزة أكتب محمود على اسمك أنت.
للوهلة الأولى، لم يستوعب كلماتها، فخرج استفهامه دون وعي:
إيه؟
بللت حلقها، وقالت بلهجة جافة:
اللي سمعته. محمود يستحق إنه يكون له أب زيك. يستحق إنه يتربى بين أبوه وأمه. تقدر تقولي لما يكبر ويسأل عن أبوه، هنقوله إيه؟ مات ولا عايش، ومينفعش تشوفه؟
ألقت ببارود كلماتها في وجهه، الذي امتقع لثوانٍ، وتماوجت تعابيره، ما بين الغضب، الذي ظهر جليًا في عينيه، التي أصبحت كبركة من الدماء، وبين الحزن، الذي تجلى في قسمات وجهه، التي تهدلت من فرط شعوره بالعجز عن إجابتها، وأيضًا القسوة، التي تجلت في يديه، التي تُحيط بها، ولكنها لم تعبأ بذلك، بل احتوت كل انفعالاته بكفوفها الحانية، وهي تقول بنبرة محشوة بالوجع:
أنا عارفة أنت بتتألم قد إيه؟ وعارفة إنك أكتر حد حاسس بوجعي. ومتأكدة إن جواك نار بتحرقك زي اللي جوايا، ومُجبر تخبيها جواك عشان اللي حواليك. بس النار دي هتخلص عليك في يوم. لو أنت هتقدر تتحملها عشان هو أخوك، أنا مش هقدر.
ابتلع جمرات غضبه الحارق وعجزه المميت، وقال بجفاء:
أنتِ كدا بتنتقمي منه؟ بأنك تنسبى ابنه لحد غيره؟
هبت من مكانها، قائلة بقهر:
ميستاهلوش. ابنه اللي حاول يموتني وهو في بطني، ميستاهلش ضافره.
همس بنبرة مُلتاعة:
وأنا؟
لم تفهم مغزى استفهامه، فأضاف موضحًا:
أنا فين من انتقامك ده؟
اقتربت منه بعينين تلمع بهما العشق، وتجلى في نبرتها، حين قالت:
أنت أحسن حاجة حصلتلي في حياتي. الحاجة الوحيدة اللي منعتني إني أطلع بروحه في إيدي، أول ما شفته وعرفت إنه لسه عايش.
تبدلت نظراتها، حين أطلقت جملتها الأخيرة، فناقضت براءتها، وهاله ما بها من انتقام وبُغض، جعله يقول باستفهام:
لو حازم قدامك، ممكن تخلصي عليه يا جنة؟
هبت باندفاع ولهجة مُدججة باللوعة والقهر:
أكيد هخلص عليه. هاخد روحه بإيدي، ومش هندم لحظة واحدة.
بهتت ملامحه، حين رأى انفعالاتها، وتبدل حالها من تلك الفتاة الرقيقة إلى النقيض، ولكن جاءت كلماتها المُعذبة، لتُلقي به في غياهب الألم:
أنا منستش يا سليم. كل العذاب والقهر اللي شفته من يوم ما عمل اللي عمله فيا، لسه فكراه، وفاكرة قهره قلب فرح ووشها أول ما فوقت من الحادثة. فاكرة احتقارك واحتقار أهلك ليا من أول يوم دخلت فيه بيتكم، فاكرة لما ماما أمينة عرضت عليا فلوس كأني واحدة من الشارع عشان أسيب ابني. أنا فاكرة كل حاجة يا سليم. أنا مبلومش على حد فيكوا. ولا شايلة في قلبي منكوا. بس مش قادرة أنسى، وخصوصًا بعد ما شفته قدامي عايش.
صمتت لثوانٍ، تحاول التحكم في سيل العبرات، الذي يتسابق في الهطول من حدقتيها، ثم تابعت بنبرة مغلولة:
حتى لو عملتوا فيه أي. لو عاقبتوه بأيه؟ مش هيطفي ناري القايدة جوايا.
لأول مرة بحياته، يختبر ذلك الشعور المرير، بل مميت، يقف بصمت، يتابع انهيارها وعذابها ولوعة قلبها، وهو عاجز حتى عن كفكفة عبراتها، فهناك ما هو أشد وأقسى بجوفها، ولن تُخمده أو تُهدئ من فداحته أيًا من محاولاته معها.
لم تعد الأرض تحمله، ولم يعد يستطيع الصمود أمام انهيارها ووجعه أكثر، فتوجه إلى الحمام، مرورًا بها، فأوقفته يداها، التي قبضت على خاصته بقوة، تجلت في نبرتها، حين قالت:
رايح فين؟ مش هتسبني يا سليم. صح؟
رفع عينيه، التي عاتبت عينيها بقسوة، وجاءت لهجته مُشبعة بالوجع، حين قال:
مش هسيبك يا جنة، حتى لو كان وجودي زي عدمه بالنسبالك.
امتقع لونها جراء كلماته، التي توحي بمقدار ألمه الهائل، وفهمه الخاطئ لحديثها، فاندفعت تُعانقه بكل ما أوتيت من عشق، تجلى في نبرتها، التي جاءت من بين انهيار عظيم:
أوعى تقول كدا. أنا عايشة عشانك. من غيرك كان زماني موت أو انتحرت. أنت بتجري في دمي. بس أنا غصب عني. في نار جوايا يا سليم.
حاوطتها يداه بحنو، لم تُفصح عنه شفتيه، إنما اكتفى بمواساة صامتة، لم تكفِ لوعة قلبها، فانتزعت نفسها من بين ذراعيه، تقول بانفعال:
أنت زعلان عشانه صح؟ زعلان عشان أخوك؟ قولي متخبيش. ماهو أخوك بردو.
كانت تتحدث بعشوائية، تُنافي جموده وثباته، حين أجابها:
هو فعلًا أخويا يا جنة. سواء قبلت دا أو رفضته، أخويا.
اشتد سواد عينيها، وغُلفت بطبقة من الحقد، وصاحت بنبرة مغلولة:
ودا اللي مخليك ترفض تكتب محمود على اسمك؟
استهلك جميع طاقته في استجداء الصبر، الذي لم يكن أبدًا من شيمه، لكي لا يصرخ، حتى تتهدم الجدران من حولهم، وقال بجمود يُحسد عليه:
أنا مش هقدر أعمل كدا عشان دا حرام. إني أنسب طفل ليا وأبوه عايش، بالرغم إني أتمنى من كل قلبي لو كان ابني فعلًا.
استفهمت بلهجة حادة:
يعني؟
يعني مش هرتكب ذنب زي دا. ولو مش مصدقة إنه حرام، يلا نروح دار الإفتاء، وأسألي هناك.
تنحى آخر شعاع للعقل برأسها، وقالت بانفعال:
عشان حرام، ولا عشان هو أخوك؟
سليم بثبات يُهدد بالانهيار في أي لحظة:
عشان حرام.
اندفعت تُلكمه في كتفه بغل، تجلى في نبرتها، حين قالت:
واللي حصلي مش حرام؟
تسلل القهر إلى لهجته، حين قال:
حرام. قوليلي إيه ممكن أعمله عشان أصلح اللي حصل.
تسللت السخرية المريرة إلى لهجتها، حين قالت:
لأ، كتر خيرك لحد كدا. أنت شيلت الشيلة كاملة، وصلحت غلطته، واتجوزتني.
على حين غرة، جذبتها يديه، تُلصقها بسياج صدره بقسوة غير معهودة، بل غير مقبولة، فقد شعرت بأن ضلوعها تحطمت جراء حركته المُباغتة، ولكن جاءت لهجته أشد وأقسى، حين قال مُحذرًا:
إياكِ تعيدي اللي قلتيه مرة تانية. وإلا هتزعلي مني، وهتشوفي مني وش ما أحبش إنك تشوفيه.
لم تعِ ما تحمله كلماته من غضب لأجلها، ولأجل ذلك التشبيه المقيت، والوضع المُشين، الذي تضع نفسها تحت طائلته، فقد كان العقل غائبًا، وأبخرة الانتقام تتراقص أمام عينيها، مما جعلها تنتزع نفسها من بين يديه بقسوة، تجلت في نبرتها، حين قالت:
مَاعتقدش إنك لسه عندك حاجة وحشة، أنا مشوفتهاش. بس تصدق، أنت دايماً بتبهرني. وخصوصًا لما الموضوع يتعلق بحد من أهلك. بتتحول. يا بختهم بيك والله.
بشق الأنفس، استطاع تجاوز غضبه وجراحه الهائلة، وقال بلهجة غليظة:
لو هما أهلي، ف أنتِ أنا يا جنة. افهميها على مهلك.
ألقى جُملته، وتجاوزها، قاصدًا الهروب من تلك الحرب، التي كان قلبه أول ضحاياها، فإذا بها تُلقي به إلى التهلُكة بكلماتها القاسية:
في المستشفى يوم ما ولدت، وعدتني تجيبلي حقي من اللي ظلمني. وأهو اللي ظلمني طلع عايش. هاتلي حقي منه. واعرف إني مش هبقى أنت، ولا هنتمي ليك بعد النهاردة، إلا لما تجيبلي حقي منه يا سليم.
توقف الزمن به لوهلة، شعر بها بأن الكون بأكمله ضاق به، حتى أنفاسه أصبحت ثقيلة على صدره، والتفت يُطالعها بنظرات هي القهر بعينيه، ثم قال مُستفهمًا:
يعني إيه يا جنة؟
لم تقصد تلك القسوة، التي تضمنتها لهجتها، حين قالت:
افهمها على مهلك.
يتبع...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان العشري
نشيج صامت، عبرات بكماء، جسد ساكن وروح مذبوحة تبغي النجاة، ولكن أي نجاة حين ينشب الانتقام مخالبه في أعماق النفوس؟ فيتبدل قوس قزح إلى رمادي، وذلك الصفاء إلى غيوم تهدد بإنفجارات مروعة.
"أنا نازل، ورايا شغل في الشركة.. أتمنى لما أرجع تكوني هديتي."
هكذا تحدث بنبرة، رغم جفاءها إلا أن الحزن كان متشعبًا بداخلها، على عكس نبرتها حين قالت ساخرة:
"أتمنى!"
زفرة قوية أحرقت جوفه، كما أحرق الحزن قلبه، الذي بالرغم من كل شيء قاده إليها بخطى وئيدة، ليلثم جبينها الدافئ باعتذار صامت، نثرته شفاهه كتعبير عن ذلك الحزن المرير الذي يجيش بداخله، وكان أضعفه بداخلها، لذا أغمضت عينيها تستشعر قربه، الذي هو أحب ما يشتهي قلبها، الذي يود الصراخ طالبًا منه عدم المغادرة، ولكنها تفاجأت بعد لحظات بباب الغرفة يُغلق إعلانًا عن رحيله.
كظمت غيظ قلبها وألمه، وقامت لتتوجه إلى المرحاض كي تخلع عنها كل هذا الوجع، فوقفت أسفل المِسحاح بملابسها، لينهمر شلال المياه فوقها، وتمتزج معه بحور الدمع المنبثق من عينيها، لتتشكل صورة مريعة لامرأة خاضت مع الحياة معارك ضارية، وحين أوشكت على الظفر بجولتها الأخيرة، انتهى الوقت!
"طب أنت كدا هتبقى متشتت يا حبيبي ما بين القاهرة وإسماعيلية؟"
هكذا تحدثت فرح وهي تساعد سالم في ارتداء معطفه، فاستدار مُلثمًا خدها الأيمن وهو يقول بخشونة:
"موضوع الانتخابات ده مفيش فيه رجعة، مضطرين نتحمل لحد ما نشوف هترسي على إيه."
كانت عينيها تتابعه بفخر يتخلله إعجاب كبير.
"هترسي إني هبقى مرات سيادة النائب إن شاء الله."
قال سالم بخبث:
"شامم ريحة استغلال نفوذ من دلوقتي."
تدللت وهي تقف على أطراف أصابعها لتحوي عنقه بين ذراعيها، وتصبح على مقربة منه حتى تعانقت أنفاسهم.
"تعرف من الحاجات اللي بتعجبني فيك إنك لماح."
عانقت ذراعيه خصرها، بينما أخذت أنامله تعزف بعبث فوق ظهرها، وهو يقول بصوت أجش:
"لماح وبس؟"
لكم تهوى تلك النظرات الشغوفة التي تعدها بجنته، التي باتت إدمانها وترياق الحياة بعينيها.
"هو أنا قلتلك قبل كده إنك أجمل راجل شافته عيني!"
هالك لا محالة أمام امرأة تحوي فتنة العالم أجمع بعينيها، ونبيذ العشق بين شفتيها، ودفء العالم بين طيات ذراعيها.
"عايز أسمع كل اللي اتقال واللي متقالش."
همست بخفوت.
"طب ومشوار إسماعيلية؟"
"يتأجل!"
تدللت قائلة:
"والانتخابات؟"
تماوجت نظراته حتى دكنت، وهي تتوقف أمام ضفتي التوت خاصتها، ليقول بخفوت وهو يلامسهم بتمزز من فرط نعومتهما:
"تتأجل. كل حاجة في الدنيا تتأجل إلا انتِ..."
تغنجت قائلة بابتسامة مغوية:
"وهو ده المطلوب إثباته."
ما أن أنهت كلماته حتى اقتنص تلك الثمار الشهية من فوق شفتيها الناعمتين، وأخذ يتمزز بطعمهم الرائع، بينما يديه تعزفان بشغف فوق ساحة جسدها البض، وهي تبادله تأخذ وتعطي بنهم أفقده صوابه للحظات، قطعها شعور بالخوف تسلل إلى قلبه، الذي لا يزال يتذكر ليلتهم العاصفة وما تلاها من دمار، ليقطع قبلتهم وهو يحويها بضمة قوية، اتبعها قائلاً بخشونة أذابتها:
"خلتيني بين نارين يا فرح. أعمل فيكِ إيه؟"
همست بحنو:
"سلامتك يا قلب فرح."
رفع رأسه يناظرها بحنق وهو يزمجر معترضًا:
"وبعدين يعني؟"
تعلم أنها تلهو فوق أوتار صبره الذي لا ينفذ إلا معها، لذا ابتسمت قائلة بدلال:
"لأ بقولك إيه، هتتعصب عليا هزعل وأنا الزعل خطر عليا."
هتف بتذمر:
"والله أنتِ اللي خطر عليا."
ابتسمت بحب وهي تعانق يديه ليتوجها للأسفل، فإذا به يلاحظ الخروج العاصف لسليم من باب المنزل وسط صيحات مروان.
"أسلومه؟ أنت يا ابني؟"
لم يجبه سليم، فوجه حديثه إلى ريتال قائلاً باندهاش:
"ماله ده مابيردش ليه؟ يكونش عشان شعره طول شوية محدش مالي عينه؟"
ردت ريتال باستنكار:
"أو يمكن يكون مش فاضي أو متضايق مثلاً يا عمو!"
ناظرها مروان بسخط تجلى في نبرته حين قال:
"وأنتِ بقى عينوكي محامي عن كل اللي في البيت؟ أنتِ مالك أنتِ أصلاً؟"
"عامل دوشة ليه عالصبح؟"
كان هذا صوت سالم الفظ وهو يتدلى من أعلى الدرج وبجانبه فرح تتأبط ذراعه، فالتفت مروان يناظرهم وهو يقول بنبرة ساخطة خفيضة:
"شوف البت لازقة فيه إزاي؟ عاملة زي القُرادة بالظبط."
قالت ريتال بخفوت:
"وأنت مالك يا عمو مش مراته!"
"طب اسكتي. اسكتي."
انطلق ليقابل سالم عند أسفل الدرج وهو يقول بتهليل:
"الله أكبر؟ ده صباح الفل والورد والياسمين على الكبير بتاعنا."
قام بنزع يد فرح من يده وهو يقول بفظاظة:
"إيدك بس من هنا معلش."
تابع وهو ينظر إلى سالم بفخر تجلى بنبرته وهو يصيح:
"إيه يا ابني الحلاوة دي؟ والله أنت خسارة في البلد دي. تعالى أما أرقيك."
قال سالم بامتعاض:
"مروان، قصر."
قال مروان بصياح:
"والله أبداً لازم أرقيك. هو إحنا عندنا كام سالم الوزان؟ وبصراحة العين وحشة وخصوصاً الخضرة المدورة اللي لسه مستوتش دي."
كان يتحدث وهو ينظر إلى فرح التي كان الغيظ يأكلها من أفعاله الغير مبررة، ولكنها فضلت الصمت وإرسال سهام نظراتها المستفزة، ليتوجه الجميع إلى طاولة الإفطار. فتابع مروان حديثه قائلاً:
"إيه الشياكة والحلاوة دي بس؟ عليا النعمة برنس. حلوة البدلة دي."
خرجت الكلمات محملة بفخر يتخلله العشق الذي أطل من عينيه حين قال:
"ذوق فرح."
قال مروان بصراخ أجفلهم جميعاً:
"وحشة. الصراحة تقرف. عندك بدل أحلى. اتفضل غيرها."
قال سالم بحدة:
"نعم!"
تدخلت فرح تتغزل بسالم قاصدة إغاظة مروان:
"البدلة حلوة عشان أنت لابسها يا روحي. أنت اللي محليها أصلاً."
لا تفلح ريتال في قمع ضحكاتها، ثم قالت بتشفي:
"كده أنتي فرح واحد وعمو مروان صفر."
قال مروان بسخط:
"أيوه اضحكي عليه. اضحكي عليه."
قال سالم بفظاظة:
"أنا مش فاضي للعب العيال ده."
التفت موجهاً حديثه لفرح:
"فرح مش هوصيكِ. أنتِ عارفة هتعملي إيه؟"
قالت فرح بحنو مطمئن لقلبه:
"متقلقش يا حبيبي."
استنكر مروان ما يحدث قائلاً:
"إيه ده معلش؟ هو في أسرار بينكوا أنا معرفهاش؟"
قالت فرح بتشفي:
"طبعاً في. أومال هيبقى أسراره معاك أنت مثلاً!"
قال مروان بتهكم:
"طبعاً أسراره معايا."
قالت فرح بسخرية:
"كان زمان وجبر."
مشاكساتهم أضافت جوًا مرحًا للمكان، خاصةً وأن جميع الوجوه مغبرة إلا من سما التي كانت تبتسم على مشاكساته، فجاءها صوت همت الممتعض:
"بقى ده المعتوه اللي عايزة تكملي حياتك معاه؟!"
أجابتها سما بخفوت ولهجة تحمل من الحب الكثير:
"والله يا ماما ده عسل أوي."
"عسل أسود."
هكذا تحدثت همت بحنق ونبرة مرتفعة قليلاً، فجاءها صوت مروان الممتعض حين قال:
"هو أنتِ كل حاجة عندك سودا؟ حتى العسل! ده حزن إيه ده اللي حط عليك ده يا مروان؟"
قالت همت بحدة:
"بتقول حاجة يا مروان؟"
قال مروان بلهفة:
"لأ يا حبيبتي، ده أنا بقول إن اللون الأسود لون جميل. وميحبهوش غير العظماء. اللي زيك كدا!"
"آه أنا بحسب!"
قال مروان بتملق:
"لأ تحسبي إيه؟ هو أنا أقدر؟ ده أنتِ لو بتحبي الأسود أسخمطلك وشي هباب عشان خاطرك."
قالت همت بسخرية:
"لأ وعلى إيه؟ هو أنت ناقص تشويه في منظرك؟"
تعالت الضحكات، ومن بينهم ضحكات شيرين المجلجلة، وقهقهات كلًا من طارق وهمت المتشفية، وشاركتهم أيضاً ريتال، فناظرهم مروان بسخط وهو يقول:
"عجبتكوا أوي؟ والله ما فيكوا صاحب يتصاحب! ماليش غير البت جنة هي اللي حبيبتي."
طافت أنظاره على الطاولة ولم يجدها، فقال باستفهام:
"أومال هي فين؟ منزلتش ليه؟"
لم يُمهلهم الوقت للرد، بل قال بسخط موجهاً حديثه لفرح:
"ما تقومي تشوفي أختك بدل ما أنتِ لازقة فيه كدا!"
زجره سالم قائلاً:
"اظبط نفسك بدل ما أظبطك."
لا تعلم لما انتابها شعور قوي بالقلق على شقيقتها، لذا التفتت تناظره قائلة بهدوء:
"هقوم أطمن على جنة وأشوفها اتأخرت ليه؟"
قال سالم بصرامة:
"افطري الأول عشان تاخدي دواكِ. وبعد كده اعملي اللي أنتِ عايزاه."
أوشكت على الاعتراض، فاوقفتها نظرته الصارمة، فلجأت للصمت إلى أن انتهى وقت الإفطار، وتوجه سالم برفقة كلاً من مروان وطارق إلى غرفة المكتب، وتوجهت هي رأساً إلى غرفة جنة، التي كانت تجلس أمام المرآة ترتدي ثوب الاستحمام، وخصلاتها تتناثر منها قطرات المياه، كما تناثرت قطرات الألم من عينيها، التي كان احمرارها يوازي جمرات مشتعلة بنيران الجحيم التي أُلقيت به!
"الجميلة سرحانة في إيه كدا؟"
استفاقت من شرودها على كلمات فرح المداعبة، فحاولت محو معالم حزنها، قبل اغتصاب ابتسامة واهنة على ملامحها الشاحبة، وهي تقول:
"فرح، صباح الخير."
"صباح الورد والفل والياسمين. عاملة إيه النهارده؟"
هكذا استفهمت فرح بحنو، وقد شعرت بخطب ما في نظرات شقيقتها، ولكنها لم تفصح عن مكنوناتها.
"الحمد لله تمام. أنتِ عاملة إيه؟ منزلتيش الفطار ولا إيه؟"
"لأ نزلت وفطرت وخدت دوايا وجيت أشوفك منزلتيش تفطري ليه؟"
أجابتها وهي تعيد لملمة خصلاتها:
"لسه صاحية ويدوب خدت شاور وكنت هنزل."
هربت من أسر نظرات شقيقتها، متوجهة إلى داخل غرفة الملابس وهي تقول:
"ثواني هغير هدومي وأجي ننزل سوا."
استراحت فرح على الفراش خلفها، وهي تحاول نفض تلك الأحاسيس المخيفة التي تنتابها من حين لآخر، وتحاول قمع رغبتها بفتح ذلك الأمر الشائك مع شقيقتها، التي خرجت بعد وقت ليس بكثير مرتدية فستان قطني باللون الأزرق القاتم، وهو ليس من ضمن قائمة ألوانها المفضلة، لطالما كانت تحب الألوان المبهجة التي تشعرها بالحياة.
"مزاجك مش حلو ولا إيه؟"
هكذا استفهمت فرح، فغزى الاضطراب قلب جنة، التي لم تكن تريد الخوض في أي حديث قد يؤدي بها إلى انهيار آخر.
"لأ ليه بتقولي كدا؟"
قالت فرح بنبرة ذات مغزى:
"أصل اللون الكحلي مش أحسن حاجة بالنسبةالك؟"
ابتسمت جنة بمرارة خالطت نبرتها حين قالت:
"أنتِ لسه فاكرة يا فرح؟ خلاص بقت كل الألوان شبه بعضها."
خطت فرح إلى حيث تقف، وقامت بإمساك رسغها لتُديرها إليها وهي تقول بحنو:
"بتهربي من إيه يا جنة؟ وبتداري عيونك مني ليه؟"
بشق الأنفس استطاعت اغتصاب تلك البسمة، واستجداء بعضاً من ثباتها، وهي تقول:
"بهرب إيه بس؟ أنتِ مالك النهاردة؟"
"أنتِ اللي مالك يا جنة؟ عينيكِ فيها دموع كتير، على الرغم إن الحمار ده معناه إنك عيطتي كتير أوي. حصل إيه لكل ده؟"
هل تجرؤ على الحديث دون أن تصرخ حتى تهتز أرجاء هذا المكان؟ هل تستطيع احتمال ثقل كلماتها وذرف وجعها وقلة حيلتها أمام رغبتها العاتية في الانتقام ممن قام بتدمير حياتها؟
"مفيش حاجة يا فرح."
"أنا بس شديت مع سليم شوية."
باغتها استفهام فرح الصادم:
"بخصوص حازم؟"
امتقع لونها جراء استفهام فرح، التي تكهنت بما حدث، ولكنها لم تدرك مدى فداحته ولا تأثيره على جنة، التي استدارت تحاول انتزاع أنفاسها الغاضبة قبل أن تقول مغلولة:
"متجيبيش سيرة الحيوان ده قدامي."
"ينفع نقعد نتكلم شوية؟"
عاندت قائلة:
"مفيش كلام نقوله يا فرح."
قالت فرح بإصرار:
"لأ في يا جنة، وفي كتير لازم يتقال."
التفتت بحدة، اجفلت فرح، التي هالها حديث شقيقتها حين صرخت بحدة:
"مش عايز أتكلم عن الزفت ده. مش عايزة أسمع اسمه. ولا حاجة تفكرني بيه."
قالت فرح بتعقل:
"ياريت تكوني نسياه فعلاً يا جنة، وقتها مش هيكون في كلام يتقال فعلاً."
قالت جنة بسخرية مريرة:
"هو النسيان سهل أوي كدا؟"
قالت فرح بهدوء:
"لأ. بالعكس ده صعب. بس مش مستحيل. دي نعمة ربنا أنعم علينا بيها عشان بيحبنا."
قالت جنة بانكسار:
"واللي مش عارف ينسى يبقى ربنا مابيحبوش!"
اقتربت فرح خطوتين تحاول احتواء ذلك الألم الهائل الذي يقطر من عيني شقيقتها.
"لأ طبعاً. ربنا نِعَم كتيرة علينا يا جنة. وبقى وحشين لو معترفناش بنِعَم ربنا علينا. عشان وقتها ربنا هيغضب علينا."
تاهت الأحرف من شفتيها، واحتارت كيف تصيغ معاناتها، فدارت رأسها إلى الجهة الأخرى بيأس، احتضنته كفوف فرح الحانية التي حوت وجهها، لتُديرها إليها وهي تقول:
"رامية نفسك في بحور نار ومستنية منها تعوم يا جنة!"
استنكرت بقهر:
"أنا اللي رميت نفسي يا فرح؟"
قالت فرح بتصحيح:
"ربنا اختبرك يا جنة. ولما صبرتي كافئك. يبقى تيجي تعترضي وتسيبى نفسك للشيطان يشوه كل الحلو اللي حواليكِ؟"
اندفعت بلهفة:
"لأ طبعاً أنا والله بحمد ربنا كتير على كل حاجة حصلتلي خير أو شر. حتى مرضي أنا راضية بيه وبكل اللي يجيني منه. بس..."
صمتت لثوانٍ غير قادرة على سرد ما بجوفها من أوجاع، ثم قالت بلهجة محشوة بالألم:
"مش قادرة أتخيل إنه ممكن يعيش ويت هنى بحياته بعد كل اللي عمله فيا وفي غيري؟ مش قادرة أتخيل إنه ممكن يشوف ابني عادي كدا ويقوله يا بابا؟ مش قادرة أتقبل فكرة إن نفسه يكون موجود في مكان أنا فيه."
قالت جملتها الأخيرة بصراخ ارتج له قلب فرح، التي احتوتها بعناق قوي، لعلها تقذف بعض الطمأنينة في قلبها، قبل أن تقول بحنو:
"اهدي يا حبيبتي. مفيش حاجة من دي هتحصل."
انتزعت نفسها من بين أحضان فرح وهي تقول بحنق من بين الدمع المتدفق بغزارة من مقلتيها:
"لأ هيحصل يا فرح وتشوفي. أنتِ مفكراهم هيعملوا إيه؟ ده أخوهم. آخرهم هيبهدلوه شوية وخلاص. عمرهم ما يقدروا يأذوه ولا يعاقبوه العقاب اللي يستحقه."
قالت فرح باستفهام:
"وإيه العقاب اللي يستحقه في نظرك؟"
صرخت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر:
"الموووت!"
هالها مظهر شقيقتها ومدى القهر والحقد الذي يتساقط من بين كلماتها، وتبرزه نظراتها بقوة، فحاولت امتصاص وجعها قدر الإمكان، حين قالت:
"وهو النفي مش موت يا جنة؟ في طرق كتير للموت. غير اللي في دماغك. وعلى فكرة أنا اللي بأكدلك إن حازم مش هيرجع البيت ده تاني. ولا هيعيش فيه زي أي حد هنا."
صرخت بقهر:
"وإيه اللي يضمن كلامك ده؟"
قالت فرح بقوة:
"أنا يا جنة أضمنهولك. أنا مبقولش كلام وخلاص. أنا عارفة بقولك إيه."
قالت جنة بسخرية:
"طبعاً سالم قالك كده عشان يثبتك!"
قالت فرح بحدة أخرستها:
"جنة. بلاش تغلطي عشان مترجعيش تندمي. سالم مش عيل صغير ولا عمره هيقولي كده. بس أنا عارفة جوزي كويس. سالم راجل وراجل عارف ربنا ومنصف. ومستحيل يضيع حق حد. وأنتِ بالنسباله مش حد."
استمهلت نفسها لثوانٍ قبل أن تضيف:
"أنتِ مرات أخوه وأنتِ عارفة سليم بالنسباله إيه؟ وبنت اتظلمت وأنتِ شفتي بعينيك عمل إيه عشانك قبل أي حاجة. وفي المقام الأول أنتِ أختي وبنتي، وهو عارف إن أي حاجة تمسني تمسه."
أعادت كلمات فرح بعض النور إلى ظلمة قلبها، ولكن أبت شياطين الجحيم الصمت، فإذا بها تقول جفاء:
"وتفتكري يا فرح لو خيروه سالم بينك وبين حازم بكل أخطاءه هيختار مين فيكوا؟"
إلى هنا وفطنت فرح إن هناك أشياء خفية تحدث مع شقيقتها لتجعلها تصل إلى كل المنعطفات الخطرة، ولكنها أجابتها ببراعة:
"ومين قالك إني ممكن أحط نفسي في مقارنة زي دي؟"
صمتت لثوانٍ قبل أن يصل إلى عقلها هاجس خطير جعل وميض الغضب يتراقص في مقلتيها، فجاءت نبرتها قوية حين قالت:
"اللي سالم وسليم فيه ده ابتلاء ربنا يكفينا شره. أنا دُقت ناره لما عرفت في المستشفى إنك مدام مش آنسة يوم الحادث. وعارفة قد إيه طعمه مُر. وبشفق عليهم منه."
حاولت مقاطعتها، فاوقفتها يد فرح الحازمة، وكذلك كلماتها حين قالت بجفاء:
"وبعدين لما أبقى عارفة نقطة ضعف جوزي وأدوس عليه أبقى أنا كدا ظالمة. وربنا ميرضاش بالظلم يا جنة."
قالت جنة بقهر:
"واللي حصل معايا يا فرح مش ظُلم!"
قالت فرح بقوة:
"ظُلم. يتحاسب عليه اللي اتسبب فيه. مش ناس ملهاش ذنب! ناس وقفت جنبنا واحتوتنا وطبطبت على وجعنا. ناس ربنا بعتها لينا عشان يقولنا إن بعد الصبر جبر. وبعد الظلمة نور."
كانت تعلم أن الحديث لا يدور حول سالم من الأساس، وقد تكالبت عليها أوجاعها للحد الذي جعلها تتراجع لتسقط فوق السرير بتعب تجلى في زفرة حادة مزقت جوفها، كما فعلت كلماتها حين قالت:
"أنا وجعته أوي يا فرح. قولت كلام صعب مكنتش أتخيل أقوله. ضغطت على نقطة ضعفه بكل قوتي. أنا حسيت عينيه بتترجاني أسكت ومسكتش."
تناثر الألم من مقلتيها حد التدافع، لتتحول موجة بكائها إلى نحيب، فعلا صوتها وهي تقول من بين عويلها:
"أنا دوست على نقطة ضعفه بكل قوتي. مرحمتهوش. ولا رحمت قلبي اللي كان بيترجاني أجري أترمى في حضنه."
لن ينج الغريق ما لم يجد تلك القشة التي تنقذه، والتي تمثلت في عناق فرح القوي، وهي تحاول تهدئة جنة التي تنتفض حزناً وقهرًا، تساقط من بين حروفها وهي تضيف:
"غصب عني يا فرح. جوايا نار قايدة. كل ما أتخيل السنين تمر ويجمعني بيه أو بابني مكان أحس بنار جوايا. مقدرش يشاركني في ابني بعد ما كان عايز يقتله وهو في بطني. مقدرش أحس إن سليم بيحبه أو شايله أي مشاعر جواه."
حاولت فرح تهدئتها قائلة:
"اهدي يا جنة وبطلي عياط. كل حاجة هتتحل واللي بتفكري فيه ده مش هيحصل."
صاحت بقهر:
"ده كلب يا فرح. ميستاهلش يعيش. أنا بكرهه. بكرهه. ربنا يحرق قلبه زي ما حرق حياتي وحولها لجحيم. يارب يدوق كل وجع اتوجعته وكل قهرة اتقهرتها."
كانت كلماتها أسهم نارية تخرج من عمق قلب أصبح الجحيم مسكنه، فأخذت فرح تربت على ظهرها بلطف وهي تقول بلوعة:
"اصبري واحتسبي يا جنة. كله عند ربنا واللي عند ربنا مبيروحش صدقيني."
رددت جنة بأسى:
"حسبي الله ونعم الوكيل."
"الصفقة دي هنسبها لمعتز الهلالي."
هكذا تحدث سالم، فهب مروان معارضاً:
"بتقول إيه يا كبير؟ ليه نسبهالهم؟"
شاطره اعتراضه طارق ولكن على طريقته:
"متتقولش إن دي قصاد موضوع الانتخابات عشان إحنا مش محتاجين نعمل ده!"
قال سالم بفظاظة:
"إحنا فعلاً مش مضطرين نعمل ده. بس فيه حاجة اسمها ذكاء في التعامل مع الناس."
صمت لثوانٍ قبل أن يقوم بفك شيفرات حديثه:
"تقدر تقولي الصفقة دي هتجبلنا كام؟ ولا الفلوس اللي هتيجي منها هتغنينا؟"
قال طارق بتفكير:
"يعني. بس الموضوع مش موضوع فلوس."
قال سالم بجفاء:
"كويس إنك قلت كده. الناس دي مش محتاجة الصفقة دي ولا إحنا محتاجينها. بس محتاجين نكسب بعض أو على الأقل منبقاش أعداء."
قال مروان بتفكير:
"هو أنا حاسس إني فاهمك بس مش مترجم."
قال سالم بفظاظة:
"إحنا دخلنا الانتخابات من غير ما تقول لحد ودي كانت في ملعبهم، والناس طلعوا محترمين وولاد أصول. يبقى لما هما يجوا يدخلوا المناقصة دي قدامنا نطلع إحنا برضه زيهم ولاد أصول ونسبهالهم و نبقى كده كسبنا بدل الفلوس عيلة زي الهلالية لو مش هنحتاجهم هنأمن مكرهم."
قال مروان بتهليل:
"اللهم صلي على النبي. دماغ ألماس عليا النعمة. أنا موافق على الموضوع ده."
قال طارق بسخرية:
"على أساس إنك بتفهم أوي؟"
تجاهل مروان كلماته وأردف بسخرية:
"ويا حبذا بقى لو وطدنا علاقتنا معاهم بالنسب. في عندهم حتة بت عبيطة وبكدش كده كنت بشوفها بتجري ورا عربية الرش. ممكن نجوزها لطارق."
ألم يفلح سالم في قمع ضحكاته من حديث مروان، أما عن طارق، فلون السخط عالمه وتجلى في نبرته حين قال:
"وأنت متتجوزهاش أنت ليه؟"
قال مروان بشماتة لم يخفيها:
"لأ يا غالي أنا متجوز. الدور والباقي عليك سنجل بائس. ولا أقول هيمان في بحر العشق المالح لما جتك هتنشف إن شاء الله."
تراقصت أبخرة الغضب أمام عيني طارق، ولكن فجأة لمع عقله بفكرة رائعة جعلته يلتفت إلى سالم قائلاً باندفاع:
"بقولك إيه يا سالم أنا قررت أتزوج!"
لم تتغير معالم سالم، بل تشابهت مع جمود لهجته حين قال:
"وإيه كمان؟"
قال طارق بجدية:
"مابهزرش. أنا فعلاً عايز أتزوج."
قال سالم بفظاظة:
"فين الهزار في كلامي؟ مش مفروض كلامك له تكملة؟ ولا عايز أتزوج وأقطم عار كدا."
تحمحم طارق بخفوت، قبل أن يقول بخشونة:
"آه طبعاً له تكملة. أنا عايز أتزوج شيرين."
تدخل مروان بسخرية:
"شيرين عبد الوهاب؟ لأ رجعت لحسام حبيب معلش. خدلك لفة وارجع تاني تكون خلعته ولا حاجة."
قال طارق بحدة:
"اتلم يا ده بدل ما ألخبطلك معالم وشك."
قال مروان ببراءة:
"يا ابني مش بعرفك. أومال أسيبك على عماك."
قال طارق بسخط:
"عمايا إيه يا متخلف أنت؟ عايز أتزوج شيرين بنت عمتك."
قال مروان بتحسر:
"لأ أنت أكرملك تستنى لما شيرين تخلع حسام عشان عمتك قافلة على بناتها زي الكماشة ومش هتطول صباع من واحدة فيهم."
صمت لثوانٍ قبل أن يندفع في الحديث دون أن يعي ما يقوله:
"وكمان أنا ضارب بينكوا إسفين ميخرش المية يعني استحالة هتبص في خلقتك تاني."
زمجر طارق بشراسة:
"ما أنت عشان حيوان ولسانك عايز قطعه."
أوشك مروان على الحديث، فتدخل سالم قائلاً بصرامة:
"بطل هري يا مروان. ركز معايا يا طارق. شيرين موافقة على اللي أنت بتقوله ده؟"
أجاب مروان بدلاً عنه:
"ولا عارفة ولا عايزة تعرف شكله أصلاً."
زفر طارق بحدة، قبل أن يقول بغلظة:
"متعرفش. لسه مفاتحتهاش."
قال سالم بحزم ليُنهي النقاش في الأمر:
"يبقى تأجل الكلام في الموضوع ده لحد ما تعرف رأيها. وبالمناسبة خليك حذر في التعامل معاها عشان هتلاقيني في وشك."
لم يعجبه الحديث، فزمجر غاضباً:
"سالم أنت كده بتقطع عليا كل الطرق."
قال سالم بغلظة:
"لأ بختصرها لك في طريق واحد مفيش غيره وأنت مُجبر تلتزم بيه."
زفر بحنق، فهو يعلم بأنه مُحق في حديثه، ولكن ما حيلته أمام كل تلك العوائق التي تضعها في طريقه!
"طب أنا أتحمل إزاي تكوني قدامي كده من غير ما أحضنك كل شوية؟"
هكذا تحدث ياسين وهو يحويها بنظراته العاشقة، فتململت في مقعدها بجانبه في السيارة وهي تقول بتذمر:
"ياسين عشان خاطري. نفسي أعمل ليا أصحاب بجد. أنا هنا لوحدي خالص."
قال ياسين بلوم:
"لوحدك! وأنا مش مالي عينك ولا حاجة؟"
اقتربت تلامس وجنته بدلال تجلى في نبرتها حين قالت هامسة:
"ياسينو يا حبيبي أنت مالي عيني وقلبي. ومفيش حد يتقارن بيك أصلاً."
ارتج قلبه لحديثها ودلالها، ولكنه استنكر ذلك اللقب الذي أطلقته عليه، لذا قال بتبرم:
"شوفي مش أنا كنت معترض إنك تعملي نفسك متعرفينيش. بعد ياسينو دي إياكِ تقولي لحد إنك مراتي. هتفضحنا في البلد. قال ياسينو قال."
تعالت قهقهاتها من حديثه وقالت بمزاح:
"ليه هو ياسينو وحش؟"
قال ياسين بتهكم:
"وحش! طب جربي تقولي ياسينو دي قدام جدي احتمال يجيله ذبحة صدرية لو سمعها. يلا قدامي."
تدلى من السيارة وهي بجانبه على اتفاق بأن يفترقا على مشارف بوابات الجامعة، فتركها على مضض بعد إلحاح كبير منها، فزفر بحنق تجلى في نبرته حين قال:
"أنتِ غير منطقية وأنا موافق بس عشان مزعلكيش، بس الوضع ده مش هيستمر كتير. اعملي حسابك."
قالت حلا بلهفة:
"حاضر. والله أوعدك."
لم تفلح لهفتها ولا لهجتها الرقيقة من التخفيف من غضبه، ولكنه تركها على مضض بعد أن شدد عليها قائلاً:
"متخرجيش من الجامعة غير لما أكلمك أقولك إني مستنيكِ بره. اتفقنا ولا لأ؟"
"حاضر اتفقنا."
واصل تنبيهاته إذ قال آمراً:
"ومفيش أي اختلاط بأي شباب. اللي ييجي يقولك نتعرف، أخرمي عينه وناديني أخرم العين التانية. سامعة؟"
قالت حلا بلهفة:
"حاضر سامعة. والله سامعة."
قال ياسين بوقاحة:
"طب فرصة وأنتِ مسالمة كدا ما تجيبي بوسة."
شهقت من وقاحته وقالت تؤنبه:
"ياسين. أنت اتجننت؟ إحنا في الشارع!"
قال ياسين بامتعاض:
"مانا معذور بردو. مسمعتش منك حاضر دي من يوم ما اتجوزتك. جاية تقوليها في نص الشارع! يلا ياختي."
قالت حلا بيأس من أفعاله:
"مجنون والله مجنون."
"جهزت العربية؟"
صحح مروان جملة سالم قائلاً:
"جهزت العربيات! إحنا مش هنروح معاك يا كبير ولا إيه؟"
قال سالم بملل:
"هتروحوا معايا تعملوا إيه يا مروان؟ هجيب الحاجة وأجي على هنا. مش مستاهلة زحمة في الفاضي."
قال مروان باستنكار:
"إيه زحمة في الفاضي! ليه هي أي حد؟ دي الحاجة أمينة على سن ورمح. قليل لو ما جبنالها زفة من المستشفى لحد هنا."
تدخل طارق بسخط:
"أنت متخلف يا ابني؟"
قال مروان بنفاذ صبر:
"ده تقدير يا جاهل. روح اجري شوف شادية الهبلة بتسأل عليك... قصدي شادية الهلالي."
"اللهم طولك يا روح."
لم يكن ينتبه لحديثهم، فكانت عيناه تراقب فرح، التي كانت ملامحها لا تُفسر وتتنافى مع بريقها قبل الصعود لرؤية جنة، وها هي قد بدأت إحدى الأزمات المؤجلة في الصعود على السطح.
زفر بقوة قبل أن يرسل إليها غمزة فحواها ماذا يحدث، فتلقت إيماءة من رأسها بمعنى لا مجال للحديث، فزفر بتعب قبل أن يقول بجفاء:
"سليم زمانه سبقني على المستشفى هحصله على هناك وأنتم استنونا هنا."
قال مروان بصياح:
"طب والزفة؟ ده أنا كنت ناوي أجيب مزمار!"
صاح طارق بنفاذ صبر:
"أنت واثق في الحيوان ده إزاي يمسكلك الحملة الانتخابية بتاعتك؟"
قال سالم بجفاء:
"والله أنا خايف ألاقيه بيلف بحمار في البلد وبيقولهم انتخبوا سالم الوزان!"
"فيك إيه يا سليم؟ عينيك مطفية ليه؟"
هكذا استفهمت أمينة بهدوء وهي ترى ذلك الظلام الذي يُغلف نظراته ويعكس ذلك الحزن الدفين بأعماق قلبه، والذي تجاهله وهو يقول بمزاح:
"الحاجة أمينة بتفوق عليا ولا إيه؟ مالها عينيا؟"
اكتفت بكلمة واحدة تحوي الكثير بداخلها:
"مبتلمعش."
مع كل هذا الألم الذي تستشعره روحه، هل يمكن لعينيه ألا تنطفئ!
"قرب مني يا سليم."
هكذا تحدثت قبل أن تُتيح له الفرصة للحديث، فتقدم منها بخطى وئيدة، وكأنه يحارب الانهزام، بين ذراعي والدته التي احتوت كفوفه بين يديها وهي تقول بحنو:
"طول عمرك حقاني يا سليم، واللي بيختار طريق الحق لازم يتعب."
احتار من مغزى كلماتها، فتبلورت حيرته، فر نظراته، فانتزعته من بئر هواجسه قائلة:
"أنا عارفة كل حاجة مخبيها في قلبك يا سليم. وحاسة بالنار اللي جواك."
لا يقوى على الهرب، ولا يستطيع إطلاق العنان لكلماته، شفقة ورأفة بحال تلك الأم المكلومة، والتي لا تفلح في أخفاء وجعها عن أعينهم، وحتى لو أخفته جسدها لا يتحمله.
"نار إيه يا أمي! مفيش أي حاجة من اللي بتقوليه ده. أنا بس قلقان بسبب إن جلسة علاج جنة قربت، وأنتِ عارفة هي بتتعب قد إيه فيها."
تأثر قلبها بمحاولته للهرب من هذا الحديث الشائك، رأفة بها، ولكن لم يكن هناك مفر من المواجهة، لذا قالت بهدوء:
"اللي تاعب جنة مش جلساتها. سبب تعب جنة كلنا عارفينه. عشان كده بقولك اللي بيختار طريق الحق بيتعب."
إلى هنا لم يعد يستطيع التحمل، فصاح كنمر جريح:
"والحل؟ هفضل أتعب لحد إمتى؟ هفضل أشيل ذنب مش ذنبي لحد إمتى؟"
قالت أمينة بأسى:
"ده ابتلاء يا ابني، ومنملكش إلا الصبر عليه."
"صابر. صابر وبقول يارب. ومش معترض. بس مش قادر أعمل حاجة. حاسس إني متكتف. حاسس إني عاجز يا أمي قصاد وجعها ووجعي وواجبي تجاه عيلتي."
صمت لثوانٍ قبل أن يقول بقهر لم يفلح في إخفائه:
"أنا مش مطفي وبس. أنا بموت بالبطيء."
كان الألم أبلغ من أن تعبر عنه، لذا اختارت تجاوزه، وبشق الأنفس استطاعت إخراج حديثها بتلك النبرة القوية:
"وليه تسمح لنفسك إنها توصل بيك لكده؟"
"ومطلوب مني أعمل إيه؟"
"تصبر. وتدي لنفسك وليها وقت تستوعبوا اللي حصل. و خليك عارف ومتأكد إن جنة اللي هي فيه ده شيء عابر جاي نتيجة صدمتها."
قال سليم بغضب مُروع:
"اشمعنى دلوقتي؟ ليه ساكتة كل ده؟"
قالت أمينة بتفكير:
"يمكن كانت بتقاوم؟"
صمتت لثوانٍ قبل أن تضيف بغموض:
"أو يمكن يكون حصل حاجة حركت النار اللي جواها دي وخلتها تشعلل تاني!"
توقف سليم لبرهة يزن كلمات والدته، والتي جعلت حوافر القلق تنشب مخالبها في عقله، ولكنه تداركها وقال باستفهام:
"هي جنة كلمتك؟ يعني أقصد بتتكلمي بناءً على إيه؟"
قالت أمينة بصدق:
"مش محتاجة إن جنة تكلمني يا سليم. بس أنا كنت متوقعة إن رد فعلها هيظهر في أي وقت. ولما شوفتك النهاردة عرفت إنها بدأت تعبر عن اللي جواها."
زفر بيأس تجلى في نبرته حين قال:
"والحل يا أمي؟"
قالت أمينة بتعقل يُنافي لوعتها من الداخل:
"بالهداوة يا سليم. كل شيء بييجي بالهداوة. وأنت بتحبها وهي روحها فيك، يبقى نصبر على بعض، وأوعى تسمع لكلامها، هي أصلاً مش عارفة بتقول إيه؟ متأخدش كل حاجة على قلبك. طاطي للريح يا سليم. ده مش ضعف منك، بالعكس ده ذكاء. عدي بحياتك لبر الأمان معاها وصدقني مش هتندم."
لا يعلم كيف يجيبها، حتى أنه لأول مرة بحياته يتمنى الهرب. الهرب من كل ذلك الشعور المقيت الذي يتآمر على روحه فيُمزقها إلى أشلاء.
كانت السماء صافية مزينة بنجومها المتلألئة، التي تحاكي في روعتها عينيها الجميلة، وخصلاتها السوداء كليل طويل حالك السواد، الذي كانت ترى به مستقبلها، على الرغم من أنها تحيا في كنف والداها الحقيقيين، ولكن هناك الكثير من التخبطات بداخلها تجعلها فريسة للكآبة المضنية، التي تحجب عنها رؤية كل ما يحيط بها من جمال. وفجأة أطلت صورته من قرص القمر، الذي يتوسط السماء الآن، فأخذت تتذكر ما حدث منذ يومين حين كان مع والدها بمكتبه.
عودة لوقت سابق
"انت بتقول إيه يا صفوت بيه؟"
قال صفوت بجمود:
"اللي سمعته يا عمار."
هب عمار من مكانه وهو يقول بغضب:
"ده أنت قاصد اللي بتقوله! بقى أنا عمار عمران حفيد الحاج عبد الحميد عمران أشتغل حداكوا في بيت الحمير!"
صحح صفوت كلماته بهدوء مثير للأعصاب:
"اسمه اسطبل خيل."
قال عمار بصراخ:
"وهي تفرق!"
قال صفوت بتحذير:
"صوتك يا عمار! وبعدين ماهي بنت الوزان وأنت شغلتها في الزريبة عندكوا!"
قال عمار بحدة:
"مكنتش لسه بنت الوزان، ولا كنت حبيتها. وبعدين أنت لو مفكر إنك كده بتنجم مني فلاه. مش هيحصل. وخليني أفكرك إن لولاي مكنتش عرفت إنها بنتك من الأساس."
كانت محاولة جيدة منه بتذكيره بأن له اليد العليا في اكتشاف هذا السر، ولكنه أبى الاعتراف بذلك وقال بجفاء:
"صح أنت عندك حق. بس أنا بقى حر في شروطي للي هيتجوز بنتي. لازم أتأكد إنه شاريها."
تبدلت نظراته إلى أخرى غامضة، وهو يقول بتحذير:
"يعني ده آخر كلام عندك؟"
قال صفوت باختصار:
"أيوا."
صاح عمار بزئير أرعد الجميع:
"يبقى متلومش غير نفسك."
قال صفوت بحدة:
"أنت بتهددني؟"
قال عمار مصححاً:
"لأ بعرفك."
قال صفوت بسخرية:
"بتعرفني إيه إن شاء الله؟ ناوي تعمل إيه؟"
"هخطفها. إني هخطفها."
لم يُمهله الوقت للحديث، بل اندفع للخارج أمامهم جميعاً وهو يصيح كالثور:
"بصي يا بت الحلال إني دخلت البيت من بابه والباب اتجفل في وشي. أنا كده عداني العيب يا وزانين. عداني العيب يا سالم يا وزان. لما أبقى أخطفها ميبقاش حد يلومني."
كان سالم يقمع ضحكاته بصعوبة على مظهر عمار وكلماته، وقد فطن إلى أن صفوت قد أثقل العيار قليلاً، لذا قال بتسلية:
"وماله يا عمار؟ وأنت برضه متلومناش على رد فعلنا."
كلماته كانت وقوداً لنيران عمار الهوجاء، فصاح الأخير بجنون:
"وماله وخليها حرب على الكل. ومبجاش عمار عمران إن ما خدتك يا نجمة من خشم السبع."
داخلياً تراقص قلبها فرحاً إثر كلماته التي توحي بمدى عشقه لها، ولكنها شعرت بالخجل يغمرها وهي ترى نظراتهم المستمتعة بما يحدث حولهم، فصاحت بتلعثم:
"إيه الحديت الماسخ ده؟ خشم إيه وسبع إيه؟ فاكرني قطة ولا إيه؟"
قال عمار باستنكار:
"قطة فرخة ولا حتى بجرة هتجوزك يعني هتجوزك."
اغتاظت من تشبيهاته النكراء، فهتفت باستنكار:
"بجرة! بيجول إيه البغل ده؟"
همست فرح بجانب أذن سالم:
"سالم أنا هولد قبل أواني مش قادرة أمسك نفسي هموت من الضحك."
قال سالم محذراً:
"اظبطي نفسك وإياكِ تضحكي."
جاءهم صوت صفوت من الخارج، والذي بدا مستمتعاً بمظهر عمار الأقرب للجنون:
"بقرة؟ أهي عشان بقرة دي في اختبار تاني لازم تمر بيه، أومال تقول على بنتي بقرة وأسكتلك!"
قال عمار بسخرية:
"اختبار تاني؟ آه وماله! والمرّة دي إيه بقى يكونش عايزني أوكلك الطير ولا حاجة؟"
قال صفوت بتسلية:
"لأ الطيور دي أنت هتجيبها جاهزة عالطبخ على طول مش فاضيين نربي."
"كَمَان! وإيه بقى الاختبار اللي أنا أساساً مش ناوي أعمله ده!"
قال صفوت بهدوء مستفز، قاصداً تذكيره بمعاناتها السابقة بسببه:
"عايز ابني أوضتين ورا البيت نربي فيهم معزتين، وبصراحة مستخسر أجيب بني وانت موجود. إيه رأيك تيجي تبدأ فيهم من بكرة؟"
تذكر حين كانت تعمل في البناء بعد ذلك الاتهام المروع الذي قذفها به، لذلك تجاهل ما يحدث واقترب من صفوت قائلاً بتصميم ونبرة جافة:
"أنا واعي للي بتعمله زين. بس أكده أنت مش بتاخد تارك ولا بتعوض بنتك على اللي حصل. فكر في كلامي زين واعرف إن مبسبش حاجة رايدها لو على جثتي."
التفت يُناظرها بعشق يتنافى مع لهجته القوية حين قال:
"وأني رايدها."
عودة للوقت الحالي
كلما تذكرت تلك الكلمة، يرتج قلبها تأثراً بها، ويضرب بتحذيرات عقلها عرض الحائط، فتجد نفسها أمام حقيقة قوية لا غبار عليها، أنها واقعة بعشقه لحد النخاع.
كانت تستند على الحاجز الحديدي لشرفة الغرفة، تعطي ظهرها للخلف، وفجأة شعرت بشيء مدبب يخترق جسدها من الخلف ووووو
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري
تجمد جسدها لثوانٍ وهي تشعر بشيء حاد يكاد يخترق جسدها من الخلف، اتبعه تلك الأنفاس الحارة خلف عنقها، وذلك الهسيس الخشن بجانب أذنها.
"جولتك هخطفك، مصدقتنيش، واني چاي انفذ وعدي."
خيط من السكينة بدأ يتسلل إلى داخل قلبها الذي استشعر نبرة قاطعة، والذي جعل نبضاته تتضاعف، ولكن ليس ذعرًا بل شوقًا.
تمالكت نفسها والتفتت تناظره بقوة توازي قوة دقاتها الهادرة.
"ايه اللي بتعمله دا؟ انت اتچنيت ولا إيه؟"
برؤيتها اكتملت صورة البدر في عينيه، التي وقعت أسيرة لحُسنها في ذلك الرداء القطني الطويل، والذي يُعانق منحنياتها بدلال، ويُبرزها على استحياء، يُناقض مجون خصلاتها التي كانت تتماوج بإغواء حولها، لتعطيها هالة من الجمال الذي ضاعفته قطع الشيكولاتة الذائبة في مُقلتيها، بتلك السياج الكثيفة من الرموش، التي حين ترفرف بها وكأنها تعبث بدقات قلبه، الذي تضاعف هيامه بها، خاصةً وأن ذلك الغضب روى خديها بدماء الخجل، فنبت محصول التفاح الشهي، وتناثرت ثماره بين وجنتيها وشفتيها، التي كان إغواؤها مُهلِك بل فاتِك للحد الذي جعله يقول دون وعي.
"يابوووي، هو في حلاوة أكده!"
تبدّل غضبها الحارق إلى خجل غامر، جعلها تدير رأسها للجهة الأخرى وهي تقول بتلعثم.
"ايه... ايه اللي هتعمله ده؟ هتفرچ علينا الناس؟"
«عمار» بنبرة مُشبعة بالشغف.
"يتفرّجوا، عشان يعرفوا إن أبوكِ راجل ظالم عايز يحرمني منك."
كلماته كانت تلهو بدقات قلبها، الذي لم يتجاوز صدمته بعد، ناهيك عن وطأة حضوره الطاغي، لذا أخذت تحاول استرداد أنفاسها الهاربة، قبل أن تقول بارتباك.
"بطّل حدَيتك الماسخ ده، وامشي، بلاش فضايح."
شهقة خافتة شقت جوفها حين سمعت تلك الدبة القوية، والتي توحي بأنه تخطى سياج الشرفة ليصبح خلفها مُباشرةً، فانحبست الأنفاس، يصدرها وأغمضت عينيها، تحاول استدعاء جزء من ثباتها المفقود، لتأتي كلماته وتضرب بكل مُحاولاته عرض الحائط.
"العاشِج لا عليه لوم ولا عتب."
امتدت يديه تلامس رسغها، يُديرها إليه، ليبتهج قلبه وتقر عينيه بمطالعة حُسنها البهي، فخرجت كلماته شغوفة، مُحملة بأطنان من العشق.
"واني عاشِج، ومقدرش أقف جِدام جلبي اللي مُنى عينه يلمح طيفك."
يُغويها بعشق كان المستحيل أقرب إليها منه، ويُلبي رغبات قلبها، الذي تشققت تُربته من فرط ما عانته سابقًا، لا تستطيع ألا ترى كيف يهيم بها؟ ولكن هل يُمكن لكل ذلك أن يُكمم صرخات كرامتها التي نال منها ذات يوم؟ وهل يُداوي تصدعات كبريائها الذي دُهِس جورًا تحت وطأة تجبره؟
"ليه ما عايزاش تصدجيني؟ إني رايدك يا نجمة و…"
قاطعته حين قالت بجفاء.
"مين جالك إني عِندي شك إنك رايدني؟"
تهللت أساريره من كلماتها، فقال بلهفة.
"طب اومال إيه؟ ليه مبتوفيش چاري؟ أوّعي تجولي إنك معتحبنيش؟ إني شايف العشج في عنيكِ، مهتعرفيش تداريه."
تجاهلت ضجيج قلبها، وذلك الصخب الذي يسيطر على مشاعرها، وقالت بجفاء.
"وإيه كَمان؟ شايف إيه تاني في عينيا غير العشج؟"
أطلق تنهيدة قوية، يُصاحبها ألسنة الندم المُشتعلة، التي كان منبعها قلبه، فجاءت كلماته محرورة حين قال.
"شايف عتب كبير جوي، وزعل إني مجدرش عليه. جوليلي أعمل إيه وأنا هعمله لجل ما تسامحيني."
أبت أن تنصاع خلف إغوائه وتوسلات قلبها بالصفح، فأدارت وجهها للجهة الأخرى، فاجأها صوته الخشن، ليزعزع الباقي من ثباتها.
"إني موافِق أنفذ شروط أبوكي، لو ده هيخليكِ تسامحيني."
صدمها حديثه للحد الذي جعلها تلتفت تناظره بصدمة، جعلت ابتسامة رائعة ترتسم على ملامحه، وتضيء عينيه التي أسرتها في تلك اللحظة، فقالت دون وعي.
"عتجول إيه؟"
«عمار» بتمهل دغدغ أوتار قلبها.
"بجولك هنفذ شروط أبوكي، لو دا هيخليكِ تسامحيني."
«نجمة» بارتباك.
"وهتجبل إنك... يعني... أقصد... طب والناس... وشكلك جدامهم؟"
«عمار» بثبات وعينيه تعانق خاصتها بشغف.
"مش جولتلك جبل أكده، العاشِج لا عليه لوم ولا عتب."
ارتج قلبها حتى أوشك على تحطيم ضلوعها من فرط ثورته وتأثره بذلك العشق الذي يقطر من بين كلماته، ولكنها انتزعت آخر ذرة ثبات تملكها حين قالت.
"طب... طب وجَدّك؟"
«عمار» بقوة.
"ميهمنيش حد واصل."
كان ما يحدث أكثر من مُرهِق، لذا آثرت الهرب، حين قالت.
"طب يالا، امشي دلوجت، حد يشوفنا تبجى كارثة."
بعد أن وصل لتلك المرحلة معها، لن يعود لنقطة الصفر مرة أخرى، لذا عاند بحدة.
"مش همشي غير لما تجوليلي إنك موافقة."
«نجمة» بتلعثم.
"موافقة... موافقة على إيه يا مجنون انت!"
ضيق عينيه بمكر، قبل أن يقول بنفاذ صبر.
"بجولك إيه، أنا هخطفك وأحطك أنتِ وأبوكي جدام الأمر الواقع وأريح راسي."
قال جملته وهو يتوجه إليها في محاولة منه لإخافتها، وقد نجح في ذلك، فقد تراجعت للخلف بذعر تجلى في نبرتها حين قالت.
"وجف يا مجنون تخطف مين؟ هتودي روحك في داهية."
لمع وميض العشق في عينيه، وهو يقول بخشونة.
"خايفة عليا؟"
أجابته باندفاع تنفي عن نفسها تهمة العشق الذي يتلبسها كشيطان مريد.
"لاه، وإني هخاف عليك ليه؟ إني خايفة على سمعتي، ودي طبعًا آخر حاجة چنابك بتفكر فيها. ماني بجرة!"
باغتها كلماته التي حملتها كغيمة وردية في سماء العشق.
"چنابي بيعشق التراب اللي بتمشي عليه."
نفذت كلماته إلى أعماق قلبها، وقد كان اعترافًا رائعًا بالحب لم تتوقعه يومًا، وخصوصًا من بين شفاه ذلك الرجل الذي لم تسمع عنه أو منه سوى الفظاظة والقسوة، التي تحولت على يديها وأصبحت طوفان عشق خالصً لها.
طال صمتها، فلم يعد يطيقه، لذا قال بإلحاح.
"بزياداكِ عناد بجى، وارحمي جلبك اللي سامع صوت دجاته من أهنه."
ثارت كرامة الأنثى بداخلها، وهناك جزء من تلك الأنثى اشتهى الدلال الذي تجلى في نبرتها حين قالت.
"جلبي ده في يدي، مديهوش غير للي يستحقه ويحافظ عليه."
صاح بعنفوان أضفى عليه جاذبية خاصة أسرتها.
"اللي هو إني، واوعي تفكري في حاجة غير أكده. بلاش تشوفي چناني يا بت الوزان."
اهتاجت مشاعرها لكلماته الرائعة، ولكنها ابت التسليم، إذ قالت بتمنع.
"خلاص خلّصنا، امشي دلوق، وإني أوعدك هفكر. وانت وحظك بجى."
ألقى بارود عشقه بمنتصف قلبها حين قال بخشونة.
"حظي حلو عشان عشجت الجمر، وإني مش مجنون عشان أسيبه."
صمت لثوانٍ، قبل أن تحتَد نظراته حين قال.
"جدامك خمس دجايج تفكري فيهم جبل ما أخطوفك. إني يا قاتل يا مقتول الليلادي."
انمحت غمامة الألم من عينيها، وتخدرت أوجاعها بفعل عشقه الضاري، وتولدت بداخلها شحنات الإثارة، التي جعلتها تقول بتخابث.
"يعني انت مستعد تنفذ أي حاجة أطلبها منك؟"
اكتفى بكلمة واحدة قاطعة.
"مُستعد."
«نجمة» بمكر.
"وماله. شوف أما أقولك…"
***
"نورتي بيتك يا حاجة أمينة، كان مضلم من غيرك."
هكذا تحدث «سالم» وهو يُقبل كف «أمينة» بإجلال.
"منور بيك وبأهله يا حبيبي."
"ربنا ما يحرمني منك."
"دي حقيقة يا ماما، البيت كان مضلم من غيرك."
كان هذا صوت «فرح» التي كانت تناظر «أمينة» بحب.
"انتِ نوره يا فرح، أنتِ ومنصور الصغير."
لوهلة امتقع وجه «فرح» حين سمعت هذا الاسم، الذي من المستحيل أن تُطلقه على صغيرها.
"والله يا مرات عمي بقك بينقط سكر. تخيلي كدا بعد كام شهر يجيلنا منصور صغير يملى علينا البيت. والبت فرح المحظوظة دي تبقى أم منصور. ياه، قد إيه أنتِ محظوظة يا فرح. أمك دعيالك في ساعة فجرية، الوحيدة اللي هتنولي الشرف دا."
صمت لثوانٍ يُتابع ملامح «فرح» التي توحي بأنها تود الفتك به، ثم أضاف بتشفي.
"أنا بعد كده مش هقولك غير يا أم منصور. أم منصور راحت، أم منصور جت."
لاحظت «أمينة» ملامح «فرح» الغاضبة، فقالت بجمود.
"استنى يا مروان، أما نشوف رأي فرح في الاسم، يمكن يكون مش عاجبها ولا حاجة!"
«مروان» باندفاع.
"لا ودي تيجي! إزاي ميعجبهاش، دا حتى موضة. تجيب منصور ونبقى ندلعوه نقوله يا مانص! وهي تبقى أم مانص."
كان الجميع يقمع ضحكاته بصعوبة، ومن بينهم «سالم» الذي كان يُود لو ينفجر ضاحكًا على ملامحها ومُحاولتها لقمع غضبها، خاصةً حين قالت بثبات.
"والله يا ماما، موضوع الاسم ده سابق لأوانه. يعني أنا بصراحة حاسة إنها بنت، فكنت بدور في أسماء البنات."
صاح «مروان» باندفاع.
"بنت! بنت إيه دي أن شاء الله؟ عايزين ولد يشيل اسم العيلة. اومال؟ وإلا هنشوف للكبير عروسة تجبله الواد."
ضيقت عينيها وأوشكت على الفتك بمروان في تلك اللحظة، ولكن جاءت كلمات «همت» المتلهفة.
"حقة يا فرح، دا أنتِ تبقي فرحتينا كلنا. دا هيبقى زينة الشباب واسم أنما إيه؟ يتهز له رجالة بشنبات. منصور سالم منصور الوزان."
صاح «مروان» بتهليل.
"ينصر دينك يا عمتي. هو دا الكلام ولا بلاش! مش تقولي بنت وبدور في أسماء البنات. بنات إيه ناقصين إحنا هرمونات وقرف."
تدخلت «أمينة» مُستنكرة.
"بطل يا واد، انت إيه الكلام الأهبل ده! هو البنات وحشين؟ أي نعم كلامك صح، وعايزين وريث للعيلة وخصوصًا لو ابن سالم. بس كل حاجة بتاعت ربنا."
لم تكد تتنفس الصعداء، حتى أعاد «مروان» دفة الحديث إلى الموضوع الأساسي حين قال بصياح.
"ونعم بالله يا مرات عمي. مش دا موضوعنا، ركزي. إحنا بنتكلم لو جه ولد، وأن شاء الله. أن شاء الله ولد، واسمه منصور. وبصراحة أنا ليا نظرة وشايف قدامي أم منصور. خلاص، حتى لو جت بنت هفضل أقولها يا أم منصور لحد ما تجيب منصور."
همست «فرح» من بين أسنانها بحنق.
"جتلك على قلبك يا مروان الكلب."
«مروان» بتخابث.
"بتقولي إيه يا فرح؟ مش سامعاك. بتدعي إن اللي في بطنك يكون ولد صح؟ أكيد عشان تفرحي الراجل الطيب ده."
اشتهى في تلك اللحظة قطف ثمار الفراولة من فوق خديها المحتقن غضبًا، لكم يهوى امتصاصه حتى آخر قطرة، لذا تدخل ليُزيد من اشتعالها حين قال بخشونة.
"أنا اتعودت من فرح إنها تفرحني دايمًا، والمرة دي مش هتخلف أن شاء الله."
التفت ناظرًا إليها قبل أن يقول بعبث.
"صح يا أم منصور؟"
ودت في تلك اللحظة لو تقذف تلك المزهرية في وجهه الوسيم ذلك، ولكن كانت أمنية بعيدة المنال، لذا حاولت ابتلاع جمرات حارقة في جوفها، قبل أن تقول من بين أسنانها.
"صح يا عيون أم منصور."
"أم منصور طالعة من بقك سكر."
هكذا تحدث هامسًا، فلم يصل صوته لسواها، ولون العبث ملامحه، وسرعان ما ارتدى قناع الجمود، حين التفت قائلًا بفظاظة.
"يالا يا حاجة عشان ترتاحي، والعشا هيجيلك في أوضتك."
أوشكت «أمينة» على الاعتراض، فجاءها صوته الآمر.
"إحنا اتفقنا هتسمعي الكلام من غير جدال. وبكرة أن شاء الله هنفطر كلنا سوى."
أومأت برأسها، قبل أن تنظر إلى «سليم» الهادئ، وكأنه في وادٍ غير واديه، لتتنهد بحزن، وتنتقل بنظراتها إلى «فرح» التي تحركت من مكانها لتتجه إلى «أمينة» في اعتذار صامت عن عدم حضور «جنة» التي ادعت النوم باكرًا، لكي لا تجتمع معهم.
"يالا يا ماما، أنا هطلعك فوق."
أمسكت «أمينة» يديها، وكأنها تخبرها: لا بأس، وتوجهت معها للإعلى، فيما تفرق الجميع، بينما انتظر «مروان» إلى أن تأكد أن «همت» قد دلفت إلى غرفتها، وقام بالتسلل إلى الخارج لتنفيذ خطته، فأذا به يتجه إلى ركن منعزل مظلم، ويقوم بجر هذا الكيس الكبير، وإخراج كمية كبيرة من الشراشف، وأخذ يربطها ببعضها البعض حتى انتهى، وقام بشبك قطعة من الحديد في نهايتها، ثم قال بانتصار.
"أخيرًا، والله دماغك ألماظ يا واد يا مروان."
نصب عوده وهو ينظر إلى الأعلى قائلًا بحماس.
"احتمال البت سما تموت من الفرحة."
أخذ يلف حبل الشراشف في الهواء، ثم رفعه إلى الأعلى حتى يشتبك مع السياج الحديدي لغرفة «سما»، وبكل مرة يفشل الأمر، إلى أن نجح الأمر أخيرًا، فأطلق صفيرًا عاليًا، قبل أن يجلب باقة الزهور ليضعها في فمه، ويبدأ بتسلق الحبل للوصول إلى شرفة «سما»، وحين وصل إلى منتصف المسافة، وقعت باقة الزهور من فمه، فصاح بحنق.
"الله يخربيتك، هو أنا عشان سارقك، بتقع! يادي النيلة."
على مضض، تحرك للأسفل ليجلب باقة الزهور التي وقعت، ليضعها مرة أخرى في فمه، وما أن جلبها، حتى عاود التسلق من جديد، فتجدد الأمر مرة أخرى، حين حاول أن يأخذ نفسًا طويلًا، سقطت باقة الورود من فمه، ليلعن غاضبًا.
"دي عين عمتي، اللي تتفخت، دي عين عمتي."
"حسبي الله ونعم الوكيل."
عاد ادراجه للأسفل مرة أخرى ليجلب باقة الزهور، وحين بدأ بالتسلق الشاق، وأصبح على بعد إنشات قليلة من شرفتها، فإذا به يسمع صوت «مجاهد» الذي أخذ يصرخ في كل مكان.
"حرامي! الحجونا يا خلق. الحجونا ياهوه! حرامي!"
كان «مروان» على وشك الإصابة بسكتة قلبية من فرط الذعر، فإذا به يُلقي بنفسه فوق «مجاهد»، ليسقط الاثنان أرضًا، فأخذ يتأوه بسخط.
"آه يا نايا يا ما، آه."
حين أوشك «مجاهد» على الصراخ، كمم «مروان» فمه، وهو يقول بتوبيخ.
"اكتم، الله يخربيتك، إيه انت شغال مؤذن؟ صوتك زي الجرس، هتوديني في داهية."
أزال يده، ما أن علم «مجاهد» هويته، فصاح الأخير بصدمة.
"وه مروان بيه! انت هتعمل إيه أهنه؟ وطالع عالحبال ليه؟"
نظر إلى الشراشف وقال باندهاش.
"وه انت لميت الغسيل اللي عالحبال كلها ولا إيه؟"
"آه، دي ملايات السرير بتاعت البيت كله."
"طب ليه أكده؟"
توقف «مروان» لثوانٍ لا يعلم كيف يجيبه، فصاح بأول شيء خطر على باله.
"كنت طالع أصلح المواسير."
«مجاهد» باندهاش.
"مواسير إيه؟ دي أوضة الست سما ومفهاش مواسير."
«مروان» بسخط.
"إزاي مفهاش مواسير؟ مش فيها حمام، طبيعي يكون فيها مواسير، هتكون بتتصرف فين تحت السرير يعني! إيه الغباوة دي!"
«مجاهد» بتوضيح.
"يا بيه، أقصد إن الحمام الجهة التانية، ثم انت مش محتاج إنك تطلع زي الحرامي أكده، ما انت ممكن تدخل من باب الأوضة فوق."
زفر «مروان» بحنق، وهو يتمتم غاضبًا.
"أفهمه إزاي الغبي ده؟"
علت لهجته حين قال.
"أصلًا في حداية قاعدة فوق قدام الأوضة، ولو لمحتني هتشلبحني. انت إيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟"
«مجاهد» باعتزاز.
"إني سهران بمر."
"اومال أنام وأسيب الحرامية يرمحوا في كل حتة ولا إيه؟"
«مروان» بسخط.
"ياخي، يعني طول عمرك نايم وسايبنا نتقلب، حبكت ضميرك يصحى وتسهر النهارده! أنا قولت دي عين عمتي. طب بقولك إيه؟ عندك عدة سباكة؟"
"أيوا عندي."
"طب روح هاتها وتعالى، على ما أشيك على المواسير اللي فوق وأجيلك نشوف المواسير اللي تحت."
انصاع «مجاهد» لكلمات «مروان»، وتوجه ليجلب أدوات السباكة، فقام الأخير بالتسلق بعد أن رمى باقة الورد، وهو يقول بسخط.
"قال ورد قال، خسارة في أمها."
أخذ يتسلق الحبل إلى أن وصل أخيرًا إلى سياج الشرفة، فكانت الغرفة مظلمة، إلا من ضوء مصباح خفيف بجانب السرير، فأخذ «مروان» ينادي بصوت خفيض.
"بت يا سما."
لم يجد ردًا، فأخذ ينادي مرة أخرى.
"سما، أنتِ يا بومة، يا بت اصحي."
"يخربيتك، كل ده نوم!"
سمع صوت خشخشات بسيطة قادمة من الداخل، فظن أنها استيقظت، فأخذ ينادي بنبرة حالمية.
"سمايا قلبي، الحب كله، أخيرًا صحيتي…"
لم يكد يُنهي جملته، حتى تفاجأ من نور الشرفة الذي أُضيء، و«همت» التي فتحت باب الشرفة بعنف، وهي تقول بسخط.
"حبك حنش يا بعيد."
من فرط الصدمة، اختل توازنه، فلم يشعر بنفسه سوى وهو يسقط أرضًا فوق «مجاهد»، الذي لم يستطع أن يتفاداه، ليفترش الأرض و«مروان» فوقه يصيح بألم.
"آه يا عصعوسي يانا ياما. انت إيه اللي جابك تحتي يخربيتك."
لم يخرج «مجاهد» أي صوت، فصاح «مروان» بذعر.
"نهار أزرق، الراجل مات ولا إيه؟ يجيلك ويحط عليك يا عمتاااااااي…"
***
"ماما، حضرتك طبعًا عارفة وضع جنة و…"
هكذا تحدثت «فرح»، فقاطعتها «أمينة» التي قالت بتفهم.
"متبرريش حاجة يا فرح. أنا مش عايزة أسمع منك حاجة، ومقدرة كل اللي جنة فيه. أنا بس عايزة تفهميها إن محدش فينا له يد في اللي حصل ده."
كان الحزن يقطر من بين كلماتها، فاحتوت «فرح» كفوفها بحنو انبعث من بين حروفها حين قالت.
"جنة عارفة ده، بس هي متلخبطة وتحسيها واقعة في دوامة كبيرة مش بتاعتها. عارفة اللي واقف في النص وخمسين إيد بتشده."
«أمينة» بأسى.
"عارفة، وكنت متوقعة إن ده يحصل. بس سليم ملوش ذنب. سليم بيحبها أوي، ودايمًا ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا، يعني لو مكنتش قابلت حازم وحصل اللي حصل، مكنتش هتقابلي سليم ولا هتحبيه."
«فرح» بمواساة.
"عارفة والله يا ماما، وهتكلم معاها. انتِ متزعليش نفسك. هي خايفة تواجهك. جنة طيبة وحنينة أوي. بس كل اللي مرت بيه ما كانش سهل. وأنا مش هسيبها. هفهمها، وحتى هتكلم مع سليم إنها تبدأ تشوف دكتور نفسي وتتعالج من أي بقايا للموضوع ده. عشان يقدروا يعيشوا اللي باقي من حياتهم طبيعي."
«أمينة» بحزن.
"ربنا يعينك يا فرح، ويهدي سرهم."
قبلت «فرح» جبهتها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت.
"يالا بقى عشان تتعشي وتاخدي دواكِ، وأعرفي إن أنا بنفسي اللي هأكلك بعد كده وأديكي الدوا. إحنا بقى مش مضحيين بيكِ كل شوية تتعبي وتخضينا. عايزة تعرفي يعني أنتِ غالية عندنا قد إيه؟"
ابتسمت «أمينة» بهدوء، قبل أن تقول.
"ربنا ما يحرمني منكم، ويطمني عليكم كلكوا، ومش أشوف فيكم أي حاجة وحشة."
آمنت «فرح» على دعائها، وظلت بجانبها إلى أن اطمأنت أنها أنهت طعامها وأخذت دوائها وخلدت للنوم، فتوجهت إلى خارج الغرفة، لتجد «شيرين» الهاربة، وخلفها «طارق» الذي يحاول اللحاق بها، فتوقف الثلاثي يتبادلون الأنظار فيما بينهم.
"شيرين، إحنا لازم نتكلم."
«شيرين» بصرامة.
"إحنا مفيش بينا كلام يا طارق."
تعاظم الحنق بداخله، ولكنه رأى نظرات «فرح» وإيماءتها التي تفيد بأنها ستتولى الأمر، فعاد أدراجه إلى الخلف، وهو يلعن تحت أنفاسه، فتوجهت «فرح» تناظرها بلوم تجلى في نبرتها حين قالت.
"وبعدين يا شيرين؟ مش قولتي هتدي نفسك فرصة معاه؟"
«شيرين» بلوعة.
"خايفة يا فرح."
«فرح» بغضب.
"من إيه؟ مش أنتِ اتأكدتي بنفسك."
«شيرين» بتعب.
"يا فرح، ده بيهددني بصور. طول ما الصور دي معاه، أنا مش هقدر أعيش حياتي مرتاحة."
حاولت «فرح» تهدأتها حين قالت.
"يا حبيبتي، هو دلوقتي ميقدرش يعمل أي حاجة بالصور دي. ولا يقدر يمس شعرة منك. عيشي حياتك بقى وانسي."
اخفضت «شيرين» رأسها، وحين أوشكت على الحديث، تفاجأت بسالم الذي أتى من الخلف قائلًا بفظاظة.
"الدور لسه مجاش عليا يا فرح هانم، ولا إيه؟"
تفاجأت «فرح» بوجوده خلفها وكلماته التي تحوي حنقًا كبيرًا بين طياتها، فهو ينتظرها منذ أكثر من ساعة، وهي لم تأتِ، فضاق ذرعًا بالانتظار وخرج للبحث عنها، ليتفاجئ بها تقف مع «شيرين» عند أعلى الدرج.
التفتت «فرح» لتجده أمامها بعينين يلتمع بهما وميض الغضب، فتجاهلته وقالت بلا مبالاة.
"هتكلم أنا وشيرين شوية، وبعدين هاجي يا روحي. لو عايز تنام انت نام."
تحمحمت «شيرين» وقالت بارتباك.
"لا خلاص يا فرح، روحي أنتِ. الكلام يتأجل للصبح."
«فرح» بهدوء مستفز.
"لا يا روحي، هنكمل كلامنا."
يعلم بأنها تستفزه، لذا تجاهل كل ما يحدث، ونظر إلى شيرين قائلًا بنبرة قاطعة.
"تصبحين على خير يا شيرين."
تفاجأت من كلماته، وحين أوشكت على الاعتراض، وجدت نفسها محمولة بين يديه، التي كانت واحدة خلف ظهرها، والأخرى أسفل ركبتيها، ليتوجه بها إلى الغرفة وسط ذهولها، وما أن وضعها على الأرض، حتى التفتت تنوي الشجار معه، فإذا به يسلب شفتيها بقوة، جمدتها للحظة بين ذراعيه التي احتوتها بضمة قوية جراء شوقه الضاري لها، فأخذ يقربها أكثر منه، حتى تعانقت أضلعهم، والتحمت أجسادهم، فنسيت كل شيء، ولم تعد تتذكر سواه، وما يبثها من مشاعر عاتية تأجج لأجلها صدرها الذي أخذ يخفق بعنف، مما جعله يهدأ من هجومه الساحق، ليفصل التحامهم، ويستند بجبينه فوق خاصتها، وهو يقول من بين أنفاس محرورة.
"أنا قولتلك قبل كدا إني بعشقك لما تنفعلي وتتعصبي بالشكل ده؟"
كانت كلماته العاشقة هجومًا من نوع آخر، يوازي هجومه الساحق قبل قليل، لذا همست بنبرة مُتهدجة.
"تؤ. مقولتش."
همس بصوته الأجش.
"أنا بعشقك في كل حالاتك، بس الحالة دي بتجنني. بحس إني عايز آكلك."
أخذت دقاتها تتقاذف بعنف داخل صدرها، الذي تأججت بداخله براكين العشق، الذي أخذت تنثره فوق شعيرات ذقنه، قبل أن تقول بهمس.
"أنا بقى بعشقك في كل حالاتك."
أنهت جملتها، ثم اخفضت رأسها لتستكين فوق موضع نبضه الثائر بفعل قربها، فشعر بأنها ليست على ما يرام، فشدد من احتضانها، وهو ينثر عشقه فوق خصلات شعرها، قبل أن يقول قاصدًا مشاكستها.
"منصور تاعبك ولا إيه؟"
رفعت رأسها بلهفة تناظره بعتب، قبل أن تقول بلوم.
"هو انت خلاص قررت إنه ولد واسمه منصور؟"
حاول إخفاء ابتسامته، قبل أن يقول بخشونة.
"أنا حاسس إنه ولد، واحساسي عمره ما خانني."
تمتمت بخفوت.
"يارب يخونك المرة دي."
«سالم» باستفهام.
"بتقولي حاجة يا فرح؟"
«فرح» بسخط حاولت إخفاءه.
"لا، هقول إيه. لله الأمر من قبل ومن بعد. أنا هروح أنام."
أوشكت على الالتفات، فقام بجذبها من يدها، لترتطم بسياج صدره، لتجد أجمل ابتسامة يمكن أن تراها، وعينيه التي كان المرح يتراقص بهما، حين قال.
"مش عارف ليه حاسس إن الاسم مش عاجبك؟"
«فرح» بسخرية.
"حاسس!"
تعمد ارتداء قناع الصرامة حين قال.
"مش عاجبك اسم أبويا يا فرح؟"
تفاجأت من نبرته وملامحه التي تبدلت، فباغتها رغبة مفاجئة بالبكاء، واندفعت قائلة بلهفة وشفاه مُرتجفة.
"لا والله. مش كدا. أنا بس اتفاجئت من كلام ماما أمينة. مقصدتش حاجة. متزعلش مني، أنا مقصدتش أضايقك."
بدت شهية، وهي تحاول مُراضاته، بينما شفاهها ترتجف، وهي تمنع عبراتها من الانهمار، فشعر في تلك اللحظة بأنه على وشك التهامها بالفعل، فاشتدت ملامحه ودكنت نظراته، بينما يديه احتوت خصرها بقوة، وقال من بين أنفاسه المحرورة.
"دي بقى تاني حالة بعشقها فيكِ. لما تبقي زي الطفلة اللي عاملة حاجة غلط وعايزة ترضيني. وبصراحة بقى، أنتِ في كل الأحوال عايزة تتاكلي."
تبدل حالها من طفلة وديعة تريد مُراضاته، إلى أنثى مُثيرة تعرف كيف تستخدم سحرها في نيل مأربها، لذا امتدت يديها تلهو بأزرار بيجامته، وهي تقول بدلال.
"يعني مش زعلان مني؟"
كان مشغولًا بنثر عشقه فوق ملامحها، التي باتت محفورة في قلبه من فرط ولعه بها، فهمس بخشونة.
"مقدرش أزعل منك."
انتزعت نفسها من بين ذراعيه، وهي تقول بلهفة.
"يعني بجد مش هتخليني أسمي منصور ده يا سالم؟"
لم يعد يحتمل جمرات الشوق أكثر، فقام باعتقال خصرها، ليرفعها عن الأرض، ويتقدم بها نحو مخدعهم، قائلًا بخشونة.
"جننتي سالم."
لم يكد ينهي جملته، حتى انتزعت شفاهه الإجابة من بين شفاهها، فأخذ يمارس عليها طقوس العشق الأهوج، الذي لم يعد قلبه يتحمله أكثر، فقد أطاحت تلك المرأة بثباته، ضاربة بكل تعقله عرض الحائط، لتُطلق شياطين رغبته بها، التي تتضاعف كلما اقترب منها، فحين يظن أنه سيروي ظمأه منها، فإذا به يلهب لها أكثر، للحد الذي جعله يقول من بين أنفاسه الموقدة.
"أنا امتى هشبع منك بقى؟"
أنفاسها الهاربة ودقاتها الهادرة، وجسدها الذي ينتفض بين طيات صدره، كانا خير دليل بأن حالتها لا تقل عن حالته، ولكنها تدللت قائلة بلهاث.
"أنا مشبعش مني أبدًا، فمتحاولش."
دلالها كان على قلبه أشهى من العسل، الذي أخذ يرتشفه من ثغرها التوتي، الذي ذاق الويلات من أفعاله الجنونية، التي لم يسلم منها أي ركن من أركان الغرفة، فقد أراد طبع آثار عشقهم الضاري على كل شيء حولهم، لتتشكل لوحة رائعة لرجل وامرأة هزمهم العشق، فكان هذا أعظم انتصار لهم في الحياة.
***
"تصبح على خير يا روح ماما."
هدهدت طفلها، ووضعته في مخدعه، ثم لثمت جبينه الرهيف بقبلة دافئة تُنافي ذلك الصقيع الذي يُحيط بقلبها، ثم توجهت إلى الخارج، لتتوقف في منتصف الغرفة، تحاول قمع ذلك الألم الذي يتشعب بداخلها كلما سمعت اهتزاز هاتفها، ولكن سرعان ما تحول هذا الألم إلى غضب كبير، تجلى في نبرتها حين صاحت وهي تجيب.
"انت يا حيوان عايز مني إيه؟ قولتلك مترنش عليا تاني، إيه مبتفهمش!"
قهقه «ناجي» بصخب، قبل أن يقول من بين ضحكاته.
"عارفة المشكلة في إيه؟ إن ده طبع الستات كلها. يتمنعن وهن الراغبات."
«جنة» بحنق.
"إيه العبط ده؟ انت بتقول إيه كلام وخلاص!"
«ناجي» بتخابث.
"للأسف يا جنة، أنتِ بريئة أوي لدرجة إنك استحالة هتعرفي تخدعيني. لو فعلًا مش عايزة تكلميني، كنتِ قولتي لسليم إني بضايقك. أو كنتِ قولتي حتى لأختك. بس أنتِ هتموتي وتسمعي إيه اللي عندي، لكن زي ما قولتلك، يتمنعن وهن الراغبات."
كلماته كانت تُعرّي قلبها بطريقة استفزتها، لذا صاحت بغضب.
"انت حقير زي ما بيقولوا عنك. لا، دول مهما قالوا عنك مش هيقدروا يوصفوا حقارتك."
"حقارتي! على فكرة يا جنة، أنا مهما بلغت حقارتي دي مش هبقى ربع حازم. بس أنا للأسف مكنش عندي إخوات يحبوني بجد لدرجة إنهم مهما غلطت يسامحوني ويحاولوا يقوموني!"
هكذا تحدث بحزن يُنافي ذلك السُم الذي يقطر من بين كلماته، التي عرفت طريقها إلى قلب جنة، التي انتفضت من مكانها وهي تقول باستفهام.
"بتقول إيه؟"
"اللي حصل. اومال أنتِ فاكرة إيه؟ سالم ولا سليم هيغضبوا على حازم أو هيكرهوه! هقولك على حاجة هتستغربيها. أنا نفسي، بالرغم من كل اللي صفت عمله فيا، إلا إني مقدرتش أأذيه."
«جنة» بسخرية يشوبها الحنق.
"وخطفك لبنته دا تسميه إيه؟ مش أذية بردو!"
"لو كنت هأذيه صح، كنت موتها في اليوم ده. وكنت أبقى انتقمت لنفسي من كل العذاب اللي شوفته وأنا بتخيل سهام معاه. بس أنا مقدرتش. وسالم وسليم بردو مش هيقدروا يقسوا على حازم، واللي يثبتلك كلامي ده إن سالم جوّز حازم للبنى."
صاعقة قوية أصابتها حين سمعت كلماته، هل حقًا حدث ذلك!
أردف ناجي بخسة.
"وطبعًا السيناريو الجاي معروف، سالم هيصرف على لبنى وأهلها ويكسر عينهم، عشان لما حبيب ماما يتأدب، دا أن حصل، يبقى يرجع يلاقي حياته ومراته وأهله وفلوسه وابنه. مستنيينه!"
شدد من كلمته حين ذكر صغيرها، فهبت من مكانها وهي تقول بصراخ.
"اخرس. انت كداب. الكلام ده عمره ما هيحصل، والكلب ده عمره ما هيقرب من ابني."
«ناجي» بتعاطف زائف.
"بصراحة أنتِ صعبانة عليا، بس ده اللي هيحصل. أنا قلت أنبهك وبس. ولو فعلًا عايزة تحفظي حق ابنك وتمنعيه عنه، يبقى مفيش حل غير إنه يتكتب باسم سليم. ولو إن سليم عمره ما يعمل في أخوه كدا."
ودت لو تصرخ في وجهه قائلة: يكفي! فقد ضاق قلبها من كل ما يحدث معها. فقد سبق وطلبت منه هذا الأمر ورفض رفضًا قاطعًا، وقد كانت تتوقع ذلك، ولكن المروع في الأمر أن يكون رفضه بسبب ذلك الحقير.
نفضت غضبها وكل ما يعتمل بداخلها من قهر، وصاحت بحدة.
"إياك تتصل بيا تاني. سامع؟"
«ناجي» بهدوء.
"مش أنا اللي هتصل. أنتِ اللي هتتصلي. لما متلاقيش حد جنبك يساعدك غيري، هتتصلي بيا. وقريب أوي هيحصل الكلام ده."
أنهى كلماته وأغلق الهاتف، الذي ودت لو تحطمه مثلما تحطم قلبها إلى أشلاء، وهي تتخيل أن يكون حديث ذلك الحقير يحمل شيئًا من الصواب!
قطع سير أفكارها دلوفه إلى الغرفة، فقد غضب بشدة حين لم تنزل لاستقبال والدته، وقد تحججت «فرح» بأنها تنام باكرًا استعدادًا لجلستها في الغد، ولهذا لم يُفصح عن غضبه منها حين رآها مستيقظة، بل اكتفى بنظرة جوفاء قاسية تبعها تجاهل تام، أوقد شعلة الغضب بقلبها، فتوجهت بخطٍ غاضبة إلى المخدع، لتتسطح على ظهرها، تُمسك أحد الكتب تتظاهر بقراءته، بينما عينيها تتلقفان كل حركة تصدر منه، وبدأت شعلة الغضب بالتصاعد، وهي تراه يتمدد بجانبها ليعطيها ظهره دون أي حديث، فجن جنونها ولم تشعر بنفسها سوى وهي تصيح بغضب.
"اتفضل قوم من جنبي!"
تفاجأ من كلماتها التي جعلته يلتفت قائلًا باندهاش.
"نعم!"
هبت من مكانها وهي تقول بانفعال.
"اللي سمعته. شوف لك مكان تاني تنام فيه غير هنا."
فاق الأمر حدود قدرته على الاحتمال، فهب من مكانه وهو يتوجه إليها قائلًا بغضب تبلور في عينيه التي تحولت إلى بركة من الدماء المحتقنة.
"أنا ماسك نفسي عنك بالعافية. فأحسن لك متزوديش غضبي منك أكتر من كدا."
تلبستها شياطين الجحيم، فلم تعد تُبالي بشيء، فصاحت بنبرة تجاوزت حدود المسموح به.
"ولو زودت هتعمل إيه؟"
تجاهل استفزازها والتفت محاولًا إفشال مخطط الشيطان وعدم الشجار معها، فجاءه صوتها الذي علا أكثر حين قالت.
"استنى عندك، أنا بكلمك. رد عليا."
التفت محذرًا بلهجة خطيرة.
"اسكتي يا جنة. واقصري الشر لحد كدا. أنا مش عايز أزعلك."
داخليًا كانت خائفة. تحتاج إلى عناق قوي يُحطم أضلعها، وربما قيود الخوف الذي يُكبل روحها، ولكن أبت نفسها استجداء قربه، فصرخت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر.
"إيه هتموتني ولا هتطلقني! ما خلاص مبقتش ملزم تشيل غلط غيرك. ماهو البيه طلع عايش. يشيل شيلته زي ما كان بيقول."
فجأة اظلم العالم من حولها، ولم تشعر بوجهها الذي استدار إلى الجهة الأخرى جراء تلك الصفعة المُدوية التي سقطت فوق خدها الأيمن، فتركت بصمات أصابعه لتُشكل أثرًا قويًا لن يُمحى بسهولة.
كان ردًا قويًا لم يتوقعه، ولكن كانت كلماتها سهمًا مسمومًا نفذ إلى أعماق قلبه، فلم يشعر بيده التي ارتفعت لتهوى فوق خدها بتلك الطريقة! تفرقت نظراته بين وجهها وكفه، وكأنه غير مصدق لما حدث، يرتج قلبه ألمًا عليها، وينتفض كبرياؤه وجعًا عليه، وهو يقف بالمنتصف لا يجرؤ على إبداء أي ردة فعل. لتخترق جموده قنبلتها المُدوية، حين قالت بقهر بعد أن تداركت صدمتها.
"طلقني."
كان الأمر برمته كارثيًا. يشعر بأن في كابوس مُريع، وداخله يتوسل له بأن يستيقظ، نافضًا عنه كل هذا الوجع، ليجدها بين ذراعيه كما اعتاد. ولكن نظراتها المُحتقنة التي يشع منها الكره، وآثار إصبعه فوق خدها، توحي بأنها حقيقة مُريعة.
"سمعتني. بقولك طلقني. أنا بكرهك."
لم يشعر بنفسه سوى وهو يعتقل شفتيها بخاصته، قاصدًا بتر تلك الكلمات التي كانت كطلقات تستقر في منتصف قلبه، الذي لا يحتمل فكرة ابتعادها عنه. أخذ يقبلها بقسوة، اختلطت بملوحة مياه عينيه، ويديه تحاولان احتواء ثورتها، وكأن جسده يتوسل إليها على طريقته بألا تفعل به ذلك، ولكن في نهاية الأمر، استطاعت الإفلات من بين براثنه، وهي تدفعه بكل ما تملك من قوة، وبيدها الأخرى تمحي أثر قبلته المُدمرة، وهي تصيح بقهر.
"ابعد عني. بكرهك."
لم يعد يحتمل ما يحدث، لذا انتزع نفسه من أمامها، وأذنيه ترفض عبارات الكره التي أخذت ترددها بجنون، وقام بانتزاع ملابسه ليغادر الغرفة، وكأن شياطين العالم أجمع تُلاحقه.
***
ما أن خطت أقدامها إلى داخل الغرفة، حتى تفاجأت بذلك الذي اقتحم المكان، مغلقًا الباب خلفها، فصاحت غاضبة.
"طارق، انت اتجننت؟"
لم تكد تُنهي جملتها، حتى وجدت يديه تمتد تُمسك رسغها بعنف، حتى كادت عظامها أن تتكسر بفعل قبضته الغير رحيمة، تلاها صوته القاسي حين أرعد قائلًا.
"حصل إيه بينك وبين حازم؟ وصور إيه اللي ماسكها عليكِ؟"
تقاذفت دقات قلبها ذعرًا من كلماته ومظهره المُريع، فأخذت ترتجف بين يديه، فقام بهزها بعنف، تجلى في نبرته وهو يقول.
"انطقي. حصل بينك وبينه إيه؟"
وكأن جميع حواسها توقفت عن العمل، إلا من تلك العبرات التي كانت تنهمر بغزارة من مقلتيها، فجن جنونه لصمتها، وقد نشب الألم حوافره بداخل قلبه، وهو يتخيل نظرات ذلك الحقير إليها ذلك اليوم، وتهديده الغير صريح لها، والذي جعلها ترضخ أمام هذا الاتهام البشع الذي قذفها به، وحين حاول معرفة الأمر منها، تهربت!
لم يكن يتخيل أن الأمر يُمكن أن يكون بذلك السوء، فقد شعر بأن رئتيه سوف تنفجر من شدة الغضب المُتأجج بداخله، والذي تعاظم حين قالت بتلعثم.
"ا. انت... عر.رفت... من... منين؟"
هزها بعنف، وداخله يود لو يحطم رأسها، فصاح بزئير.
"هو ده اللي هامك؟ عرفت منين؟ انطقي. حصل بينك وبينه إيه؟ الحيوان ده قرب منك؟ جاوبيني، واعرفي إن وشرف أمي لو كذبتي عليا هدَفنك حية. سامعة."
إلى هنا ولم تعد تحتمل، فقد ضاقت ذرعًا بكل ما يحدث معها، فقامت بدفعه بقوة، لتُخلص نفسها من بين براثنه، وهي تقول بحدة.
"سيبني. أنا مش هخاف منك، ولو مش عايزة أقولك مش هتجبرني."
تبلور الجنون بعينيه، وامتدت يديه تقبض على خصلاتها، وهو يقول بصراخ.
"هجبرك وأكسر دماغك. سألتك خمسين مرة بينك وبين الحيوان ده إيه، ومردتيش تجاوبي. اتاريكِ مخبية بلاوي. احكيلي حصل إيه بينك وبين الحيوان ده؟"
صاحت من بين آلامها المتفرقة.
"محصلش. محصلش بيني وبينه حاجة."
«طارق» بصراخ.
"كذابة. اومال صور إيه اللي خايفة منها؟ انطقي، قولي."
تآزر بها الوجع، وألمها ظلمه لها، وقلة حيلتها في إخباره حقيقة ما حدث، فصاحت بغضب.
"خلاص اعتبرني كدابة وابعد عني. أنا قولتلك قبل كدا إحنا مفيش بينا أي حاجة ولا هيكون فيه. عايز مني إيه؟"
امتدت يديه تقبض على عنقها، وصاح بكل ما يجيش بصدره من قهر.
"أنتِ أحقر بني آدمة قابلتها في حياتي. متستاهليش حبي ليكِ، ولا تستاهلي النار اللي في قلبي بسببك."
كانت يديه تقبض على عنقها، بينما وجهه يكاد يُلامس وجهها، فالتقطت أعينهم في عتاب صامت من جانب عينيها، وآخر قاسٍ من جانب عينيه، التي تخللتها خطوط حمراء بدت وكأنها قادمة من الجحيم، الذي كان أضعافه بقلبه، وهو يتخيل أن تجمعها علاقة مع رجل آخر. لا يحتمل تلك الفكرة المروعة التي تحرق روحه، بينما هي تتوارى خلف خداع واهٍ، وترفض قول الحقيقة، لذا همس بنبرة يشوبها التوسل، حين قال.
"لآخر مرة بسألك. حصل إيه بينك وبين الكلب ده؟ وإيه موضوع الصور اللي بيهددك بيها دي؟"
تُريد الصراخ بوجهه بأنها لا تستطيع الحديث. لا تقوى على سرد تلك الأحداث المُخزية، وترتعب من فكرة أن يُضاف عار آخر إلى صفحتها المُلطخة بالسواد.
"سيبني وأنا هحكيلك."
تركتها يديه على مضض، لتقوم بفرك عنقها بألم، وسط نظراته النافذة، لا تعرف بما تجيب، ولهذا لجأت للكذب، فقالت بارتباك.
"أبدًا، كنت متخانقة مع أحمد، وروحت بار مع أصحابي، وهناك شربت وقعدت أرقص، وهو صورني وبهددني بالصور دي."
كانت نظراته غامضة للحد الذي أربكها، ولكن سرعان ما تفاجأت حين تبدلت نظراته إلى أخرى قاسية، وشابهتها نبرته حين قال.
"أنتِ كذابة. كذابة وحقيرة."
قال جملته، ثم هوى على خدها بصفعة مُدوية، جعلت رأسها يدور للجهة الأخرى، ثم توالت صفعات حديثه على قلبها، حين قال.
"كنت منتظر إيه من بنت ناجي، غير إنها تبقى زيه! أنتِ أحقر واحدة شفتها في حياتي. كان ممكن أسامحك على كل حاجة، لو كنتِ إنسانة صادقة، بس أنتِ خاينة ورخيصة."
كانت العبرات تقطر من عينيه، تُنافي قسوة كلماته، التي انهالت فوق رأسها كطلقات نارية، أصابت قلبها في مقتل، فحين استمعت إلى باب الغرفة يُغلق، حتى خانتها قدماها، وسقطت تفترش الأرض أسفلها، بينما انطلق «طارق» كالريح، ليتقابل مع «سليم»، الذي كان هو الآخر كالمحموم، لا يرى أمامه، ليتوقف الاثنان أمام بعضهما البعض، فقال الأخير بقهر.
"أنا عايز أمشي من هنا. عايز أروح مكان أنسى فيه اسمي."
أجابه «طارق» بجفاء.
"وأنا كمان. عايز أنسى البيت ده باللي فيه. تعالى معايا."
توجه الاثنان إلى سيارة «طارق»، الذي تولى القيادة، ليتوجه بهم إلى مكان معزول، ليتوقف بعد أن تعب من القيادة، وينظر أمامه قائلًا بقهر.
"أنا أول مرة في حياتي أتمنى الموت النهاردة."
أجابه «سليم» بمرارة.
"تبقى بتحب."
«طارق» بسخط.
"الله يلعن الحب واللي اخترعوه. أنا كنت مرتاح. إيه اللي عملته في نفسي ده؟"
«سليم» بأسى.
"مش بمزاجك. مهما حاولت تهرب من قلبك مش هتعرف. اسألني أنا. أنا عملت المستحيل عشان أهرب منها، ولقيت نفسي في النهاية راجع عندها. قلبي جابني عندها."
رقت نبرته حين تابع بنبرة محشوة بالوجع.
"قلبي مش عايز غيرها. عملت المستحيل عشانها، وبرضو مفيش فايدة."
فجأة مد «طارق» له سيجارة لها رائحة غريبة، فناظره باستفهام، ليجيب الأخير بمرارة.
"الحاجة الوحيدة اللي هتخليك تنسى."
لأول مرة في حياته، لم يُمانع بتجربة أي شيء في سبيل نسيان ذلك الوجع الهائل بصدره. لن يُمانع سلك أيًا من الدروب، لربما يقوده أحدها للنسيان، ولو كان الثمن حياته، فقد سئم العذاب والألم.
انقضى الليل الطويل، ليأتي يومًا جديد يجني ثمار الأمس، ولكل منا ما غرسه، فمن يزرع الحنظل يجني مرارته.
تجهزت لكي تذهب إلى موعد جلستها المنتظرة، وبكل ثانية تنتظر دخوله من الباب حتى يذهب معها كما كان يفعل في السابق، وخاصةً وأن هذه الجلسات هي الأخيرة كما أخبرهم الطبيب، لذا كانت تتوقع أنه أبدًا لن يتركها وحيدة في مثل هذا اليوم، ولكن مرت الدقائق سريعة ولم يأتي، فأطلقت تنهيدة قوية من جوفها المُحترق بنيران الأسى، ولملمت أشياءها، وبداخلها شعور قوي بالوحشة والخوف. ناهيك عن تلك الحرب الضارية التي كانت فريسة لها منذ البارحة، جيوش الندم تتقاتل مع جيوش كبريائها الجريح، لما فعله بها، داخلها يلومها والآخر يؤازرها. ألا يكفي ما تمر به حتى تنقسم داخليًا، والأدهى من ذلك كونها لا تستطيع الاتكاء على كتفه لتشكو له مرارة ما تشعر به.
اهتز قلبها بعنف تزامنًا مع اهتزاز هاتفها، فتوجهت بخطٍ سريعة وقلب يتلهف لسماع صوته، فإذا بها تجد رقمًا غريبًا، فنشب الخوف مخالبه في قلبها، لتجيب بأيدٍ مُرتعشة.
"الو."
"كنت عارف إنك مش هتردي على رقمي، عشان كدا اتصلت من رقم غريب. عشان أعرفك إني معاكِ وفي صفك."
أهتاج غضبها من ذلك الوقح، وصاحت بغضب.
"انت مبتفهمش. أنا مش عايزة أكلمك، مترنش عليا تاني."
«ناجي» بجفاء.
"مش هرن عليكِ تاني، أنتِ اللي هترني. أنا بس حبيت أقولك إن سليم باشا بايت ليلة امبارح في حضن مروة، خطيبته الأولانية، ولو مش مصدقاني هبعتلك عنوانها، وروحي شوفي بنفسك."
دارت الأرض أسفلها، وشعرت بأن الكون توقف من حولها، فلم تدري كيف تحركت ولا متى وصلت إلى العنوان المنشود، كل ما شعرت به هو طنين الجرس في أذنيها، وسرعان ما برقت عينيها حين وجدت «مروة» أمامها بثياب النوم، فدفعتها بقوة ودلفت إلى داخل المنزل، لتشعر بقبضة قوية تعتصر قلبها، حين لامست أنفها رائحته، لتقودها قدماها إلى حيث تشعر بوجوده، فإذا بأحدهم يغمس خنجرًا مسمومًا بداخل قلبها، حين وجدته يجلس على الفراش عاري الصدر…