تحميل رواية «انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ما حيلة قلبٍ اضناه شوقه إن كُتب على جبينه الفراق؟ لم يختر بإرادته نيران الجوى إنما باغته ونال منه سهمه الأفاق فثار وعصى وعلى نهجه لم يأبَ الإنسياق فخاب وخسر ولم يعد أنين قلبه أمرًا يُطاق ولكن المحبوب بات يتألم واكتوى فؤاده بنار الجور وضاق فهل كل الذنوب يمكن تكفيرها؟ وهل كل القلوب تُحسن الإرفاق؟ فالعشق داء لا يفلح معه دواء ولا يُداوي شجونه سوى التلاق ولكن الغفران بات شيئًا مستحيلًا وأصبح دربه وعرًا تملؤه الأشواك وصار تآلفنا حكاية كُتب على نهايتها الفراق. "أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من ج...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نورهان العشري
تبلور العشق بنظراتها وهي تطالعه بهيام بينما يديه تلهو فوق شعيرات ذقنه القصيرة وداخلها قلب يُردد: "الحمد لله الذي رزقني هذا من غير حول لي ولا قوة."
كان وجوده بحياتها نعمة كبيرة تستحق الحمد الذي لا تتوقف شفاهها عن ترديده، فقد كان بمثابة عوض من الله على سنوات الشقاء التي قضتها سابقًا، ليرمم بشهد العشق تصدعات وشقوق روحها التي التئمت وكأنها نُفخت من جديد بفضله.
زينت جبهته بورود عشقها الذي تجاوز حدود القلب فتغلغل بين ثنايا الروح التي كانت في هيامه مُولهه.
رفعت رأسها لترتوي من مطالعة ملامحه التي انطبعت فوق جدران قلبها، فلاحظت تلك الحركة البسيطة بجانب زاوية فمه وكأنه يمنع نفسه من الابتسام بصعوبة. فلُوم الخبث ملامحها من ذلك الماكر الذي يخدعها، لذا تدحرجت أناملها بتمهل قاتل وكأنها ريشة فنان ترسم ما يروق لها. فأخذت تتلمس تلك الخطوط السُداسية فوق بطنه وتداعب مقدمة صدره وكأنها تتحدى ثباته الذي كان في النزع الأخير.
ولم يعد في مقدوره المقاومة أكثر، خاصةً حين اقتربت بأنفاسها المحرورة تنثر ورودها بجانب فمه. فامتدت يديه أسفل عنقها تجذبها بعُنف لتضع ضفتي التوت خاصتها في مكانها الصحيح تُعانق خاصته. فأخذ يُعاقبها على ما أحدثته أفعالها العابثة ويسكب نيران شوقه في جوفها، ويتمزز بشهد ريقها وحلاوة قربها. ويديه تلهو وتمارس طقوس العشق بوقاحة فوق ساحة جسدها اللَيِّن والذي استجاب لأفعاله العابثة. فأصبحت تُعطيه من العشق أكثر ما يتمنى وألذ مما يشتهي، لتخرج منه تنهيدة حارقة ألهبت بشرتها الرهيفة كما دغدغتها كلماته العابثة:
"ابقي نشني صح المرة الجاية."
انتزعت نفسها من تلك الغيمة الوردية التي تحملها وقالت بهزل:
"امممم. يعني حضرتك صاحي وبتضحك عليا!"
لونت ثغره ابتسامة عابثة تشبه نبرته حين قال:
"بصراحة اه."
"اقدر افهم ليه؟"
داعبها قائلًا:
"عجبتني محاولات التحرش دي."
صاحت باستنكار:
"تحرش! انا بتحرش يا سالم؟"
"سالم" بجدية زائفة:
"اتحرشي يا فرح انا اللي بقولك اتحرشي."
شقّت ثغرها ضحكة مُجلجلة جعلت الشمس تُشرق على قلبه الذي وقع أسيرًا لضحكاتها العذبة. ليهمس بخشونة:
"صباح الفرح."
تدللت في جلستها لتستريح بين طيات صدره وهي تهمس بعذوبة:
"صباح السكر."
انتزعهم من عالمهم الوردي صوت طرقات قوية على باب الغرفة مما جعلها تنتفض بين ذراعيه. فهتف بغضب:
"صباح الزفت. مين؟"
جاءهم صوت "مروان" الذي قال بصياح:
"الحقنا يا كبير في مصيبة."
زفر "سالم" حانقًا وهو يهب من مكانه ليرتدي تيشرته المُلقى أرضًا وهو يتمتم بغضب:
"جلاب المصايب."
تحركت "فرح" من مكانها وهي تحاول ارتداء المئزر الخاص بها. فإذا بكلمات سالم الصارمة:
"خليكِ عندك لحد ما أجيلك."
تسمّرت بمكانها وهي تراه يقوم بفتح باب الغرفة لتستمع إلى صوت "مروان" العالي وهو يقول:
"المخفي أجله طارق بايت في القسم من امبارح."
زمجر "سالم" غاضبًا:
"بتقول ايه؟ بايت في القسم ازاي؟ حصل ايه؟"
"مروان" بغضب:
"انا ايش عرفني. انا لقيته بيتصل عليا مصحيني من أحلى نومه وبيقولي كدا."
زفر "سالم" حانقًا قبل أن يقول بحزم:
"هلبس هدومي على ما تغير هدومك عشان نروحله."
"مروان" باندفاع:
"لا بقولك ايه اخلعني من المشوار دا. انا عندي ظروف!"
"سالم" بعدم فهم:
"ظروف ايه معلش؟"
تحمحم "مروان" قبل أن يقول مصححًا:
"اقصد يعني ضهري واجعني شويه. ومش قادر اخرج."
"سالم" بتقريع:
"تقريبًا اللي محبوس دا أخوك!"
"مروان" بامتعاض:
"للأسف أه. محبكش عليه يتحبس غير و أنا مضحضح كدا."
"سالم" بجفاء:
"انشف كدا يا مروان وروح غير هدومك."
"مروان" بنبرة يشوبها البكاء:
"ادعي عليه بأيه وهو فيه كل العبر. هروح ازاي وانا بعرج كدا؟ ربنا يهدك يا عمتي أنتِ و مجاهد في ساعه واحدة."
"حصل اي يا سالم؟"
"سالم" بجفاء:
"معرفش طارق مهبب أيه مقبوض عليه من امبارح و بايت في القسم."
شهقت "فرح" بصدمة وسرعان ما اندفعت لتحضر له ملابسه وهي تغدقه من بحر كلماتها التي أخمدت نيرانه كثيرًا:
"متقلقش يا حبيبي. إن شاء الله خير."
"سالم" بجفاء:
"ربنا يسترها."
أنهى ارتداء ملابسه والتفت واضعًا قبلة بسيطة على جبهتها قبل أن يقول بخشونة:
"افطري و خدي دواكي يا فرح. اوعي تستنيني انا معرفش هرجع امتى."
أصبحت تعرف حدوده وكل الطرق التي تؤدي إلى قلبه، لذا لم تُعاند بل اكتفت بطمأنته فقد كان هذا أكثر ما يحتاجه:
"حاضر يا حبيبي متقلقش."
نظرات مُشبعة بالإمتنان الذي تجلى في قبلة طويلة فوق راحة يدها قبل أن ينطلق إلى الأسفل وهو يُزمجر بصوت جهوري:
"سليم."
لم يأتيه رد فقابل "نعمة" التي بادرها قائلًا:
"دادة نعمه شوفتي سليم؟"
"لا والله مشفتوش انا صاحية من بدري و محدش منهم نزل."
أومأ برأسه قبل أن يُنادي على "مروان" الذي تقدم بقدمه العرجاء والامتعاض يلون ملامحه. فزوى ما بين حاجبيه وهو يقول باستفهام:
"مالها رجلك؟"
"مروان" بجفاء:
"وقعت عليها."
"سالم" بفظاظة:
"وقعت ازاي؟"
"مروان" بحنق:
"مش بيقولك قليل البخت يعضه الكلب في المولد؟ اهو انا بقى الكلب هب في وشي جابلي صرع هوب وقعت على جدور رقبتي فرجلي اتكسرت أو اتجزعت مش عارف الحقيقة."
"سالم" نفاذ صبر:
"انا رايح اشوف حصل ايه لطارق وانت متجبش سيرة لحد باللي حصل لحد ما اعرف في ايه."
زفر حانقًا من حديث ذلك المعتوه والتفت محاولًا مُهاتفة "سليم" الذي لم يكُن يُجيب على اتصالاته. فانطلق هو في وجهته وهو يتمتم بغضب من كل ما يحدُث حوله.
توقف الزمن بها للحظة وهي تراه عاري الصدر في فراش امرأة غيرها!
هربت الحروف من فرط الألم وجف حلقها جراء تلك الغصة التي تشعبت بجوفها. إضافة إلى صفعات الوجع المُتأجج بقلبها مما جعل أنفاسها تعلق بصدرها المُشتعِل بنيران القهر الذي كان أقوى من قدرتها على التحمل. فاستندت على الباب بجانبها وهي تهمس بنبرة فاقدة لكل معاني الحياة:
"سليم..."
جامدًا لا يتحرك كتمثال قُد من حجر إلا من تلك العينين التي تتأجج بها نيران الألم فتبدو كبُحيرة من الدماء التي شعر بها للحظات تتجمد بأوردته حين رآها على باب الغرفة. ولكن جاء همسها القاتل ليخترق جموده الظاهري. فهب من مكانه ولكن هاجمه دوار قوي فتوقف بمكانه يُحارب تلك الهوة السوداء التي تُهدد بابتلاعه. فلم يشاهد تبدُل ملامحها التي اسودت من فرط الغضب الذي تجلى بصوتها حين صرخت بقهر:
"خاين..."
بشق الأنفس استطاعت خلع نفسها وجر قدميها لتأخذها سريعًا من ذلك المكان الذي شهد على أصعب لحظات حياتها. فلم تستمع لنداءات "مروة" ولا لذلك الذي كان يتخبط بالجدران يحاول اللحاق بها ليسقط أمام باب المنزل فتتلقفه يد "مروة" التي قالت بلهفه:
"سليم. حاسب."
دفعها "سليم" بقوة وحاول تمالك نفسه وهو يقاوم وهن جسده وآلامه مُهرولًا خلف تلك التي كانت تهرب من هذا الألم القاتل الذي كان منبعه قلبها المطعون بخنجر الغدر. فكيف يهرب الإنسان من قلبه؟ وكيف ينجو من بين براثن ألم قاتل لا تملك أدنى قدرة على مُجابهته.
"جنة. استني."
لم تكن نبرته قوية كقبضته التي أحكمت الطوق فوق رسغها ليوقفها عن الركض ويديرها إليه. فإذا بها تدفعه في صدره بكل ما يعتمل بداخلها من قهر تجلى في نبرتها حين صاحت:
"ابعد عني يا خاين. انا بكرهك."
أخذت يديها تضربه بعنف وتلاحقت لكماتها فوق صدره الخافق بجنون وهي تُردد بألم من بين عبراتها المتناثرة بغزارة:
"خاين. غشاش. حقير."
حاول استجماع قواه بصعوبة ليقبض على ذراعيها التي كانت لكماتها تُضيف ألمًا آخر إلى حقيبة آلامه الهائلة:
"اهدي يا جنة خلينا نتكلم."
صعقها حديثه فتوقفت تناظره بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
"نتكلم! هو في كلام يتقال بعد اللي شوفته؟"
بلل حلقه قبل أن يجيب بجفاء:
"اه فيه. الموضوع مش زي ما أنتِ شوفتي."
"جنة" بذهول:
"نعم! موضوع ايه اللي مش زي ما أنا شوفته. انت كنت قالع في اوضة نومها؟"
قالت جملتها الأخيرة بصراخ اهتز له جسده الواهن فصاح بها بغضب:
"بطلي تزعقي من غير ما تفهمي."
شر البلية ما يُضحك وقد كان بلائها أعظم مما تحتمل. لذا تناثرت ضحكاتها الخالية من المرح فلم يعُد يُسعفها البُكاء ولم تعُد لها القدرة على التحكم في انفعالاتها.
هدأ صخب ضحكاتها الجافة وبَاغتته حين قالت بهدوء ظاهري:
"تصدقي صح. انا فعلًا غلطانه لازم افهم منك الأول ايه اللي قلعك هدومك و بيتك عند خطيبتك الأولانية؟ يا ترى عندك رد مقنع يا سليم؟"
قالت جملتها الأخيرة بنبرة مهزوزة يشوبها التوسل ألا يكسر قلبها أكثر. فصدمها ذلك الضياع بعينيه والتشتت الذي لون ملامحه وأخيرًا لهجته التي تخللها الارتباك حين قال:
"انا. امبارح. مكنتش. مكنتش في وعيي. معرفش حصل ايه؟ أو. أو جيت هنا ازاي؟"
أخذ يدور حول نفسه بضياع أطاح بقلبها إلى الهاوية. فاقتربت تمسكه من مقدمة قميصه المتناثرة ازراره توحي بآثار جُرمه وأخذت تهزه بعنف وهي تقول بقهر تساقط من عينيها أولًا:
"يعني ايه مش عارف؟ قولي انك مكنتش طول الليل بايت في حضنها. قولي انك ملمستهاش. قولي انك مخونتنيش يا سليم. قولي وريح قلبي انا هموت من الوجع."
كان وجعها أضعافه بقلبه الذي يرى تمزقها وانهيارها ولا يقدر على بتر ألمها حتى وإن لجأ للخديعة. فهل ينجو من بطش ضميره الذي أخذ يُعنفه حتى تقاذف الدمع من مُقلتيه فكان كوقود على نيرانها المُشتعِلة. فصاحت بعنف:
"رد عليا. حصل ايه بينك و بينها؟"
"مش فااااكر."
هكذا صرخ بعنف اهتز له جسدها فتراجعت خطوتين إلى الخلف وهي ترتجف لتضم كفوفها فوق وجهها تحاول قمع عبراتها التي شوشت الرؤية حولها. ليأتيها صوته المُمزق حين قال:
"مش فاكر. معرفش حصل ايه؟ ولا جيت هنا ازاي؟"
أخذ جسدها يرتجف وهي تتراجع بظهرها إلى الخلف ورأسها يدور في كلا الاتجاهات بمعنى لا. لا اصدقك. بينما شيعته عينيها بنظرات الخِسة قبل أن تستدير لتهرُب من هذا لمكان الذي كان شاهدًا على تشييع جثمان عشقها إلى مثواه الأخير.
"مكنش يومك يا طارق. هنسيب بنتك لمين بس؟"
كان هذا صوت "مروان" الذي أخذ يولول ليجتمع كل من بالمنزل إثر كلماته التي جعلت الغضب يتشعب إلى صدر "فرح". فهبت قائلة بانزعاج:
"بطل تعدد عليه. إن شاء الله هتكون حاجه بسيطة."
"مروان" بتذمر:
"لو مش هعدد عليه هعدد على مين؟ هو انا عندي أعز منه!"
عاد إلى عويله مرة أخرى وهو يقول:
"حتة العيلة الغلبانه دي تعمل ايه بس يا ربي في الدنيا لوحدها؟"
صمت لثوان قبل أن يُضيف بجدية:
"طبعًا أنا مش فاضي اربي عيال حد. انا مش عارف اربي نفسي اصلًا."
"قاعد تعدد على مين عالصبح كده يا بتاع الشعبطة ع البلكونات؟"
انتفض "مروان" في جلسته وهو يحاول اسكاتها قائلًا بغل:
"بدعي ع الظالم والمفتري اللي بيسرق الناس و يقطع خلفهم."
تدخلت "فرح" بعدم فهم:
"ايه انت تقصد مين؟ هو انت مش بتتكلم على طارق؟"
"ماله طارق في ايه؟"
كان هذا صوت "شيرين" القلق حين سمعت استفهام "فرح". فجاءهم صوت "مروان" الذي أخذ يولول مرة أخرى:
"اه طارق. طارق اخويا اللي كان زي الوردة زمانه بقى فجلة من النوم ع البورش."
"حصل ايه لطارق يا معتوه انت ما تفهمنا؟ ماله طارق يا فرح؟"
هكذا تحدثت "همت" بقلق. فألقت "فرح" نظرة غاضبة على "مروان" الذي التفت إلى "سما" قائلًا بنبرة رقيقة:
"تعالي يا سما أما احكيلك حصل ايه بس دا سر بينا."
التفت عينيه بعين "همت" وهو يُضيف قاصدًا اغاظتها:
"اوعي تقولي لحد."
لم تكد "همت" تُجيبه حتى اخترق آذانهم صوت "نعمة" التي صاحت بذُعر:
"ست جنة."
هرول الجميع وأولهم "فرح" التي صدمها مظهر "جنة" المُبعثر وعينيها التي تتخللها شعيرات حمراء من فرط عبراتها المُشتعلة وآلامها المُبرحة والتي لم يعُد يحتملها جسدها الواهن. فخارت قواها وأوشكت على الارتطام بالأرض لولا ذراعي "فرح" التي حالت دون ذلك والتي أصابها الذُعر وتخلل لهجتها حين صاحت:
"جنة."
تعالت شهقاتها وهي تستند بثقلها فوق صدر شقيقتها التي شاطرتها البكاء تأثرًا بحالتها. فاقتربت منهم "همت" قائلة بلهفة:
"حصل ايه يا جنة؟"
وكذلك اندفعت "شيرين" تحاوط كتفها وهي تقول بذُعر:
"مالك يا جنة في ايه؟"
وكأن استفهاماتهم خناجر توجه إلى قلبها الذي لا يعرف كيف يسرد وجعه وخيبته الفادحة. فتعالى صوت بُكائها حتى صار نحيبًا. فاقترب "مروان" الذي نهش القلق داخله.
فصاح بصوت جهوري:
"حد ضايقك يا بت أنتِ؟ ما تقولي حصل ايه؟ نشفتي دمنا."
احتوت "فرح" وجهها بحنو وهي تقول بلوعة:
"جنة حبيبتي حصل ايه طمنيني انا هموت من القلق."
"قتلني يا فرح. سليم قتلني."
صاح "مروان" غاضبًا:
"عمل ايه هباب الطين دا؟"
لم تُبارِح عينيها عين "فرح" التي شعرت وكأن أحدهم وجه سهم مُشتعِل إلى قلبها. حين أكملت "جنة" قائلة بقهر:
"سليم خاني يا فرح. شوفته بعيني عندها في أوضة نومها."
"هي مين؟"
هكذا استفهمت "سما". فصرخت "جنة" بلوعة:
"مروة."
أنهت كلماتها واندفعت في نوبة بكاء مريرة تخللتها شهقاتهم المذعورة. بينما تجمدت خطوات ذلك الذي كان الوجع يتساقط من بين عينيه ويكاد يُحطم ضلوعه التي لم تعد قادرة على احتمال جنون دقاته الهادرة والتي تطالبه بجذبها ليحتويها بين طيات صدره. عل وجودها يُهدئ من هذا الوجع المُميت الذي يفتك به. ولكن أصبح قربها مُحرمًا عليه وقد كان هذا أقسى ما يُمكن احتماله.
"سليم. فهمنا في ايه؟ و كلام ايه اللي جنة بتقوله دا؟"
كان هذا صوت "همت" التي ما أن شاهدته يقف عند باب القصر حتى اندفعت لتعرف منه حقيقة ما حدث. ولكنه لسوء حظه لم يكُن يملِك أية إجابة من شأنها أن تُريحهم.
ما أن سمعت اسمه حتى انتفضت بين أحضان شقيقتها التي شددت من احتضانها وهي تُطالعه بغضب. ويديه تُشدد من احتواء "جنة" التي تقاذف الدمع من مقلتيها على هيئة أنهار حفرت وديان من الألم فوق خديها. فقا مت بدفن رأسها بين أحضان شقيقتها لا تُريد رؤيته ابدًا. فجاءها صوت "مروان" القاسي حين قال بغضب:
"ما تتكلم يا سليم هتفضل ساكت كدا كتير!"
يُريد الصُراخ بهم جميعًا ألا يواصلوا الضغط عليه أكثر. ولكنه اكتفى بالقول بنبرة جافة:
"عايز اتكلم مع جنة لوحدنا."
عند هذا الحد لم تعُد تحتمل وقاحته. فرفعت رأسها تطالع شقيقتها وهي تقول بتوسل كان كالسكين البارت الذي نحر قلبه:
"ابعديه عني يا فرح. ابوس ايدك مش عايزة اشوفه ولا اسمع صوته. ابعديه عني ارجوكِ."
تحولت نظرات "فرح" إلى الصقيع الذي تجلى في نبرتها حين قالت موجهة أنظارها ل"شيرين":
"شيرين. خدي جنة طلعيها على اوضتها."
امتثلت "شيرين" لكلمات "فرح" وتوجهت نحو "جنة" مما أثار جنونه. فصاح هادرًا بعنف:
"عايز اتكلم مع مراتي يا فرح."
قابله عنفه بجفاء و حدة لم يكن يتوقعها مُطلقًا:
"مراتك ليها أهل لما تيجي عليها هتلاقيهم واقفينلك يا سليم يا وزان."
كان صوتها يدوي أرجاء القصر حتى أنه وصل إلى مسامع "سالم" الذي وصل للتو وبجانبه "طارق". فتجمد الجميع بمكانه أثر حديث "سليم" الغاضب حد الجحيم الذي أطل من عينيه ونبرته حين قال:
"محدش يدخل بيني وبين مراتي."
"انت فعلا كنت عند مروة؟"
هكذا استفهمت "فرح" التي كانت ملامحها مشدودة بقوة وقست نظراتها حتى احترقت غاباتها الزيتونية. فمن يراها يظنها تعتزم على ارتكاب جريمة قتل. فصرخ "سليم" بنفاذ صبر:
"ايوا كنت عندها."
"سليم..."
كان هذا الصوت القاسي ل"سالم" الذي جن جنونه حين سمع كلمات شقيقه. وقد كان مظهره يوحي بأن هناك حربًا ضارية على وشك أن تندلع. لذا التفتت "فرح" تنظر إلى "شيرين" بنظرات فهمتها الأخيرة على الفور. فأحتوت "جنة" المنهارة بين ذراعيها وتوجهت إلى الأعلى. وكان آخر ما وصل إلى مسامعها صوت "سالم" القاسي حين قال:
"قدامي عالمكتب."
لم يحتاج لأكثر من ذلك ليتبع شقيقه إلى حيث أشار. بينما كانت "فرح" تتابع شقيقتها حتى اختفت في غرفتها. لتندفع إلى غرفة المكتب التي اقتحمتها بقوة توازي قوتها حين قالت:
"سليم."
التفت الجميع إليها ولكنها لم تكُن ترى أمامها سوى صورة شقيقتها المذبوحة. فقامت بلكمه في كتفه وهي تقول بعنف:
"انت فعلًا عملت كدا؟ خونت جنة يا سليم؟"
قالت جملتها الأخيرة بعتب يشوبه الغضب الذي لم يعُد يحتمله. فاوشكت قدماه على أن تخونه لولا توجه إلى أحد المقاعد و قام بإلقاء جسده فوقه وهو يقول بمرارة وكأن صبار نبت في جوفه:
"والله ما فاكر يا فرح. انا مش فاكر حاجه. بس انا متأكد اني لا يمكن اخونها."
تعلم جيدًا حقيقة ما يقوله وهذا ما يمنعها من إزهاق روحه الآن. ولكن تلك التُرهات التي يتحدث بها لا تُساعده أبدًا:
"يبقى تفتكر. لازم تفتكر حصل ايه؟"
هكذا صرخت "فرح". فتدخل "سالم" قائلًا بجفاء:
"اهدي يا فرح."
التفتت تناظره بحنق تناثر من بين جفونها على هيئة عبرات غزيرة وهي تصيح بقهر:
"اهدئ ازاي وانا شايفه اختي بتموت بسببه!"
أنهت كلماتها وتوجهت بنظراتها إلى "سليم" قائلة بحنق:
"قدامك خمس دقائق تقولي حصل ايه و إلا ورحمة ابويا ل هطلقها منك و ما هتلمح طيفها تاني يا سليم يا وزان."
"متقدريش يا فرح."
هكذا صاح "سليم" الذي لا يحتمل فكرة أن تغادره أبدًا. فـهبت "فرح" بغضب:
"اقدر يا سليم و هتشوف."
"بس انت وهي."
أرعدهم صوت "سالم" الذي اشتدت ملامحه فباتت مُرعبة للحد الذي جعل أنفاسها تتسارع حتى آلمتها. ولكنها لم تستطِع منع نظرات العتب التي أطلت من عينيها. فجاءتها كلماته القاسية لتُجهِز على ما تبقى من ثباتها:
"قالك مش فاكر. هتقعدي تهري في الفاضي؟"
لم تستطِع تصديق كلماته فخيم الذهول على ملامحها وسرعان ما تحول لخيبة أمل. قطعتها لهجته الحادة حين قال:
"و بدل البيه مش فاكر يبقى هي أكيد فاكره."
أضاءت كلماته النور بعقلها فقالت بلهفة:
"أيوا صح. عندك حق. هي أكيد فاكره."
ألقت عليه نظرات متوسلة فهمها على الفور. فتخطاها بعينيه وهو ينظر إلى "مروان" قائلًا بصرامة:
"مع فرح. متسبهاش."
أومأ "مروان" برأسه. بينما اندفعت "فرح" إلى الخارج. وما كادت أن تخرج من باب القصر حتى تفاجئت ب"مروة" أمامها.
"و كمان ليكِ عين تيجي هنا؟"
هكذا تحدثت "فرح" بغضب قابلته "مروة" بالسخرية حين قالت:
"وليه ماليش عين اجي هنا؟ وبعدين انا قولت اوفر عليكِ المشوار مش بردو كنتِ جيالي؟"
صاح "مروان" بتهكم:
"اوفر دوز بجاحه يا مروة. ايه يا بت الثبات دا؟ دانا مخضوضلك سلف!"
استنكرت حديثه بشدة ولكنها لم تسمح للغضب أن يمنعها عن ما أتت من أجله. لذا قالت بهدوء ظاهري:
"لا متتخضش ولا حاجة يا مروان. الموضوع مفهوش حاجة تخض."
تدخلت "فرح" قائلة بنفاذ صبر:
"كلميني أنا. بدل أنتِ عارفة أن انا كنت جيالك يبقى عارفه انا كنت جيالك ليه؟"
"عارفه."
"يبقى جاوبيني من غير لف ولا دوران لو سمحتي. وافتكري أن في بيت ممكن يتهدم بكلمة منك."
"مروة" بهدوء:
"وانا مش خرابة بيوت يا فرح. انا هقول اللي حصل بالظبط."
"تمام اتفضلي جوا."
دلفت معها "مروة" إلى الداخل ومنها إلى غرفة المكتب وخلفها كلًا من "فرح" و "مروان". فهب "سليم" حين رآها قائلًا باندفاع:
"انتِ ايه اللي جابك هنا؟"
"اسكت خالص. تعالي يا مروة اقعدي."
كان هذا صوت "سالم" الصارم. فأطاعته "مروة" وجلست في أحد المقاعد أمام مكتبه. وجلست "فرح" في المقعد المقابل لتقول بنبرة حادة:
"سمعاكِ."
"مروة احنا هنا تعالي."
هكذا أشارت "كارمن" صديقة "مروة" لتأتي إليهم. فتوجهت الأخيرة وهي تتهادى في مشيتها لتعانق صديقاتها بشوق. فقامت "كارمن" بالهمس بجانب أذنها قائلة:
"رحلة أوروبا فادتك كتير يا بيبي."
"مروة" بلامبالاة:
"عادي اهو تغيرر."
"وياترى التغيير كان من جوا ومن برا ولا من برا بس؟"
هكذا تحدثت "كارمن" بخبث قابلته "مروة" بامتعاض فقد فطنت إلى ما تقصده فقالت بجفاء:
"لا من جوا وبره متقلقيش."
"طب ولو قولتلك أن حبيب القلب قاعد قدامنا عالبار و شكله سكران طينة هتعملي ايه؟"
"ايه سليم سكران؟"
تلقائيًا رفعت رأسها إلى البار لتُصدم حين رأت "سليم" الذي كان يستند برأسه فوق البار. فهتفت بذهول:
"مش مصدقة عنيا."
قادتها قدماها إلى حيث يجلس متجاهلة نداء صديقتها. فتوقفت أمامه تطالعه بحزن ممزوج بالصدمة من رؤيته في هذا المكان بتلك الحالة المُبعثرة:
"سليم؟"
ارتفع رأسه ليرى تلك التي كانت تناظره بعينين تكاد تحتويه بسياجهم من فرط الشوق. ولكن حالته لم تكن تساعده على فهم ما يدور حوله. فأخفض رأسه وهو يهمس باسمها. فقالت بلهفة:
"انت بتعمل ايه هنا؟"
أجابها بتيه:
"هربان."
استنكرت كلماته قائلة:
"هربان! هربان من ايه؟"
لم يُجيبها انما أسند رأسه على ذراعه وقد بدت عينيه كلوحة مُريعة لرجل هزمه العشق وأجهز عليه. لتقارب منه تشتم رائحة فمه. فإذا به يتراجع عنها بطريقة جعلت معدته تثور. فإذا به يتقيأ ما بجوفه. فكاد أن يسقط أرضًا لولا ذراعيها التي حالت دون ذلك. فقامت بإسناده ريثما انتهت ثورة معدته. فقالت بجزع:
"انت شكلك تعبان اوي. تعالى معايا اوديك مستشفى."
"سليم" بنبرة خافتة وكلمات متقطعة من فرط الألم الذي كان يعصف بمعدته:
"لا. انا. هروح."
لم يستطِع إكمال حديثه فإذا بمعدته تثور مرة أخرى. فقامت "مروة" بإسناده حتى خرجت من المكان بأكمله لتأخذه إلى شقتها. ثم قامت باستدعاء الطبيب الذي أخبرها بأنه تعاطى مادة مخدرة وهو ليس مُعتاد على ذلك. وقام بتدوين عدة أدوية من ضمنها محاليل في الوريد. لتظل ساهرة بجانبه طوال الليل حتى انتهى المحلول الوريدي.
"لما وصلت جنة كنت لسه يدوب شيلاله الكانيولا من أيده. وطبعًا حصل اللي حصل وهي مشيت وملحقتش افهمها حاجه."
صاح "مروان" بذهول:
"يعني معملش حاجة خالص؟ يخربيتك انت جبلة ياله."
انهالت عليه نظراتهم المعنفة فالتزم الصمت. ليأتيها صوت "سالم" الفظ حين قال:
"بس على حسب كلام جنة أن سليم مكنش لابس هدومه ايه تفسيرك للي حصل؟"
إجابته "مروه" بثبات:
"هو كان قلع القميص بس. انا اللي قلعتهوله عشان لما. يعني. لما رجع بهدل نفسه و مكنش ينفع ينام بيه كدا. وعلى فكرة دا رقم الدكتور تقدروا تسألوه أو تخلوا جنة تسألو. ودي كمان الروشتة بتاعته. واعتقد ان الحاجات دي سهل تتعرف تحليل بسيط هيوضح كل حاجه."
أومأ "سالم" برأسه قبل أن يقول بامتنان:
"شكرًا يا مروة انك قولتي الحقيقة و انك جيتي لحد هنا عشان تحلي سوء التفاهم اللي حصل."
"مروة" بشموخ:
"العفو على ايه يا سالم؟ انا معملتش غير اللي لازم يتعمل. وبعدين انا بنت و بخاف على سُمعتي. وكان لازم أوضح اللي حصل عشان ميبقاش في اي لبس."
تهكم "مروان" بنبرة خافتة:
"والله يا مروة انا محقوقلك. بدل ما يغتصبك مقعدك طول الليل تمرضيه! بني آدم حلوف صحيح."
التفتت تناظره قائلة بهدوء:
"عرفت الثبات جاي منين يا مروان."
اندفع "مروان" قائلًا بمغازلة:
"عرفت يا قمر. والله حقك عليا. بهدلناكي و منمتيش طول الليل قاعدة جنب البيه. ما تيجي تطلعي تريحي فوق شويه."
ابتسمت "مروة" قبل أن تهب من مقعدها وهي تقول بمزاح:
"لا انا دوري انتهى لحد هنا و هروح انام في بيتنا."
تدخلت "فرح" وهي تلكز "مروان" في كتفه. ثم التفتت الى "مروة" قائلة بامتنان:
"ميرسي يا مروة. انا حقيقي مش عارفه اشكرك ازاي؟"
تدخل "مروان" قائلًا:
"سبيني أنا أشكرها طيب."
رمقته "فرح" بحنق فناظرها بامتعاض. بينما كان "سليم" في عالم آخر لا يُصدِق ما حدث. هل خرج من ذلك المأزق بالفعل؟ نعم يعلم بأنه حتمًا لا يقدر على خيانتها. ولكن عقله كان مشوش للحد الذي جعله لا يستطيع تذكر أي شيء.
زفرة حارة خرجت من جوفه وأراد أن يطير إليها للإعتذار منها وإخبارها كم يعشقها وأنه لا يجرؤ على لمس أنثى غيرها. ولكن جاءته كلمات "فرح" لتُحبِط مُخططاته حين قالت بتقريع:
"متفكرش أن كلام مروة دا هيخلص الموضوع. او هينفي عنك الغلط. انا طالعة اشوف جنة."
ألقت كلماتها ونظراتها تتفرق بينهم. ثم توجهت للخارج تتجاهل حديثه حين زمجر غاضبًا:
"تقصدي ايه؟ انا معملتش حاجه؟"
تدخل "مروان" قائلًا بتحسر:
"ماهي دي المصيبة. انك معملتش حاجه. انت جبلة ياله؟ دانا قعدت معاها عشر دقايق و كنت عايز اتهجم عليها و أنت ايه؟"
"سليم" بحنق:
"اخرس يا حيوان."
"مروان" باستنكار:
"والله الحيوان بيحس عنك. بقى يوم ما تتنصف و تقضي ليلة مع موزة زي دي تقعدها تمرضك؟ ياخي عيب عليك مرمطت شرف العيلة في الوحل."
"كلمة كمان و هفجر دماغك."
كان هذا صوت "سالم" القاسي. فالتزم "مروان" الصمت أمام صراخه الذي هز أرجاء الغرفة:
"والله عال يا ولاد الوزان! واحد يتقبض عليه محشش في الطريق العام و التاني مراته تظبطه عند واحدة! ناقص ايه تاني تعملوه؟"
لم يستطِع "مروان" الصمت. فحديث "سالم" اصابه بالذهول الذي سرعان ما تخطاه وهو يقول بصياح:
"حشيش! اتقفشت بتحشش يا طارق بيه؟ مفكرتش في سمعة العيلة؟ طب سمعتي أنا؟ اودي وشي من الناس فين؟"
زمجر "طارق" غاضبًا:
"اكتم ياد بدل ما اقوم اكتمك."
نهره "سالم" بقسوة:
"ويكتم ليه؟ إذا كان العيل الصغير عاقل عنكم. اتنين رجاله كل واحد فيهم طول الحيطة سهرانين يحششوا و بالنهار كل واحد يتمسك بفضيحه."
"مروان" بشماته:
"حشيش يا صيع؟ طب كنتوا خدوني معاكوا؟ دانا طافح الكوتة مع المخفية عمتكوا."
قال جملته الأخيرة بخفوت. فجاءهم الطرق على الباب والذي كان ل"مجاهد" الذي تقدم إلى داخل الغرفة وجسده يملئه الضماد بدءً من عنقه إلى يديه وصدره. فهب سالم قائلًا باهتمام:
"في ايه يا عم مجاهد؟ حصلك ايه و أيه اللى خرشمك كدا؟"
أخذ "مروان" يرسل إليه النظرات المتوعدة. فـتحدث "مجاهد" بارتباك:
"م. متاخدش. في. بالك يا سالم بيه. دي واجعة. بسيطة."
"سالم" بتعب:
"الف سلامه عليك. خير كنت جاي عايز ايه؟"
"مجاهد" باندفاع:
"كنت چاي اطمنكوا على السباكة بتاعت الجصر اني چبت السباك وتمم عالأوض كلها."
كان "مروان" يُرسِل نظرات تحذيرية إلى "مجاهد" الذي لم يفهم شيء. فجاءه صوت "سالم" الذي قال بعدم فهم:
"سباكة ايه؟ مالها السباكة عندنا؟"
"مجاهد" باندفاع:
"اصل مروان بيه امبارح كان بيقول ان مواسير الحمام بتاع اوضة الست سما فيها مشكلة و كان طالع يصلحها."
"سالم" بصدمة سُرعان ما تحولت لغضب كبير خاصةً وهو يرى وجه "مروان" الذي امتقع ونظراته التحذيرية ل"مجاهد" الذي لم يفهم شيء منها. فحاول قمع غضبه قائلًا:
"اه و انت شفت مروان وهو طالع يصلح المواسير؟"
"مجاهد" بسلاسة كاد أن تُصيب "مروان" بجلطة دماغية:
"ايوا اومال ايه؟ أصله ليلة امبارح لم كل ملايات السراير و ربطهم في بعض عشان يطلع عليهم و يصلح مواسير اوضة الست سما. قوم اني شوفته فجالي يا مچاهد حداك عدة سباكة جولتله ايوا جالي طب روح هاتها فروحت أچيبها جوم اني يدوب وصلت لچيته بيجع من فوق جوم اني لحجته و اتدشدشت زي ما انت شايف."
كانت نظرات الشماتة تطِل من أعين كلا من "سليم" و "طارق" على "مروان" الذي كان يضع يده فوق وجهه هربًا من نظرات "سالم" التي تبلور بها الجنون. فتقدم بخطٍ وئيدة حتى توقف بجانب "مروان" ليهوي على كتفه بقبضته القوية وهو يقول بنبرة متوعدة:
"بقى مروان كان لامم ملايات السرير و متشعبط على بلكونة بنت سما عشان يصلح مواسير الحمام؟"
"مجاهد" باندفاع:
"ايوا يا سعادة البيه."
تمالك نفسه بصعوبة وهو يقول آمرًا:
"طب روح شوف شغلك انت."
ما أن خرج "مجاهد" حتى امسك "سالم" قميص "مروان" من الخلف وهو يجذبه بعنف قائلًا بصياح:
"بقى سيادتك عاملي فيها روميو و متشعبط في ملايات السرير عشان تطلع اوضة بنت عمتك في نص الليل؟"
صاح "مروان" باندفاع:
"اه بس وربنا ماشربت حشيش."
"حصل ايه بينك و بين سليم خلاه يعمل في نفسه كدا يا جنة؟"
هكذا تحدثت "فرح" بعدما اقتحمت غرفة "جنة" الغارقة في آلامها وأوجاعها حتى كادت أن تقضي عليها:
"بتقولي ايه يافرح؟"
تذكرت "فرح" كلمات "مروه" قبل أن تغادر:
"سليم كانت حالته وحشة اوي امبارح يا فرح. طول الليل عمال يهلوس بكلام غريب."
"فرح" باستفهام:
"كلام زي ايه؟"
"يعني مرة يقول انا بحبك ياجنة. متسبنيش. مش هطلقك."
أخذت تسترجع باقي كلماته المُعذبة:
"ارحمني. دا اخويا. كلام كدا."
تحدثت "فرح" بصرامة:
"بقول اللي سمعتيه و ياريت تجاوبيني على طول معنديش وقت اناهد معاكِ."
"جنة" باستنكار:
"بتسأليني عن ايه يا فرح؟ بعد خيانته ليا في ايه مهم؟"
"فرح" بجفاء:
"سليم مخانكيش يا جنة."
"بتقولي ايه؟"
"فرح" بجمود:
"بقول اللي سمعتيه. سليم مش خاين."
قصت عليها ما قالته "مروة" في الأسفل. بينما كانت "جنة" صامتة تاركة العنان لملامحها أن تعكس شعورها الذي كان للوهلة الأولى ارتياح كونه لم يمس إمرأة سواها. فقد كان هذا الأمر كارثي بالنسبة لقلبها الذي كاد أن يُجن في الدقائق المُنصرِمة.
"ها يا جنة مش هتحكيلي حصل ايه خلى سليم اللي بيصلي و عارف ربنا يشرب حشيش عشان ينسى! طبعًا هو مش عُذر بس احنا بشر ولما حد يحملنا فوق طاقتنا و يضغط علينا طبيعي أننا نخرج عن شعورنا زي ما حصل معاه."
صاحت "جنة" باندفاع:
"بتلوميني على ايه يا فرح مش كفاية العذاب اللي انا فيه؟"
"فرح" بجفاء:
"قصدك اللي راميه نفسك فيه و سايبه شيطانك يتحكم فيكِ."
"يا فرح افهميني..."
قاطعتها "فرح" بحدة:
"افهميني أنتِ. اللي أنتِ فيه دا غلط. كل اللي حصلك دا كان سبب عشان نكتشف موضوع مرضك بدري و عشان تخلفي محمود اللي يستحق تتحملي أضعاف ما اتحملتي. و عشان تقابلي سليم. سليم يا جنة اللي بيعشق التراب اللي بتمشي عليه."
قالت جملتها الأخيرة بعتب كبير تجلى في نبرتها حين قالت:
"قوليلي يا جنة كل دي مش نعم من ربنا عليكِ؟ كل دي مش حاجات حلوة تستحق تحمدي ربنا عليها و تنسي كل اللي حصل قبل كدا؟"
أخفضت رأسها بألم. تعلم كم شقيقتها مُحقة. ولكن ماذا تفعل بتلك النيران التي تجيش بصدرها تجاة ذلك الشاب؟
"تخيلي كدا يا جنة تاخدي انتقامك من حازم بس تخسري سليم و محمود. او تخسري حد فيهم هتقدري؟"
رفعت رأسها بحدة وداخلها ينفي ذلك الحديث وأيدته شفاهها حين قالت بلهفة:
"لا طبعًا مقدرش اخسر حد فيهم."
"فرح" بحزم:
"طب خلي بالك انك كدا بتخسريهم. و متتكيش اوي على حب سليم ليكِ. عشان سليم راجل عنده كرامة و عزة نفس و مش هيقدر يتحمل عمايلك دي كتير."
أنهت كلماتها ثم اندفعت إلى خارج الغرفة لتتركها تتخبط في حيرتها وعذابها ونيران انتقامها.
"بعد اذنك يا دكتور كنت عايزة حضرتك تعيد شرح الميتافيزيقا عند أرسطو؟"
زوى ما بين حاجبيه وقال بجفاء:
"مع انها سهلة مش محتاجه شرح."
شعرت الفتاة بالإحراج لتقول بتلعثم:
"اص. أصل أنا مكنتش موجودة لما حضرتك شرحتها. فكنت بستأذنك تشرحها تاني لو مكنش يضايقك؟"
ابتسم بهدوء قائلًا:
"طب ومالك مخضوضة كدا ليه؟ وماله نشرحها تاني و تالت ايه المشكله؟"
تبلور الأعجاب بنظرات الفتاة التي قالت بلهجة حالمة:
"بجد يا دكتور ياسين انت مفيش منك."
أومأ "ياسين" برأسه ليتفاجئ بتلك التي تدخلت قائلة بسخرية يشوبها الغضب:
"بعد اذنك يا دكتور ياسين ياللي مفيش منك ممكن نبدأ المحاضرة؟"
رفع أحدى حاجبيه باندهاش من تدخلها في الحديث ولكنه كان مستمتعًا بغيرتها الواضحة. وب الرغم من ذلك تجاهل شعوره وغيرتها وقال بفظاظة:
"هو أنتِ هتعرفيني شغلي ولا حاجة؟"
جن جنونها حين استمعت إلة كلماته الفظة ونبرته الغليظة. فقالت من بين أسنانها:
"معلش يا دكتور بقى اصل مش كل الناس فاضية و مورهاش حاجه تعملها غير اللت و العجن."
"ياسين" بصدمة:
"لت و عجن؟ و مين بقى اللي بيلت و يعجن؟"
قال جملته الأخيرة بتوعد قابلته بالسخرية:
"كل واحد عارف نفسه."
أهتاج غضبه من طريقتها و خاصةً أمام إحدى طالباتها التي كانت مذهولة في طريقتها في الحديث معه. لذا تحدث بجفاء:
"اتفضلي على مكانك. مش هتعرفيني شغلي."
تستحق ذلك هكذا أخبره عقله. فما يحدُث بسبب رجاءها الأحمق ألا يعرف أحد بزواجهم وها هي لم تحتمل موقف عابر مثل هذا. بينما هي كانت تحترق بقهر من كلماته ونبرته. ولكن هناك نيرانًا أخرى ولدتها غيرتها الهوجاء. فلم تلحظ نظرات ذلك الشاب الذي اقترب يجلس بجانبها قائلًا بمُزاح:
"اهدي يا بنتي شويه في عينك بتطق شرار ليه كدا؟"
تفاجئت من ذلك المُتطفل الذي كان يُشبه "مروان" كثيرًا. فلوهلة شعرت بالحنين إليه وإلى عائلتها. فلاحت ابتسامة حزينة على محياها. فكان المشهد من بعيد يعكس شيئًا آخر عن الحقيقة. خاصةً بالنسبة لذلك الذي أرسلت عينيه سهام مُشتعلة نحو ذلك الشاب الذي تفاجئ به يقوم بإعطاءها قنينة المياة التي اخذتها منه بعد أن اعطته إحدى ابتساماتها الرائعة. ليجن جنونه. فلم يمنع نفسه من الصراخ قائلًا:
"حلاااا."
تقف أمام شرفتها شاردة بما يحدُث وكيف باغتتهم ضربات القدر. فبعد أن رست سفينتهم على بر الأمان تعود وتُلقي بها الرياح في منتصف بحر هائج تتقاذفهم أمواجه العاتية التي لا تعرف أن كان بمقدورها مواجهتها ام لا؟
لا تملك سوى الدعاء بأن تهدأ الرياح وتستقر سفينتهم على بر الأمان. فهمست بخفوت:
"وأفوض أمري إلى الله والله بصير بالعباد."
لا يرُد الله عبدًا لجأ إليه. وتلك اليد الممدودة إلى السماء حاشاه أن تعود خائبة.
يد حانية تسللت لتحتوي وجعها الذي لا يُمكِنها الإفصاح عنه. لتستند بثقلها فوق صدره الذي كان ولا يزال ملجأها الآمن وكتفها الذي لا يميل. فأطلقت تنهيدة حارة تحمل ما يجيش يصدرها من أوجاع. فاشتد طوقه حول خصرها قبل أن ينثر ورود عشقه فوق عنقها الذي يظهر بإغواء أمام عينيه العاشقة. وجاءت نبرته محرورة حين قال:
"التنهيدة دي معناها انك شايلة كتير."
همست بألم:
"كتير أوي يا سالم."
أدارها لتصبح في مواجهته ليحتوي وجهها بين كفوفه الحانية وهو يقول بنبرة خشنة:
"الحزن اللي في عيونك دا بيقتلني يا فرح. كل مشكلة وليها حل."
لثمت إحدى كفوفه بقبلة اعتذار دافئة اتبعتها بهمساتها العاشقة:
"بعد الشر عنك من اي حاجه وحشة. متقلقش عليا. هتعدي. زي ما كل حاجه قبل كدا عدت."
ارتج قلبها حين سمعت لهجته المُلتاعة حين قال:
"بس انا مش متحمل أشوفك كدا."
رقت نبرته كثيرًا حين هسهس بخفوت:
"إلا أنتِ يا فرح. مش مسموحلك لا تتعبي ولا تزعلي."
حنانه ورقته كانا شيئًا عظيمًا بالنسبة إليها. فلم تستطِع التحكم في عبراتها التي تدفقت بغذارة وهي تقول بنبرة متقطعة:
"مفيش. حاجه. انا. كويسه."
احتواها بضمة قوية كان كلاهما بحاجة إليها لتخفف من وطأة ذلك الحزن الكامن بصدورهم. والذي تبدد إثر همساته العاشقه ويديه التي أخذت تهدهدها كطفلة صغيرة بين ذراعي أبيها إلى أن استكانت بين يديه. فرفعت رأسها تطالعه بامتنان. فامتدت انامله تمحو آثار عبراتها وهو يهمس بنبرة مُعذبة قلما تسمعها منه:
"انا بحس بالذنب لما اشوف دموعك دي."
هتفت بلهفة:
"وانت ذنبك ايه بس؟"
"سالم" بخشونة:
"ذنبي اني مقدرتش احميكِ من الحزن والوجع."
"فرح" بخفوت:
"متحملش نفسك فوق طاقتها يا سالم."
"قولي الكلام دا لنفسك."
اخفضت رأسها وقالت بحزن:
"متلومنيش غصب عني."
"و أنتِ كمان متلومنيش. ماهو أنتِ مش بتحبيني اكتر مانا بحبك."
رفعت رأسها وقد التمعت عينيها بوميض الشغف الذي تجلى في نبرتها حين قالت وكأنها تتحداه:
"لا طبعًا أنا بحبك اكتر ما أنت بتحبني بكتير اوي."
لونت ثغره ابتسامة رائعة و لمعت نجوم الحب بسماء عينيه. ورقت نبرته حين قال:
"حبي ليكِ اكبر من أنه يتوصف. عامل زي الكون دا بالظبط صعب تجيبي آخره."
أرادت محو جميع الحزن العالم بسماء عينيه. فيكفيه ما يحمله من أعباء. لذا قالت تشاكسه:
"طب ما تثبتلي كدا؟"
ضيق عينيه قبل أن يقول بمزاح:
"أيه رأيك انزل ادور الضرب فيهم كلهم؟"
"فرح" بلهفة:
"ياريت والله كلهم عايزين الحرق مش الضرب بس."
لونت السخرية معالمه وتجلت في نبرته حين قال:
"شوفتي الكارثة اللي انا فيها؟ الرجالة اللي مفروض اعتمد عليها و يقفوا معايا في كل المصايب اللي انا فيها واحد يتقفش في الطريق محشش و التاني يتقفش عند واحدة محشش و التالت يتقفش وهو بيحاول يطلع اوضة بنت عمته في نص الليل بعد ما لم كل مفارش السرير عشان يعرف يطلع من البلكونة لا ويقولي بس انا مكنتش محشش."
لون الذهول تقاسيمها ونبرتها حين قالت:
"لا متقولش. مروان كان بيحاول يطلع اوضة سما لا و مشبك ملايات السرير في بعض؟"
"سالم" بتهكم:
"تخيلي! و من حظه الفقر أنه يقع تحت ايد مجاهد اللي مبيسترش على حد أبدًا."
"بقى عم مجاهد اللي فتن عليه؟"
"سالم" بسخرية:
"ماهو اللي أنقذه. البيه كانت عمته مرقداله و لما طلع البلكونة لقاها في وشه اتسرع طبعًا و وقع فوق الراجل الغلبان اللي تقريبًا مفيش حاجه في عضمه سليمه."
لم تتماسك نفسها فأخذت تقهقه بصخب أطرب آذانه وأسعد قلبه كثيرًا. فأخذ يناظرها بابتسامة عاشقة. فقالت من بين ضحكاتها:
"سامحني يا سالم مش قادرة ابطل ضحك بصراحة."
"سالم" بخشونة أذابتها:
"مين قالك انك عايزك تبطلي؟ اضحكي خلي دنيتي تنور من تاني."
انتصف الليل ولم يأتي فقد كانت تتوقع أن يُحاول مُراضاتها بعد ما أُثبتت براءته. ولكنه لم يأتي وقد أثار هذا حنقها. فقد كانت تتلهف لتُقر عينيها برؤيته. فقد اشتاقته حتى ولو كانت لاتزال حزينة من ما حدث ولم تنسى تلك الصفعة التي لازال قلبها يتألم بسببها.
اخترق ضجيج افكارها رنين هاتفها. فتوجهت بخطٍ مُتلهفة وقلب يتوسل لخالقه أن يكون هو المتصل. ولكن كان أكثر شخص في العالم لا تود سماع صوته.
"بـتـتـصـل تـانـي لـيـه؟"
"نـاجـي" بـسـخـريـة:
"عـشـان كـنـتِ مـسـتـنـيـانـي اتـصـل!"
"انـت تـقـريـبـا شـارب حـاجـة او اتـجـنـنـت!"
"نـاجـي" بـفـظـاظـة:
"لـيـه الـغـلـط بـس؟ مـش حـلـو عـشـانـك و عـشـان انـا راجـل مـبـعـرفـش انـسـى و بـاخـد حـقـي و انـتِ عـارفـه كـدا كـويـس!"
تـجـاهـلـت الـتـهـديـد الـذي يـقـطـر مـن بـين كـلـمـاتـه وقـالـت بـجـفـاء:
"مـتـتـصـلـش عـلـيـا تـانـي!"
"نـاجـي" بـتـخـابـث:
"ولـمـا انـتِ مـش عـيـزة انـي اتـصـل بـتـردي عـلـيـا لـيـه؟"
أخـذ اسـتـفـهـامـه يـتـردد بـداخـل عـقـلـهـا الـذي انـتـفـض مـن غـيـبـوبـتـه ونـفـض تـلـك الـسـمـوم الـتـي كـانـت تـلـوثـه. فـصـاحـت بـاحـتـقـار:
"انـت عـنـدك حـق. انـا غـلـطـانـه انـي بـرد عـلـى واحـد حـقـيـر زيـك وووو"
"بـتـكـلـمـي مـيـن يـا جـنـة؟؟؟"
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نورهان العشري
تجمدت الدماء في أوردتها وهي تناظر «فرح» التي كانت ملامحها جامدة ونبرتها مشابهة:
_ إيه؟ السؤال صعب أوي كدا؟
تخلى عنها جأشها وشعرت بقدميها توشك على التلاشي أمام نظرات «فرح» الثاقبة. لصمتها الذي طال، قطعت قائلة بخفوت:
_ دا... دا رقم غريب!
ملامح وجهها تولت الحديث عنها، خاصةً حين ارتفع أحد حاجبيها بمعنى "حقًا!". ولكن لدهشتها، قامت بتغيير دفة الحديث حين قالت بجفاء:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
تنهيدة قوية أفلتت من جوفها توحي بمدى ارتياحها كون «فرح» لم تُطل الأمر أكثر. لذا جاءت نبرتها أكثر ثباتًا حين قالت:
_ الحمد لله، أحسن.
_ كويس. عشان نعرف نتكلم.
قذفت كلماتها الذعر بجوف «جنة» التي لا تعلم لماذا شعرت بأن هناك ما هو عظيم خلف ثبات شقيقتها وهدوئها بتلك الطريقة.
_ نتكلم في إيه؟
«فرح» بجفاء:
_ عايزة أعرف إذا كنتِ لسه عايزة سليم في حياتك ولا لأ؟
بضع حروف مدببة اخترقت جدران قلبها الذي انتفض للحد الذي طغى على تنفسها، فأصبح سريعًا مما جعل الحروف تخرج من بين شفتيها متقطعة حين قالت:
_ أنتِ... أنتِ بتقولي إيه يا فرح؟
وضعت الحقائق في إطار من الصراحة الذي لا يحتمل أي مراوغة لتجعلها تحسم أمرها. لذا قالت بنبرة جافة:
_ يعني سليم لا هيقدر يقتل حازم أو يسجنه. كل اللي ممكن يعمله أنه يقطع علاقته بيه. لو كنتِ راضية بكدا يبقى تمام، ننتقل للنقطة اللي بعدها. لو مكنتيش راضية قوليلي عشان نخلص الموضوع في أقرب وقت وكل واحد يعيش حياته، وكفاية لعب عيال لحد كدا.
تبلورت الحقيقة نصب عينيها، فانتفض قلبها ألمًا للحد الذي تدافعت العبرات من مقلتيها. وجاءت حروفها معذبة حين قالت:
_ بتقسي عليا كدا ليه يا فرح؟
تجاهلت وخزات الألم بقلبها وقالت بجفاء:
_ عشان المواضيع دي الحزم فيها بيكون مطلوب. وبعدين فين القسوة؟ أنا ما أجبرتكيش على حاجة، بالعكس بخيرك وبوضحلك كل حاجة، وأنتِ حرة.
تعانق الألم بالذنب بداخلها، فكان الأمر أكبر من طاقتها على الاحتمال. فاقتربت تجلس على أقرب مقعد قابلها وهي تقول بكمد:
_ بتخيريني بين الموت أو الحياة في الجحيم.
_ لو تقصدي الجحيم بإنك تعيشي مع سليم وهو أخو حازم، يبقى تقدري تخرجي نفسك منه بالطلاق. ولو طلاقك منه هو الموت اللي تقصديه، يبقى تكسري عين الشيطان وتحمدي ربنا على راجل بيعشق التراب اللي بتمشي عليه.
أوشكت «جنة» على الحديث، فتابعت «فرح» بنبرة أقسى وتحمل بين طياتها الكثير:
_ وكل ما الشيطان يوزلك إنه أخو حازم اللي اغتصبك، تستغفري ربنا وتفتكري أن لولا البلاء ما كان هيبقى فيه عوض.
تعلم أنها مُحِقة، ولكن الأمر كان أكبر من ذلك بكثير. لذا صاحت بحنق:
_ أنتِ مش فاهمة يا فرح! دا مش شيطان!
قاطعتها «فرح» بسخط:
_ لا، شيطان. والشيطان وظيفته أنه يلعب بدماغ الإنسان ويشككه حتى في دينه. وأكبر دليل اللي حصل النهاردة دا!
انتفض قلبها ذرعًا للحد الذي جعلها تهب في وقفتها إثر كلمات «فرح» التي تحمل الكثير. فاندفعت تستفهم قائلة:
_ تقصدي إيه؟
«فرح» بحدة:
_ مين الشيطان اللي قالك إن سليم بايت عند مروة؟
هوى قلبها بين قدميها وهربت جميع الحروف من بين شفتيها، ولم تعد تعرف كيف تجيب. «فرح» التي اقتربت منها بخطوات ثقيلة وهي تعيد استفهامها بطريقة أخرى:
_ مستنياكِ تجاوبيني يا جنة.
بللت حلقها الجاف من هذا المأزق الذي تتلهف للخروج منه دون خسائر جسيمة.
_ اتصلت عليه وهي ردت عليا.
تعاظم الحنق بداخل «فرح» التي اقتربت بأعين يحترق بها الزيتون، وبلهجة قاسية حادثتها:
_ لا والله! عارفة اللي أكبر من الغلط إنك تتمادي فيه، وأنتِ اتماديتي أوي يا جنة. بتكذبي عليا وعينيكِ في عيني! متخيلة إني عبيطة هصدق اللي بتقوليه؟ مروة اللي جت هنا برجليها عشان تبرئ سليم هترد عليكِ وتقولك إنه عندها!
ضاقت ذرعًا بما يحدث، فصاحت بقهر:
_ كفاية بقى يا فرح، أنا تعبت.
_ تعبتي عشان غبية. لآخر مرة هسألك، عرفتي منين مكان سليم.
احتدت لهجتها واختلطت الحدة بالوعيد حين أردفت:
_ وأوعى تفكري تكذبي عليا. وافتكري إنك آخر مرة كذبتي عليا فيها حصلنا إيه؟ وكم الذل والقهرة اللي دوقناها من ورا كذبك. وخليكي فاكرة إني مش مستعدة أدوق من نفس الكاس تاني يا جنة.
تعلم إلا ما تشير بحديثها الذي كانت حوافره مدببة انغرزت بقوة داخل قلبها. فهي تعلم كم عانت شقيقتها بسببها، ولا تريدها أن تعاني أكثر. لذا حسمت أمرها سريعًا حين قالت بقوة:
_ أنا بحب سليم ومش هسيبه ولا هقدر أبعد عنه. ومش محملاه ذنب اللي حصل ولا مستنية منه يعمل حاجة مع حازم. أنا بس مكنتش قادرة أتخيل إنه يعيش حياته عادي بعد اللي عمله فيا وفي لبنى، ولا هتحمل إنه يقرب من ابني في يوم. ودا اللي عايزاه من سليم وبس.
كانت العبرات تعانق الحروف التي تركت آثارًا عظيمة بداخل قلبها المُحطم. وقد كانت ملامحها خير من يعكس مقدار العذاب الذي تُعايشه. فاقتربت «فرح» تحتويها بقوة داخل أحضانها وهي تقول بحنو:
_ متخافيش يا جنة، وأوعي تفكري إني هسمح إن حد يظلمك، حتى لو هقف قدام سالم نفسه. حازم هيتعاقب، ربنا هيعاقبه. وأهم حاجة إنه يفضل بعيد عننا، ودا اللي أنا واثقة فيه. بس مش عايزكِ تشيلي نفسك فوق طاقتها. ما صدقنا إنك خلاص قربتي تخلصي جلساتك. عايزكِ تعيشي حياة طبيعية وكلها سعادة مع ابنك وجوزك.
وكأن حنانها كان إذنًا لفيضانات الألم الذي انحدر من مقلتيها وهي تتشبث بشقيقتها تبكي بقهر تناثر من حروف كلماتها حين قالت:
_ نفسي يا فرح. نفسي أعيش حياة طبيعية. نفسي أنسى كل اللي حصل. بس للأسف، كل ما أبتدي أنسى وأعيش طبيعي، حاجة تحصل تقلب كل الموازين من تاني.
شددت من احتوائها وهي تقول برفق:
_ دي كلها ابتلاءات من ربنا عشان يشوف هنصبر ولا لأ. وأنتِ عارفة ربنا يا جنة. اصبري وجاهدي نفسك وشيطانك. سليم روحه فيكِ.
_ وبرضو روحه في أخوه. تقدري تقوليلي لو الزفت دا طلب إنه يشوف محمود، سليم هيتصرف إزاي؟ مش بقول دلوقتي، بقول بكرة بعد سنة أو اتنين أو عشرة. أنا عمري ما هبطل أكرهه، لكن سليم هينسى مع الوقت وهيحن لأخوه. وممكن كمان يضعف وقتها.
قاطعتها «فرح» بقوة:
_ وقتها أنا اللي هقف وأتكلم. وحتى لو حكمت، أقف قدام ولاد الوزان كلهم هعمل كدا. أنتِ مش لوحدك يا جنة. كلنا حواليكِ، أنا وجدك وولاد عمك. محدش يقدر يجبرك على حاجة.
تسلل خيط من الراحة بداخلها، فتعانقت رموشها وهي تستريح فوق صدر شقيقتها لدقائق غمرتها السكينة وهدأ ضجيج قلبها. إلى أن جاءها صوت بكاء صغيرها، فتركتها «فرح» وهي تقول بحنو:
_ روحي شوفيه، وأنا هروح عشان ميعاد الدوا بتاعي.
أومأت «جنة» وغمرتها بنظرات ممتنة قبل أن تتوجه إلى صغيرها. وحين اختفت بداخل الغرفة، توجهت «فرح» إلى هاتفها تبحث عن ضالتها، وسرعان ما تراقصت ألسنة اللهب بمقلتيها.
★★★★★★★★★
صباحًا توسطت الشمس كبد السماء وأشرقت بنورها على الجميع، ما عدا تلك التي قضت الليل تتقلب على جمر مُشتعل يحرقها بكل ثانية وهي تُفكر في كيفية التعامل مع هذا القذر الذي لا ينفك يُثبت أنه أحقر من رأت بحياتها.
رغمًا عنها، أخرجت غضبها بتلك الكنزة التي وضعتها بغل لم يخفَ على ذلك الذي كان يُراقبها منذ دقائق وعينيه تلتقم جميع انفعالاتها وملامحها التي زيَّنها الغضب بحُمرة قانية. لها إغواء من نوع خاص يطرب قلبه وتنتشي به روحه، مما جعله يطوي الخطوات الفاصلة بينهم. لتمتد يديه تعانق خصرها لتسكن بين ذراعيه ويستريح رأسها بجانب متيمها.
ويهمُس هو بجانب أذنيها بنبرته الخشنة التي تهواها:
_ التيشيرت الغلبان ذنبه إيه طيب؟
لجأت للصمت للحظات لترتوي من قربه الذي دائمًا ما يكون مهدئًا لقلبها ونيرانه. فشعر هو بسكونها بين طيات صدره، فشدد من احتوائها مُلبيًا توسلها الصامت باحتياجها له.
_ حيرانه ومتعصبة ليه يا فرحتي؟
حرفًا واحدًا كان من شأنه أن يحول نيران غضبها إلى أخرى عاشقة راغبة. حرفًا واحدًا أصابها بلعنة الاشتهاء التي لم تعرفها سوى بقربه وبين ذراعيه، وكأن جسدها وما يحتويه رهن وجوده.
_ فرحتك الشوق قرصها من دلوقتي. ومش عارفة هتقدر على بُعدك الأسبوع دا إزاي؟
أطلقت زفرة حارة ألهبت عنقها وسائر جسدها قبل أن يتحدث بصوت أجش:
_ هو قلبي اشتكالك ولا إيه؟
فرح بعذوبة:
_ تؤ. حسيت بيه.
أخذ ينثر وروده الدافئة خلف أذنها وعلى طول عنقها، حتى اختتمها بقطمة خفيفة فوق كتفها، ولكنها أضرمت الرجفة بسائر جسدها الذي أعلن عن احتياجها له. فشدد من تقريبها إليه حتى آنت ضلوعها وكذلك شفاهها، وكأنها دعوة لأن يشتد حصاره أقوى. فبدا وكأنها يعيدها إلى مكانها حيث ذلك الضلع الأعوج الذي استقام بعشقها.
_ أعتقد أن من العدل أنكِ تسكني مكانك جوا قلبي ومتبعديش عني لحظة واحدة بعد كدا.
أفلتت من بين شفاهها ضحكة خافتة لها وقع خاص على قلبه، وكذلك نبرتها العابثة حين قالت:
_ وهتعملها إزاي يا وزان قلبي؟
زمجر بخشونة ويداه تنقشان لحنًا قاسيًا فوق خصرها:
_ اتعدلي وبطلي تجننيني. لما بقسى عليكِ بترجعي تقولي عليا مفتري.
حان وقت الارتواء من ملامحه التي تنتشي العين برؤيتها، فاستدارت بين ضلوعه التي تحتويها كما احتوت عنقه بذراعيها، وكذلك فعلت غابتها الزيتونية بحبوب القهوة التي تلون حدقتيه. فخرجت حروفها العابثة حين قالت بدلال:
_ أعمل فيكِ اللي أنا عايزاه على فكرة، ومتقدرش تعترض. أنا فرح الوزان يا عنيا.
ازدانت ملامحه الرائعة بابتسامة عذبة أشعلت فتيل الحرب بقلبها، وكذلك فعلت لهجته حين قال بخشونة:
_ أهي عشان فرح الوزان اللي بتجنني دي يحقلك تعملي كل اللي أنتِ عايزاه.
همست بدلال:
_ سالم.
_ عيون سالم.
لون العبوس محياها، ولكن لم تخلو لهجتها من الدلال حين قالت:
_ متتأخرش عليا.
_ مقدرش.
_ وأوعى في يوم تقسى عليا، حتى لو زعلتك.
تبدلت نظراته فأصبحت تحمل الوعيد بين طياتها، وكذلك لهجته حين قال:
_ أنتِ عارفة إن الغلط عندي بحساب. بس ميمنعش إني ممكن أخليكي تختاري عقابك بنفسك.
رقت لهجته حين قال جملته الأخيرة وخلطها العبث، فأطلقت ضحكة مدوية تردد صداها بقلبه، وخاصةً حين أضافت بخفوت:
_ حلو دا. وأنا موافقة. قابل بقى.
طوقتها أصفاد ذراعيه التي حملتها بكل ما أوتي من عشق، وصار يدور بها يمينًا ويسارًا في عناق حنون دافئ بقدر ما يحمله من أشواق يتشاركها كلًا منهما. ثم همس بخشونة:
_ كل اللي ييجي منك على قلبي زي العسل.
★★★★★★★★★
حائرة، لا تعرف على أي أرضٍ تقف؟ ولا إلى من تلجأ؟ تشعر بالكلمات تمزق جوفها وتنقز بقلبها كأشواك، إن لم تتخلص منها حتمًا ستقضي عليها.
انتهت من ارتداء ملابسها وأخذت تبحث عن هاتفها فلم تجده. في البداية شعرت بالحنق، فلم يَبقَ سوى ساعة واحدة على موعدها مع الطبيب، وها هو ذلك اللعين، لا تتذكر أين وضعته. ولكن فجأة، تعثرت دقات قلبها وانحبست الأنفاس بصدرها وهي تتذكر أنها تركته وذهبت لترى طفلها حين كانت تتحدث مع شقيقتها.
تشكلت غصة صدئة بمنتصف قلبها وهي تتخيل أن تعرف «فرح» بما كان يحاول ذلك الحقير فعله. وسرعان ما دب الذعر في قلبها تجاه شقيقتها من أن تتواصل مع ذلك الحقير، فهي لا تهاب شيئًا ولا أحد. وعند هذا الحد، التفتت مهرولة إلى باب الغرفة، وما أن فتحته حتى اصطدمت بجسد صلب تعرف صاحبه حق المعرفة، فهو الوحيد القادر على العبث بدقات قلبها بتلك الطريقة وإضرام النيران بسائر جسدها للحد الذي جعل حضوره يطغى على ذلك الألم الهائل جراء اصطدامها به.
_ أنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟
انتفض قلبي من مكانه للحد الذي آلمني. تلك كانت أول إجابة بدرت إلى ذهنها حين اخترق سؤاله الملهوف أذنها، ولكنها تجاهلت الإجابة لتقول باختصار:
_ أنا كويسة.
_ مش تحاسبي! في حد يخرج من الأوضة يجري كدا؟
هكذا تحدث بجفاء قابلته هي بالسخرية حين قالت:
_ والله معرفش إن حد هيدخل أوضتي في الوقت دا!
«سليم» بجفاء:
_ على أساس إنها أوضتك لوحدك.
_ أوضتي أنا وابني.
التمع الشرر بعينيه وهو يضيف بلهجة حادة:
_ وجوزك.
اعتادت على مراضاته ودلاله، فقد كانت حدته شيء غريب بالنسبة لها. وكذلك أرادت الهرب من كل ما يجوش بصدرها ولا تستطيع سرده أمام عينيه. لذا تمتمت بخفوت:
_ عن إذنك.
لم تكد تمر به حتى جاءها صوته القاسي حين قال:
_ استني عندك.
فزعت من لهجته التي جمدتها بأرضها، والتفتت تناظره باستفهام أطل من عينيها المرتعبة. فجاءتها إجابته بلهجة حادة:
_ رايحة فين؟
نظفت حلقها قبل أن تجيبه بجمود:
_ رايحة لفرح.
_ ليه؟
اغتاظت من طريقته، فأجابته بحنق:
_ عشان تيجي معايا للدكتور. كان مفروض معادي معاه امبارح، بس حضرتك كنت مشغول ونسيت.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة ذات مغزى، تجاهلها قائلًا بجفاء:
_ فرح مش هتروح معاكِ في أي مكان. اجهزي عشان هنتحرك كمان عشر دقايق.
اغتاظت أكثر من لهجته الآمرة، فقالت بحنق:
_ ومين قالك إني عايزة أروح معاك في أي مكان؟
«سليم» بفظاظة:
_ ومين قالك إني باخد رأيك من الأساس.
أوشكت على الحديث، فجاءها صوته الآمر حين قال:
_ اجهزي يالا، مش عايز دلع ماسخ.
قال جملته وتجاوزها إلى غرفة الملابس ليتركها خلفه غاضبة، مصدومة، وأخيرًا حزينة.
★★★★★★★★★
كان صباحًا مُغبرًا برماد الأمس، فكانت الوشوش مقتضبة، عابثة. صباح بنكهة الكبرياء الذي يأبى التراجع أو الهزيمة، بالرغم من توسلات القلوب التي يُضنيها ذلك الجفاء وهذا البُعد المرير.
أنهت ارتداء ملابسها وتوجهت إلى باب الغرفة، فأوقفتها كلماته الغاضبة حين قال بحدة:
_ الهانم راحة على فين؟
توقفت يداها الممسكة بمقبض الباب، والتفتت تناظره بحنق، لك كي تُحاول إخفاءه وتضمنته لهجتها حين قالت:
_ هكون رايحة فين يعني؟ نازلة تحت.
«ياسين» بسخرية:
_ لا والله، بالبساطة دي؟
_ هو النزول تحت فيه مشكلة ولا حاجة؟
اغتاظ من حديثها وتجاهلها لما يرمي إليه، فصاح غاضبًا:
_ بطلي تعملي عبيطة عشان أنا على آخري منك من امبارح.
صاحت باستنكار:
_ امباااارح! أنا نفسي أعرف بقى إيه اللي حصل امبارح؟
عودة لوقت سابق:
_ حلاااا.
ارتعدت لدى سماعها ذلك الصوت الغاضب الذي يجعل كل خلية في جسدها تنتفض، حين اخترق سمعها. فالتفت الجميع لرؤية ذلك النمر الغاضب الذي بدا وكأنه على وشك الفتك بفريسته، وهو يتقدم بخطٍ يحمل من الغضب ما جعل الجميع يحبس أنفاسه. وعم الصمت أرجاء المكان، إلى أن قطعه صوته الحاد حين قال موجهًا حديثه للشاب:
_ أنت بتعمل إيه جنبها؟
الشاب بنبرة مُهتزة جراء خوفه من نظرات ذلك المارد الغاضب:
_ أنا... أنا قا... قاعد... بحضر... الـ...ـمحاضرة بتاعت... حض...ـرتك.
تجاهل وجودها كليًا وصاح بعنف وصوت دوى وأخذ يتردد صداه في أرجاء المكان حولهم:
_ أول وآخر مرة واحد يقعد جنب واحدة في المدرج. سامعين؟
تعالت الهمهمات التي قطعها صوته الغاضب حين صاح بنبرة متوعدة:
_ إحنا صعايدة والمسخرة دي مش عندنا. زميلتك دي أختك. إنك تقرب أو تفكر حتى تقعد جنبها دي جريمة في حق رجولتك. اللي متقبلهوش على أختك متقبلهوش على حد. كلام واضح؟
ارعد صوته حين قال جملته الأخيرة، فصاح الجميع:
_ مفهوم.
التفت ناظرًا إلى الشاب المسكين، ثم قال بقسوة:
_ مكانك.
نالت عقابها، نظرة قاتلة من عينيه حدجها بها لثوان، ثم توجه إلى مكانه. وأثناء مروره بأحد المقاعد، سمع إحدى الفتيات تقول باستفهام خافت:
_ هو عرف اسمها منين؟
توجه إلى مكانه وهو يقول بنبرة حادة وشابهتها نظراته وهو يحدج تلك الفتاة بتهديد مُبطن:
_ أنا عارف عن كل واحد هنا كل حاجة. اسمه، عيلته، وبيعمل إيه جوه وبره المكان دا، فنبقى حلوين بقى عشان السنة دي تعدي على خير. مفهوم؟
كانت نظراته كنيران تغلي لتنصب فوق تلك الفتاة التي أومأت بذعر بمعنى مفهوم.
عودة للوقت الحالي:
_ بقى سيادتك بتسألي كمان؟ قاعدة تهزري وتضحكي مع الزفت دا ولا فارق معاكِ حد، ومش بس كدا، دا أنتِ حتى محاولتيش تصلحي الهباب اللي عملتيه واعتذري كمان! زعلانة وواخدة جنب من امبارح!
جحظت عينيها حتى أوشكت أن تفارق محجريها من شدة ذهولها، والذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_ انت بتقول إيه؟ مين دي اللي كانت قاعدة بتهزر وتضحك؟ دا أنا ملحقتش أفتح بوقي بحرف حتى!
صاح بزئير أفزعها:
_ أنتِ كمان كنتِ عايزة تتكلمي معاه! دا أنتِ جننتِ عالآخر!
توقع منها أي شيء سوى ما فعلته تلك حين اقتربت تحتوي رأسه بين ذراعيها وتمسد بحنو كفوفها أكتافه، فخنع جسده وتبخرت زوبعة غضبه الذي انطفأ تحت وطأة حنانها. ودام صمتهم لثوانٍ، قطعه صوته الهامس حين قال:
_ أفهم من كدا إنكِ بتعتذري؟!
لا تنفك عن مفاجئته حين قالت برقة:
_ لو دا هيريحك اعتبره اعتذار.
ارتفع رأسه يناظرها دون أن تفلتها يداه، وقست نبرته قليلًا حين قال بجفاء:
_ يعني إيه مفهمتش؟
تدللت تلهو في أزرار قميصه وهي تهمس بغنج لم ينل من ثباته فحسب، بل أشعل فتيل الرغبة بقلبه:
_ أنا عايزاك تكون مرتاح يا سينو يا حبيبي.
تجاهل ذلك اللقب الذي من شأنه الفتك بهيبته والإطاحة بها، وقال بلهجة عابثة:
_ ودا من امتى العقل دا كله! طب حيث كدا بقى وعايز تريحني، ريحني!
أنهى كلماته بغمزة عابثة تجاهلتها، وكما تجاهلت جملته الأخيرة، وعُلقت على جملته الأولى قائلة ببراءة كادت أن تصيبه بنوبة قلبية:
_ الصراحة يا سينو، أصلك صعبت عليا. الغيرة وحشة بردو.
التمعت عيناه بوميض الغضب وعض على شفتيه السفلية بحنق تجلى في نبرته حين قال:
_ آه، خصوصًا إنك أكتر حد مجربها. ولا نسيتي عملتي إيه في البنت اللي كانت بتطلب مني أشرحلها حاجة مش فاهمها؟
قطبت جبينها دلالة على محاولتها أن تتذكر ما يتحدث عنه، وبالطبع كانت تلك تمثيلية فاشلة بالنسبة له، ولكنها أتقنتها خاصةً حين أردفت بدلال:
_ اااه، تقصد البنوتة اللي كانت واقفة معاك قبل المحاضرة! تؤ تؤ تؤ يا سينو يا حبيبي، أنا واثقة فيك أكتر من نفسي، غيرة إيه بس.
تعاظم الحنق بداخله وغلت الدماء في عروقه من تلك الماكرة التي يود الفتك بها بين ذراعيه. ولكن مهلًا، فسيخطو على نفس نهجها، لذا قال بخشونة:
_ طب إحنا كدا على الطريق الصح. أنا بردو اللي عملته امبارح، كنت هعمله مع أي بنت من البنات اللي كانوا موجودين لو كانت في مكانك. والغرض منه إني أخليه يلزم حدوده، إنما غيرة إيه وبتاع إيه؟
تعلم أنه يشاكسها ويتبع نهجها حتى يغضبها، لذا لمع الخبث في عينيها وأعادت السهم إلى راميه حين قالت بمكر:
_ حرام يا سينو، دا جميل أوي ودمه خفيف. حتى فكرني بمروان. لو تعرف واحشني قد إيه؟
قالت جملتها الأخيرة بحزن سرعان ما تبدد لذعر وهي ترى تبدل نظراته وألسنة اللهب التي تتراقص في عينيه. فغافلته واندفعت تُلثِم شفتيه بقبلة خاطفة، ثم هرولت تندفع إلى خارج الغرفة وهي تقول بشقاوة:
_ والله بحبك وأنت مجنون كدا.
تجمد للحظة وهو يتابع هروبها وقبلتها وكلماتها العاشقة التي بدلت نيران غضبه إلى أخرى عاشقة راغبة حتى النخاع. فاندفع خلفها وهو يزمجر بتوعد:
_ بتشتغليني يا بنت الوزان. طب وحياة أمك ما هعتقك النهاردة.
ما أن أوشكت على أن تضع قدميها عند أول درجة من درجات السلم لتهرب إلى الأسفل، فتفاجئت بيدين قويتين تأسران خصرها وتجذبَانها للخلف. فأخذت تتخبط بين يديه، بينما زجرها بتوعد:
_ بقى بتشتغليني! طب والله لتتعاقبي يا حلا.
قهقهت بين ذراعيه التي كانت تدغدغانها، ومن ثم ألصقها بالحائط لتصبح في مواجهة حائط جسده الصلب، الذي كان يود لو يجعلها جزءًا لا يتجزأ منه حتى يروي ظمأه منها الذي يتضاعف كلما اغترف من حسنها.
همس بخفوت ضد شفاهها المُغوية:
_ بقى بتلاعبيني! طب لازم تتعاقبي.
أخذت عينيها تدور في المكان وهي تتململ بين ذراعيه غير مُرتاحة، قبل أن تقول بنبرة يشوبها القلق:
_ ياسين، ابعد. مينفعش كدا. حد يشوفنا.
_ اللي يشوف يشوف. أنا دلوقتي عندي مشكلة ولازم تحلّيها.
هكذا تحدث بنبرته الشغوفة التي أذابت عظامها لتعزلها عن باقي العالم، مما جعلها تناظره بشغف خالط نبرتها حين قالت:
_ مشكلة إيه؟
أمام عينيها ينسى، تتبدل كل الأشياء وتندثر كل الحروف، ولا يبقى سوى قلبه العاشق لتلك الأنثى المملوءة بكل أنواع المشاعر التي تقذفها بجوفه. فينتفض قلبه ولعًا بها.
غيبته عن العالم أجمع، فهمس بنبرة مُوقدة:
_ أنتِ حلوة كدا ليه؟
_ عشان قدام عنيك.
_ يعني عنيا هي السبب؟
تدللت في ابتسامتها وكذلك نبرتها حين قالت:
_ حبك بيحلّي كل حاجة. بيخلي النار جنة والضلمة نور.
جذبها لتتوسط صدره وتعانق أضلعه وهو يهمس بجانب أذنيها بنبرة تفوح منها رائحة العشق:
_ بعشقك يا حلا.
تمسكت بمقدمة قميصه وهي تنقش حروفها فوق جسده الظاهر بسخاء من ملابسه:
_ حقك عليا لو ضايقتك امبارح، مكنتش أقصد. بس أنا اتضايقت لما شفت البنت دي بتكلمك.
لونت محياه ابتسامة رائعة قبل أن يفصل التحامهم لينظر إلى عينيها التي كانت تناظره بوداعة، فقال بتخابث:
_ اعترفنا يعني إننا كنا غِيرانين.
أضرمت النيران في قلبه حين قالت بنبرة عابثة:
_ لا، معترفتش ولا حاجة. أنا بس اتبعت نصيحة ماما تهاني إن الراجل عامل زي الطفل الصغير، لما تلاقيه متعصب بكلمتين حلوين تهديه. فقلت أهديك.
برقت عيناه لثوانٍ قبل أن يلمع بهما بريق خطر، فما أوشك على الانقضاض عليها حتى غافلته وانسلت من بين ذراعيه. ليتلفت وهو عازم على تلقينها درسًا لن تنساه، إذا بصوت صارخ خلفهم:
_ انتوا بتِعملوا إيه؟
تجمد الاثنان بمكانهما، وقد كانت تتقدمه بخطوتين في اتجاه غرفتهم، وسرعان ما التفتوا إثر صوت «عمار» المُفزِع، والذي أردف بسخط:
_ إيه؟ انتوا بتلعبوا الغُميضة ولا إيه؟ ودا وقته؟ يالا هنتأخر على معادنا.
التفت قاصدًا الدرج وهي تحاول كبح جماح ضحكاتها، حين سمع كلماته الغاضبة حين تمتم حانقًا:
_ الله يخربيت شكلك. بتطلع من أنهي داهية؟
★★★★★★★★★
تجمعت القرية والقرى المجاورة لمشاهدة ذلك الموكب الكبير، والذي يضم أكثر من مائتي رجل يحملون ما لذ وطاب من المؤن والهدايا، يسيرون في صفوف منظمة، ويتقدمهم ذلك الفارس الذي كان لوحة رائعة لفرسان العصور القديمة بوسامته المفرطة وهيبته التي تحيط به كهالة تقع الأعين أسيرة لها. والتي أضفى لها رونقًا خاصًا فرس الأدهم الذي كان يمتطيه، والذي يوازي سيده هيبة وجمالًا، فكان الأمر من بعيد مشهدًا رائعًا انحبست له الأنفاس، وتلمعت العيون برؤيته.
وكذلك عينيها حين شاهدته وهو يُلبي طلبها بأحسن طريقة يمكن أن تتخيلها، ويأتي سيرًا قاطعًا كل تلك المسافة والتي تساوي خمس قرى مر بها ليصل إليها، والعالم أجمع يراه وهو يحمل مهر ابنة الوزان.
_ إيه التهريج دا؟ هو عمار دا اتجنن ولا إيه؟
هكذا صاح «صفوت» الذي انتفض من جلسته حين رأى هذا الموكب الضخم، ووقعت عيناه على ذلك العنيد الذي لا يمكن التخلص منه.
_ الحب يعمل أكتر من كدا. مين فينا مداقش الحب واتجنن!
كان هذا صوت «سهام» التي أطلعتها «نجمة» على ما حدث مع «عمار»، وقررت الوقوف بجانبهما لتخرج تلك الكلمات التي أصابت ثباته في مقتل. فالتفت يُناظرها، فلامس العتب في كلماتها التي أحيت بداخله الكثير من الذكريات الرائعة، ولكنه نفض عنه هذا الضعف وقال بجفاء:
_ يقوم يلم علينا الناس بالشكل دا؟ إزاي جتله الجرأة يعمل كدا؟
_ أنا اللي قولتله يعمل كدا!
تفاجئ «صفوت» من حديث «سهام»، وكذلك «نجمة» التي برقت عينيها، خاصةً حين اندفع «صفوت» قائلًا بقسوة:
_ والله عال يا هانم. بقى بتتواصلي معاه من ورايا؟ وأنا مستغرب ليه؟ ماهي دي بقت عادتك! تتكلمي مع الرجالة من ورا جوزك.
كلماته اخترقت قلبها الذي انتفض مُعلنًا عن ما ألمه من وجع تناثر من عينيها وهي تقول بلهجة مُهتزة بسبب البكاء:
_ أنا متواصلتش مع حد من وراك يا صفوت. ولا أنا واحدة مش محترمة عشان أعمل كدا. أنا مقولتلوش يعمل كدا بنفسي، بس قولت لفرح، وهي اللي قالتله.
كانت عبراتها كجمرات مُشتعلة تتساقط فوق قلبه الذي ارتج بداخله ألمًا على حزنها وذلك الاتهام المُروع الذي ألقاه بوجهها. ولم يكد يتحدث حتى أردفت بجمود يُنافي العبرات المنهمرة فوق وجنتيها:
_ بنتك عايزاه، وهو أثبتلك وأثبت للناس كلها إنه عايزها وردلها كرامتها قدام البلد والمنيا بحالها. ياريت تفكر كويس قبل ما تاخد أي قرار. عن إذنك.
أنهت كلماتها واندفعت للخارج، تليها «نجمة» التي شيّعته بنظرات مُعاتبة قبل أن تلحق بـ «سهام» التي اندفعت فوق مخدعها تبكي بحرقة. انتفض لها قلب «نجمة» التي اقتربت تحتضنها وتشاطرها الألم والبكاء وهي تقول بألم:
_ ليه حطيتي نفسك في الموقف دا معاه؟ كنتِ قولتيلي إن أنا اللي قولتلُه.
هبت «سهام» جالسة وهي تنهَرها قائلة:
_ هششش، أوعي تكرري الكلام دا مرة تانية. إحنا مش عايزينه يعند أكتر من الأول. وبعدين أنا متفقة مع فرح عشان لو سألها. متقلقيش أنتِ.
شعرت بالغبطة لحديث والدتها التي ضحت بنفسها لأجل سعادتها، فاقتربت تقول بامتنان:
_ شكرًا أوي عشان اللي عِملتيه معايا.
«سهام» بأعين تنتفض ألمًا تناثر على هيئة عبرات:
_ أنتِ بنتي ونور عيني، وأنا ممكن أضحي بنفسي عشان بس أشوفك سعيدة ومبسوطة.
تعانقت الأم وطفلتها بقوة، بينما كان الآخر يتشاجر مع أنفاسه وهو يقوم باستقبال عائلة «عمران»، وكان على رأسهم «عبد الحميد» بجانبه «ياسين» و«عمار»، وخلفهم «تهاني» و«حلا»، وقد أتوا بالسيارة خلف هذا الموكب.
_ اتفضلوا. اتفضل يا عمار. ياللي معرفش اتحدفت عليا من أنهي داهية.
قال جملته الأخيرة بجانب أذن «عمار» وهو يعانقه بحنق. لم يُبالِ له الأخير، إنما قال بفظاظة:
_ نصيبك. بجي هتِعمل إيه؟
زفر «صفوت» حانقًا وهو يتقدمهم للداخل، بعد أن احتضن «حلا» التي عانقته بقوة، ثم قالت بجانب أذنه:
_ مش هتلاقي حد يحبها أكتر منه يا عمو، دا مقوم البلد على رجل عشان خاطرها بقاله يومين.
ناظرها بعنف وكأن عينيه تخبرانها:
_ مش أنتِ كمان.
جلس الجميع وتبادلوا السلامات، إلى أن قام «عبد الحميد» بطرق الموضوع الأساسي لهذه الزيارة:
_ ندخلوا في الچد يا صفوت بيه. إحنا چايين النهاردة عشان نطلب إيد بتك نجْمة لحفيدي عمار. جولت إيه؟
لم يكد «صفوت» يتحدث حتى أتاهم ذلك الصوت الغليظ الذي جَمَّدَهم بمكانهم:
_ هي دي محتاجة يا حاج عبد الحميد. طبعًا موافقين!
★★★★★★★★★
لجأ للنوم ليس لأنه متعب، ولكن هربًا من هذا الواقع المُروع الذي أُلقي به على حين غرة!
لم يكن يتحمل أن يُلقي به شقيقه الذي كان يعتبره والده في فوهة هذا البركان الذي لا يتحمل نيرانه أبدًا. والمقصود بالنيران هي نيران الذل الذي يتعرض له، بدايةً من نومه مع تلك الحيوانات البغيضة في ذلك المكان الرث، وذلك الطعام المقرف الزهيد الذي بالكاد يسد رمقه، والذي عبارة عن كسرة خبز ومياه ساخنة تُشعل جوفه المحترق حنقًا أكثر. ناهيك عن أنه منذ مدة كبيرة لم يتحمم، فأصبحت رائحته تُشبه تلك الحيوانات البغيضة التي تحاوطه، وذلك الرجل الفظ الذي لا يشعر بالراحة سوى بعد أن يتخيل أنه قام بتحطيم رأسه.
لذا اختار أن ينام معظم الوقت حتى يتسنى له التفكير في طريقة لمغادرة هذا الجحيم.
فجأة، شعر بسائل ساخن ينساب فرق رأسه ورائحة مقرفة تتخلل أنفه، ثم ذلك المذاق المالح البشع الذي لامس شفتيه. فانتفض من نومته ليجد أحد الماعز قد تبول فوق رأسه!
جن جنونه للحد الذي جعله يصرخ بهستيريا وهو يمسك هذا الحيوان الذي لا حول له ولا قوة، ويُلقي به في الحائط بدفعة قوية كسرت عظامه حتى دوى صوت فرقعتهم، والتي لم تمس قلبه المظلم. وما هي إلا ثوانٍ حتى سمع صوت جريد الذي قال بلهفة:
_ إيش فيه؟
تجمدت الدماء بأوردته حين رأى الحيوان الضعيف يئن في إحدى الزوايا، فانتفضت أوداجه غضبًا وصاح بانفعال:
_ إيش سويت يا لئيم؟
أنهى كلمته، ثم انقض فوق «حازم» بلكمة قوية أطاحت به إلى آخر الغرفة، ليتلقى ضربة قوية كتلك التي تلقاها الماعز. فعلت الدماء في عروقه، ولم يكد يسيطر على ألمه حتى اقترب منه جريد وهو يقول بصراخ أفزعه:
_ تدري إنك حقير؟ كيف بتتجرأ تعمل كدي في المعزي؟ إيش سوتلك يا جَبّان؟
لم يستطع التحدث من فرط الألم، فأخذت ضلوعه تئن، وكذلك كرامته التي دُهست تحت أقدام ذلك الرجل الغليظ الذي اقترب يقول بصوت شنيع:
_ إني هعرف كيف أربيك؟ ومن النهاردة إذا مجيتش تشوف شغلك، لا في وكل ولا شي، وراح أتركك لحتى تموت وديابة الصحرا تنهش بدنك يا حقير.
★★★★★★★★★
_ يا حلو صبح، يا حلو طُل. يا حلو صبح نهارنا فُل. الأ الحلو عامل إيه النهارده؟
هكذا تحدث بجانب «سما» التي كان الخجل يغمرها من نظراته العابثة وكلماته التي تُدغدغ مشاعرها بقوة. فهمست بخفوت:
_ حلوة الحمد لله.
أخذ عينيه تدور حوله في الحديقة الخلفية قبل أن يعيد نظراته إليها وهو يقول بعبث:
_ طب مانا عارف إنك حلوة وزي القمر. هو أنا وقعني على بوزي غير حلاوتك دي.
همست بخجل:
_ مروان بس بقى.
_ بس بقى إيه؟ هو أنا لسه قولت حاجة؟
هكذا تحدث بجانب أذنها، فنهرته بغضب زائف:
_ بطل بقى، وإلا هقوم أمشي.
صاح بانفعال:
_ تقومي تمشي إيه؟ دا أنا دافع خمسين جنيه بحالهم لمجاهد عشان يفسح أمك بعيد عننا ويخلالي الجو.
شهقت بصدمة:
_ أنت اتجننت يا مروان؟ بتوزع ماما؟
«مروان» بحنق:
_ ماهي لازقالي زي القُرادة. مش عارف أعبر عن مشاعري لما حمضت. لا بترحم ولا بتسيب رحمة ربنا تنزل.
«سما» في محاولة للدفاع عن والدتها:
_ متقولش كدا. دي ماما طيبة والله، هي بس بتخاف علينا زيادة عن اللزوم.
«مروان» بامتعاض:
_ متبرريش عشان مش ناولك بالقلم على وشك. أنا لسه ضهري واجعني من وقعة أول امبارح، فقصري بقى.
«سما» بحزن:
_ مروان، أنت بتزعقلي؟
«مروان» بحدة:
_ أيوا بزعقلك. مش لازم أدبح القطة من أولها، أومال إيه؟ أنا راجل في بيتي يا هانم.
ارتسم الحزن على ملامحها وتبلور في لهجتها حين قالت:
_ من أولها كدا بتزعقلي، يبقى ماما عندها حق لما حذرتني منك.
شهق «مروان» بصدمة تجلت في نبرته حين قال:
_ نهارها أسود، هي كمان بتسوء سمعتي؟
اغتاظت من وقاحته، فهبت من مكانها تنوي المغادرة، فاندفع خلفها ليمسك بيدها ويجذبها لتصطدم بصدره الذي احتواها بضمة قوية قبل أن يهمس بجانب أذنها:
_ أنا أقدر على أي حاجة في الدنيا دي، إلا زعلك.
انتفض قلبها بين ضلوعها جراء كلماته، وتراجعت للخلف حتى تنظر إليه قائلة باستفهام:
_ بجد يا مروان؟
_ بجد يا قلب وروح مروان.
أنهى كلماته وهو يغوص في بحر عينيها الجميلة، قبل أن يضيف بنبرة ماكرة:
_ وبعدين، حتى لو زعلتك، هتلاقيني براضيكِ في نفس الدقيقة، حتى شوفي.
برهن على كلماته بالدليل القاطع حين احتوى ثغرها بقبلة شغوفة طالما تمناها، فحلق بها في السماء السابعة من فرط روعة الشعور الذي كان خُرافيًا لمشاعرها البتول، وكم أسعده ذلك بقوة. فانهى قبلته وهو يحتويها بضمة قوية توحي بمقدار عشقه لها، وقد كانت هي كالمُخدرة بين ذراعيه التي أخذت تُهدهدانها دون أن يخدش حدودها أو يتجاوز في حق براءتها.
طال صمتها، فقال بخفوت:
_ سما.
لم تجبه، فعلت نبرته حين صاح:
_ بت يا سما، أنتِ نمتي ولا إيه؟
«سما» بخجل:
_ لا، صاحية.
«مروان» بعبث:
_ اومال إيه بقى؟ دي حتة بوسة يعني! اومال هتعملي إيه لما نتجوز؟
نهَرته «سما» التي لكزته في كتفه وهي تقول بغضب:
_ بطل قلة أدب بقى.
«مروان» بتذمر:
_ لا بقولك إيه، مش كل شوية هتفهميني صح بقى.
_ بقولك إيه، اتلم أحسن لك، وإلا هبتدي أصدق كلام ماما عنك.
«مروان» بحنق:
_ وأنا أقول أنا عمال أشرق كل شوية ليه؟ اتاريها مقطعة فروتي. كلام إيه إن شاء الله اللي بتقوله عني أم أربعة وأربعين دي؟
تعاظم حنقها وصرخة غاضبة:
_ أول وآخر مرة هسمحلك تغلط في أمي، فاهم ولا لأ؟
«مروان» بنفاذ صبر:
_ ما تتلمي بقى، أنا جوزك يا هانم، وبعدين فيه طار بيني وبين أمك اللي هي عمتي، وكمان أنا بفضفض من اللي شايفه على إيديها، أومال أطق وأموت.
«سما» بلهجة أهدأ، فهي تعلم أفعال والدتها التي تفعل المستحيل حتى تبعدها عنه:
_ طب ما تحاول تكسبها، وتقرب منها.
«مروان» بملل:
_ يا بنتي، هو أنا بلحق؟ دي أول ما بتشوفني بتهب فيا، بتبقى ناقص تهبرني.
زفرت بحنق:
_ اللهم طولك يا روح. يا حبيبي حاول تقرب منها وتغير فكرتها الزفت عنك.
_ فكرة إيه إن شاء الله؟
«سما» باندفاع:
_ بصراحة بقى، هي شايفة إنك تافه وإنك مش نافع في أي حاجة وإنك بق على الفاضي.
شهق «مروان» بصدمة وصاح غاضبًا:
_ نهار أمك أسود.
_ دا نهارك اللي زي وشك.
كان هذا صوت «همت» التي أتت على صوته العالي، فوجدته يقف على مقربة من «سما»، فجن جنونها وجنونه حين سمع صوتها، فتمتم حانقًا:
_ طبعًا مانا شوفتك، لازم يبقى أسود.
_ اقتربت «همت» وهي تقول بحنق:
_ بتقول إيه يا واد انت؟ وقاعد مع بنتي ليه؟
«مروان» بامتعاض:
_ بقول اللهم اخزيك يا شيطان. وبعدين إيه يعني أما أقف معاها؟ هاكل منها حتة! أهي قدامك أهيه، شوفي ليكون ناقص منها صوباع ولا حاجة!
زجرته «همت» قائلة:
_ دمك خفيف يا خويا، وبعدين دي أول وآخر مرة ألاقيك واقف معاها تاني.
ضاق ذرعًا بما يحدث، فصاح غاضبًا:
_ لا هقف يا عمتي، ومحدش يقدر يمنعني عنها، دي مراتي!
«همت» بسخرية:
_ لا والله خوفتني يا ولا. زعق كمان، زعق. أنت كدا راجل لما تزعق لـ عمتك؟
«مروان» بتهكم:
_ جوزيني الصبح وأنا أوريكِ يا أختي أنا راجل ولا لأ؟ وبعدين بقى أنا لازم أصلح غلطتي.
شهقت كلًا من «همت» و«سما» التي ناظرته بصدمة، قطعها صوت «همت» الصارخ:
_ بتقول إيه؟ نهارك أسود؟ غلطة إيه دي؟ أنت قربت من بنتي؟
«مروان» بتحسر:
_ ماهي دي أكبر غلطة غلطتها. دا أنا لو كنت اغتصبتها كان زماني مخلف منها تلت عيال.
«همت» بحنق:
_ تصدق أنت ملكش غير سالم اللي يربيك من أول وجديد. والله لأقولنه على قلة أدبك.
التفتت تنوي التوجه إلى «سالم»، ولكنها توقفت حين وجدتِه يقترب من «سما» قائلًا بصوت خفيض:
_ ما تيجي أتغرغر بيكِ، خلي الولية المفترية دي تجوزنا بقى. أنا طهقت.
_ اصبر عشان خاطري يا مروان، وحياتي عندك.
صاحت «همت» بصراخ:
_ تعالي يا بت أنتِ هنا، واقفة معاه ليه؟
«مروان» بنفاذ صبر:
_ روحي عند أمك، ربنا يأخذك أنتِ وهي.
★★★★★★★★★
تجاوزها إلى الخارج ولم يلتفت لها، مما جعل الغضب يتعاظم بداخلها، فتبعته وهي توعد له بداخلها. وقد شعر هو بذلك، خاصةً وهي تحاول ربط حزام الأمان، ففشلت جراء عصبيتها المُفرطة. فاقترب يساعدها، فإذا بها تتفاجيء بيديه التي كانت حانية على عكس نظراته القاسية، وأنفاسه الملتهبة التي حين لامست بشرتها حتى أثارت زوبعة من المشاعر بداخلها. ولكن سرعان ما تحولت لغضب عاصف حين عاد إلى مكانه مرة أخرى بمنتهى الهدوء، ثم انطلق بها إلى الطبيب الذي طمأنهم بأن الأمور ستصبح بخير. وقد حدد لها موعدًا لإجراء المسح الذري للتأكد من أنها تخلصت من هذا المرض اللعين. وقد جعلتها كلمات الطبيب المُطمئنة تشعر بالسعادة التي تناثرت من عينيها على هيئة عبرات غزيرة تلقاها هو بشفتيه قبل أن يحتويها بين ذراعيه في عناق دافئ شغوف يعبر عن مدى سعادته التي بلغت عنان السماء بهذه الأخبار الطيبة. وقد تناسى كلاهما كل شيء للحظات اختطفوها من الزمن. ولكن كما هي العادة، الأوقات السعيدة سرعان ما تنتهي، فقد اخترق صوت الهاتف لحظاتهم الجميلة. فراجع عنها ليُجيب، وتحمحمت هي بخفوت قبل أن تسبقه إلى السيارة، لتتفاجيء بجفاء نبرته حين قال:
_ هوديكِ البيت وأرجع أنا ع الشركة.
باغته حين قالت بنبرة يغلب عليها التوسل:
_ مش هنتكلم؟
جفاءه آلمها حين قال:
_ مش فاضي. ورايا حاجات مهمة.
_ أهم مني؟
لم يكن استفهامًا بقدر ما كان رجاء وطلب للصفح، جعل دقات قلبه تصرخ من فرط العشق الذي يود لو يُغدقها به في تلك اللحظة. ولكن جاء صوته يتنافى مع ضجيج مشاعره حين قال:
_ كل حاجة وليها أهميتها يا جنة.
لأول مرة ينطق اسمها بتلك الطريقة، فتعاظم الألم بداخلها، فصرخت غاضبة:
_ على فكرة مش بس أنت اللي زعلان، أنا كمان قلبي واجعني ومش قادرة أنسى شكلك وانت عندها. حتى لو كنت مظلوم!
استنكر قائلًا:
_ حتى لو كنت مظلوم! أنتِ كمان لسه عندك شك إني مظلوم؟
«جنة» بغضب:
_ إذا كان أنت نفسك مكنتش واثق إذا كنت مظلوم ولا لا؟ دا أنت قولتي مش فاكر.
كان الأمر كارثيًا بالنسبة له، إما أن يصفعها أو يصفع كبرياءه داخل أحضانها. لذا قال بقسوة:
_ يالا عشان أوصلك.
_ للدرجادي أنا مش فارقة معاك ولا أهمك؟
فاجأها حين قال بقسوة:
_ لا. لا فارقة معايا ولا تهميني!
شهقة قوية شقت جوفها حين استمعت إلى كلماته القاسية، فهمست بلوعة:
_ سليم.
أتتها كلماته المُعذبة كطلق ناري استقر في منتصف قلبها حين قال بمرارة:
_ اللي متتوصفش المواقف والأفعال، مفيش كلام في الدنيا يقدر يعبر عنه.
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بلهجة مريرة:
_ عشان كدا بقولك لا، مش فارقة معايا ولا تهميني!
★★★★★★★★★
_ تجمع جميع أفراد العائلة حول «سالم» الذي كان سيغادر إلى مدينة الإسماعيلية لكي يباشر سير الانتخابات التي أصبحت على الأبواب. فاقترب من «أمينة» يضع قبلة قوية فوق جبهتها وأخرى فوق راحة يدها، ثم قال بحنو:
_ خلي بالك من نفسك يا حبيبتي. ومتنسيش تدعيلي.
_ ربنا يجبر بخاطرك يا ابني ويرجعك مجبور الخاطر قادر يا كريم.
آمن الجميع على دعائها، ليقول «سالم» بحنو:
_ أحلى دعوة في الدنيا. ربنا ما يحرمني منك.
_ أيوا يا عم، ناس عمالة تدعيلك مش زي الغلبان اللي ربنا مسلط عليه شياطين الأنس والجن.
كان هذا صوت «مروان» الحانق، فجاءه صوت «همت» الساخر حين قالت:
_ وأنت الشياطين تروح فيك فين؟ دا الله يكون في عونهم.
«مروان» بامتعاض:
_ يا ستار يارب. أنا ماشي على طريق يا عمتي. ارحمي أمي العيانة.
_ يارب ترحمنا هي وتبعت تاخدك.
_ قاعد على قلبك يا غالية، لحد ما ربنا ياخد أمانته وألواحد يعرف يعيش حياته بقى.
ضاق ذرعًا من عراكهم الذي لا ينتهي، لذا زمجر قائلًا:
_ اكتم يا ابني. مش ناقصين وش. يالا قوم جهز نفسك عشان نص ساعة وهنتحرك.
«مروان» بامتعاض:
_ هجهز نفسي يعني هعمل إيه؟ هما بوكسرين وتشيرتين وشراب.
قهقه الجميع على كلماته، فزجره «سالم» قائلاً:
_ مبقاش سالم الوزان لو مش قصيت لسانك الطويل دا. أنا قايم أعمل كام تليفون على ما تخلص.
غادر «سالم» لتقول «همت» التي قالت بشجن:
_ تفتكروا سالم هيعمل إيه مع الزفت ناجي دا؟
أجابتها «أمينة» بهدوء:
_ هو سالم عمره بيقول لحد على اللي في دماغه.
التفت الجميع إلى «مروان» الذي قال بتهكم:
_ على رأيك يا مرات عمي الكبير، الكبير مبيقولش لحد على اللي في دماغه، بس الكبير بقاله كبير تاني بيعرف يقرره ويطلع منه بكل حاجة.
كان يتحدث وعيناه تتركز على «فرح» التي اعتدلت في جلستها تشعر بالحرج من نظرات الجميع التي انصبت فوقها. فالتفت تناظر «مروان» بغضب قابله بالسخرية التي بددتها كلمات «أمينة» المتلهفة:
_ صحيح يا فرح، قالك ناوي على إيه؟
«فرح» بمراوغة:
_ الموضوع مالوش حل جذري يا ماما، وكمان هياخد وقت. بس اطمني، إن شاء الله خير، وسالم قدها.
تباينت الأحاديث وتحولت إلى مواضيع أخرى، إلى أن جاء موعد المغادرة. فصافح «سالم» الجميع وتبادلوا السلامات، وحين جاء دورها لم يكتفِ بمجرد عناق، بل جذبها من خصرها إلى أن وصل إلى باب القصر، وقام باحتوائها في ضمة قوية وكأنه يختزن من أنفاسها ما يكفيه حتى يعود. فطال عناقهم لدقائق، قطعها حين قال بنبرة فاخت منها رائحة العشق:
_ خلي بالك من نفسك. مش هوصيكِ.
_ متقلقش عليا، خلي بالك أنت من نفسك. وطمني عليك على طول. ومتتعصبش لما أرن عليك كل شوية أطمن عليك.
ابتسم صد شفاهها التي كانت تذمها بطريقة لطيفة جعلته يود التهامها، ولكن الوقت لم يكن يسمح، لذا قال بخشونة:
_ كلميني في أي وقت. وحتى لو مشغول، هفضي نفسي عشانك. أصلًا معنديش أغلى منك.
همست بعذوبة:
_ ربنا ما يحرمني منك.
_ ولا منك. لا إله إلا الله.
همست بلوعة حاولت إخفاءها قدر الإمكان:
_ سيدنا محمد رسول الله.
غادر «سالم» برفقة «مروان» في وجهتهم نحو المجهول، ليمر على غيابهم يومان، وقد قضى الشوق على آخر ما تبقى لديها من ثبات. حتى تلك المكالمات الهاتفية لم تستطع أن تروي ظمأ شوقها إليه. فألتقطت أحد قمصانه تحتضنه بقوة لتتغلغل رائحته إلى أنفها، ليتعاظم الشوق بداخلها أكثر. ولكن جاء صوت الهاتف لينتشلها من بحر أشواقها، فتوجهت بخطْ متلهفة كنمر أخيرًا زفر بفريسته، لتجيب بصمت، فاخترق صوته الكريه أذنها:
_ الجميل تقلان عليا ليه؟
تضمنت لهجتها قدر كبير من الإشمئزاز حين قالت:
_ تعرف أنا اتحكالي كتير عن قذارتك، بس ولا حد قدر يوصفك صح.
صمت لثوانٍ يتدارك المفاجئة، قبل أن يقهقه بصخب، اتبعه قائلًا بتسلية:
_ فرح هانم. مرات البوص الكبير. أكيد النهاردة يوم حظي!
_ عايز من أختي إيه يا حقير؟
صاح بها غاضبًا:
_ لسانك! وبعدين أختك دي عيلة هبلة، سهل أي حد يضحك عليها. مش ذنبي.
«فرح» بحنق:
_ ابعد عن أختي أحسن لك.
_ وأن مبعدتش؟
صاحت بانفعال:
_ يبقى نهايتك هتكون على إيدي.
قهقه بصخب قبل أن يقول باستخفاف:
_ تصدقي خوفتيني.
_ أنا ممكن أخوفك بجد، ومتفكرش إني بهدد وبس.
«ناجي» بتخابث:
_ عارف. بس كمان عارف إنك بتخافي على أختك. وأنا بقى ممكن أخليها متقدرش تطلع بره باب البيت تاني. وأخلي حبيب القلب يطلقها ويرميها. وقبل ما تقولي نص كلمة، هقولك ليه. فيديو حلو أوي كان حازم مصوره لأختك وهي في حضنه عشان يبتزها بيه. دا ممكن ينزل في كل مكان. إلا لو...
امتقع قلبها وشعرت بأن قدميها لم تعد قادرة على حملها، وخرجت الكلمات هامسة من بين شفتيها حين قالت:
_ إلا لو إيه؟
«ناجي» باستمتاع:
_ إلا لو جيتي تقابليني. وأوعي تفهمي كلامي غلط، أنا أقصد تقابليني في كافيه قدام الناس كلها، وأنا راجل بفهم في الأصول.
بعد مرور ساعة، كانت تستقل إحدى سيارات الأجرة وتتوجه إلى المكان الذي واعدت ذلك القذر أن تلاقيه هناك. وقد كانت الهواجس والأفكار تتقاذفها حول كونها أخطأت أو أصابت فيما تفعله، ولكن كان شيء واحد ترجح له كفتي الميزان هو مصلحة شقيقتها.
دقائق، وكانت تقف وجهًا لوجه مع هذا المسخ الذي قال بسماجة:
_ أخيرًا شفت الحلوة اللي وقعت سالم الوزان على جدور رقبته. بس تصدقي له حق.
تجاهلت كلماته المقززة ونظراته اللعوب، وقالت بقوة:
_ ابعد عن جنة، وأوعى تحاول تقربلها مرة تانية.
_ طب اقعدي نتكلم.
_ مش هقعد، وهتسمع اللي بقولك عليه أحسن لك.
«ناجي» بتخابث:
_ وأن مسمعتش؟
_ يبقى أنت الجاني على روحك.
«ناجي» بدناءة:
_ دا أنتِ اللي مش واخدة بالك إن روحك بقت في إيدي!
«فرح» بذعر حاولت جاهدة إخفاءه:
_ تقصد إيه؟
_ أقصد إن الحلوة جت برجليها. أقدر دلوقتي أحرق قلب سالم الوزان عليكي أنتِ وابنه.
حاولت الثبات وهي تقول باستخفاف:
_ على أساس إني هخاف من كلامك دا! نبقى متعرفنيش. أنت أقل بكتير من إنك تخوفني. واحد زيك أجبن من إنه يتواجه زي الرجالة وبيتشطر على الستات.
تبلور الغضب بعينيه، فصاح بانفعال:
_ تعرفي إني ممكن كمان أقطع لسانك دلوقتي؟ بس مش هعمل كدا. عشان أخليكي تشوفي نهاية حبيب القلب بعينيكِ.
ارتج قلبها ذعرًا، فصاحت بعنف:
_ اخرس، وإياك تقرب من جوزي ولا من أختي يا حقير.
_ يبقى أدوق من الكيكة.
«فرح» بترقب:
_ تقصد إيه؟
«ناجي» بحقارة:
_ ليلة في حضن الأمورة، والـ بيه يرجع بيته بسلام، وفيديوهات الأمورة الصغيرة تتحذف. إيه رأيك؟
صدمة قوية اجتاحتها جراء كلماته الوقحة، فلم تستطع منع نفسها حين رفعت يدها وهوت بصفعة قوية فوق خد ذلك الحقير الذي لم يصدق ما حدث. وسرعان ما اجتاح غضبه واقترب ليرد الضربة عشرة، فتفاجئ بذلك الجسد الضخم الذي وقف أمامه يعتصر يده حتى كاد يهشم عظامه، وصوته الجهوري يصيح:
_ إيدك لا أقطعها لك.
يتبع....
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورهان العشري
شهقت بقوة شقت جوفها حين رأت ذلك الجسد الضخم الذي حال بينها و بين صفعة ذلك المُجرم الذي تفاجيء حين رأى «طارق» الذي كاد أن يطحن عظام يده بين قبضته القوية التي شابهت لهجته حين قال بعنف:
_ اشتهيت الموت يا ناجي ولا ايه؟ عايز تمد ايدك على مرات سالم الوزان! دا انت قلبك مات أوي.
نزع يده من قبضة «طارق» المؤلمة وهو يصيح بغضب:
_ سيب ايدي يا حيوان انت. ايه البيه مشغلك ناضورجي للست هانم؟ هو دا آخركوا يا ولاد دولت!
قال جملته الأخيرة باستهزاء ولم يحسب حساب لذلك الغضب الجنوني الذي تملك «طارق» فقام بإمساكه من تلابيبه بعنف وهو يقول بهسيس مُرعب:
_ اتعاملت مع ولاد الوزان كلهم ما عدا انا. عشان كدا ليك عُذرك. و المرة دي هقرص ودنك بس عشان تعرف أن طارق الوزان غير.
لم يكد يفهم المغزى وراء حديثه حين وجده يوجه سلاحه إليه فشهقت «فرح» بذعر و لم يتسنى لها الحديث حين وجدته بلمح البصر يقوم بالتصويب على ناجي الذي اخترقت الرصاصة كتفه فصاح بألم أطاح به ليسقط على المقعد خلفه بينما قام «طارق» بالالتفات تجاه «فرح» قائًلا بلهجة مُطمئنة:
_ اهدي يا فرح و متخافيش.
استدار يُناظر «ناجي» الذي كان ينتفض من شدة الألم ثم تابع بفظاظة:
_ دا خربوش بسيط. المرة الجاية هرشقها في قلبه، و خليك فاكر انا مش بهوش مرتين.
_ حصل ايه يا طارق؟
كان هذا صوت «سليم» الذي كان يُهرول تجاههم فصدمه مشهد «ناجي» الذي كان ينزف بغزارة و «فرح» التي كانت ترتعد خوفًا و خاصةً حين صاح «ناجي» صارخّا:
_ هدفنكوا هنا يا ولاد الوزان. محدش هيخرج من هنا سليم.
لم يكد يُنهي جُملته حين تفاجئ الجميع بأنهم مُحاطون بحفنة من الرجال تُقدر بعشرون رجلًا جميعهم يصوبون أسلحتهم على رؤوسهم.
اختلط الألم بالتشفي في نظراته حين شاهد الرجلان يقفان كسد منيع أمام «فرح» التي كانت تنتفض حين شاهدت ما حدث ولكن لفت انتباهها نظرات «طارق» التي بدا عليها الملل و كذلك «سليم» الذي كان الامتعاض يلون ملامحه و ليس الخوف!
أصوات زناد الأسلحة اخترقت سمعها فالتفتت لتتفاجيء بأن أولئك الرجال أصبحوا مُحاطين بأكثر من خمسين رجل يصوبون أسلحتهم نحو رؤوسهم.
_ انا بقول نخلص عليه دلوقتي هو و شوية العيال اللي معاه دي و نريح دماغنا.
هكذا تحدث «طارق» بملل قابله «سليم» ساخرّا:
_ معلش يا طروق مضطرين نتحمل وجوده شويه سالم لسه عايزه شويه.
صاح «ناجي» بعنف:
_ انتوا مفكرين انكوا كدا كسبتوا؟ لااااا. أنا معنديش مشكله اخلص عليكوا حتى لو هموت انا كمان هنا. بس هبقى حرقت قلبكوا و قلب الباشا بتاعكوا على ابنه و مراته.
تبدلت ملامح الرجلان و صارت مُخيفة جعلت «ناجي» ينتفض ذعرًا وخاصةً حين زمجر «طارق» بشراسة:
_ فرح هتطلع من هنا على بيتها ومحدش هيقدر يتعرضلها بأي سوء. أما بخصوص عرضك. أنا موافق. هوديك الجحيم بايدي لو كانت دي آخر حاجة هعملها في حياتي.
شاطره «سليم» الرأي حين قال بقسوة:
_ تصدق مفيش حاجة أحلى من كدا الواحد يعملها قبل ما يموت.
اختتم «سليم» حديثه و قام هو و «طارق» بسحب زناد سلاحهم بنفس اللحظة ليصوبوه نحو قلب «ناجي» الذي تملكه الذعر فلم يعُد يشعر بأي شيء فقد كان جسده يرتجف.
لم تتحمل ما يحدُث فصرخت بذعر:
_ سليم أنت و طارق وقفوا الجنان دا بتعملوا ايه؟
لم يكد يُجيبها أيًا منهما حتى صدح صوت رنين هاتف «سليم» الذي ما أن رآى المتصل حتى أجاب و عينيه و سلاحه مصوبان نحو «ناجي»:
_ عايزه حي.
_ حاضر.
اغلق «سليم» الهاتف و قال بسخرية:
_ من حسن حظك أن الكبير عايزك حي. بس اوعدك نهايتك قربت. خلصوا.
قال جملته الأخيرة و التي كانت أمرًا لأولئك الرجال بإنهاء الأمور فقاموا بتقييد من رجال «ناجي» الذين تركوا أسلحتهم فهم قلة و الأمر محسوم بينما قال «طارق» بجفاء:
_ خد فرح معاك وانا هجيب الكلب دا.
«سليم» بتحذير:
_ مش عايزين تهور يا طارق. سالم عايزه حي.
_ متقلقش.
ماهي إلا دقائق حتى كادت تستقل السيارة بجانب «سليم» الذي أرسل أحد الرجال لمرافقة «ناجي» كونه لا يضمن «طارق» الذي لون الامتعاض ملامحه وهو يقول:
_ هو انا عيل صغير يا سليم! كنت سبتني روحت معاه.
«سليم» بسخرية:
_ اه عشان كنت عملتله عاهه. ولا شوهت ملامحه.
زفر «طارق» حانقًا فتحمحمت «فرح» التي كان الذعر يأكلها من الداخل منذ أن سمعت صوته القاسي وهو يتحدث مع «سليم» على الهاتف فلم تعُد تتحمل الصمت أكثر لذا قالت بخفوت:
_ انتوا عرفتوا مكاني منين؟
فست نظرات «سليم» المُطلة عليها من المرآة الأمامية في السيارة و كذلك لهجته حين قال:
_ سالم اللي قالي!
برقت عينيها حتى كادت أن تخرج من محجريها من شدة الصدمة فلم تلتفت لاستفهام «طارق» الحانق حين قال:
_ معرفش عقلك كان فين و أنتِ جايه تقابلي البني آدم دا؟
عنفه «سليم» قائًلا بحسم:
_ طارق. ملناش فيه. سالم قال محدش يتكلم في حاجة.
هالكة لا محالة. فقد ألقت نفسها في فوهة الجحيم الذي لا طاقة لها بتحمله!
أخيرًا وصلا إلى المنزل فترجلت من السيارة بأقدام هُلاميه لا تقو على حملها و لأول مرة تحمد ربنا حين لم تجد سيارته أمام المنزل فتقدمت إلى الداخل فإذا بها تتفاجيء بكل تلك الأزواج من العيون التي تحدق بها بغضب و خيبة أمل فلم تستطِع مواجهة أسهم نظراتهم و لجأت إلى الهرب الذي يكُن أبدًا من شيمها ولكن ماذا عساها أن تفعل في مثل هذا المأزق فكل خليه بها ترتجف.
أغلقت باب غرفتها و استندت عليه بثقلها تستجدي شجاعتها التي هربت كما دماءها حين سمعت طرق قوي على باب غرفتها فانتفضت رعبًا وهي تضع يدها فوق قلبها الذي آلمها و خرج صوتها مُتحشرجًا حين قالت:
_ مين؟
_ انا جنة يا فرح.
كانت كالقشة التي من شأنها أن تُنقذ الغريق وهي بالفعل كانت تغرق ولا تعلم كيف السبيل الى النجاة لذا سرعان ما فتحت الباب لتدخل «جنة» و ترتمي بين ذراعيها «فرح» تحتضنها بكل ما أوتيت من قوة و لأول مرة تتخلى عن شجاعتها أمام شقيقتها بتلك الطريقة فأخذت «جنة» تربت بحنو على كتفها وهي تقول بأسف:
_ حقك عليا يا فرح أنا السبب. أنا أسفة.
كلماتها انتشلت «فرح» من بئر الأسى الذي كانت غارقه به فرفعت رأسها و هي تشحذ قواها لكي تخرج كلماتها ثابته حين قالت:
_ أسفة على ايه؟ أنتِ ملكيش ذنب في حاجة. اوعى تحملي نفسك غلط مش بتاعك.
«جنة» بقهر تناثر من عينيها أولًا:
_ لا يا فرح دا ذنبي. انا اللي عملت كدا. أنا اللي من الأول غلطت. و جريتك معايا لكل العك دا. ياريتني اموت و ارتاح و اريحك أنتِ اتعذبتي معايا كتير اوي..
انتفض قلبها ألمًا إثر حديث شقيقتها فنهرتها قائلة:
_ بطلي هبل و اوعي تقولي الكلام دا تاني. الموضوع اكبر منك. المهم قوليلي انتوا عرفتوا منين؟
«جنة» بحزن:
_ كنا قاعدين في الليفنج اتفاجئنا بشيرين بتصرخ و تقول لطارق الحق فرح راحت تقابل بابا و طلع طارق يجري.
زفرت بقوة و أحنت رأسها تفرك عينيها بتعب فاقتربت «جنة» تقول بشفاة مُرتجفة و ملامح يلونها القهر:
_ فرح. سليم كان هناك صح؟
رفعت رأسها تطالعها بحنان يُنافي ضجيج قلبها ثم اقتربت تحوي وجهها بين يديها وهي تقول بحنو:
_ اطمني. محدش عرف حاجة ولو على موتي محدش هيعرف. و بإذن الله هلاقيلها حل. متشغليش بالك أنتِ.
تدافعت العبرات بغزارة من مقلتيها وهي تقول بجسد يرتجف و قلب ينبض بجنون:
_ طب و سالم هتقوليله ايه؟
تجاهلت آلامها العظيمة و خوفها الكبير و قالت بقوة:
_ متقلقيش يا جنة. محدش هيعرف حاجة ولا حتى سالم.
اندفعت تحتضن «فرح» بقوة وهي ترتجف داخل أحضان شقيقتها التي هالها ما تفوهت به «جنة» حين قالت بقهر:
_ انا همشي من هنا يا فرح. هتطلق من سليم اهون عليا أنه يعرف اي حاجة.
تراجعت «فرح» تناظرها بصدمه تجلت في نبرتها حين قالت:
_ بتقولي ايه يا جنة؟ ايه الجنان دا؟ سليم بيحبك و أنتِ بتحبيه.
صاحت «جنة» بانفعال:
_ هيكرهني. هيكرهني يا فرح لو عرف ولا شاف حاجة من اللي الكلب دا عملها. مش هتحمل اشوف نظرة كره في عينيه أبدًا.
شددت «فرح» من احتواء «جنة» وهي تقول بنبرة قاطعه:
_ قولتلك خليكِ واثقة فيا. هحل كل حاجة من غير ما أي حد يعرف. متفكريش أنتِ في أي حاجة. ممكن؟
قالت جملتها الأخيرة بنبرة أرق ولكن سرعان ما تجمدت الفتاتين حين سمعتا طرق على باب الغرفة انتفض له قلب «فرح» التي كانت كمجرم ينتظر تنفيذ حكم الإعدام به:
_ مين؟
قالتها «فرح» بنبرة حاولت أن تكون ثابته فجاءها صوت «أمينة» من خلف الباب:
_ أنا يا فرح.
شهقت «جنة» بذعر فنهرتها «فرح» بخفوت:
_ اسكتِ خالص اول ما تدخل اخرجي على اوضتك و متقلقيش من حاجة.
اومأت «جنة» بلهفة و توجهت «فرح» لتفتح باب الغرفة فإذا بها تصطدم بعيني «أمينة» التي يتطاير منها الشرر فالتفتت تناظر «جنة» و بإيماءة بسيطة من رأسها توجهت «جنة» إلى الخارج لتقوم «أمينة» بالدخول الي الغرفة و إغلاق الباب خلفها وهي تقول بصوت غاضب:
_ حالًا دلوقتي تقوليلي روحتي تقابلي الكلب دا ليه؟
لجأت للصمت في مواجهة «أمينة» فهي لم تكن تدري بماذا تُخبرها ولا كيف تُخبرها فقط نظرات مُغلفة بالحزن الذي أوقد نيران الألم بقلب «أمينة» فصاحت بانفعال:
_ أنا لولا عارفاكِ و عارفه انك عمرك ما تعملي حركة غبية زي دي غير لو كان عندك سبب و سبب مقنع كمان كان زماني مخلصة عليكِ.
لا تعتد على الانحناء ولا التوسل ولكن في تلك اللحظة عاندتها عينيها التي تقاذف منهم الدمع كالأنهار و كذلك شفتيها التي انسابت الكلمات منها دون أن تملك القدرة على إيقافها:
_ قولتيلي قبل كدا اني زي بنتك، و انك هتكوني دايمًا جنبي و في ضهري. و اني كمان اكتر حد بتثقي فيه صح؟
رق قلب «أمينة» لحديثها و كذلك عبراتها التي لم تتوقعها لذلك قالت بلهجة مُعاتبة:
_ ايوا قلت، بس ياترى أنتِ كنتِ قد ثقتي فيكِ يا فرح؟
«فرح» بقهر لون ملامحها و عبراتها و كلماتها حين قالت:
_ أنا عمري ما خنت ثقة حد فيا، و إلا مكنش زماني واقفه في الموقف دا دلوقتي.
زفرت «أمينة» بتعب و قالت بعتب أطل من عينيها:
_ صارحيني يا فرح. روحتي للكلب دا ليه؟
للحظة شعرت بقواها تخور و أوشكت أن تضعف و تلقي ما بجوفها دفعة واحدة ولكنها تذكرت شقيقتها و انهيارها ذلك اليوم.
عودة لوقت سابق
اندفعت إلى غرفة شقيقتها التي تجمدت بأرضها حين رأت معالم «فرح» التي باغتتها قائلة بغضب:
_ أنتِ بتكلمي الكلب دا من امتى؟
تراجعت «جنة» بذعر تجلى في نبرتها حين قالت:
_ في ايه يا فرح؟ و كلب مين اللي بكلمه؟
_ جنة. من غير لف ولا دوران. سؤالي واضح و أنتِ عارفه انا قصدي ايه؟
لم تحسب حساب لانهيار «جنة» الى هذا الحد فقد خارت قواها و سقطت تفترش الأرضيه بعبراتها وهي تقول من بين انهيارها:
_ انا بموت يا فرح. بموت كل يوم من الخوف و العذاب اللي انا عايشه فيه.
انتفضت «فرح» و هرولت تحتضن شقيقتها وهي تقول بلهفة:
_ في ايه يا جنة؟ حصل ايه لكل دا؟
«جنة» بقهر:
_ بيهددني يا فرح. بيهددني بفيديو حازم صورهولي يوم ما اغتصبني. انا مغلطتش يا فرح. والله ما فرطت في نفسي. عشان اتعذب العذاب دا كله. انا حافظت على نفسي والله. مكنتش اعرف انه هيطلع حقير بالشكل دا.
احتضنتها «جنة» بقوة فقد تساقطت كلماتها فوق رأسها كالحجارة و تناثرت أشواك حديثها بقلبها الذي كانت ينتفض حزنًا و غضبًا تجلى في نبرتها حين قالت:
_ وليه مقولتليش أن الكلب دا بيهددك؟ ليه مقولتيش لسليم…
قاطعتها «جنة» بصراخ افزعها:
_ لااااا. سليم لااااا. ابوس ايدك اوعي سليم يعرف. اوعي يا فرح. سليم. لا. لا. لا.
كانت تتحدث و كأن مسًا من الجنون طالها فارتعبت «فرح» من مظهرها وقالت بحنو:
_ خلاص يا حبيبتي اهدي. مش عايزاه يعرف مش هيعرف.
تحول جنونها إلى قهر تساقط من بين حروفها حين قالت:
_ يعرف ايه يا فرح؟ سليم بيغير عليا من الهوا الطاير. تخيلي يشوفني وانا في حضن اخوه!
اخترقت الكلمة قلبها بقوة و قد شعرت بمدى معاناة شقيقتها التي تابعت بحزن أدمى قلبها:
_ عمره ما هيبص في وشي تاني. حتى لو عارف ان انا مظلومة. عمره ما هينسى حاجة زي دي أبدًا ولا هتتمحي من خياله. سليم ميستحقش مني كدا. ولا انا استحق اتعاقب العقاب دا.
بأول مرة لا تسعفها الكلمات للرد على شقيقتها التي كان العذاب يكاد يفتك بها وهي عاجزة كليًا عن مواساتها.
_ خليني امشي انا و ابني، وكفايه بقى. أنا مبقتش قادرة اتحمل تهديداته ولا اتحمل اشوف سليم قدامي من غير ما اترمي في حضنه. ولا قادرة اتخيل أن الكلب دا عايش وانا بمووووت.
كلمات «جنة» أيقظت وحوش غضب «فرح» التي قامت بإدارتها وهي تناظرها بغضب تجلى في نبرتها حين قالت:
_ إياكِ اسمعك بتقولي الكلام دا. مفيش حد هيمشي و كل واحد غلط هيتعاقب و كفاية تدفعي تمن غلط مش بتاعك. أنا هتصرف مع الكلب دا و هخلي سالم يربيه وووقاطعتها «جنة» صارخه:
_ لا سالم لا.
اوعي سالم يعرف يافرح.
«فرح» باستفهام:
_ طب وسالم ميعرفش ليه؟
احنت رأسها وهي تقول بخزي:
_ مش عايزة حد من البيت كله يعرف يا فرح. تخيلي يبقى ليا فيديو وحش مع ابنهم. مش هقدر ارفع عيني في عينهم أبدًا يا فرح.
تناثر الألم من عينيها وهي تشعر بعمق جراح شقيقتها و تشفق عليها من كل هذا الألم لذا احتضنتها بقوة تجلت في نبرتها حين قالت:
_ خلاص يا حبيبتي اللي يريحك.
رفعت «جنة» رأسها وهي تقول بلهفة:
_ اوعديني يا فرح.
وضعتها كلمات «جنة» أسفل مطرقة الإختيار لا تقدر على خُذلان شقيقتها ولا خُذلان حبيبها ولكنها في النهاية رضخت لهذا الألم و القهر الذي يتساقط من عيني شقيقتها و قالت بحسم:
_ أوعدك يا جنة محدش هيعرف حاجة خالص..
عودة للوقت الحالي
كاد رأسها ان ينفجر من فرط الضغط الذي أصبحت فريسة لأنيابه تنهشها بشراسه غير عابئة بصراخها الداخلي كل ما استطاعت قوله في تلك اللحظة:
_ للأسف مينفعش اقولك. ولا ينفع أقول لحد. لو كنتِ بتعتبريني زي بنتك صحيح. اقفي جنبي و متضغطيش عليا اكتر من كدا.
كان مظهرها مُذريًا على عكس «فرح» القوية التي لطالما كانت تقف شامخة مرفوعة الرأس لذا رق قلب «أمينة» كثيرًا وقالت بحزن:
_ للأسف الموضوع أكبر مني و منك يا فرح. سالم زمانه على وصول…
قاطعها انهيار «فرح» و سقوطها على المقعد خلفها وهي تضع رأسها بين كفوفها تبكي بقهر و أسى لم يتحمله قلب «أمينة» التي توجهت إلى حيث تجلس و قامت باحتضانها بقوة و شاركتها البكاء بصمت إلى أن ضاقت ذرعًا بأفكارها التي كانت تطن برأسها كالذُباب:
_ يا بنتي ريحي قلبي و قوليلي في ايه؟ حصل ايه لكل دا؟
«فرح» بأسى:
_ ياريت كان ينفع احكي كنت عالأقل هرتاح.
زفرت «أمينة» بحنق و قالت بنفاذ صبر:
_ طب هسألك و جاوبيني. الموضوع يخص جنة.
رفعت «فرح» رأسها باندفاع فصاحت «أمينة» بصدمة:
_ الكلب دا ضايقها.
«فرح» باختصار:
_ حاجة زي كدا. بصي يا ماما الزفت دا بيهدد جنة و دا اللي خلاني اروح أقابله عشان هي خايفه أي حد يعرف اي حاجة و بالأخص سليم..
شهقت «أمينة» بصدمة اتبعتها بسيل من السُباب في هذا الملعون ثم التفتت الى «فرح» قائلة بحزن:
_ بيهددها بحاجة تخص حازم؟
اومأت «فرح» قبل أن تقرر الإفصاح عن ما يجيش يصدرها من لوعه:
_ حازم صور جنة لما اغتصبها و ناجي وقع في أيده الفيديو و بيهدد جنة أنه يوريه لسليم!
شهقة قوية خرجت من جوفها إثر هذه القنبلة المُدوية التي ألقتها «فرح» على مسامعها و التي انفجرت بقلبها مُحدِثة آلام عظيمة جعلت العبرات تتقاذف من مقلتيها وهي تقول بجزع:
_ ربنا ينتقم منك يا ناجي يا حقير. و ينتقم منك يا حازم يا ابن بطني. أنا عملت في دنيتي ايه يا ربي عشان اجيب عيل بالشكل دا؟
_ اهدي يا ماما أمينة أرجوكِ.
«أمينة» بلهجة تتصور وجعًا:
_ اهدى ايه يا فرح؟ واحد ضاع مني واحتسبته عند ربنا و قولت ربنا كفيل بيه. يقوم الكلب دا عايز يضيع مني سليم كمان. عايز الأخ يقتل اخوه و العيلة تضيع و تتفرق، و بيستخدم حتة العيلة الغلبانه دي في مخططاته القذرة. حسبي الله ونعم الوكيل. فوضت أمري ليك يارب.
قطع وصله عويلها صوت عجلات سيارة تكاد تأكل الطريق أسفلها مُصدرة أصوات مُرعبه انتفض لها جسد كُلًا من «أمينة» و «فرح» التي هبت من مكانها ترتجف فقد حانت اللحظة الحاسمة:
_ فرح اوعي تقولي لسالم أي حاجة، وانا هحاول اتصرف.
هكذا تحدثت «أمينة» على عُجالة وهي تتوجه إلى باب الغرفة بخطٍ مُتعسرة لمقابلة ذلك الأعصار الذي سيُطيح بهم جميعًا.
كان الشرر يتطاير من عينيه يوازي ذلك الألم الذي نشب مخالبه في قلبه حتى كاد أن يُدميه. لم يستطِع نسيان تلك اللحظة التي هاتفه بها ذلك الحارس الذي كلفه بحمايتها وهو يخبره بأنها تتوجه إلى مكان به ذلك الرجل الذي كان يراقبه هو أيضًا.
كاد الخوف أن يُطيح بعقله وهو يتخيل أن يؤذيها ذلك الحقير بينما الأفكار تتقاذفه للحد الذي جعله قاب قوسين أو أدنى من الجنون فترك كل شيء و توجه إلى القاهرة رأسًا و معه «مروان» الذي لا يعلم كم مرة نطق بها الشهادة وهو بجانبه في السيارة من فرط سرعته.
يُريد أن يأكل الطريق حتى يصل إليها. لا يعلم ماذا سيفعل بها و اي عذر قد يثنيه عن إزهاق روحها عقابًا على ذلك الجُرم الذي فعلته بحقه و حق نفسها.
ترجل من سيارته وهو يتوجه إلى باب القصر و خلفه «مروان» الذي أخذ ينادي عليه ولكن لا رد لأول مرة يراه غاضب إلى تلك الدرجة حتى أنه شعر بالخوف عليها من بطشه.
دفع الباب بعنف فكان أول من قابله «سليم» الذي قال مُحاولّا تهدئته:
_ سالم اهدى. مينفعش حالتك دي.
صاح بفظاظة:
_ اوعى من وشي.
تدخل «طارق» هو الآخر قائلًا:
_ سليم عنده حق يا سالم. مينفعش الأمور تتحل بالطريقة دي.
دفع «طارق» من أمامه بعنف غير مسبوق من جهته وهو يندفع كالنيران الغاشمة التي تأكل الأخضر و اليابس في طريقها.
أكل درجات السلم في عدة خطوات وهو لا ينوي خيرًا و فجأة أتاه صوت «أمينة» المتألم:
_ الحقني يا سالم.
التفت ليجد «أمينة» تستند بوهن على باب غرفتها فهرول إليها قائلًا بلهفة:
_ مالك يا أمي؟
_ اسندني يا سالم دخلني أوضتي مش قادرة اقف.
أطاعها على الفور و اسندها إلى الداخل ليجلسها على السرير فإذا بها تقبض بقوة على يده قائلة بوهن:
_ اقعد جنبي يا سالم. لازم نتكلم قبل ما تعمل حاجه تندم عليها.
تمكن الغضب منه للحد الذي جعله ولاول مرة يصيح بوجه والدته:
_ مفيش كلام في اي حاجة ياحاجه.
_ لا في. ولازم تسمعني.
هكذا عاندته بلهجة قويه فأخذ يطحن أسنانه من فرط الغضب الذي جعل الخوف يتشعب إلى أوردتها لذا اندفعت قائلة:
_ هتعمل ايه يا سالم؟ هتضربها؟ هتقتلها؟ عايز تعمل ايه؟
صاح بعنف:
_ هكسر دماغها.
_ و هتستفاد ايه لما تعمل كدا؟ هتعيش بحسرتها العمر كله. و هتبقى عملت لناجي اللي هو عايزه.
جن جنونه من حديث والدته الذي مر بقلبه أولًا فأوقد به نيران الألم الذي تجلى في نبرته حين صاح:
_ أنتِ بتدافعي عنها؟ ولا عايزة توصلي لأيه بالظبط؟
_ لا دا ولا دا. أنا بفوقك. بمنعك من الغلط اللي هيوقعك فيه غضبك.
هكذا تحدثت «أمينة» بهدوء أصابه بالجنون فزمجر بعنف:
_ غلط. و عملتها السودا دي مش غلط؟ متخيلة احساسي كان ايه لما الحارس يقولي أنها رايحه مكان الكلب دا فيه. ولا لما اتفاجيء بيه محاوط المكان برجالته وهي هناك لوحدها. افرضي طارق مكنش راح وراها. افرضي سليم مكنش لحقهم كان حصل ايه؟
قال جملته الأخيرة بصراخ افزعها وقد أيقنت بأن الأمور خرجت عن السيطرة لذا قالت قوة:
_ عارفة و متخيلة و عشت الموقف دا بحذافيره قبل كدا.
صدمة قوية اجتاحته من حديث والدته فقال مستنكرّا:
_ موقف ايه اللي عشتيه؟
اخفضت رأسها وهي تسترجع خيط الذكريات التي دفنتها بإحدى زوايا قلبها ثم بدأت بالحديث بشجن:
_ طول عمر ناجي أساليبه مُلتوية. طول عمره بيتفنن في حرب الأعصاب دي. كلمني و كان أبوك مسافر هو و جدك و هددني بيك وان الطريقة الوحيدة أنه ياخد انتقامه مننا أنه يخلص عليك. عشان عارف انك اغلى حاجه عند ابوك و جدك. طبعًا زيي زي أي أم اتجننت وهو استغل دا و طلب يقابلني و من يأسي و خوفي روحت.
تبلور الذهول في نظراته حين استمع إلى حديث والدته التي تابعت بشجن:
_ المثير للاستفزاز أنه قعد يتكلم و يهزر و كأننا أصحاب. كنت متفاجئة باللي بيعمله بس اتضح أنه كان مأجر حد يصورنا عشان يوري الصور لأبوك، و حصل. كلم ابوك و قاله اصعب كلمة ممكن راجل يسمعها في حياته.
استفهام صامت أطل من عينيه بينما خالط الترقب ملامحه فتابعت بأسى:
_ قاله انا أقدر اوصل لبيتك في أي وقت. و بعتله صورتي معاه.
تضاعفت نيران غضبه من ذلك المسخ ولكنه تجاهل كل شيء و قال باستفهام:
_ و بابا عمل ايه؟
رفعت رأسها تطالعه بنظرات حزينة مُتألمة وهي تُجيبه بمرارة:
_ كان هيموتني فعلًا. كانت أول مرة يضربني. قعد يضربني لحد ما كنت هموت في أيده لولا جدك و عمتك لحقوني منه، وخدني جدك المزرعة معاه اسماعيليه بعد ما حكتله انا روحتله ليه، و قعدت هناك خمس شهور جدك منعه أنه يشوفني او حتى يقربلي. عمل المستحيل عشان اسامحه و مكنتش قادرة لحد ما ادخل ابويا و صالحنا على بعض. بس منستش اللي عمله فيا ولا هنساه.
اندفع غاضبًا:
_ وليه عملتي كدا؟ الغلط كان عندك من الأول.
«أمينة» بحزن:
_ عشان خوفت. مكنش عندي اغلى منكوا ولا منه. الخوف مخلانيش افكر. انا كنت بحب ابوك اوي يا سالم. كان حب عمري والست لما بتحب مستعدة تضحي بنفسها عشان تفدي اللي بتحبه وانا مكنتش قادرة اتخيل أنه يأذيك أو يأذيه. اومال ليه احنا ناقصات عقل و دين. مشاعرنا بتتحكم فينا يا ابني و عاطفتنا بتغلبنا، و فرح ست و بتحب. بتحبك اكتر من اي حاجة في الدنيا.
التمع وميض خطر في في عينيه و زمجر بعنف:
_ تقصدي أن الكلب دا هددها؟
حاولت شحذ قوتها قدر الإمكان وهي تقول بثبات:
_ مقولتش كدا. بس اديتك موقف مشابه انا عملته و رد فعل أبوك وقف بينا طول العمر. بلاش تعمل حاجه تندم عليها. اسمعلها، وافهمها. دي فرح يا سالم.
لم يستطِع الثبات أكثر و كأن حروف اسمها أسهم مُدببة تنغرز بقلبه فتندفع دماء القهر في شرايينه وهو من اعتاد على الشموخ طوال حياتها.
اقتحم الغرفة بأعين احترقت من فرط الغضب فبدت مُريعة و شابهتها معالمه فهبت من مجلسها وهي تناظره بذعر أضرم الرجفة في سائر جسدها فكان مظهرها مُذريًا ولكن غضبه كان يطمس كل شيء أمامه في تلك اللحظة فأخذ يتقدم منها بخطٍ وئيده ضاعفت خوفها فأخذت تتراجع للخلف فجاءها صوته القاسي حين قال:
_ مكانك.
كلمته جمدتها بمكانها وهو يتقدم منها بملامح مُكفهرة و عينين مظلمتين و عروق نافرة كل هذة الأشياء كانت توحي بمقدار الغضب الهائل الذي يعتريه في تلك اللحظة والتي من الممكن أن تصبح فريسته و خاصةً حين شاهدت يديه التي كان يقبض عليها بشدة و كأنه يمنعها من الوصول إلى عنقها.
جاءها صوته الفظ القاسي ليُكمل تلك اللوحة المُرعبة التي تقف أمامها:
_ حالًا عايز تفسير للي حصل.
كان يفصل بينهم عدة خطوات و كأنه أراد أن تكون على بعد كافيًا منه حتى لا تطالها يده وبالرغم من ذلك لازالت ترتجف خوفًا غير قادرة على إخراج الكلمات من فمها فطال صمتها بينما عينيها تتوسل إليه أن يرفق بها ولكنه تجاهل رجاءها و زمجر بشراسه:
_ سمعتيني قولت ايه؟ عملتي كدا ليه يا فرح؟
انتفض جسدها لتتراجع خطوتين إلى الخلف و تعالت شهقات البكاء التي مزقت جوفها و ضاعفت غضبه فأخذ يمسح على وجهه بعنف بينما كانت أنفاسها تتعثر بداخل صدرها حد الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_ سا. سالم متخوفنيش. منك.
«سالم» بقسوة:
_ حلو. يبقى تقولي عملتي كدا ليه؟
كان مغايرًا لذلك الرجل الحنون الذي يغدق عليها العشق أطنان و يسقيها من حنانه حتى تثمل، فإذا به يتحول لوحش كاسر ترتعب من الاقتراب منه:
_ اكيد في سبب يخليكِ تستغفليني و تنزلي من بيتك تقابلي عدوي، اكيد في سبب و سبب مُقنع كمان صح يا فرح؟
كان حديثه كالجمرات تتساقط فوق قلبها الذي ضاق ذرعًا من فرط الألم فاقتربت منه رغمًا عنها وهي تقول بانفعال:
_ سالم متصعبش الأمور اكتر من كدا…
قاطعتها كلماته الحادة كنصل السكين:
_ متقربيش. خليكِ بعيد. مش عايز ايدي تطولك. أنا مش ضامن نفسي في اللحظة دي.
تجمدت بمكانها من فرط الصدمة و قد أيقنت في تلك اللحظة أن الأمور خرجت عن السيطرة فصاحت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر:
_ خلاص يا سالم أنا تعبت. ايوا روحت قابلته. و عندي سبب و سبب قوي كمان بس…
«سالم» بجفاء:
_ بس أيه؟
اخفضت رأسها لا تقوى على الحديث أمام عينيه التي بالرغم من تلك القوة الغاشمة التي تخيفها منه إلا أنها كانت تعاتبها بألم لا تستطيع تحمله لذا قالت بخفوت:
_ بس مش هقدر اقولك عليه.
رن الصمت حولهم لثوان قطعه صوته القاسي حين قال:
_ يبقى متلزمنيش.
كانت ملامحه جامدة على عكس النيران التي تنهب قلبه من الداخل كما ينهب هو الخطوات للمغادرة. مغادرة هذا المكان المُعباء برائحة الخُذلان الذي أدمى روحه ولكن و بالرغم من تلك الآلام العظيمة و الجراح الهائلة لم يستطِع إلا أن يبقى شامخًا يُحارب جيوش وجعه و رغبة حمقاء تُلِح عليه بالبكاء ولكنه حتمًا لن ينصاع لها حتى و إن قتلته جراحه فليمُت وهو مرفوع الرأس.
ما أن رأته «جنة» حتى هرولت إليه وهي تقول بلهفة:
_ فرح كويسه؟ عملت فيها ايه؟
تجاهلها هي و حديثها و تابع خطواته الهادئة كما اعتاد و توجه إلى هذا الجمع الذي ينتظره بلهفة و أستفهامات مُلحة أعلنت عنها العيون ولم تُفصِح عنها الألسن.
فاجئ الجميع حين تحدث بنبرة جامدة تُنافي احتراق بُنيتيه:
_ فاضل عشر أيام على الانتخابات، والفترة دي مُهمة اوي ولازم اكون مركز، فمش هسمح بأي تجاوز من أي حد.
طافت عينيه في أوجه الموجودين قبل أن تستقر على كُلًا من «طارق» و«سليم» ثم قال بلهجة آمرة:
_ البيت أمانه في ايديكوا مش هحتاجكوا غير يوم الانتخابات. غير كدا انتوا مكاني هنا. أنا و مروان هنرجع اسماعيليه تاني.
قست نبرته حين قال بصوت جهوري:
_ اللي هيخرج من البيت دا من غير ما يستأذن يعمل حسابه أنه مش هيرجعله تاني، و معنديش استثناءات.
انهى كلماته و توجه إلى غرفة المكتب صافقًا الباب خلفه فيما هرولت «جنة» الى غرفة شقيقتها فوجدتها تتسطح على السرير جامدة بلا حراك فصاحت بلهفة:
_ فرح.
حاولت جاهدة إخراج صوتها الذي بدأ واهنًا حين قالت:
_ سبيني لوحدي يا جنة.
«جنة» بألم:
_ بس يا فرح.
_ لو بتحبيني سبيني لوحدي.
لم تستطِع أن تُجادلها فقط تراجعت للخلف منكثة رأسها بحزن لتهرول الي غرفتها وقد أعمتها العبرات التي كانت تغلف عينيها فلم تلاحظ ذلك الذي كان يبحث عنها بالغرفة وحين التفت تفاجئ بها تندفع إلى الداخل حتى لتصطدم بالمقعد و كادت أن تسقط على الأرض لولا يديه التي التقطتها لمنعها من السقوط:
_ «جنة»..
هكذا صاح بخوف سرعان ما تحول الى صدمة وهو يرى ملامحها الباكية و عينيها التي تخلل ليلها الأسود الحالك خيوطًا حمراء تروي مدى العبرات التي ذرفتها فصاح بلهفة:
_ مالك يا جنة؟ حصل ايه؟
كان النجاة من بحر العذاب التي أُلقيت به فهمست بنبرة مُعذبة:
_ سليم..
لم تعطيه الفرصة للحديث بل اندفعت داخل احضانة بقوة صدمته في البداية ولكنه فطن إلى مدى احتياجها له فشدد من احتوائها حتى آنت عظامها تحت سطوة عناقه فأخذت تمرغ رأسها بصدره تشتم رائحته التي كانت ترسخ جذور الأمان بداخلها فجاءتها نبرته المُعذبة حين قال:
_ يعني تكوني بتحبيني بالشكل دا وأنا بعشق التراب اللي بتمشي عليه و نعذب بعض كدا؟
لم تُجيبه بل لم ترفع رأسها لتواجهه فقط عبرات و عبرات و عبرات و كأن تلك هي اللغة الوحيدة التي تُعبر عما يجول بداخلها فقام بالانحناء و وضع يده أسفل ساقيها و الأخرى خاف ظهرها و حملها كالعروس ثم توجه بها إلى مخدعهم ليجلس وهي بين طيات صدره يحتويها و يهدهدها كطفل صغير إلى أن هدأت وتيرة بكائها فقام بوضع قبلة دافئة فوق رأسها وهو يناظرها بحُب لو رأته لتركت العالم أجمع و سكنت بين ذراعيه للأبد.
★★★★★★★★
أنهى ياسين المُحاضرة ثم شرع في لملمة أشياؤه فإذا بأحد الفتيات تتقدم إلية قائلة باحترام:
_ دكتور ياسين.
التفت ياسين للفتاة وهو يُجيبها بوقار:
_ نعم يا أروى. خير في حاجه.
تحدثت الفتاة بخجل:
_ بعد اذن حضرتك كنا عاملين حفلة عشان الطلبة الجديدة اللي انضمت للدفعة و كنا عايزين من حضرتك تحضرها.
رفع أحد حاجبيه قبل أن يقول بجفاء:
_ حفلة ايه دي اللي بمناسبة انضمام الطلبة الجديدة؟
الفتاة بتوضيح:
_ بنحتفل بيهم.
قاطعها «ياسين» بسخرية:
_ بتحتفلي بيهم؟ على أساس أن هما عملوا إنجاز أنهم انضموا لجامعتنا يعني؟
خجلت الفتاة كثيرًا من سخريته فتابع بلهجة متزنه:
_ بصراحة يا أروى الموضوع بالنسبالي مش مُقنع بس انا بردو مقدرش ازعلك قوليلي معاد الحفلة دي امتى؟
ابتهج وجهها حين سمعت كلماته و صاحت قائلة بحبور:
_ يوم الخميس الساعه اتنين الضهر. في (..).
_ تمام. أن شاء الله هحاول آجي.
بشق الأنفس استطاعت تجاوزهم و الخروج إلى خارج القاعة و قد كان داخلها يتمنى لو يعرف فيما يتحدث مع تلك الفتاة التي كانت تضحك و كأنه اخبرها بأحد النكات فزفرت بحنق وهي تقف مع صديقاتها خارج القاعة فالتقمته عينيها وهو يخرج من الباب بطلته الخاطفة للأنفاس و التي تجعلها تشعر بالفخر كونها زوجته فإذا به يُرسل إليها غمزة عابثة أضرمت الخجل في خديها فالتفتت تنظر أمامها و قد تبخرت غيرتها و تأججت نيران الشوق بداخل قلبها فلم تلحظ ما يتحدث به الفتيات حولها و قد تضاعف شعورها بالشوق المُضني له حين أتتها رسالة نصية على هاتفها جعلت قلبها يرتج بين ضلوعها حين قرأتها:
" وحشتيني لدرجة اني كنت عايز أجي اخطفك من بينهم عشان اروي شوقي ليكِ اللي ناره مبتهداش "
تأجج قلبها بنيران هوجاء لا يُطفئها سوى قربه لذا استأذنت من الفتيات و توجهت إلى المرحاض تُعدل من مظهرها وحين دلفت إلى الداخل قامت بغسل وجهها و إعادة تزيينه ثم سقط منها مُلمع الشفاة خاصتها و تدحرج إلى أحد الحمامات بالداخل فسارت خلفه فانغلق الباب و حين التقطته و توجهت بتفتح الباب و تخرج تجمدت بمكانها حين سمعت حديث تلك الفتاة:
_ بقولك يا بنتي مقدرش يرفضلي طلب. و قالي يا أروى عنيا ليكِ. أنا مابحبش الحفلات بس علشان خاطرك هحضرها.
صاحت صديقتها بسخرية:
_ والله يا أروى أنتِ عايشه في أحلام اليقظة وانا خايفه لتصحي على كابوس محترم. دكتور ياسين دا شكله لا بتاع حب ولا ارتباط و هيعلقك يومين و يسيبك.
صاحت «اروى» بغضب:
_ يعلق مين و بعدين يسيبها أنتِ عبيطة؟ هو مين في البلد ميعرفش انا بنت مين؟ و بعدين هو هيلاقي احسن مني فين يتجوزها؟
_ طب ما يمكن مُرتبط؟ واحد چان و زي القمر زيه ايه يخليه قاعد لحد دلوقتي من غير ارتباط؟
«أروى» بخداع:
_ مفيش الكلام دا و بعدين انا سألته وهو أكدلي أنه مش مرتبط. دا كمان لمحلي أنه مُعجب بيا.
_ طيب يا ستي خلينا مع الكتاب لحد باب الدار.
_ ملكيش دعوة أنتِ بأمثالك البلدي دي. يالا عشان منتأخرش عالبنات.
ما أن خرجت الفتاتان حتى اندفعت «حلا» من الباب وهي تغلي من شدة الغضب و قد مارست اقوى الضغوطات فوق نفسها حتى لا تخرج و تجذب تلك الفتاة من خصلاتها و تقتلع لسانها الذي كان يطلق الكذبات عن حبيبها.
لملمت حاجياتها و توجهت إلى الخارج حيث مكتبه و قامت بدفع الباب بكل ما يعتمل بداخلها من غضب فتفاجيء حين رآها تقتحم مكتبه بتلك الطريقة التي جعلته يهب من مقعده يتوجه إليها قائلًا بقلق:
_ في ايه يا حلا؟
حاولت قمع غضبها قدر الإمكان حين قالت بجفاء:
_ ممكن اعرف كنت بتتكلم في ايه مع البنت اللي اسمها اروى؟
سرت دماء الغضب في أوردته حين استمع الى سؤالها و قال بقسوة:
_ أنتِ داخله مكتبي بالطريقة دي علشان تسأليني السؤال دا؟ أنا قولت في مصيبة حصلت!
_ هتحصل. هتحصل مُصيبة لو مقولتليش حصل بينك و بينها ايه وايه حوار الحفلة دا؟
زفر بغضب و هو يتوجه إلى مكتبه قبل أن يقول بفظاظة:
_ قبل اي حاجة بعد كدا لما تدخلي عليا المكتب تخبطي عشان المفروض أن انا دكتور و أنتِ طالبة عندي و وارد يكون معايا حد في المكتب. وقتها هقول للناس ايه؟
ابتلعت جمرات غضبها وهي تقول من بين أسنانها:
_ تمام. اتفضل جاوبني.
«ياسين» قاصدًا استفزازها:
_ أسف. بس دي خصوصيات بين الدكتور و الطلبة بتوعه مينفعش احكيلك عليها.
عند هذا الحد لم تحتمل فاتجهت ناحيته وهي تقول بحنق:
_ طب اسمع بقى يا دكتور وقور الطلبة بتوع حضرتك بيعملوا خطط و مؤامرات عشان يوقعوك و الست أروى هانم بترسم أنها ترتبط بحضرتك.
أنهت كلماتها و قامت بالالتفات تنوي المُغادرة فأذا بيده تقوم بجذبها يُديرها إليه لتتعانق أضلعهم و كذلك أنفاسهم قبل أن يتحدث بخشونة:
_ بس حضرتي مُرتبط. و واقع على بوزه.
لا تُنكر كم أثارتها بفعلته ولكنها لازالت غاضبة منه فأدارت وجهها للجهة الأخرى وهي تقول بجفاء:
_ انت حُر بقى انا قلت انبهك.
_ بس تنبهيني بس!
هكذا همس و أنفاسه المحرورة تلهو فوق عنقها البض فحاولت الثبات قدر الإمكان قبل أن تقول بخفوت:
_ ايوا بس.
اقترب اكثر حتى لامست شفاهه بشرتها الرهيفة وهو يقول بصوتًا أجش:
_ وحشتيني.
كان و كأنه ينقش حروف كلماته المُلتهبة فوق بشرتها التي ذابت أسفل شفتيه مما جعلها تغمض عينيها بتأثر فتابع شن هجومه عليها حين قال بشغف:
_ بتوحشيني لو غبتِ عني ولو ثواني. اعمل فيكِ ايه؟ ع العذاب اللي انا فيه دا؟
عند ذكر العذاب التفتت إليه قائلة بلهجة مُشجبة:
_ انت هتروح الحفلة دي؟
رق قلبه لحزنها الذي يتلاشى أمامه كل شيء حتى تلك الهيبة التي تُحيط به تتراجع أمام حزنها الفاتن لذا اقترب واضعًا اعتذارًا غير منطوق كان على هيئة قبلة دافئة أودعها فوق جبينها وهو يقول بنبرة محرورة:
_ لو مش عيزاني اروح مش هروح.
_ مش عايزاك تروح ولا عايزاك تكلم البنت دي تاني. و عارفة أنه مش من حقي اطلب منك كدا بس…
قاطع استرسالها في الحديث حين اقتنص شفاهها بين خاصته يُطفيء لهب شوقه الضاري لها و يبثها عشقه الذي يفوق كل الحدود و حين فصل اقترابهم لاهثًا انسابت الحروف من بين شفتيه بعذوبة:
_ مفيش حاجة تخصني مش من حقك. أنتِ حقك تعملي كل اللي أنتِ عايزاه.
احتوت عنقه بذراعيها وهي تقول بلهفة:
_ انا بحبك اوي.
عانقها بقوة قبل أن يهمس بجانب أذنها:
_ وانا عاشقك يا حلا القلب و الروح.
★★★★★★★
كان يجيء و يذهب في الغرفة وهو يسب و يلعن في ذلك الشقيق الذي كاللعنة التي حطت على رؤوسهم فأخذ يتذكر ما حدث البارحة.
عودة لوقت سابق
التفت الجميع إلى هذا الصوت القادم من الخلف فتفاجيء «صفوت» حين رآى «ناجي» يقف أمامه!
كيف يفعل ذلك؟ كيف يأتي إلى بيته علنًا أمام الجميع؟
شعر بدماء الغضب تندفع إلى أوردته و شاركه شعوره «عمار» الذي كان على وشك الفتك به لولا وجود جده وهو لا يُريد لأحد أن يعلم مدى قذارة ذلك الرجل:
_ انت ايه اللي جابك هنا؟
هكذا تحدث «صفوت» وهو يمارس أقصى درجات ضبط النفس حتى لا يُفجر رأسه أمام الجميع و لكن ذلك اللعين لا يساعده إطلاقا إذ قال بسماجة:
_ بقى معقول قرايه فتحة بنت اخويا محضرهاش؟ دا يبقى عيب والله!
تدخل «عبد الحميد» الذي لاحظ وجود خطب ما فقال بجفاء:
_ متعرِفناش يا صفوت بيه؟ يبجى مين الأستاذ؟
لا يستطيع الإفصاح عن هويته لا يطاوعه لسانه بالنطق بها كان هذا أكثر من صعب عليه ليتدخل «ناجي» قائلًا بسخرية:
_ انا ناجي الوزان. اخو صفوت بيه. مش سامعني وانا بقول خطوبة بنت اخويا يا حاج عبدالحميد؟
«عبد الحميد» بجفاء:
_ لا سمعت بس محسيتش انكوا اخوات بصراحة. و كمان مسمعناش عنك جبل سابج!
قطع «صفوت» الحديث الدائر فقد كانت دمائه تغلي في مراجل إذ قال بوقار:
_ انا موافق يا حاج عبد الحميد على طلبكوا. و يشرفني اني اناسبكوا.
ابتهج قلب «عمار» لدى سماعه كلمات «صفوت» فأخذ الجميع يتبادل التبريكات و قد كان «صفوت» ظاهريًا هاديء ولكنه كان يتحين ذهابهم حتى يفتك بذلك الذئب الدنيء وقد شعر «عمار» بما يحدث لذا تدخل قائلًا:
_ نستأذن احنا بجى يا صفوت بيه و هبچي أچيك نتكلمو سوى في الاتفاجات.
شعر «صفوت» بالامتنان ل«عمار» و قال بجمود:
_ وماله يا عمار تنورني في أي وقت.
تجهز الجميع للذهاب فإذا بناجي يقول بسخرية:
_ طب انا هستأذن أنا عشان كنت عايز اتكلم مع الحاج عبد الحميد في موضوع.
تبلور الجنون بنظرات «صفوت» الذي صاح بجفاء:
_ لا استنى عايز أرحب بيك الأول واشبع منك. احنا مش اخوات بردو؟
لم يُعلِق أحد بل غادر الجميع فإذا ب«صفوت» يقوم بجذب «ناجي» من تلابيبه جرًا إلى غرفة المكتب ولكنه توقف في منتصف الطريق حين سمع صوت سهام المصدوم:
_ ناجي؟
أظلمت عينيه برزت عروق رقبته من فرط الغضب خاصةً حين سمع صوت خطواتها تنزل الدرج فالتفت قائلًا بغضب:
_ اطلعي اوضتك.
خلص «ناجي» نفسه من بين يديي «صفوت» وهو يقول بسماجة:
_ ليه بس خلي القاعدة تحلو.
هوى «صفوت» بلكمة قوية فوق أنفه فهرولت «سهام» إليه وهي تقول بجزع:
_ صفوت. اهدى. متخليهوش يستفزك هو دا اللي هو عاوزه.
التفت «صفوت» يناظرها بأعين غامضة ثم قال بجفاء:
_ اطلعي فوق.
فاجأته حين تراجعت خطوتين وهي تقول بعناد:
_ لا مش هطلع أوضتي. في كلمتين لازم ناجي الوزان يسمعهم مني.
تنبه كلا من «صفوت» و «ناجي» إلى حديثها فتابعت وهي تحدج «ناجي» بنظرات الاحتقار الذي تساقط من بين حروفها حين قالت:
_ انت أحقر أنسان شفته في حياتي. حتى الحقارة عجزت أنها توصفك. انت مفيش صفة وحشة مش فيك.
بتدبح في اللي منك من غير ما ضميرك يتهز. خطفت بنتي و حرقت قلبي عليها لسنين و لما عقلك الشيطاني وزك ترجعهالي ساومتني اني يا أسيب صفوت و اجرحه يا تموت بنتي. أنا طلبت الطلاق من صفوت غصب عني عشان انقذ بنتي من بين ايدين مجرم زيك. لكن صدقني لو مكنش الموضوع يخص بنتي عمري ما كنت هعمل كدا. أما حتى لو رجع بيا الزمن كنت هتجوز صفوت بردو و عمري ما هقبل براجل غيره. عشان هو راجل بمعنى الكلمة بس طبعًا الرجولة دي حاجة غريبة بالنسبالك.
كانت كلماتها تتساقط على سمعه فلوهله شعر بأنه على مشارف الجنون الذي تضاعف حين سمع كلماتها التي أصابته في مقتل:
_ و دلوقتي اخرج برا بيتي. انت بقيت كارت محروق بالنسبالنا.
شرك مبقاش بيقصر فينا ولو عملت المستحيل عمرنا ما هنسمحلك تخرب حياتنا تاني.
عودة للوقت الحالي
لا يُنكر بأن حديثها أصاب قلبه المُفعم بعشقها و حين غادر ذلك الوغد كان يريد إدخالها بين ضلوعه ولكنه وقف عاجزًا و كأنه مُكبل بأصفاد لا يعرف مما صُنِعت.
اخترق ضجيج افكاره صوت صرخات «نجمة» التي دلفت إلى داخل الغرفة وهي تقول بلهفة:
_ الحج ماما سهام..
★★★★★★★
_ يجيكِ و يحط عليكِ يا فرح. كسرتي قلب الراجل اللي حيلتنا.
كان هذا صوت «مروان» الغاضب فزجرته «شيرين» بعنف:
_ بطل تعدد كدا. احنا منعرفش حصل بينهم ايه؟
«مروان» بامتعاض:
_ هي البعيدة ضبشه مبتشوفش. ما هو الراجل نازل من عندها وشه احمر زي الكبدة من كتر الغيظ. هنستنى ايه تاني؟ عايزين جلطوه.
«شيرين» بملل:
_ هو انت يا ابني إشعال ذاتي. ما تسكت شوية قرفتنا في عيشتنا، وبعدين مشكلة و هتعدي و بكرة يتصالحوا.
_ على جثتي. يتصالحوا؟ وانا روحت فين؟ أنا هجوزه. الراجل دا عايز اللي تصونه.
شاهد «طارق» الذي كان يتقدم ناحيتهم فأردف بتسلية:
_ و الراجل دا عايز اللي تلمه.
التفتت إلى حيث أشار فعلا وجيب قلبها و تناثرت دقاته فهبت تنوي المغادرة فإذا بيد «مروان» توقفها وهو يقول بتذمر:
_ رايحه فين يا بت أنتِ اقعدي انا لسه مخلصتش.
«شيرين» بجفاء:
_ تعبانه و عايزة انام نبقى نتكلم الصبح.
جذبها «مروان» عنوة إلى أن جلست بجانبه ليهمس بجانب أذنيها قائلًا:
_ أنتِ يا عبيطة أنتِ مسمعتيش عاللي قادرة عالتحدي أنتِ كدا متقدريش على نملة و الواد دا ميقومكيش من مكان عشان بسلامته شرف دا أنتِ تقعدي و تحطي رجل على رجل و تكيديه كمان.
«شيرين» بنفاذ صبر:
_ مروان انا مش فيا دماغ للهري دا.
_ يا بنتي هتعرينا اتهدي بقى و بعدين انطري الشعريتين ايه كعكة العيد اللي عملاها دي دا أنتِ مفكيش الا شعر أصلا.
لكزته «شيرين» في كتفه وهي تقول بغضب:
_ مين دي اللي مفهاش إلا شعر؟
«مروان» مازحًا:
_ لا الصراحة أنتِ طلقة. مزة عيلة الوزان.
قال جملته بنبرة عالية وصلت إلى مسامع «طارق» الذي غلت الدماء في عروقه فتقدم منهم قائلًا بفظاظة:
_ انت مالك لازق فيها كدا ليه ياله؟
«مروان» باستفزاز:
_ ما الزق براحتي يا عم بنت عمتي حبيبتي.
_ حبك برص انا لا بحبك ولا بطيقك اصلًا.
كان هذا صوت «همت» القادمة من الخلف و بجانبها «سما» فصاح «مروان» غاضبًا:
_ يادي النيلة السودا بتطلعلي منين امك دي؟
مالت «شيرين» بجانب اذنه وهي تقول بتقريع:
_ اتلم شويه و لايمها مع ماما سما ابتدت تتضايق.
عند هذا الحد لم يعُد يحتمل فهب من مكانه و قام بجذبها من يدها و هو يقول بفظاظة:
_ عمتي في موضوع مهم عايز اتكلم مع شيرين فيه.
ثم جذبها وسط اعتراضاتها و محاولتها التملص منه و لم يمهل «همت» فرصة للاعتراض فصاح «مروان» بصدمة:
_ ازاي الحال؟ الواد شقط البت من وسطنا و أنتِ واقفه تتفرجي؟ ال ما شوفتلك اي منظر أومهاتي؟ اومال قانون الطواريء دا مع مروان بس ولا ايه؟
«همت» بارتباك:
_ اخرس يا واد انت، وبعدين هو استأذني مش مقضيها حراميه و تنطيط على البلكونات!
_ يادي النيلة خدي مكرفون و اطلعي قولي في اتنين في الشارع لسه معرفوش، وبعدين يعني هو الموضوع في الاستئذان طب بعد اذنك اخد سما على جنب اقولها كلمة في بقها.. قصدي في ودنها.
«همت» بصياح:
_ اهو عشان طولة لسانك دي مش هتطول ضوفرها.
«مروان» بغرور:
_ لا ياختي مانا طولت. اتبطي بقى.
«همت» بانفعال:
_ طولت ايه يا واد انت؟ نهارك اسود؟
_ اللهم طولك يا روح. بقولك ايه احنا نجوزك عشان مستقبل العيلة كدا مُهدد بالانقراض. احنا نشوفلك كهل مُتصابي تكون هابة منه عشان يقدر يتحملك..
_ اخرس يا ابو لسان عايز قطعه.
تدخلت «سما» لتجلس في المنتصف و هي تحاول تهدئة الأمور بينهم قليلًا:
_ ممكن تهدوا شويه بقى. في ايه؟ أنا تعبتلكوا سلف.
«مروان» بغضب:
_ قوليلها هي. ما أنتِ شايفه عمايلها.
«همت» بانفعال:
_ عملك اسود ومهبب.
اقترب «مروان» من أذن «سما» قائلًا بخفوت:
_ بالله عليكِ سبيني اقولها اني بوستك عشان اجلطها و نرتاح كلنا.
_ بتقولها ايه يا واد انت؟
_ خلاص يا ماما بقى أنا ماشية و سيبهالكوا أنا زهقت بجد.
غادرت «سما» غاضبة فناظرها «مروان» قائلًا بتقريع:
_ هديتي اتبطيتي. اهي طفشت اهي.
★★★★★★★★
_ اوعى كدا سيب ايدي..
هكذا صرخت «شيرين» بغضب وهي تنتزع يدها من بين يديه التي شددت من قبضتها فوق معصمها حتى كادت أن تكسره و خاصةً حين جذبها ليلصقها بالحائط خلفه لتصبح مُحاصرة بينه وبين جسده الصلب يوازيه صلابه لهجته حين قال:
_ أنتِ تخرسي خالص بدل ما اقطعلك لسانك دا. فاهمه؟
حاولت تجاهل تأثرها و ضجييج قلبها في حضرته فصرخت غاضبة:
_ لا مش فاهمه.
صاح بعنف:
_ يبقى تفهمي بالجزمة على دماغك.
تبلور الذهول في ملامحها و سرعان ما قالت بصدمة:
_ انت بترمي بلاك عليا؟ أنا عملت ايه عشان تعمل كدا؟
زمجر بغضب:
_ لازقه في مروان و هاتك يا وشوشة و هاتك يا ضحك. مفيش احترام خالص؟
«شيرين» بألم:
_ معلش مانا بنت ناجي الوزان. هتستنى ايه من بنت ناجي؟
سحب اكسجينها الدافيء بداخله قبل أن يقول بلهجة مُعذبة:
_ ااااه من اللي بنت ناجي عملته فيا؟
ألمها كان كبيرًا و سرعان ما تحول لغصب كبير وهي تتذكر ما حدث قبل عدة أيام لذا دفعته بقوة في صدره فلم يتزحزح من مكانه بينما صاحت هي بتقريع:
_ وبعدين انت بتحاسبني على ايه؟ مش البيه بردو من كام يوم كان شارب حشيش و سهران في بار!
الى هنا و خرجت الأمور عن السيطرة فصاحت بعنف ارعدها:
_ أنتِ السبب. بسببك بطلت الزفت دا و بسببك رجعتله تاني عشان انسى اللي عملتيه فيا.
وصلت إلى منطقة ألغام لذا آثرت الهروب فقالت بجفاء:
_ طارق لو سمحت سيبني انا تعبانه و عايزة انام.
فاجئتها لهجتة المعذبة حين صاح بألم:
_ مش هسيبك. ياريتني اقدر كنت عملتها. أنا عمري ما حد اتحكم فيا. طول عمري قلبي دا في أيدي.
صمت لثوان قبل أن يُتابع بلهجة يشوبها القهر:
_ أنتِ جيتي بوظتي كل حاجه. شقلبتي كياني. مبقتش عارف اتنفس من غيرك. اموتك ولا اموت نفسي ولا اعمل فيكِ ايه؟
زفر بحرقة قبل أن يُتابع بلهجة أقرب إلى التوسل:
_ خلصيني من العذاب اللي رمتيني فيه دا.
رق قلبها لحاله كثيرًا و ودت لو تعانقه الف عام حتى تنحي ذلك الحزن الكامن بعينيه ذلك الضخم الوسيم الذي بدل عالمها و انتشلها من بؤرة الظلام الى النور و الآن هي سبب ظلامه:
_ طارق انت شكلك تعبان. اطلع نام عشان ترتاح.
سخر قائلًا بوقاحه:
_ النوم هيريحني لو كنتِ في حضني.
كان كمن يعبث بإعداداتها حتى جعل دقات قلبها تتعثر بقوة داخل صدرها الى جانب أنفاسها التي علقت بداخلها ولكنها حاولت انتزاع صوتها و الباقي من ثباتها حين قالت بغضب:
_ انت قليل الأدب.
«طارق» بسلاسة:
_ عارف. و أنتِ كمان عارفه. بس اللي متعرفيهوش اني بمنع ايدي أنها تلمسك بالعافيه. بحاول متجاوزش معاكِ عشان عايزك تكوني مراتي. مش عايز الوثك أبدًا بس أنتِ مُصرة تهديني و تمنعيني من الحاجه الوحيدة اللي اتعلقت بيها في حياتي.
ما حيلة ذلك القلب العاشق حين سقطت زخات كلماته الرائعة لتُلثم تشققات و تصدعات روحها؟
غافلتها الكلمات حين انسابت من بين شفتيها بعذوبة:
_ و انت كمان يا طارق الحاجه الوحيدة اللي اتعلقت بيها في حياتي.
اخترقت كلماتها منتصف قلبه الذي يود أن يفتك بها في تلك اللحظة ولكنه حاول التمسك بآخر ذرة إرادة داخله ليقول بنبرة شغوفة:
_ تتجوزيني؟
تضخم قلبها فرحًا لهذا العرض الرائع الذي لم تستطِع سوى أن تقبله بصدر رحب:
_ موافقة…
★★★★★★★★
طرق خافت على باب غرفة المكتب جعل دقات قلبه تقرع كالطبول فقد علم هوية الطارق قبل أن يراه لذلك التزم الصمت الى أن سمع باب الغرفة يُفتح فلم يكلف نفسه عناء الإلتفات لها إلى أن غزت رائحتها الشهية أنفه فتقاذفته ألسنة الشوق ولكنه نجح بجدارة في قمعها خلف قناع الجمود خاصةً حين همست بخفوت:
_ سالم؟
أجابها بجفاء:
_ لو عندك حاجة مفيدة تقوليها اتفضلي لو معنديش مش فاضي.
لم تحتمل جفاءه أكثر فصاحت بألم:
_ انت من امتى وانت قاسي كدا؟
أجابها بفظاظة:
_ من دلوقتي. بدل الحنية منفعتش.
صاحت بقهر:
_ مين قالك كدا؟
تجاهل ضجيج قلبه لحزنها الذي هو أكثر شيء يمقته و قال بجفاء:
_ معنديش وقت للكلام الفارغ دا.
تناثر الألم من بين شفاهها:
_ أنا بقول كلام يا سالم؟
أخيرًا ارتفعت عينيه تناظرها بعتب قاسي يشبه لهجته حين قال:
_ للأسف أه. طلع كلام فارغ. كل الكلام عن الثقة و عن أننا واحد و أن مينفعش حد يخبي حاجة عن التاني و كل دا طلع في الآخر كلام فارغ، و وعود كذابة.
كلماته كانت سُمًا قاتلًا سار في أوردتها حتى أوشك على إنهاء حياتها ولكنها جاهدت لتقول بحرقة:
_ لا يا سالم مش وعود…
قاطعها بسيف كلماته الباتر و تلك الخيبة التي لونت نظراته حين قال:
_ خذلتيني يا فرح، و طعنتيني في ضهري.
لم تعُد تحتمل ما يحدُث معها اما ان تضرب بكبريائها عرض الحائط و تنهار أمامه باكيه أو الحفاظ على ما تبقى من كرامتها و الانهيار بعيدًا عن جميع الأعين فاختارت كرامتها و انسحبت دون أن تتفوه بحرف واحد و قد كان هذا أقسى من أي حديث يُقال.
★★★★★★★★
دلف جرير إلى الداخل ليتفقد «حازم» الذي لم يفارق غرفته منذ أن أتم عمله كما أمره في الصباح ليتفاجيء حين وجده غارقًا بدماءه.
يتبع….
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورهان العشري
أن تنثر بذور الأمل في طريق أحدهم ثم تجنيها صبارًا قاسيًا تنغرز أشواكه في قلبك دون رحمة، فتنـزف العين ألمًا ويحترق الخَلَد قهرًا، وأنت مكبل بأصفاد الكبرياء الموقدة التي تسلب روحك المذبوحة حقها أن ترفرف وهي تنازع أنفاسها الأخيرة. فتبدو من الخارج صلبًا، شامخًا، لا تتأثر، بينما داخليًا تحتضر بصمت. فقارب نجاتك اتضح بأنه مثقوب، وبيرق العشق انكسرت رايته من موضع ثقة اندثرت أمام خذلان عظيم لم تتوقعه يومًا.
دوائر مفرغة ودوامات سحيقة ابتلعت ذلك القلب الذي ظن أنه نجا. لكن الحقيقة أنه بكل مرة يتضح بأن ظنه لهو إثم عظيم، قصاصه ذلك الألم الدامي الذي تغلغل في أعماق روحه واستوطن طيات فؤاده.
تنهيدة قوية خرقت جوفه المحترق، فألقى برأسه للخلف يستند على ظهر المقعد مغمضًا العينين، وكأنه يخشى أن يبصر الظلام كل هذا الألم بداخله، والذي لا يمكن البوح به أو التخلص من تأثيره ومقاومته أشبه بمواجهة بحر هائج يعتزم على الفتك بمن يقف أمامه.
اخترق مراسم الألم ضوء خافت تسلل من تلك الفتحة الصغيرة التي أطل منها رأس مروان، الذي لم يستأذن بالدخول بل انساق خلف ذعر كبير لامس قلبه بكل خطوة يتقدمها للداخل، وعيناه تتلقفان هذا الألم الهائل الذي تبلور في ملامح ذلك التمثال الحجري الذي يجلس صامتًا دون حراك.
"سالم. أنت كويس؟"
لأول مرة تخلو لهجته من السخرية التي كانت جزءًا لا يتجزأ من شخصيته، فقط القلق الذي كان يتبلور في عينيه وهو يرى حال سالم. جاءت لهجته جافة بقدر وجعه حين قال:
"كويس."
استشعر مدى سخافة سؤاله ولكنه خرج منه رغماً عنه، فصححه قائلاً:
"أنا عارف إنك بتتريق، وأنت عارف إني مبعرفش أذوق الكلام. أنت تعبان يا سالم وأوي كمان، وأنا مش هتحمل أشوفك كده."
"يبقى تخرج بره."
عانده باستبسال:
"مش هخرج، ولازم نتكلم."
لم يعطه فرصة للرد بل تابع بتعقل:
"الموقف اللي حصل يضايق، بس خلاص خدت وقتك في الزعل والعصبية، دلوقتي نتكلم بالعقل. في احتمالين إنها تبقى متفقة مع ناجي، وده مرفوض كلي وجزئي، والاحتمال التاني إن الكلب ده ضغط عليها أو هددها، وهي برضو معذورة حتى لو اتورت."
صمت مطبق كان يخيم على المكان حولهما، فقط بضع أنفاس هائجة لم يفلح في التغلب عليها، فقط كانت تتشاجر بداخل صدره بشراسة مؤلمة. وبالرغم من ذلك هو صامت، ولكن هذا الصمت لم يردع مروان الذي حاول استفزازه قائلاً بجفاء:
"سالم، أنت عندك شك في فر..."
قاطعه محذرًا بشراسة:
"مرواااان."
نجح في مسعاه، فتابع بمبدأ الطرق على الحديد وهو يغلي:
"يبقى زي ما قولتلك، الكلب ده هددها أو ضغط عليها."
مزق ثوب الصمت قائلاً بجفاء:
"وأنا فين من الكلام ده؟"
"ده مربط الفرس. إيه اللي يخلي فرح، القادرة اللي مبيهمهاش حد، ترضخ لتهديد كلب زي ده؟"
تشعب الغضب بصدره، فصارت دماءه تغلي في مراجل، واحـدّت نظراته وشابـهـتـهـا لهجته حين قال:
"السؤال ده هي رافضة تجاوب عليه."
ضيق مروان حاجبيه وقال بترقب:
"بس أنت أكتر واحد عارفها وعارف إيه اللي ممكن يخليها..."
قاطعه سالم بقسوة:
"جنة."
زوى ما بين حاجبيه قبل أن يقول بجفاء:
"سالم، أنت عارف فرح راحت قابلت ناجي ليه صح؟"
باغتته إجابته القاتلة حين قال:
"عارف."
"وإيه مشكلتك؟"
"مشكلتين، مش مشكلة واحدة."
"إيه هما؟"
"الغباء والأنانية!"
هب مروان مدافعًا:
"بس فرح مش غبية وجنة مش أنانية."
"هنشوف."
زفر مروان بتعب:
"طب وهتشوف إزاي؟ فهمني يا سالم؟"
"مفيش حاجة تفهمها. ناجي كان بيهدد جنة وفرح عرفت، وكالعادة اتصدرت هي، فهددها هي كمان، عشان كده راحت تقابله، وأنا مستني أشوف الخطوة الجاية هتكون إيه."
صاح مروان بحنق:
"الحيوان! طب أنت هتستنى تشوف هما هيعملوا إيه؟ مش هتساعدهم؟"
لونت معاملة ابتسامة ساخرة لم تصل إلى عينيه، وأجابه بجفاء:
"أساعدهم! مش بقولك مشكلتي الغباء."
"طب سالم، أنت عرفت إزاي إنه بيهددهم؟"
ضيق عينيه وهو يتذكر ما حدث قبل عدة ساعات.
***
كان الألم الأشد والأقسى أن تكون هي ملاذه الوحيد في هذا العالم، ولا يستطيع السكون بين ذراعيها، يشاهد خروجها العاصف وهي تجر أذيال الوجع الذي كان أضعافه بقلبه الذي كان يصرخ مطالبًا بها حتى يهدأ ذلك الألم الذي يقتات على روحه.
تجاوز الأمر حدود استطاعته، وكاد عقله أن يجن من فرط الأسى، للحد الذي جعل عروق يده تتجمد وأنفاسه تتسارع، وكأن الآلام تتسارع لنهش ذلك الجبل الذي لم ينحنِ إلا لأجلها، ولأجلها انهار جسده وتكالبت عليه الأوجاع، فكاد أن يسقط لولا ذلك العقار المذيب للجلطات الذي كان يحتفظ به دائمًا خوفًا على والدته، خاصةً بعد موت شقيقه المزعوم. وبعد وقت غير محسوب بدأت آلامه بالخمول تدريجيًا، ولكن هناك آلام أخرى لا تهدأ، لذا قرر العمل بمبدأ قطع العرق وإسالة الدماء، فأخذ سلاحه وتوجه إلى ذلك المكان الذي يكمن به قرن الشيطان.
"سالم بيه. أخيراً قرر يحن عليا وييجي يشوفني! والله تعبت نفسك."
تجاهل سالم سخريته وسحب أكبر قدر كافٍ من الأكسجين بداخله، وهو يستجدي ثباته، مذكراً نفسه بأنه جاء إلى هنا لتفريغ شحنات غضبه.
"قلت آجي أطمئن عليك. أخبار جرحك إيه؟"
"حتة الخربوش ده ميأثرش في ناجي الوزان."
ابتسامة جانبية ظهرت على ملامحه قبل أن يقول بفظاظة:
"آه. أنت فهمتني غلط. أنا بتكلم على الجرح التاني. بمعنى أوضح، القلم اللي خدته على وشك لسه بيوجعك!"
احتقن وجه ناجي بالدماء، فأخذ يبتلع جمرات غضبه الحارقة، فحرب الأعصاب هي المفضلة بالنسبة إليه، لذا فلن يدعه ينتصر بها أبدًا.
نجح وبصعوبة في السيطرة على غضبه ورسم ابتسامة ساخرة على محياه، قبل أن يقول بتهكم:
"لا. بقى البسكوتة دي إيدها هتوجعني بردو! ست زي فرح وجمالها، كل حاجة في الدنيا فداها."
بين غياهب ذلك الغضب الذي كان يغزو أوردته، هناك عنق قام بنحره وأعضاء قام ببترها وجثة قام بالتمثيل بها، ولكن على أرض الواقع كان صلبًا هادئًا حد الجنون الذي أصاب ناجي حين سمع كلماته الساخرة.
"آه. طبعاً بنت الأصول، الدنيا كلها تحت رجليها. حتى كرامتك!"
استقرت كلماته في الصميم، ولكنه لم يعطه الفرصة للحديث، إذ تابع بتهكم:
"وبعدين أنا عارف إني غالي عليك، وغلاوة فرح من غلاوتي عندك."
فطن ناجي إلى المغزى وراء حديثه، فقهقه بصخب لم يخفِ اهتزاز حدقتيه ولا عروق يديه التي برزت دلالة على اقتراب البركان إلى الفوهة، وسرعان ما ختم قهقهاته قائلاً بتخابث:
"دي حقيقة، وعشان كده مردتش أزعلها بالرغم من إني كنت أقدر. لكن أنا عتبان عليك. ياخي خفيفة كده هي حلوة آه، لكن مش راسية. بحتة تهديد أهبل جيبتها جري. المفروض مرات الكبير تبقى غير كده. تليق عليه."
بشق الأنفس تجاوز منحنى الغضب وواصل شن هجومه بلهجة ساخرة يلمع بها التشفي:
"وهي لو خفيفة ولا تليق لمرات الكبير، كان صوابعها هتفضل معلمة في وشك لحد دلوقتي؟"
بطريقة مسرحية نظر إلى ساعته قبل أن يتابع:
"بالرغم من إن مر على القلم حوالي اتناشر ساعة. لا، غلطانة فرح. المرة الجاية هخليها تعلم عليك بس مش أوي كده."
إلى هنا ولم يعد يتحمل، فصاح بانفعال:
"جاي تداري على كسفتك وإني قدرت أوصل لبيتك وأخلي مراتك تجيلي لحد عندي، بحتة تهديد أهبل ميخوفش عيل صغير! اعترف إنك مش قادر تسيطر حتى على مراتك. اعترف إني ضربتك في مقتل من غير ولا رصاصة واحدة."
لم تهتز ملامحه، وكأن الحديث لم يكن موجهاً إليه، بل تابع بنبرة ساخرة:
"معقول الزمن جه عليك للدرجة دي؟! أنت معتقد إن فرح جت تقابلك عشان التهديد الأهبل بتاعك ده؟ ولا معتقد إن مراتي هتنزل تروح مكان أنا معرفوش؟ ولا هسيبها فريسة للكلاب الضالة اللي زيك؟"
أعماه الغضب، فصاح بدون احتراز:
"أيوا جت عشان تحمي البت أختها، اللي بكلمتين مني شقلبت حياتها وخلتها قلبت على أخوك الأهبل، قال إيه بتحميه! خايفة لا يقتل أخوه بعد ما يشوف الفيديو وهي في حضنه."
وصل إلى منتصف الطريق، ولكنه تابع بتهكم:
"بلاش سليم عشان ده بييجي عالريحة، وصدقني أبشع موتة ممكن تخطر على بالك هتكون حاجة بسيطة بالنسبة للي ناوي يعمله فيك. خلينا في تهديداتك العبيطة."
"تهديداتي مش عبيطة يا سالم يا وزان، بإشارة مني أقدر أخلي فضيحتكوا في كل مكان. تخيل كدا..."
تفاجأ حين قاطعه سالم بجفاء:
"أنا مش هتخيل حاجة. عشان قولتلك قبل كده إن تهديداتك عبيطة. هو أنت متخيل إني ممكن أسيب فيديو زي ده معاك؟ ده لو كان موجود أصلاً!"
صاح بغضب:
"أيوا موجود."
"طلعه. عايز الناس كلها تشوفه. تحب أجيبلك تليفون تكلم كلابك منه تقولهم ينشروه؟"
كاد أن يصل إلى حافة الجنون واحتدمت معالمه بشكل مريع، فتابع سالم بهسيس مرعب:
"آه صحيح. أنت مسألتش عن حازم خالص؟ هو مش شريكك بردو ولا إيه؟"
"ننوس عين الحاجة! هتكون وديته فين يعني؟ وكأنه عايش سلطان زمانه."
قاطعه سالم حين قال بشراسة:
"نفيته! وديته أسوأ مكان ممكن يتخيل إنه يروحه."
صُدم ناجي بشدة من حديث سالم، الذي تابع بلهجة تحمل أطنان من الوعيد:
"تخيل أخويا وعملت فيه كده! أنت بقى هعمل فيك إيه؟"
بلل حلقه الذي جف من فرط الانفعال، وذلك الخوف الذي تسلل إلى قلبه للحظات، ولكنه لم يظهر شيء، بل قال بشجاعة واهية:
"ولا تقدر تعمل حاجة."
باغتته سالم، الذي قال بهدوء مثير للقلق:
"أنا فعلاً مش هعمل حاجة. ده أنا كمان هسيبك تمشي لو حبيت يعني! أما لو الإقامة بتاعتنا عجبتك. البيت بيتك."
لونت الدهشة معالمه، فصاح حانقًا:
"أنت بتقول إيه؟ بتلعب بيا الكورة؟"
التفت سالم ليقوم بفتح باب الشقة وهو يقول ببساطة:
"لو الكلام قلقك أوي، اديني فتحتلك الباب أهوه عشان تمشي."
تساقط الشك من بين نظراته، فقال بريبة:
"أنت فعلاً هتسبني أمشي؟ طب إزاي وليه؟"
اقترب سالم، جالسًا على أقرب مقعد، فارداً قدميه براحة تجلت في نبرته حين قال:
"إزاي؟ زي ما شفت، فتحتلك الباب. أما ليه بقى، فعشان سببين..."
استمهل نفسه لكي يزيد جرعات القلق بداخله، وتمهيدًا لإلقاء رصاصات مدرعاته، فصبغ لهجته بالتأثر الزائف وهو يتابع:
"أول سبب. بصراحة صعبت عليا. يعني سهام بهدلتك امبارح، وبعد ما كنت رايح تتشفى فيهم وتفرد عضلاتك، اتهانت من أكتر إنسانة حبيتها في حياتك."
امتقع لونه وهو يناظر سالم، الذي لم يتوانى عن جلده بسوط كلماته حين تابع:
"وصعبت عليا أكتر وأكتر لما فكرت إنك ممكن تلعب بمراتي وتوصل لبيتي من غير ما أعرف. والحقيقة إننا إحنا اللي لعبنا بيك، والنتيجة آثارها لسه معلمة على وشك."
بدأت أقدامه بالتلاشي، وكأنه فقد كل اتصال له في هذا الحياة، فتابع سالم بتشفٍ:
"ورصاصة طارق اللي هيبقى جوز بنتك وأبو أحفادك في المستقبل. بس ده درس يعلمك متلعبش مع ولاد الوزان، كل واحد فيهم مجنون بطريقته."
صمت لثوانٍ قبل أن يطلق آخر قذائفه، فنصب عوده وهو يتوجه إلى ذلك الذي أوشك الغضب على إصابته بنوبة قلبية:
"أما السبب التاني بقى. إني اكتشفت إننا أدينالك حجم أكبر من حجمك. أنت مبقتش تشكل أي خطر علينا. مجرد مريض مهووس إنه ينغص علينا عيشتنا. لو اتعاملنا معاك على إنك مريض، كل مشاكلنا هتتحل. عشان كده هسيبك تمشي."
تعالت أنفاسه، فباتت تتشاجر داخل صدره حد الألم. فلم يرافه به سالم، بل تابع بقسوة:
"أنت أضعف بكتير من إننا نعملك اعتبار. امشي."
قلعته الرملية انهارت بكلمات سالم، التي وضعته أمام حقائق كثيرة، أولها أن جميع مخططاته في إحراقهم باءت بالفشل، وآخرها أنه كان مجرد بيدق في تلك اللعبة التي ظن أنه يمسك مقاليدها بين يديه.
أخذته قدماه لباب الشقة وهو شبه منعزل عن العالم، وداخله استفهامات كالطواحين، فيما أخطأ؟ لقد كان كل شيء يسير على هواه، جميع مخططاته كانت تنتهي نهاية واحدة وهي هلاكهم. ما الذي حدث؟
أوقفته كلمات سالم، الذي بدأ وكأنه تذكر شيئًا:
"آه ناجي، استنى لسه في حاجة صغيرة نسيتها."
التفت يناظره، فقابله سالم بلكمة قوية نالت من فكه حتى حطمته، وأجهزت عليه كلماته التي تحمل الوعيد بين طياتها:
"ده كسر بسيط في الفك عشان متجبش سيرة مراتي على لسانك تاني، ولو اتكرر الموضوع ده هتبقى المرة الجاية في نافوخك، عشان أنا مبحذرش مرتين."
***
"الراجل ده شيطان. إزاي سبته يهرب يا سالم؟"
"جه الوقت عشان يدفع تمن أخطائه."
"طب وهتعمل إيه مع فرح؟"
زفر بقوة محاولًا الإفلات من بين براثن ذلك العشق الدامي الذي يجذبه من عنقه، ليهرع إليها يطفئ بأحضانها نيران عشقه وغضبه، فهدر بعنف:
"هستنى أشوف الهانم هتحل مشكلة أختها إزاي؟"
فزع مروان من عنفه، فحاول تخفيف الأمر قليلاً حين قال ساخرًا:
"طب وحتة الأنانية اللي مش باينة من الأرض دي هتتصرف معاها إزاي؟"
"بردو هصبر وهشوف هتسمح لحياة أختها تدمر بسببها ولا هتحاول تتصرف."
تمتم بخفوت:
"يا خوفي لا تحاول تتصرف."
تجاهل سالم حديثه وقال بجفاء:
"جهز نفسك عشان كمان كام ساعة هنسافر."
"إيه ده؟ هنسيب الحدث ونمشي؟ افرض جينا لقينا الهوانم اتصرفوا ونيلوها أكتر؟"
"متقلقش. أنا عامل حسابي لأي تصرف غير محسوب."
تمتم مروان بتهكم:
"يا خوفي لا نرجع نلاقي جلطوا نص العيلة."
رغمًا عنه، غافلت قلبه ابتسامة خافتة ارتسمت على ملامحه من حديث مروان، ولكنه نصب عوده عازمًا على إتمام بعض الأمور قبل السفر:
"يالا جهز نفسك، مش عايزين تأخير."
"جهز نفسي، هعمل إيه؟ دانا بالهدوم اللي عليا بقالي يومين. اللي حتى ما عرفت أحضن ولا أعمل أي حاجة، وطارق الكلب ماشية معاه حلاوة. زمانه مفيش حاجة معملهاش. ولا المخفي سليم زمانه هايص في العسل وأنا المغضوب عليا في البيت ده."
زم شفتيه وصاح بحنق:
"واد انت! هو أنت كنت بتقعد تقر عليا كده برضو؟"
"الصراحة، كنت بقر على فرح بس."
كاد أن يفتك به لولا اندفاع الأخير وإتقانه الهرب بعدما يُلقي قذائف كلماته، ولكنه لا ينكر أن الحديث معه بدل من حالته كثيرًا واستطاع تهدئة ثورته قليلًا.
***
أخذت تراقب خيوط الصباح الأولى وهي تغمر الليل الحالك لتبدد ظلمته إلى نور مشرق، وكأن هذا وعد رباني بأن هناك دائمًا أمل. ولكن بتلك الحالة التي تحياها، فقد اندثرت تلك الكلمة من قاموسها، فلن تتعلق بحبالها الدائبة مرة ثانية، وستخضع وتقبل بقدرها ولن تقاوم مرة أخرى.
مسحت تلك الدمعة الغادرة التي تسللت من طرف عينيها، تروي حكايات الوجع الذي كانت هي بطلتها إلى ما لا نهاية.
"صاحية بدري أوي ليه كده؟"
شهقة قوية شقت جوفها حين عانقت يديه الحانية خصرها، واخترقت كلماته الدافئة برودة جسدها. فاقترب يشدد من احتوائه لها وهو يهمس بالقرب من أذنيها:
"بما إنك اتخضيتي كده، يبقى كنتِ سرحانة."
نظفت حلقها قبل أن تقول بجفاء:
"لا مش سرحانة ولا حاجة، بس مسمعتكش لما صحيت."
"طب قلبك كمان محسش بيا لما صحيت؟"
هربت من الإجابة بأن قلبها كان ينعي قصة عشقهما، فقالت بجمود:
"مكنتش مركزة معاه."
أدارتها يديه لتصبح في مواجهته، حتى يتسنى له التنعم بمطالعة حسنها عن قرب، ثم قال باستفهام أدهشها:
"لسه مفقدتيش الأمل بردو؟"
استفهمت قائلة:
"في إيه؟"
"إنّي ممكن أسيبك في يوم من الأيام؟"
اخترقت كلماته جميع دفاعاتها وحصونها، وبدل من أن ترتفع بها إلى السماء السابعة، هوت بها إلى سبعين قاعًا. فكيف يمكن لها أن تغادره بعد كل هذا العشق؟
شعرت للحظة بأنها تتمنى لو تختطفه إلى أبعد مكان يمكن الوصول إليه، حتى لا تطالهم يد الغدر التي تنتظر بطشها في أي لحظة.
"كل ده زعل عشان فرح؟ ولا لسه زعلانة مني؟"
لم يكن أمامها مفر من تلك الإجابة حين قالت بجفاء:
"الاتنين."
وكأنه يريد الطرق على جراحها الساخنة بمطرقة كلماته اللاذعة، حين قال:
"فرح غلطانة يا جنة، وغلطها كبير، وسالم في موقف لا يُحسد عليه قدامنا كلنا وقدام نفسه."
تساقط جمر كلماته على قلبها، الذي بلحظة من اللحظات توسل إليها لإخباره والتخلص من هذا الحمل الماثل فوق صدرها، والآن سخر منه عقلها، فهو يحقد على شقيقتها بتلك الهفوة، فماذا سيفعل حين يعلم ما تخفيه عنه؟
استجمعت نفسها قبل أن تقول بغضب:
"فرح أختي مبتغلطش. وحتى لو غلطت، مسمحش لحد يقول عنها كده. وبالنسبة لسالم، فلو كان بيثق فيها، مكنش هيعمل كل ده."
"وإيه اللي سالم عمله؟"
"لو شفت منظر فرح هتعرف."
ضاق ذرعًا من حديثها الأهوج، فصاح غاضبًا:
"والله تستاهل. ده مش موقف تحط جوزها فيه؟ دي صغرتنا كلنا. كلنا لينا حق عندها، مش سالم بس."
"طب خلي بالك بقى، عشان أنا وفرح واحد، ولو شايفها عدوتك دلوقتي وليك حق عندها، يبقى نفس النظام معايا."
لم يصدق حديثها، الذي ضاعف غضبه، فاقترب يضغط على رسغها بعنف وهو يزمجر بوحشية:
"أنتِ ادلعتي زيادة عن اللزوم وأنا زهقت. موضوع فرح ده ملكيش فيه، هي غلطت وتتحمل نتيجة غلطها، وخليكي عارفة إن صبري قرب يخلص."
جذبت نفسها من بين ذراعيه وهي تقول بتحدٍ نابع من غضبها بسبب كلماته الناقمة على شقيقتها:
"يخلص. مبتهددش، وزي ما قولتلك أنا وفرح واحد، ومش هسمح لأي حد يفكر يجيب سيرتها، ولو هخسر نفسي."
كاد يود لو يحطم رأسها اليابس، فأي عقل تمتلك لتتفوه بتلك الحماقات؟ ألا تعلم مدى فداحة هذا الخطأ الذي ارتكبته شقيقتها؟ رغمًا عنه، قام بلكم الحائط خلفها، عله يفرغ من شحنات غضبه الذي كاد أن يعميه، فانتفض جسدها ذعرًا وتبدد قناع القوة بفعل عبراتها التي تدافعت من مقلتيها، قبل أن تهرول من أمامه تنوي الخروج من باب الغرفة، فإذا بيديه تجذبـانها لترسو بثقلها فوق صدره، الذي بدأ وكأن ضلوعه أطبقت عليها من فرط التصاقهم. حاولت الإفلات من بين يديه وهي تقول بصراخ:
"سيبني. بقولك سيبني. ابعد إيدك عني."
كان ذعرها أمرًا جللًا بالنسبة إليه، فأخذ يمتص ثورتها وهو يشدد من احتوائها قائلًا بحنو:
"خلاص يا حبيبي، اهدى. حقك عليا. مكنتش أقصد أخوفك."
حنانه يؤلمها وغضبه يفزعها. تريد الصراخ والتخلص من هذا الثقل الجاسم فوق صدرها، ولكنها تخشى عليه من هذا الألم الدامي الذي سينهيه، أن علم ما تخبئه بجوفها. تريد الهرب من أمامه خوفًا عليه ورأفة بقلبه، ولكنه لا يساعدها أبدًا.
تشعر بأن قدرتها على الاحتمال تتلاشى رويدًا رويدًا، حتى أنها تستجدي الموت لإنقاذها وإنقاذ من حولها من هذا الجرم الذي ما اقترفته طواعية، إنما أُجبرت قسرًا عليه.
"حبيبي. خلاص بقى. متزعليش."
همست بلوعة:
"سليم."
"حياة سليم."
رفعت رأسها تستجدي ذلك اللين في قلبه، فقالت بلوعة:
"أوعى تزعل من فرح. فرح دي أحسن إنسانة في الدنيا. لو بتحبني، أوعى تزعل منها أو تلومها."
زفر بقلة حيلة قبل أن يقول بجفاء:
"حاضر يا جنة."
باغتته فعلتها، حين اقتربت ووضعت قبلة دافئة فوق قلبه الذي ينبض بجنون تأثرًا بقربها. وحين رفعت رأسها، هالها كل هذا العشق الذي يتساقط من نظراته، فحاولت الهرب قائلة:
"هنزل أشم شوية هوا على ما تلبس وتحصلني نفطر سوا."
لم تعطيه الفرصة للإجابة، بل انسلت من بين ذراعيه إلى الخارج.
***
أخذت تدور بغرفتها دامعة العينين، مذبوحة القلب الذي يتلظى بنيران الذنب والغضب معًا. غاضبة من نفسها ومن ذلك القلب الذي تهواه بكل جوارحها، ولكن إن قسى لا يلين، يناطحه كبرياء أهوج يتحكم بها ويقف سدًا منيعًا أمامها من الانهيار بين أحضانه طالبة الصفح والغفران.
تعلم أنه حتى لو علم دوافعها، لن يصفح. فجرمها كبير، ولكن أمومتها تجاه شقيقتها شيء ليس بالهين، وأيضًا ذلك الجرح النازف نتيجة فرمانه الباتر حين قال بنبرة أحد من السيف:
"يبقى متلزمنيش!"
عدا حروف بسيطة تنخر بقلبها دون رحمة. كان مطلبها الأول ومسعاها الدائم هو الأمان. تلك الكلمة التي لم تستشعر حروفها سوى بين طيات عشقه. تلك الأنثى المتمردة بداخلها، لم يروضها ويخضعها سوى ذلك الأمان الذي أحاطها به. هل بهذه السهولة يمكنه التخلي عنها؟
الاستفهامات تطن برأسها كالذباب، والآلام تنخر عظامها كالساس، ولا تملك حتى رفاهية الصراخ، رافضة لكل ذلك الألم الذي يعصف بها.
طرقات خافتة على باب الغرفة جعلتها تتجمد بمكانها لثوانٍ، وداخلها يبتهل لكي يكن هو الطارق، على الرغم من علمها باستحالة هذا الاحتمال.
توجهت بخط ثابت لكي تفتح، فإذا بها تتفاجأ بـ شيرين التي تقف أمام الباب، ووجهها مرآة تعكس تخبطها وقلقها، وبعض الأسف الذي تجلى في صوتها حين قالت بتلعثم:
"فرح. هو. أنا. أنا. ينفع آخد كام. حاجة لسالم من. من الخزنة عشان مسافر؟"
كانت عيناها تخبران فرح بأن لا ذنب لها، ولكنها لم تنتبه، لأن كلماتها كانت كقطرات الوقود التي صبت بجوف بركان محترق، فهاج معلنًا عن دمار هائل، ولكن كبرياؤها حال دون صراخها في تلك اللحظة، فحاولت الثبات قدر الإمكان حين قالت بقسوة:
"هتزعلي مني لو حملتك رسالة توصليهاله؟"
"بصي هو أنا عارفة إني هشوف أيام سودا من قبل ما أخبط على باب الأوضة. قولي يا فرح."
"قولي للباشا فرح بتقولك اللي عايز ياخد حاجة يروح ياخدها بنفسه. أنا مبدخلش حد غريب أوضتي."
امتقع وجه شيرين، فقالت فرح بثبات:
"أنا مقصدكيش بأي حاجة وحشة، بس ابن خالتك اللي ابتدى الأسلوب ده، والبادي أظلم."
تحمحمت شيرين بحرج قبل أن تجيب بخفوت:
"تمام."
غادرت شيرين، تاركة خلفها بركان مشتعل بنيران الغضب والغيرة، بالرغم من كل شيء، ففعلته بإرساله شيرين إليها لا يُغتفر، ولن تمر بسلام.
توجهت شيرين إلى غرفة أمينة، التي قالت بلهفة:
"ها عملتي إيه؟ طمنيني؟"
قصت لها شيرين ما حدث، ثم أردفت بغضب:
"عاجبك كده يا مرات خالي؟ اديني اتهزقت بسببك."
"ولا تهزيق ولا حاجة. مش أنتِ قولتي إنك عايزة تصححي غلطك قبل كده؟ ادينا بنحاول نلم الدنيا بينهم، ونحمي النار شوية، يمكن يتحركوا."
"طب المفروض نعمل إيه دلوقتي؟"
"هنقوله اللي قالتهولك. أنا هقولهوله. ونخليه يطلع لها، يمكن ربنا يهديهم لما يتواجهوا."
"ده دورك بقى، أنا هختفي عشان مش طالبه كلمتين في جنابي من ابنك كمان."
"طيب، امشي من وشي."
"ملكيش أمان والله."
***
كان يلملم أشياءه، فإذا بنعمة تفتح باب الغرفة وهي تتوجه إليه قائلة بلطف:
"سالم بيه. الحاجة أمينة بتقولك إن الست فرح تعبانة شوية و..."
برقت عيناه حين سمع كلمات نعمة، وتقاذفت دقاته، فصاح بلهجة يشوبها اللهفة:
"مالها فرح؟"
"الصراحة. معرفش. أنا. مشوفتهاش. دي الست أمينة اللي قالتلي."
أخذته أقدامه للأعلى، يُحاول أن يتحكم بخطواته حتى لا يهرول إليها، فقد نجحت أمينة في زرع القلق بقلبه، الذي لم يكن يحتمل أي مكروه قد يصيبها.
زفر بقوة محاولًا الثبات قدر الإمكان، حين قام بإدارة مقبض الباب لينفتح، فإذا به يجدها تقف أمامه بعينين يشع منهما الزيتون، وكأن الشمس تعامدت فوقه، فقد كانت شمس الغضب موقدة بداخلها، فلم تستطع منع نفسها حين قالت ساخرة:
"طب والله فاجأتني إنك جيت بنفسك، أنا قولت هتقول في داهية أي حاجة تخليني أشوف وشها."
تراقصت ألسنة اللهب بنظراته، التي شملتها في البداية باهتمام لمعرفة إن كانت متعبة حقًا أم لا، وسرعان ما تبدد هذا الاهتمام وتحول لجمود، وهو يتفاداها ليصل إلى مكان الخزانة الخاصة به، يجلب بعض الأوراق التي طلب من والدته إحضارها له منذ قليل، فتمادى الغضب بداخلها حتى قارب على الجنون، الذي تبلور في حركتها وهي تتجه خلفه قائلة بانفعال:
"أنا بكلمك على فكرة."
لم يجبها، فقد كان يحاول ابتلاع جمرات غضبه خوفًا عليها من جنونه، ولكنها كانت كمن اشتهى الجحيم، فصار يتراقص أمام شياطينه قاصدًا إغوائها.
"يااااه، أنت حتى مش طايق تبص في وشي. من شوية متلزمنيش، ودلوقتي مبتبصش في وشي وكإني أجرمت؟"
بكامل غروره وثباته، وضع الأوراق في إحدى الحقائب، ثم التفت يناظرها بجمود، كان كالوقود الذي يغذي نيران غضبها أكثر، خاصةً حين قال بجفاء:
"كمان متملكيش من العقل اللي يخليكِ تعرفي مدى خطأك؟ ده لوحده كارثة!"
ابتلعت جمرات إهانته وأجابته بثبات يشوبه الغرور:
"لا عارفه، وعقلي يوزن بلد. بس في حاجات تانية بنحطها في حساباتنا لما نيجي نتصرف. حاجات معتقدش إنها مرت عليك أصلاً."
رفع إحدى حاجبيه استخفافًا بحديثها، فتابعت بنبرة جامدة تنافي احتراق نظراتها:
"المشاعر دي حاجة مامرتش على الباشا، فمن العبث إني أكلمك عنها أصلاً."
كانت كلماتها خذلان من نوع آخر، فـتلك المشاعر التي تدعي عدم وجودها بداخله، لطالما أغدقها بها حتى الثمالة، والآن تنكرها!
"هو عبث فعلًا. إني أكون واقف بتكلم معاكِ دلوقتي بعد اللي عملتيه ده، منتهى العبث."
نفذت نظراته إلى أعماقها، فأنبت نفسها على اندفاعها ورقت لهجتها حين قالت:
"أنا عارفة إني غلطت..."
قاطعها ساخرًا:
"غلطتي! الموضوع بالنسبة لك مجرد غلطة! لما الست تخرج من بيت جوزها من وراها، تروح تقابل راجل غريب، لا و مجرم، كل هدفه إنه يأذي جوزها، دي تبقى مجرد غلطة!"
صياغته لأخطائها كانت كضربات السوط فوق قلبها، الذي يؤنبها على غبائها تارة، ويواسيها على مصابها تارة أخرى، وبين هاتين التخبطات، خرجت لهجتها جريحة، وتناثر الأسف وقلة الحيلة من بين عينيها على هيئة عبرات غزيرة:
"جريمة. بس ليها أسباب..."
جاءت نبرته قاطعة كالسيف حين قال:
"خليهالك. مبقاش يلزمني أسمعها."
التفت يوشك على المغادرة، فجن جنونها وصاحت بانفعال:
"وأنا أصلاً مش هقولها حتى لو طلبت مني ده."
أخذ يستغفر سرًا حتى لا ينصاع لاستفزازها ويلبي رغبة قلبه بتحطيم رأسها الذي لا يفكر، ولكنه اكتفى قائلًا بتحذير قاسٍ:
"حذاري تحاولي تستفزيني، عشان المرة دي عقابي هيزعلك أوي."
كل ما ترغبه في تلك اللحظة ألا يرحل، تشعر بأنها ستموت قهرًا إن غادر وتركها الآن، لذا صاحت بانفعال:
"هتعمل إيه يعني؟ هتموتني؟ اتفضل لو ده هيريح سالم بيه الوزان!"
ضاق ذرعًا بحديثها، فصاح بصوت أرعدها:
"أنتِ عايزة مني إيه؟"
إن كان سابقًا يظن بأنها تُدهشه بجميع أفعالها، فالآن تعدى الأمر حدود الانبهار حين صاحت بقهر:
"عايزة أحضنك قبل ما تمشي."
تجمد بمكانه يطالعها بصدمة، وهو يشاهدها تندفع بين أحضانه لتتعلق بعنقه بقوة وهي تبكي كما لم تبكِ من قبل.
كان الأمر برمته صادمًا، حتى أن مشاعره تخدرت من فرط الصدمة، حتى أنه فقد القدرة على التحكم بجسده، فلم يشعر بيديه التي طوقتها بقوة، وكأن قلبه تسيد الأمر نافيًا عقله إلى أبعد زاوية ممكنة.
شهقاتها أعادت إليه وعيه، وملمس جسدها المرتجف بداخل أحضانه، أنفاسها الملتهبة تطوق عنقه، عبراتها الغزيرة تبلل صدره، فقام بإغلاق عينيه هاربًا من كبرياء لعين يطارده يأمره بالابتعاد عنها، ولكنها كانت أضعف اللحظات التي مرت عليه بحياته، لا يستطيع الانسلاخ عنها، يود الصراخ، لاعنًا كل شيء يحرمه لذة قربها. يتمنى لو أن الأمس لم يأتي حتى يتجنب ما حدث، لتظل بين ذراعيه للأبد.
بدأ جسدها بالهدوء كما خبت عاصفة انهيارها، لتظل ساكنة لثوانٍ تستمتع بدفء وجودها بين حنايا صدره، الذي كانت تستشعر جنون دقاته، فقد كان يتشاركا معًا الألم الذي تعاظم، حين وجدت قدماها قد لامست الأرض، فهذا يعني رحيله، ولكنها تفاجأت حين وجدت يديه تتسلل أسفل ساقيها والأخرى خلف ظهرها، وهو يقوم بحملها كعروس، ليتوجه بها إلى الفراش، وقام بوضعها في منتصفه برقة تتنافى مع قساوة كلماته، حين قال:
"خلي بالك من نفسك ومن اللي في بطنك."
كانت تناظره وهو يدثرها بالأغطية بحنو يتنافى مع نظراته الجافة، وكذلك كلماته، فعلمت أي جحيم ألقته به، لذا اكتفت بهزة من رأسها دلالة على الموافقة، بينما هو كان في حرب طاحنة بين كبرياء يأمره بالرحيل، وقلب يتوسل بالبقاء، وعقل يُلح عليه بالهرب حتى لا يسحقها بين ذراعيه، معنفًا وعاشقًا، وقد استمع لهذا الصوت، ولأول مرة بحياته، يهرب!
***
"خلي بالك من نفسك. مش هتأخر عليكِ. هروح أجيب الديب من ديله وأجيلك."
هكذا تحدث مروان بمزاح مع سما، التي كانت على مشارف البكاء تأثرًا بسفره، ولكن كلماته رسمت الضحكة على ملامحها الجميلة، فصاح بتهليل:
"اللهم صلي على النبي. إيه الحلاوة دي يا جدعان؟ شوفي لما بتضحكي الدنيا بتضحك إزاي؟ والعصافير بتشقشق. إنما بوز البومة اللي بتضربيه ده هيجيبني في شوال وربنا."
لم تستطع منع ضحكاتها وهي تؤنبه قائلة:
"اخص عليك يا مروان! أنا بومة؟"
"أحلى بومة في حياتي. أومال أنا مستحمل أمك ليه؟"
زجرته بعنف:
"اوعى تجيب سيرة ماما، أنا بقولك أهو."
"يا بنتي هو أنا بجيب سيرة خضرا الشريفة. دي أمك دي يتفاتها النخل طارح."
"يكون في علمك لو مظبطتش أمورك معاها وسايستها، مفيش جواز. أنا قولتلك أهو."
رفع أحد حاجبيه وهو يقول باستخفاف:
"على أساس إني هاخد رأي أمك في الحوار يعني؟ يا ماما ده أنا أطلبك في بيت الطاعة الصبح. فوقي، مش كل الطير اللي يتاكل لحمه."
اغتاظت من حديثه، فقالت بجفاء:
"مروان امشي يالا."
"أمشي؟ كده عادي."
"اه عادي. امشي يالا."
"جاك مشش. بتكرريها كمان. طب مفيش بوسة؟ حضن؟ خلي بالك من نفسك يا حبيبي؟ تروح وترجع بالسلامة؟ أي حاجة من اللي الحبيبة بيقولوها دي؟"
جاء صوت غاضب من خلفهم:
"ياخي حبك برص وعشرة خرس. أنت إيه يا واد أنت اللي موقفك مع البت؟ أنا زهقت منك."
ناظره مروان بسخط، وكأنه يخبرها:
"أرأيتي."
أتقنت رسم الحزن على معالمها، فضاق ذرعًا مما يحدث، ولكنها فاجأته حين تقدم من همت بنظرات سمجة، فـضـيّـقـت الأخيرة عينيها وهي تراه يُقبل عليها، ثم قام بجذبها ليحتضنها بقوة، فصاحت باندهاش:
"أنت بتعمل إيه يا واد أنت؟"
لم يجبها، ولكنها تسمع همهماته المتقطعة، فرفعت رأسها فوجدته يغمض عينيه وهو يتلو كلمات غير مفهومة، فقالت بحنق:
"أنت بتدعي عليا يا واد أنت؟"
لم يجبها مروان، بل أخذ يتابع همهماته، فاستكانت لثوانٍ قبل أن تقول بنفاذ صبر وهي تدفعه بقوة:
"ما ترد عليا يا حيوان."
فاجأها حين قال بتحسر:
"والله يا عمتي أنا كنت بقرا المعوذتين عشان أطفش الشياطين اللي متسلطة عليكِ دي، طلعت الشياطين بتلطم منك."
اندفعت همت بصياح:
"آه يا حيوان! أنا الشياطين بتلطم مني. ده أنا اللي هخليك تلطم وتقول حقي برقبتي."
"لا متقلقيش، أنا شبعت لطم من الجوازة السودا دي. وربنا لهخطفها وأرمي شرف العيلة في الوحل، بس الصبر."
تدخلت سما لفض النزاع قائلة بنفاذ صبر:
"كفاية بقى انتوا الاتنين. أنا تعبت منكوا. لو فعلاً بتحبوني يبقى تلاقوا طريقة تتعاملوا بيها مع بعض أحسن من كده، عشان أنا مش هتحمل عمايلكوا دي."
ألقت كلماتها، ثم هرولت للأعلى، وخلفها همت، فتمتم مروان بحنق:
"أنا قولتها قبل كده، قليل البخت تطلع له همت في المولد. حسبي الله ونعم الوكيل، الكل هايص وأنا لايص. ده حتى البيج بوص اللي كان مقموص من شوية طلع فوق بقاله ساعة منزلش. أكيد هايص هو كمان!"
***
"ممكن أعرف حضرتك زعلانة مني ليه؟"
هكذا تحدثت همت بحنق، فصاحت سما بنفاذ صبر:
"عشان بجد تعبت، حضرتك بتضغطي عليه من ناحية، وهو بيضغط عليا من ناحية تانية، وأنا متقطعة بينكوا."
قالت جملتها الأخيرة تزامنًا مع هطول العبرات من مقلتيها، فرق قلب همت لحالها، ولكنها هبت معاندة:
"الحق عليا إني خايفة عليكِ."
"خايفة عليا من مين وليه؟ ومخوفتيش عليا من حازم اللي لولا إني كان عندي شوية عقل ومحافظة على نفسي، كان زماني مكان جنة دلوقتي؟"
شهقت همت بصدمة:
"بتقولي إيه؟"
"بقولك اللي سمعتيه يا ماما. متخافيش عليا من مروان."
"مروان جوزي، وعمره ما فكر يأذيني، بالرغم من غبائي وتصرفاتي الزفت، كان جنبي. عمره ما تجاوز حدوده معايا. بيحبني أكتر من نفسه، وأنا كمان بحبه. أنا مش ذنبي أدفع تمن أخطاء غيري. أنا تعبت وعايزة أرتاح بقى."
شعرت همت بمدى معاناة ابنتها، فاقتربت بخطوات حثيثة وهي تقول بضعف:
"أنا مقصدتش أدفعك تمن غلطي يا بنتي. بس غصب عني خايفة عليكِ. خايفة على قلبك لا يتوجع تاني. أنا عشت بحسرة وجع قلبي العمر كله. مش عايزكِ تجربي ولا تدوقي اللي أنا دوقته."
"مروان مش وحش وأنتِ عارفه. ارجوكِ متقفيش قدامنا، ارجوكِ سبيني أعيش حياتي مع اللي اختاره قلبي."
لم تتحدث همت، بل فتحت ذراعيها لـ سما، التي ما أن شاهدت تلك الابتسامة المعتذرة ترتسم على شفتي همت، حتى اندفعت إلى داخل أحضانها وهي تقول من بين عبراتها:
"بالله عليكِ سبيني أعيش حياتي، واديني فرصتي أنا وهو."
انصاعت خلف قلبها وقالت بحنو:
"ربنا يسعد قلبك يا بنتي. مش هقف في طريقك تاني أبدًا."
***
بعد مرور يومين، كان يتجهز لحضور أحد المؤتمرات الانتخابية، فأخذ يلملم أشياءه للمغادرة، فإذا بطرق خافت على باب الغرفة، فقال دون أن يحيد بعينيه عن الأوراق أمامه:
"ادخل يا مروان، وخلي بالك، قدامنا خمس دقايق مفيش غيرهم عشان نطلع للناس."
تفاجأ حين أتاه ذلك الصوت المهتز من الخلف:
"مروان مش هنا، ينفع أنا؟"
تجمد بمكانه للحظات قبل أن يلتفت ليُصدم، حين رأى...
يتبع...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورهان العشري
تقدمت «جنة» بأقدام مُثقلة بأحمال لم يعُد لها طاقة على إحتمالها ولهذا مزقت وثاق الخوف الذي كان يُكبلها ونفضت عنها هذا الضعف الذي كاد أن يُنهيها.
_ ينفع أتكلم معاك لوحدنا بعيد عن أي حد؟
لملم أوراقه قبل أن يقول بجفاء:
_ أكيد ينفع. جاية من آخر الدنيا واستنيني ساعتين على ما المؤتمر خلص، يبقى الكلام اللي عايزة تقوليه مينفعش مسمعهوش.
اخفضت رأسها بأسى لم يغادر قلبها منذ ذلك اليوم المشؤوم ثم قالت بخفوت:
_ هستناك بره لما تخلص اللي وراك.
كادت أن تغادر لولا كلماته التي أوقفتها:
_ سليم عارف أنتِ جاية تقوليلي إيه؟
كلماته اخترقت حدود المنطق بالنسبة إليها، فدقت طبول الذعر بقلبها لتلتفت قائلة بجزع:
_ لا. س. سليم ميعرفش حاجة.
رق قلبه لحالها فرسم ابتسامة هادئة على ملامحه قبل أن يتحدث بهدوء قاصدًا طمأنتها:
_ اتخضيتي ليه كدا؟ أنا بسأل بس. اقعدي ارتاحي لحد ما أخلص. خمس دقايق وهكون معاكِ.
طاوعته دون حديث، فقد كانت تبحث بين الحروف عن كلمات يُمكن أن تُعبر بها عن فداحة ما تشعر به. لم يكن ألمًا لفراق محتوم قد ينال من قلبها، بل كان أسى وندم على ما عانته شقيقتها سابقًا وما تعانيه الآن بسببها.
كان الإرهاق البادي على ملامحها يوحي بمدى حزنها الذي أطفأ بريق عينيها وجعلها كزهرة ذابلة زرعها أحدهم ونسي أن يرويها.
_ معاكِ يا جنة. كنتِ عايزة تقولي إيه؟
هربت الحروف من بين شفتيها، فأخذت تُطالعه كطفلة صغيرة لا تجرؤ على الحديث عن ذنبها أمام والدها، ولكن كان لعينيها رأيًا آخر، فأخذت العبرات تنهمر على وجنتيها تحفر وديانًا من الألم فوق ساحتهما. فشعر «سالم» بالحزن لأجل تلك الفتاة التي اندثرت زهرة شبابها أمام كل ما عايشته.
التف ليجلس على المقعد أمامها ثم ناولها أحد المحارم الورقية قبل أن يقول بهدوء:
_ سليم قالي إن نتيجة المسح الذري طلعت، والحمد لله أنتِ كويسة، يبقى ليه الدموع دي كلها؟
تزاحمت الحروف فوق شفتيها فهدرت بألم:
_ حتى لو طلعت غير كدا مكنتش هتوجع زي منا موجوعة دلوقتي. أنا السرطان متعبنيش قد ما وجعني الغدر والظلم اللي شفته على إيد حازم.
كان قهرها أمرًا مُروعًا، وتلك الحرقة التي تقطر من نبرتها إضافة إلى طوفان العبرات الذي بلل مقدمة صدرها، فكانت مظهرها مروعًا مما جعل «سالم» يقترب قائلًا بحنو:
_ موضوع حازم مات وانتهى، ليه كل اللي أنتِ فيه دا؟
_ منتهاش. منتهاش ولا هينتهي غير لما ينهيني.
صمتت لثوانٍ قبل أن تتابع بقهر:
_ فرح مظلومة. فرح مش وحشة. أنا اللي وحشة. أنا السبب في كل حاجة وحشة حصلتلها. أنا لعنتها الأبدية.
تزاحم الدمع في عينيها يسقط مُرهقًا كحال قلبها النازف من فرط الألم، وكذلك نهنهاتها التي توحي بمن يراها بأن تلك المرأة خسرت جميع معاركها مع الحياة ولم يبقى لها سوى عبرات وحقيبة جراح لا تندمل ولا يمكن شفاءها.
_ جنة أنا مش هعرف أتكلم معاكِ وأنتِ في الحالة دي. ممكن تهدي شوية؟
أبدأت تكفكف عبراتها وحاولت السيطرة على جيوش الألم التي تكاد تفتك بصدرها ثم تابعت بنبرة مُتحشرجة:
_ ناجي كان بيهددني وفرح عرفت، عشان كدا راحت تقابله.
زفر «سالم» يحاول تلافي طوفان الغضب الذي يكشر عن أنيابه كلما مر على باله ذكرى ما حدث، فجاءت نبرته جافة حين قال:
_ احكي كل حاجة حصلت من الأول.
اخفضت رأسها لا تقوى على النظر بوجهه ثم قالت بأسى:
_ ناجي كان بيهددني إنه معاه فيديو ليا أنا وحازم لما...
صمتت لثوانٍ قبل أن تُتابع بخفوت:
_ لما اغتصبني. وأنا من رعبي إن حد يعرف كنت عايزة أنفصل عن سليم. كنت مرعوبة لا يعرف أو يشوف حاجة زي دي.
كان الألم يقطر من بين حروفها مما جعل «سالم» يحاول تخفيف الأمر قليلًا إذ قال:
_ خوفك غير مبرر يا جنة عشان سليم عارف إنك ملكيش ذنب.
رفعت رأسها تُطالعه بخزي:
_ لما يسمع غير لما يشوف بعنيه. سليم ميستاهلش مني أوجعه كدا. لو شاف حاجة زي دي عمره ما هيقدر يبص في وشي، ولا أنا هقدر أرفع عيني فيه ولا فيكوا.
قالت جملتها الأخيرة بشفاه مرتعشة وأكتاف مُتهدلة، بينما كانت نبرتها جريحة توحي بمقدار الخزي والألم اللذان تشعر بهم.
_ كملي يا جنة.
هكذا تحدث «سالم» بهدوء فتابعت بنبرة مُتحشرجة:
_ فرح حست إن في حاجة بيني وبين سليم وكلمتني، ومن خوفي اللي حصل دا يحصل مقدرتش أقولها حاجة.
قاطعها «سالم» مستفهمًا:
_ حصل إيه بينك وبين سليم؟
_ من كتر وجعي وغضبي من حازم ومن اللي بيحصلي بسببه طلبت منه يكتب محمود على اسمه. بس هو مرديش، فاتخانقنا.
قاطعها «سالم» بجفاء:
_ بس هو عنده حق، دا حرام شرعًا.
لاحت على شفتيها ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيها، فتجاهلت حديثه وقالت بنبرة محشوة بالوجع:
_ هو قالي كده، بس أنا كنت مخنوقة ومضغوطة جدًا، فاتخانقت معاه. وحصل موقف مروة وناجي، هو اللي قالي إن سليم عندها. في اليوم دا فرح جاتلي وأثرت تعرف أنا عرفت منين مكان سليم. مردتش أقولها، لكن فرح لما بتعوز تعرف حاجة بتعرفها. أخدت موبايلي وعرفت كل حاجة.
صمتت لثوانٍ، فقد أتعبها البكاء والحديث وكل هذا الألم الذي يجيش بصدرها، فناولها «سالم» كوبًا من الماء كان موضوعًا على الطاولة الخشبية. فبلت حلقها الجاف من فرط الأسى، ثم تابعت بمرارة وكأن صبارًا نبت في جوفها:
_ معرفش حصل إيه بينهم، لقيتها جاية تقولي بتكلمي ناجي من إمتى؟ حكتلها كل حاجة، وهي كانت هتحكيلك. أنا اللي اترجيتها متقولش.
رفعت عينيها تناظره باعتذار وعينين تتوسلان الصفح:
_ أنا اللي اترجيتها والله. مكنتش عايزة حد يعرف. مكنتش هقدر أبص في وش حد فيكوا لو عرفتوا بوجود فيديو زي دا. أنا آسفة. أنا السبب في كل حاجة وحشة حصلتلكوا. بس والله غصب عني. مكنتش أعرف إن فرح هتروح تقابله. لو كنت أعرف كنت جريت قلتلك. فرح دي أغلى حاجة عندي في الدنيا. متحملش أشوفك ظالمها بسببي. أرجوك سامحها. أرجوك متزعلش منها. هي ملهاش ذنب، وأنا أوعدك هختفي من حياتكوا نهائي.
كانت لوعتها أصعب من أن توصف، وأقسى من أن تُحتمل. جسدها ينتفض وعبراتها لا تتوقف وشفاهها ترتجف، بينما عينيها كانت بحرًا من الدماء تتماوج بها مختلف الشعور، وكان أقصاهم الخزي، وأشدهم الذنب. وهنا صدح بعقله استفهام مُلح: كيف لطفلة مثلها أن تحتمل كل هذا؟ كيف لهذا الجسد الضئيل أن يتحمل كل تلك الأثقال التي تهلك أعتى الرجال؟
شعر بانتفاضة قلبه تأثرًا بحال تلك المسكينة، فامتدت يديه تحوي كفها المرتجف وهو يقول بحنو لا يعلم من أي جهة تسرب إلى قلبه:
_ كل دا شيلّاه في قلبك يا جنة؟ ليه كدا؟ دا أنتِ لو بتموتي نفسك في البطيء مش هتعملي كدا.
رفعت رأسها تناظره بلوعة لونت نبرتها حين قالت:
_ أنا نفسي أقعد أصرخ لحد ما أقع من طولي. حاسة إن قلبي بيتعصر من جوا من كتر الوجع. نفسي أحس إني عايشة حياة طبيعية. نفسي أنام يوم متطمنة. أنا تعبت أوي. لو مكنش الانتحار حرام أقسم بالله كان زماني ميتة من يوم ما حازم اغتصبني.
صمتت لثوانٍ قبل أن تقول بنبرة تتضور وجعًا:
_ أنا مش في إيدي حاجة غير إني أعيش وجعي وخوفي وألمي وأنا ساكتة. خايفة أنطق الدنيا تتقلب من جديد زي ما حصل معاك أنت وفرح.
لأول مرة يعجز عن الحديث، فأي كلمات تُقال قد تخفف من وطأة هذا الحزن الدامي الذي يتبلور في عينيها ويتساقط من بين حروفها؟ أي وغد هو أخاه حتى يقوم بفعله الدنيء مع تلك الفتاة البريئة؟
زفر بتعب قبل أن يقول بلهجة مشجبة:
_ غلطانة يا جنة. أنتِ وفرح جزء من عيلتنا، والغلط اللي أنتِ خايفة منه دا إحنا نشيل نصه وحازم يشيل نصه. أنتِ ملكيش ذنب فيه.
«جنة» بمرارة تمتد من القلب إلى الحلق:
_ للأسف أنا اللي شلته الشيلة كلها. ولسه بدفع تمن إني أشْفَقْت على شخص مريض. يمكن دا ذنب عملته وربنا بيخلصه مني. أنا راضية بنصيبي، بس كفاية فرح تتعذب بسببي. فرح تعبت أوي معايا.
«سالم» بجفاء:
_ فرح بتتعاقب على تفكيرها الغلط. خليها بره كلامنا. أنتِ دلوقتي تفكيرك غلط. أنتِ ترفعي راسك وأوعي توطيها تاني. أوعي تقولي الكلام دا أبدًا. العيلة مش مجرد كلمة. لا. العيلة دي ونس وصحبة وأمان وسند واحتواء.
استمهل نفسه قبل أن يتابع بقوة:
_ وبعدين الضعف اللي أنتِ فيه دا هيغرقك. لازم تكوني قوية. طول ما أنتِ ضعيفة الدنيا مش هتبطل تكسر فيكِ.
«جنة» بأسى:
_ قوية مرة واحدة! أنا حتى مبلحقش أشم نفسي.
يعلم كم هي مُحقة، ولكن لابد من أن تتجاوز كل ما آلمها قبل أن تجهز عليها:
_ لازم تمشي نفسك وتقفي على رجليكِ. عشانك وعشان ابنك وعشان سليم. وعلى فكرة أنا لو مكنش حرام إني أغير اسم محمود كنت بنفسي كتبته باسم سليم سواء كان حازم ميت ولا عايش.
برقت عينيها من حديثه، والتمع الشك بنظراتها، فتابع «سالم» بفظاظة:
_ حازم ميستحقش يكون له ابن زي محمود. لو مفكرة إني يومين وهطبطب على حازم ويرجع يعيش حياته طبيعي معانا تبقي لسه متعرفنيش.
«جنة» بترقب:
_ أومال هتعمل معاه إيه؟
«سالم» بقسوة التمعت في عينيه وتجلت في نبرته حين قال:
_ كان مفروض يا إما أقتله، يا إما أسلمه بإيدي للشرطة. بس في الحالتين هبقى حكمت على عيلة كاملة بالضياع والفضيحة، وهبقى حكمت عليكِ أنتِ ومحمود تعيشوا طول حياتكوا موطيين راسكوا.
صمت لثوانٍ يتابع انفعالاتها وملامحها التي بدأ عليها الاقتناع، ثم تابع بخشونة:
_ حازم عايش أسوأ حياة كان يتخيلها في حياته، ولما ما يتعدل ويبقى بني آدم هيبتدي عقابه. وقولتهالك قبل كدا مش هيحصل غير اللي أنتِ عايزاه، واستنيتك تيجي تقوليلي عايزة إيه مجتيش.
«جنة» باندفاع:
_ مفيش حاجة هتشفي غليلي منه. أنا عمري ما كنت شخص حاقد، وبسببه بقيت شخص الكره ماليه.
_ حقك. مش بلومك. أنتِ محتاجة تتعافي من اللي حصل عشان تقدري تكملي حياتك وتعيشي صح، وأنا معاكِ في كل اللي أنتِ عايزاه.
للمرة الثانية التي تستمع لهذا الوعد منه، ولكنها الآن ستطالبه بتنفيذه في أسرع وقت:
_ يعني لو طلبت منك طلب تنفذهولي؟
«سالم» بفظاظة:
_ أي طلب بعيد عن فرح اعتبريه اتنفذ.
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بتحذير:
_ عشان كدا فكري كويس أوي قبل ما تطلبي.
عبأت جوفها بالهواء علها تطفئ تلك النيران الموقدة داخل صدرها، وبأعين أنهكها الوجع ولهجة مشبعة بالأسى صكت فرمان هلاكها:
_ عايزة أمشي.
كان يتوقع ذلك، ولكنه واصل صمته في دعوة لتكمل حديثها، فتابعت بلهجة مشجبة:
_ عايزة أبعد يمكن أقدر أتعافى.
شعر بشيء آخر خلف نظراتها الملتاعة، فقال بريبة:
_ فيه سبب تاني ورا طلبك دا غير الكلام اللي قولتيه من شوية؟
امتقع قلبها وأخذ يتلظى بنيران الجور وهي تتذكر ما حدث ذلك الصباح.
***
**عودة لوقت سابق**
توجهت «جنة» إلى غرفة «أمينة» تجر قدمًا وتؤخر الثانية، تُريد الاعتذار منها على كل هذا التجاهل الذي بدر منها في الآونة الأخيرة. وحين أوشكت على إدارة قفل الباب، تجمدت أناملها حول الحلقة الحديدية كما تجمدت الدماء في عروقها حين سمعت كلمات «أمينة» المُعذبة:
_ قلبي وجعني يا همت لما سمعته بيسأل سالم عن حازم وصوته زي ما يكون هيبكي.
«همت» بتأثر:
_ اللي حصل ماكنش سهل يا أمينة، وخصوصًا على واحد زي سليم. دا عمره ما قبل الغلط. عايزاه يقبل إزاي بكل الكوارث اللي حازم عملها؟
«أمينة» بحرقة:
_ أنا السبب. أنا اللي دلعته بزيادة وكنت بخبي كل مصايبه على إخواته وأقول شاب وبكرة يعقل. أتانيني كنت بساعد في ضياعه أكتر وأكتر.
«همت» بمواساة:
_ بتقولي إيه بس يا أمينة؟ أنتِ يعني كنتِ هتعرفي إنه ممكن يعمل جريمة زي دي وتسكتي له؟ وبعدين الزمن كفيل يغير كل حاجة ومسيرهم يرجعوا لبعض تاني، دول مهما كان إخوات والضفر عمره ما يطلع من اللحم.
«أمينة» بأسى:
_ سليم مش ممكن يسامح حازم أبدًا. يمكن سالم في يوم من الأيام يسامحه، إنما سليم لا. أنا عارفة ابني. هيفضل يتعذب طول عمره ما بين أخوه ومراته.
«همت» بصراحة انتفض لها قلب جنة:
_ بصراحة يا أمينة. سليم موقفه صعب. يعني لو مكنش اتجوز جنة كان ممكن ربنا يهدي الحال ما بينهم. إنما بعد ما اتجوزها استحالة يتقبل وجود حازم حتى لو هو بيتعذب عشان أخوه.
انسدلت العبرات من عينيها وحفر الألم شعائره بتجاعيد وجهها وهي تتساءل بأسى:
_ يعني ولادي عمرهم ما هيرجعوا يتجمعوا تاني أبدًا؟
زفرت «همت» بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
_ طول ما جنة بينهم عمرهم ما هيتجمعوا تاني أبدًا. اعذري سليم دا راجل ودمه حامي واللي حصل ماكنش هين.
***
**عودة للوقت الحالي**
فاقت من شرودها على صوته الفظ حين قال:
_ كل دا بتفكري على إجابة لسؤالي يا جنة؟
تحشرجت نبرتها حين أجابته بمراوغة:
_ لا أبدًا. أنا بس سرحت في فرح. أنا سيباها تعبانة.
اندفعت الأحرف من بين شفاهه متلهفة:
_ مالها؟
«جنة» بعتاب:
_ يعني تعب الحمل مع الزعل.
نظف حلقه قبل يقول بفظاظة مُغيرًا دفة الحديث:
_ مجاوبتيش على سؤالي في أسباب تانية لطلبك دا؟
استجمعت جأشها قبل أن تقول بجفاء:
_ لا.
أومأ برأسه قبل أن يقول بفظاظة:
_ تمام. اللي أنتِ عايزاه. بس خلي بالك سليم مش هيقبل بكدا، ودي حاجة أنا مقدرش أدخل فيها. دي حلوها بينكوا.
وكأنه ألقى بها أمام ثيران الألم التي تهيج عند رؤية الدماء. دمائها التي حتمًا سيذرفها قلبها حين تخبره بقرارها.
_ تمام. أنا ممكن أروح عند جدي. وقتها...
قاطعها «سالم» بجفاء:
_ لا. تبقي كدا بتصعبي الأمور على نفسك وعلينا، وهتدخلي في دوامة استفهامات معتقدش إنك عندك القدرة تجاوبي عليها.
كان حديثه صحيحًا، ولكنها كانت تبحث عن مأمن يحميها من ضعفها أمامه. فماذا ستفعل الآن؟
_ طب أنا هعمل إيه؟ وهروح فين؟
صمت لثوانٍ قبل أن يتابع بنبرة يشوبها المكر:
_ إيه رأيك تقعدي عند صفوت وسهام؟ منها تبقي بعيد وعنها أبقى مطمئن عليكِ.
بتر الشق الأهم من أسبابه، وهي كونها ستكون نصب عيني شقيقه الذي حتمًا لن يقبل أن تفارقه وسيفعل المستحيل لاستعادتها، ولهذا يريد تيسير الطرق أمامه لفعل ذلك.
استسلمت أمام أسبابه التي بدت معقولة، فقالت بهدوء:
_ تمام موافقة. بس أنا معرفهمش أوي.
_ هتعرفيهم وهتحبيهم. كمان نجمة بنتهم هتبقى مرات ابن عمك وخطوبتهم قريب أوي، وأعتقد دا عذر مقبول لوجودك هناك. يعني قدام جدك وأولاد عمك.
«جنة» بجمود:
_ خلاص موافقة.
شعر بألمها الذي تبلور في عينيها وكم الأذى الذي طال قلبها وهي تنوي الفراق، لذا قال بلهجة محذرة ولكنها تحوي الطمأنينة بين طياتها:
_ أول وآخر مرة تخبي حاجة عني. أنتِ زيك زي حلا. لا تخافي ولا تتكسفي من أي حاجة أبدًا. فاهمة؟
لونت ملامحها ابتسامة هادئة لا تخلو من الحزن حين قالت:
_ فاهمة.
أضاف بلهجة هادئة:
_ متقلقيش من تهديد الكلب دا، محدش يقدر يأذيكِ ولو بنظرة، والموضوع دا تقفليه وكأنه ما حصلش.
_ بس...
«سالم» بصرامة:
_ من غير بس. كلامي يتنفذ.
أومأت بصمت قبل أن تقول بتوسل:
_ طب ممكن تصالح فرح أصل...
قاطعتها نبرته الجافة حين قال:
_ متقلقيش على فرح. اللي بيني وبينها مش أي حد يفهمه.
طمأنتها كلماته، وتلك اللمعة في عينيه حين ذُكر اسمها، فابتسمت بخفة قبل أن تقول:
_ أنا عارفة إن انت عمرك ما هتقسى عليها، وهي عمرها ما تقدر تبعد عنك.
كلماتها أيقظت وحوشًا وبراكين يحجم اندفاعها بشق الأنفس. يتمنى لو كانت أمامه الآن حتى يفرغ بها شحنات غضبه منها وشوقه الضاري لها. يرتجي نبيذها المسكر حتى تتخدر جراحه قليلًا، ولكن جميعها أمنيات صعبة المنال.
حركة غير طبيعية في الخارج تحديدًا عند الحديقة الخلفية أثارت فضوله، فنصب عوده وهو يتوجه إلى الخارج بعد أن استأذن من «جنة» على عُجالة:
_ خليكِ هنا خمسة وراجعلك.
توجه للخارج لمعرفة ماذا يحدث، فتفاجأ حين شاهد صناديق كرتونية بأعداد كبيرة والكثير من الفلاحين يقفون في طابور، في نهايته بضع رجال يحيطون أحدهم. فتقدم عدة خطوات حتى برقت عينيه لدى مشاهدته لـ «مروان» الذي كان يجلس حول منضدة ممسكًا بقلم وأمامه عدة أوراق.
احتدت ملامحه حين فطن إلى ما يحدث، فتقدم بخطٍ يرافقها الغضب الذي تصاعد حين سمع كلمات ذلك المعتوه:
_ بقولك إيه يا أبو شقفة، إنت واخد كرتونة كبيرة يعني لينا عندك صوتين.
تحدث الرجل بعدم فهم:
_ صوتين إزاي يا مروان بيه؟ إني مينفعش غير أصوت مرة واحدة.
«مروان» بنفاذ صبر:
_ لا بقى متحمرقش. إحنا متفقين، وبعدين مش لازم في المرتين تصوت يعني، مرة تصوت ومرة تزغرط عادي مش هتغلب. يالا اللي بعده.
لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بتلك اليد القوية التي تجذبه من أسفل عنقه، وذلك الصوت المرعب بجانب أذنه:
_ عايز أفهم إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟
انتفض «مروان» ذعرًا حين تفاجأ بـ «سالم» الذي من المفترض أن يكون في لقاء مع أحد الصحافيين، ولكنه قام بإلغاءه من أجل مقابلته مع «جنة»، وإذا به يمسك به بالجُرم المشهود.
_ إيه يا كبير، حد يطب على حد في وقت غير مناسب كدا؟
«سالم» بحنق:
_ وقت غير مناسب؟ دا إنت نهارك أسود. إنت بتعمل إيه؟
«مروان» باندفاع:
_ بطلع شنط رمضان.
«سالم» بتهكم:
_ بتطلع شنط رمضان قبل رمضان بتلت شهور؟
«مروان» بتهكم:
_ آه عشان الناس تلحق تبل البلح.
صرخ «سالم» في الجميع:
_ يالا كل واحد على بيته، مش عايز أشوف حد هنا.
التفت ناظرًا إلى «مروان»، فاشتدت شراسة معالمه، فتراجع الأخير قائلًا بذعر:
_ إيه يا كبير، إنت هتقرقشني ولا إيه؟ لا دا أنا ابن عمك حبيبك.
تحدث «سالم» مغلولًا:
_ ابن عمي حبيبي. دا إنت بلاء معرفش اتحدف عليا من إنهي داهية؟ بقى بترشي الناس عشان تنتخبني يا مروان؟
«مروان» بتبرير:
_ عيب يا باشا والله، دا أنا تربيتك تظن فيا كدا برضو؟
«سالم» بتهكم:
_ تربيتي! والله ما شفت ولا ربع ساعة تربية. أومال أفسر اللي شفته دا بأيه؟
_ بص يا كبير. أنا واحد حظه أسود في كل حاجة، وأكبر دليل طبعًا عمتك همت اللي منغصة عليا عيشتي. أدعي عليها مش نافع. أطفش منها مش نافع. أموتها وأخلص هبقى بضيع زهرة شبابي، فقلت إيه يا واد يا مروان. أعمل خير. ففكرت أعمل شوية الكراتين دي صدقة على روح عمتك اللي ربنا هياخدها إن شاء الله، فحبيت أضرب عصفورين بحجر، منها أعمل خير ومنها أرشي الناس. قصدي أقنع الناس تنتخبك.
اشتدت ملامحه وبرزت عروق رقبته دلالة على مدى غضبه، فالتفت إلى أحد الحرس قائلًا:
_ هات سلاحك؟
«مروان» بغباء:
_ إيه؟ هنطلع نصطاد ولا إيه؟
«سالم» بوعيد:
_ آه هصطاد جديان.
_ إيه دا؟ هو فيه هنا جديان؟
«سالم» بحنق:
_ فيه واحد واقف قدامي أهو، وهطلع بروحه إن شاء الله.
«مروان» بصدمة:
_ نهار أسود قدامك؟ يبقى أنا... أنا جدي؟
«سالم» بتهكم:
_ دا سؤال ولا إجابة؟
«مروان» بسخرية وهو يتراجع إلى الخلف بخطى وئيدة:
_ طب بقولك إيه، لما تمسك الجدي اللي قارفك في عيشتك دا أبقى عينلي الحلويات بتاعته عشان بحبها. سلامو عليكوا.
قال جملته وانطلق هاربًا من أمام عيني «سالم» التي بدت وكأنها على وشك الخروج من محجريها من فرط الغضب.
***
أخذتها قدماها إلى تلك الأماكن التي حملت ذكريات تحمل النقيضين، ما بين وجعًا عظيم وعشق أعظم، ولكن كان الأخير بداخلها لا يوجد شيء يضاهيه، حتى إن قلبها كان يتلهف لتلك اللحظات التي قضتها بقربه هانئة قبل أن يأتي طوفان الماضي ليغرقهما من جديد.
اقتربت من تلك الفرسة التي كانت تعشقها لتقول بشوق:
_ وحشتيني. ياترى لسه فكراني؟
صهلت الفرسة وكأنها تشاطرها الشوق، فامتدت يديها تُداعب عنقها بحنوٍ ينافي ذلك الأسى الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_ أنا كمان فاكراني. مصيبتي الكبيرة إني مبعرفش أنسى. كل حاجة بتنطبع في ذاكرتي مبتتمحيش.
أخرجت الهواء المُعبأ بصدرها دفعة واحدة قبل أن تقول بلوعة:
_ ياااه لو الإنسان يفقد الذاكرة. ينسى كل حاجة وجعاه. يعيش حياته بقلب جديد مفهوش شروخ ولا وجع مدفون بنحاول نداريه بضحكة باهتة بنرسمها على وشوشنا.
تبلور الألم بعينيها، فانسلت دمعة هاربة كانت تحمل طابع التمني الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_ تخيلي أصحى من النوم ألاقي نفسي نسيت كل حاجة، مش فاكرة حاجة غيره. هو وحبه اللي معشش في قلبي. تخيلي قلبي يدق لأول مرة وهو فرحان من غير ما يكون فيه حاجة تنغص عليه فرحته.
رفعت رأسها في السماء وهي تسحب نفسًا طويلًا وكأنها تستشعر حلاوة تلك الأمنية البعيدة المنال، ثم تابعت بخفوت:
_ ياااااه قد إيه الأمنية دي على قد ما هي جميلة على قد ما هي بعيدة.
زفرت بتعب قبل أن تقول بخفوت:
_ الحمد لله على كل حاجة. أنا راضية. وعشمانة في ربنا. عشمانة أوي في ربنا.
كررت جملتها بتمني لتتفاجأ بتلك اليد القوية التي عانقت خصرها بقوة تتنافى مع ذلك الشوق الذي يغلف نبرته حين قال:
_ طب ما تيجي وأنا أحققلك أمنيتك وأنسيكِ اسمك.
رجفة قوية من نوع خاص أصابت قلبها جراء ملامسته لخصرها، وتلك الدغدغات التي أصابت حواسها جراء كلماته التي تحوي الكثير من الشغف بين طياتها، فأخذت نفسًا قويًا وأسبلت جفنيها تتمزز بروعة حضوره الطاغي. فكان مشهدًا رائعًا تنتشي العين برؤيته، فأخذ يُمرغ أنفه صعودًا وهبوطًا فوق جدار عنقها الناعم يواصل هجومه الشرس على قلبها الرهيف. فخرجت آهة معذبة من بين شفتيها قبل أن تقول بخفوت:
_ سليم.
_ حياة سليم.
لطالما عشقت تلك الكلمة من بين شفتيه، لتنخرط في دوامة من المشاعر اختطفتها من بين براثن ذكرياتها المريرة وواقعها الأليم، لتسمو بها في سحابة من المشاعر اللذيذة التي تكتنفها في تلك اللحظة. فجاء همسها قاتل حين قالت:
_ هتفضل تحبني لحد إمتى؟
أخذت أنامله تنقش لحنًا مغريًا فوق خصرها المنحوت، بينما شفتيه تعزف بعذوبة سيمفونية عاشقة انتشى لها قلبها:
_ لحد ما عمري يخلص هفضل أحبك. حتى لو حبك صبار هتحمل شوكه وكأنه ورد بس تكوني جنبي.
همست بنبرة ملتاعة:
_ افرض الدنيا مش حبانا سوى؟
جاءت نبرته قوية بقدر ما تحمل من عشق، استشعرته في لمساته فوق عنقها وكلماته بجانب أذنها:
_ هجبرها تتحملنا سوا. مش هسمح لها تبعدني عنك. طول ما فيا نفس هتفضلي في حضني وجوا قلبي.
تنهيدة حارقة اخترقت جوفها وشعر هو بصداها في صدره الذي يعانق ظهرها، فلم يعد يحتمل شوقه ولا عذابها الذي يؤرق لياليه، لذا همس ويديه تجذبانها إلى حيث يريد:
_ تعالي معايا.
لم يتيح لها فرصة للاعتراض، فقام بحملها كعروس وهو يتوجه بها إلى مكان اشتاقته بقدر ما ذكرياتها المريرة بداخله.
ضرب باب الملحق بقدمه وهو لا يزال يحملها بين يديه، ثم أغلقه قبل أن يتوجه بها إلى غرفتها القديمة. فهمست باستفهام:
_ سليم. أنت...
قاطعها وهو يتوغل بنظراته في أعماق بحرها الأسود اللامع، رغمًا عن هذا الألم الهائل الذي يتمثل في خيوط حمراء إثر بكائها الذي لا يعرف سببه:
_ أنا من اللحظة دي مش هسيبك ولا هسمحلك تبعديني عنك. النهاردة اتكتب لي عمر جديد وأنا بسمع الدكتور وهو بيقول إنك خلاص بقيتي كويسة.
استمهل نفسه قبل أن يستند برأسه على مقدمة رأسها وهو يقول بصوت هامس ذي نبرة ملتاعة:
_ سبيني استمتع باللحظة دي. عايز تبقى ذكرى جميلة نفتكرها عمرنا كله. خليني أفرح بيكِ ومعاكِ.
هل يمكن لها أن تقاوم ذلك العشق الذي أحاطها به وكأنه هالة من نور حاوطتها لتحجب سهام الألم عنها؟
احتوت بكفوفها عنقه لتشدد من ضمة رأسه بين أحضان حنانها الذي انساب من بين شفتيها حين قالت بخفوت:
_ أكتر حاجة بتتمناها في حياتي إني أقدر أفرحك.
تربع فوق المقعد وهي لا تزال متربعة بجانب قلبه الذي بين الدقة والأخرى يهمس باسمها، وبالمقابل اقترب يُلثم موضع نبضها الذي يؤازره بكل ما أوتي من عشق تجلى في نبرته حين قال:
_ يبقى تسيب لي نفسك خالص وأنا كفيل أمحي منها كلمة وجع وما يبقاش غير سليم وعشقه اللي مبينتهيش.
ارتوى قلبها حتى الخدر، فلم يعد مجال للفرار أو الهرب من ذلك الرجل الذي وشمها بعشقه إلى الأبد، فأضاءت ملامحها بسمة رائعة كانت دعوة صريحة لاجتياحها كطوفان أغرقها وغرق معها في بحور الهوى الذي أذاب كل ذرات الوجع المحفور بثنايا قلبها وبددها إلى هيام وهمهمات متلذذة انفلتت من بين شفاهها، فانهال يقتطفها بشفتيه التي كانت قاسية على قدر لهفته، حانية على قدر هيامه بها، فصارت تذرع ورود العشق فوق ساحة جسدها الذي جرده من كل العوائق لتتنعم عينيه بمطالعته، فأخذ يغازلها تارة بالكلمات وتارة بالأفعال، ويتغنى بجمالها تارة وبعشقها تارة أخرى، وهي بين يديه ذائبة متلهفة لطقوس هوسه التي كان يمارسها باحترافية جعلت كل ما فيها يضج مطالبًا بقربه، فلم يبخل عليها وصار يعمق اقترابهم وشفتاه تمجد كل شبر بها موثقًا تلك اللحظات الرائعة بالكلمات العذبة التي نالت من قلبها، فخضع لسطوته وتنحى أمامها سائر قراراتها الهوجاء بتركه، فكيف يترك المرء وطنًا احتوى شروده وبدد وحشته؟
مُشتت، ضائع، حائر، وأخيرًا مُشتاق. هذا هو حاله منذ حديث «جنة» وأخبارها له عن تعبها الناتج عن حزنها. نشب القلق حوافره بقلبه الذي يرتجي وصالها ضاربًا عرض الحائط كل آلامه الهائلة وخذلانه العظيم منها. وقد كان هذا الأمر يستفزه بقوة، كيف له أن يشتاقها بتلك الطريقة على الرغم من فعلتها النكراء؟
لا يزال يهتز جسده وينتفض قلبه حين يتذكر عناقهم الأخير ومشاجرتهم وكيف أنها كانت تفتعلها فقط لإنها لا تعلم كيف تخبره بأنها تريد احتضانه؟
يرتج قلبه كلما تذكر جملتها التي أصابت ثباته في مقتل:
_ عايزة أحضنك قبل ما تمشي.
تلك الكلمات تولد شحنات الشوق بقلبه، فيشعر بأنه على وشك تحطيم كل شيء والتهام الخطوات التي تفصله عنها كي يزرعها بإحدى ثنايا قلبه، يغترف من عشقها حتى يجهز عليها. تلك المرأة التي تدفعه إلى الجنون بكل أفعالها. تمردها، عنادها، كبريائها وشموخها، أقل الأفعال منها تثيره حد الهوس. لم يتخيل يومًا أن يقع في العشق بتلك الطريقة المؤذية. أجل، تؤذيه طريقة عشقه لها، فلا يستطيع مقاومتها ولا عقابها ولا حتى الابتعاد عنها، فأي جحيم قد أُلقي به على يديها؟
زفر بغضب وقام بالتقاط الهاتف لمكالمة والدته التي أجابت بحبور:
_ عامل إيه يا حبيبي؟ وحشتنا يا سالم.
«سالم» بخشونة:
_ الحمد لله يا أمي. إنتوا أكتر. طمنيني عنكوا.
_ بخير يا حبيبي متشيلش هم. أهم حاجة إنت عامل إيه؟ الانتخابات خلاص آخر الأسبوع، إيه الدنيا عندك؟
يضيق صدره بكل تلك الاستفهامات، يريد شيئًا واحدًا، الاطمئنان عليها، ولكن الكلمات ثقيلة تأبى عبور شفتيه:
_ الحمد لله يا أمي متقلقيش. المهم إنتوا كويسين؟
«أمينة» متعمدة أن تراوغه:
_ آه يا حبيبي الحمد لله. خلي بالك من نفسك، وابقى طمني عليك.
تشعب الغضب إلى أوردته، فأطلق زفرة حانقة قبل أن يقول بجفاء:
_ والهانم اللي عندك عاملة إيه؟
حاولت كتم ضحكتها بصعوبة وهي تنظر إلى «فرح» التي كانت تقف بجانبها تكاد تكون ملتصقة بها، يتلهف قلبها لسماع صوته فقد اشتاقته حد الألم:
_ هانم مين تقصد فرح؟
«سالم» بحنق:
_ أيوا هي. عاملة إيه؟
«أمينة» بحزن مفتعل:
_ هتعمل إيه؟ يا أما نايمة يا أما قاعدة في الجنينة. معلش أصل الحمل في الشهور دي بيبقى صعب. ياريت يا سالم تبعتلنا مروان يهدي الدنيا هنا شوية ويخفف عنها التعب، إنت عارف خفة دمه وفرح كمان بتحبه وبتحب هزاره.
كاد أن يحطم الهاتف بين يديه إثر حديث والدته الذي أثار حنقه بقوة، فتجلى غضبه في نبرته حين قال:
_ والله يعني أخلي مروان يسيب شغلنا واللي ورانا عشان ييجي يضحك ست هانم. يا حاجة بقولك إيه خلي بالك من أكلها يكون كله صحي ومواعيد أدويتها عشان دي مهملة وبتنسى نفسها.
شهقة خافتة خرجت منها جراء سماعها كلماته التي استفزتها، ولكنها اخترقت قلبه الذي شعر بوجودها، فلم يستمع إلى حديث والدته التي قالت بتخابث:
_ حاضر من عنيا. هقولها سالم موصيني أخلي بالي من أكلك وأدويتك. حاجة تانية؟
لم يجبها، إنما كان بعالم آخر وهو يتخيل أن تكون بجانب والدته تستمع إلى حديثه، بينما هو محرم عليه سماع صوتها. فأغمض عينيه بتعب، سرعان ما قامت «أمينة» بقلب الهاتف ووضعته على الطاولة وهي تقول:
_ باين الشبكة قطعت ولا إيه؟ مبيردش. سامعة يا ست هانم معذبة ابني إزاي؟ قاعد في آخر الدنيا شايل همك. هتتعدلي إمتى يا بت أنتِ؟
استدارت «فرح» تجلس بجانبها وهي تقول بحزن:
_ يعني أنا هنا اللي مش متعذبة؟ دا أنا مبيعديش عليا يوم واحد حلو. مفيش ساعة واحدة بتمر عليا من غير ما أعيط. كل ما أفتكر اللي حصل قلبي يوجعني.
«أمينة» بمواساة:
_ كله من الكلب ناجي الله يبحته. طب يا بنتي ما نجرب نقول لسالم؟ أنا عمالة أجيبها يمين وأجيبها شمال ملهاش حل غير كدا. مش هنعرف نحلها من غيره.
انتفضت «فرح» من مكانها وهي تقول بتوسل:
_ لا يا ماما بالله عليكِ. جنة هتموت لو حد عرف بحاجة زي كدا. هو أنا سهل عليا أخبي عليه؟ لو شوفتي جنة وهي منهارة وبتتحايل عليا إني مجيبش سيرة لحد كان قلبك هيتفطر عشانها.
تدافعت العبرات من مقلتيها وهي تتابع بحرقة:
_ مش هتقدر ترفع عينها في حد منكوا. أنا كل ما أفتكر منظرها أحس إن قلبي دا بيتعصر عشانها. خصام سالم مش سهل عليا والله. بس أنا بين نارين.
«أمينة» بحزن:
_ بس مش هينفع نفضل ساكتين كدا يا فرح. طب أنتِ وسالم هتفضلوا كدا على طول؟
«فرح» بأسى:
_ سالم جرحني أوي يا ماما. دا قالي متلزمنيش. الكلمة كإنها سكينة واتغرست في قلبي. حسسني إني كإني كنت بخونه. داس على قلبي وعلى كرامتي وهو عارف غلاوته عندي عاملة إزاي؟
أنهت كلماتها وانخرطت في نوبة بكاء مريرة، فاحتضنتها «أمينة» بقوة وهي تحاول تهدئتها:
_ يا بنتي متعمليش في نفسك كدا، والتمسي له العذر. الموقف مش سهل على أي راجل. أنتِ غلطتي بروحك ليه يا فرح حتى لو أسبابك إيه؟ دا مجنون يا بنتي. كان ممكن يأذيكِ.
قاطعتها بقهر:
_ ماهو آذاني فعلًا. تهديده لجنة دا أكبر أذى ممكن يأذيهولي يا ماما. جنة دي روحي، عارفة يعني إيه روحي؟ أنا تعبت أوي. حاسة إني نفسي أغمض عيني مفتحهاش، عايزة أفصل من كل حاجة ومش عارفة.
أخذت «أمينة» تربت على كتفها بحنو وهي تقول بتعقل:
_ سواء وافقتي أو لا الحل للي أنتِ فيه دا هو سالم يا فرح. محدش هيقدر يساعدك غيره. لازم يعرف ملهاش حل غير كدا، وكمان عشان تصلحوا اللي حصل بينكوا دا.
«فرح» بألم:
_ يا ناس افهموني. مقدرش أفصح سر اختي قدام أي حد. مقدرش أرجع في وعدي ليها. وبعدين بقولك قالي متلزمنيش يا ماما. أروح أقوله إيه؟ حتى قبل ما يسافر لما قولتله إن عندي أسباب قالي متلزمنيش. هو مش عايز يعرف حاجة. خلاص فرح اتشوهت صورتها في عينه. مفيش حاجة واحدة حلوة شفعت لي عنده.
«أمينة» برزانة:
_ غلط يا فرح. لو كان كلامك صح مكنش هيتصل يسأل عليكِ وهو في ظروفه دي ويطمن على كل حاجة تخصك. اتنازلي وروحي له.
هبت من مجلسها وهي تقول بعناد:
_ مش هعمل كدا يا ماما. مش هعمل كدا. حتى لو هموت من غيره مش هروح له.
عند هذا الحد أغلق «سالم» الهاتف، فمنذ أن سمع كلمات والدته لم يستطع اتباع تحذيرات عقله، وأخذ يستمع إلى حديثهم حتى جملتها الأخيرة، فقام بإلقاء الهاتف على المكتب أمامه وهو يصيح بانفعال:
_ ماشي يا فرح أما أربيكِ؟ بقى كمان إنتِ اللي مش عايزة تتنازلي؟
وسط صيحات غضبه لم يلحظ دخول «مروان» الذي صاح بعويل:
_ يا نهار أزرق! هي وصلت للدرجة دي؟ بتكلمي نفسك الباشا بتاعنا بيكلم نفسه؟ الله يخربيتك يا فرح.
انتفض إثر سماعه آخر كلمة، فزمجر بشراسة:
_ إنت يا زفت الطين لو قولت الله يخربيتك يا فرح دي تاني هطلع عين أهلك. هو بيتها ناقص؟
التمع الخبث بنظراته، فتقدم إلى داخل الغرفة وهو يقول بمكر:
_ من واقع خبرتي كحبيب قديم، الباشا وحشته المزة بتاعته. طب ما تروحلها؟
دق قلبه رغمًا عنه بكلمات «مروان»، ولكنه تجاهل تأثيرها عليه، فزمجر بخشونة:
_ اخرس خالص. وإيه مزته دي؟ اتلم أحسن لك.
«مروان» بتخابث:
_ يا عمهم البنية حامل والبت سما بتقولي دمعتها على خدها. معرفش تقريبًا سما بهتت عليها ولا إيه، بس قاعدة طول النهار مصدرالهم الوش الخشب لما جابتلهم الفقر هناك.
«سالم» محذرًا:
_ قولتلك اتلم أحسن لك، وبعدين إنت متأكد من الكلام دا ولا سما بتهول زيك؟
اندفع قائلًا بنفي:
_ لا بتهول إيه دي مأكدالي إنها هتموت فيبعادك، وأنا عشان صاحب مخلص خليت البيت كله يخاصمها بعد ما زعلتك. آه لازم تعرف إنك مسنود وراك رجالة ياكلوا الزلط، أومال تزعلك ونسكت.
برقت عيناه من حديث «مروان»، فتحدث بهسيس مرعب:
_ لحظة واحدة. إنت بتقول مخلي البيت كله يخاصمها؟
«مروان» بتأكيد:
_ آه طبعًا.
«سالم» بوعيد:
_ ومين بقى اللي مخاصمها بالظبط؟
مروان وهو يبدأ بالعد على أنامله:
_ أنا. وسما وسلومة الأقرع وعبدو موته.
سالم باستفهام:
_ مين عبدو موته دا؟
«مروان» موضحًا:
_ طارق دا النيك نيم الجديد بتاعه. استنى أما أكملك، وعمتك وشيرين ودادة نعمة وعم مجاهد وأمك الصراحة مقدرناش عليها فسبناها.
عض على شفتيه السفلية بحنق، قبل أن يقول بهسيس مرعب:
_ وهما سمعوا كلامك وخاصموها؟
«مروان» بسلاسة:
_ لا ماهو أنا قولت لهم إنك أنت اللي قايلي أقولك كدا.
برقت عيناه حتى كادت أن تغادر محجريه من شدة صدمته التي تحولت إلى غضب حارق، وهو يزمجر بشراسة:
_ دا إنت يومك أسود. بقى تخلي الكل ياخد موقف منها ويخاصمها وتقولهم إن أنا اللي قايلك كدا. دا أنا هخلص عليك النهاردة.
هرول «مروان» من أمام هذا النمر الغاضب وهو يصيح قائلًا بتبرير:
_ إلهي مش بأخد لك حقك. أومال تفكر إن مالكش حد ولا إيه؟ أنا غلطان.
«سالم» بانفعال:
_ إنت طلعتلي من إنهي داهية؟ إنت جاي الدنيا عشان تشلني. أعمل فيك إيه؟ أخلص عليك وأرتاح منك.
***
كانت تعبث في حاسوبها المحمول وهي تعكف شعرها على هيئة كعكة غير مرتبة، فتناثرت إحدى خصلاتها البنية فوق عنقها المرمري، فكان مظهرها متعة للناظرين، وخصوصًا إن كان بينهم عاشق تهفو نفسه لعبير أنفاسها ودفء ذراعيها، فاقترب كالمُغيب ليقف خلف الأرجوحة التي تفترشها، وقامت يديه تجذب تلك القطعة المعدنية التي تتوسط خصلات شعرها التي انطلقت على هيئة شلال ذهبي فوق كتفيها، فاقترب يغمس وجهه بينهم وهو يهمس بوله بجانب أذنها:
_ وبعدين معاكِ في اللي بتعمليه فيا دا؟
تأججت نيران قلبها التي فاقت دقاته حدود المعقول وهي تستمع إلى همسه الدافئ وتشعر بقربه المُهلك الذي جعل حزمة من المشاعر المتوترة تتفشى في سائر جسدها، فخرجت الحروف متلعثمة من بين شفاهها حين قالت:
_ طارق. إنت جيت إمتى؟
لا يزال على حالته يستنشق عبيرها الآخاذ ويستمتع بقربها المسكر، وهو يمنع يديه بصعوبة من إدارتها ليقوم بالفتك بشفاهها الرائعة التي تغويه كالفاكهة المحرمة.
جاء صوته أجشًا حين قال:
_ مش مهم جيت إمتى؟ المهم إني هنا، والأهم إني مش هصبر كتير عالوضع دا. شوقي ليكِ بيقتلني.
كان الأمر أكبر من احتمالها، فانحبست الأنفاس بصدرها الذي كاد يدق بعنف آلمها، فخرجت كلماتها متقطعة حين قالت:
_ طارق ابعد حد يشوفنا.
زمجر بخشونة:
_ لو كنت هقدر أبعد مكنتش قربت. اعذري قلب أول مرة يعرف يعني إيه حب على إيديكِ.
ذابت أوصالها من كلماته الرائعة، فهمست بخفوت:
_ بتجيب الكلام دا منين؟ أنا حاسة بقلبي هيخرج من صدري.
انتزع نفسه بصعوبة ليتحرك من مكانه يجلس بجانبها بالقرب الكافي الذي يمكنه من التوغل إلى أعماق عينيها التي أسرتْه حتى صار مفتونًا بها.
استنشق أنفاسها العطرة قبل أن يجيبها بخشونة:
_ الكلام بييجي عشانك لوحده، لا بعرف جاي إزاي ولا منين. بييجي لايق عليكِ. تعرفي إني أول مرة أشوف عينيكِ في النور كدا؟
أخذت تدور رأسها في كلا الاتجاهات خجلًا وهي تقول بخفوت:
_ ابتدينا بقى يا سي طارق كلام عن العيون. وإيه كمان؟ قسم واسمعني.
عض على شفتيه وازدادت قتامة عينيه وهو يناظر خجلها الشهي الذي أثار زوبعة من المشاعر في قلبه، فهمس بخشونة:
_ أنا عمري ما كان ليا في الكلام. عشانك بس ابتديت أتعلمه.
همست بخجل:
_ بقى معقول الكلام الحلو دا أول مرة؟
كان رجلًا يهوى كل ما هو جميل، ولم يكن في تلك اللحظة أجمل من ثغرها الذي كان على شكل قلب يضج الإغراء، فكانت عينيه تفترسانه بصمت، قطعه حين قال بوقاحة:
_ يتكتب كتابنا بس وأوريكِ قد إيه الفعل أحلى من الكلام ميت مرة.
انتفض سائر جسدها إثر كلماته الوقحة التي كانت لها تأثير مهلك على قلبها، فلم تعد تحتمل أكثر، لذا صاحت محذرة:
_ على فكرة إنت قليل الأدب.
لون ثغره ابتسامة رائعة، فأظهرت تلك الغمازة في خده الأيمن، فبدا كلوحة رائعة أسرت قلبها الذي انطبعت فوق جدرانه تلك الضحكة الخلابة، فغرقت في بحر الهيام لثوانٍ، قطعها صوته العابس حين قال:
_ أنا معترف إني قليل الأدب على فكرة ومبكررش، على الرغم إنك لسه مشوفتيش ذرة من قلة أدبي، بس كله بحسابه يا مشمش.
استغربت ذلك اللقب، فقالت بعدم فهم:
_ مشمش؟ اشمعنى مشمش؟
باغتها حين قال بوقاحة:
_ عشان لون شفايفك. تعرفي إني بحبه وهحبه أكتر لما أقطفه منها. أكيد طعمه هيبقى تحفة.
للحظة أرادت أن تتلاشى من أمام عينيه التي تأسرانها وكلماته المغوية التي أضرمت النيران في سائر جسدها، فانتزعت نفسها من أمام عينيه بصعوبة وهي تقول بارتباك:
_ على فكرة أنا قررت أشتغل، وكنت بدور على شغل عالإنترنت، ما تيجي ندور سوا.
رق قلبه لارتباكها وخجلها الذي يذوب كقطعة من الثلج أمام عينيه، فابتسم وقال بغزل:
_ على أساس إنك هتبقي فاضي للشغل بعد كدا يا مشمش؟
التفتت تناظره باندهاش تجلى في نبرتها حين قالت:
_ إزاي؟ مفهمتش؟
طارق بوقاحة:
_ يعني يا روحي وقتك كله هيبقى ملكي، هعرف أشغله وأستغله أحسن استغلال، بس أوعدك لو لقيتِ أي وقت فاضي هخليكي تشتغلي.
ارتسمت الصدمة على ملامحها وسرعان ما تحولت لمكر لون تقاسيمها ونبرتها حين قالت:
_ إيه دا؟ هو إنت معرفتش؟
طارق ببراءة:
_ لا معرفتش؟
شيرين بسخرية:
_ مش أنا رجعت في كلامي أصل بصراحة جو المتجوزين دا مش جاي معايا سكة، فقررت أفضل سنجل طول حياتي.
أدهشتها كلماته حين قال بتخابث:
_ وماله يروحي بلاها الجواز والمتجوزين بدل ما يضايقينك. إحنا نتصاحب. تعالي أقولك بقى يا مشمش.
قال جملته واقترب منها، فصرخت بهلع وهي تهرول من مكانها إلى الداخل، فجاءها صوته المتوعد حين قال:
_ قال مش عايزة أتجوّز قال. طب وحياة أمي لأتجوزك دلوقتي وأبقى أكتب الكتاب بعدين.
صرخت بغضب:
_ قليل الأدب.
طارق بوعيد:
_ اتلمي أحسن ما آجي أوريكِ قلة الأدب اللي بجد يا مشمش.
***
جاءت نهاية الأسبوع وتحديدًا ذلك الموعد المنشود، فنشب القلق حوافره في قلوب الجميع، ودارت عجلة الحياة في القصر بآلية، كلٌ يخفي ما بجوفه من مخاوف يتشاركها الجميع، ولكن كان لها نصيب الأسد منها!
لم تعد تحتمل المكوث بغرفتها أكثر، فيكفيها غياب شمسه عن عالمها منذ ذلك اليوم الملعون، فزفرت بتعب قبل أن تتوجه إلى الخارج باحثة عن شقيقتها، فإذا بأقدامها تترسخ بمنتصف الدرج لدى رؤيتها لمروان الذي دخل إلى القصر مطأطأ الرأس، فهوى قلبها ذعرًا، وخصوصًا عندما ناظرها بتلك الطريقة وعينيه تطلقان سهام التأنيب، ليتجاوزها بعد ذلك قاصدًا غرفة الجلوس، فلم تشعر بنفسها سوى وهي تهرول إليهم لدى سماعها أصواتهم بالداخل، والتي توقفت إثر دخولها لتتوجه الأعين عليها بنظرات غامضة، فكادت عينيها أن تفرجا عن مكوناتها لولا تلك اليد التي ربتت على كتفها برفق، فالتفتت بلهفة تزامنًا مع كلمات سليم الذي قال بعتب:
_ مبروك يا مرات سيادة النائب.
شهقة خافتة شقت جوفها إثر سماعها كلماته التي حملت البهجة إلى وجوه الجميع، فلم تكد تتفوه بحرف حتى صاح مروان بتهليل وهو يناظرها بنظرات خاصة فهمتها على الفور:
_ كيدناهم كيدناهم، وخدناها خدناها.
اغتاظت من حركته المقصودة لاستفزازها:
_ اللي بياخد ربنا يا خفيف.
فهتف طارق بتشفٍ:
_ قصف جبهة تستاهله والله.
_ ألف حمد وشكر ليك يا رب. يستاهلها سالم ابن بطني. ربنا يحفظك يا ضنايا يارب.
أمن الجميع على دعاء أمينة، وانطلقت عبارات الحمد من أفواه الجميع، فجاءهم صوت مروان الساخر:
_ أنتِ كان عندك شك إنه ياخدها يا مرات عمي ولا إيه؟ دا كفاية إن أنا اللي كنت ماسك الحملة الانتخابية بتاعته.
همهمت همت بخفوت:
_ والله دي أكتر حاجة كانت مخوفاني. ربنا سترها معانا عشان سالم طيب وبيحب يساعد الناس.
صاح مروان بحنق:
_ سمعتك يا عمتي. بقي مكنتيش واثقة فيا؟
همت بسخرية بعد أن رأت نظرات سما المحذرة:
_ أنا أقدر يا قلب عمتك.
مروان بتفاخر:
_ أيوا طبعًا.
هسهست همت بامتعاض:
_ الله يسامحك يا دولت قاعدة مرتاحة هناك وبلتِينا بيه هنا.
قهقه الجميع على حديثها، فجاءهم صوت طارق الذي قال موجهًا حديثه لفرح:
_ مبروك يا فرح.
ارتفع إحدى حاجبيها بتعجب سرعان ما تحول إلى سخرية حين قالت:
_ والله. أخيرًا حضراتكوا نويتوا تكلموني وفكّيتوا حصار الخصام الجماعي؟
أجابها طارق وهو يرفع يديه اليمنى إلى فوق قائلًا بمزاح:
_ أنا عن نفسي مش مخاصمك، إنتِ حبيبتي.
وشاطره سليم المزاح قائلًا:
_ وأنا كمان مش مخاصمك.
صاح مروان بصدمة:
_ نعم يا خويا انت وهو.
أردف طارق بسخرية:
_ وفكرة الخصام دي كانت فكرة مروان. تقريبًا هو الوحيد اللي مخاصمك.
التفتت تناظره بحنق، فادار رأسه إلى الجهة الأخرى وهو يقول بجفاء:
_ أيوا فكرتي وأنا مخاصمك وأي حد ييجي على الكبير هخاصمه.
_ اتفلق. تعرف تتفلق. أقولك وأخبط دماغك كمان في الحيط.
فاجأته حين تحدثت بثبات، فأجابها بسخرية يعرف أنها ستثير حنقها:
_ كبير عليك لوحدك.
ما أن أوشك على أن يجيبها حتى أتاه صوت رنين هاتفه، فانفرجت أساريره ولون المكر ملامحه حين أجاب:
_ أهلًا بالكبير. الباشا اللي مشرفنا ورافع راسنا. سيادة النائب. اللي كُلنا في حمايته وتحت طوعه هاه.
قال جملته الأخيرة وهو يرفع إحدى حاجبيه إلى فرح التي نالت منها نيران الغضب حتى كادت أن تحرقها، بينما مروان تابع تمثيليته وسط نظرات استمتاع من الجميع.
تراجع ليجلس على الكرسي خلفه وهو يضع قدم فوق الأخرى قائلًا بتهكم:
_ تخيل يا كبير بقول لفرح: ليكِ كبير يترد عليه، تقولي: كبير عليك لوحدك؟ يرضيك؟
فأتاه صوت سالم الخشن على الهاتف:
_ هي جنبك؟
_ طبعًا.
هكذا أتاه صوت مروان، فأمره سالم قائلًا:
_ افتح السبيكر.
_ عيني.
قام مروان بفتح مكبر الهاتف، فجاءها صوت سالم الفظ حين قال:
_ كبير على البلد والحكومة والعيلة وعليكِ أنتِ قبلهم يا فرح هانم، أنتِ واللي يتشدد لك كمان.
حاول الجميع كبت ضحكاتهم بصعوبة على مظهرها الحانق، فقد كانت ككرة النار التي ستنفجر في أي وقت، فلم تكد تجيبه حتى أغلق سالم الهاتف، فتحدثت أمينة بصرامة:
_ أوقف المهزلة دي وكفاية كدا يا مروان.
ثم التفتت إلى فرح قائلة بتقريع:
_ وأنتِ يا ست هانم هتبطلي تكابري إمتى وتقتنعي إنك غلطتي؟
فاض بها الكيل، فهبت مدافعة عن نفسها:
_ بردو بتقولي غلطانة؟ محدش فيكوا قادر يفهمني ولا يستوعب إن عندي دوافعي.
أجابها سليم بتفهم:
"كلنا فاهمين ومستوعبين يا فرح إنك أكيد عندك دوافع للي عملتيه، وياريت أنتِ كمان تستوعبي دوافعنا وتقتنعي إنك غلطتي. مش عشان تلحقي مصيبة زي ما بتقولي تتسببي في كارثة."
وأضافت أمينة بغموض ونظرة ذات مغزى:
_ أنا أكتر واحدة فاهمة دوافعك يا فرح وحاسة بيكِ، وأنتِ عارفة دا كويس. بس حتى دوافعك دي متخليكيش تتعدي الكل بالشكل دا.
حاول طارق التخفيف من حدة الموقف حين قال باتزان:
_ إحنا خايفين عليكِ يا فرح، إنتِ واحدة منا. مش هتكلم طبعًا عن سالم والموقف اللي كان فيه وشعوره وقتها. بس أعتقد إنك لازم تراجعي نفسك.
همت بهدوء:
_ طارق عنده حق يا فرح. لو أنتِ مش منا وخايفين عليكِ مكنتش زعلنا منك. وبنحاول نوجهك دلوقتي.
شعرت بالهزيمة أمامهم وقلبها أولًا، فاخفضت رأسها بحزن لامس قلب جنة التي كان الذنب يقرضها من الداخل ولا تعلم ما هو الحل؟ ولكن جاء صوت أمينة الحاني ليهدأ من حدة الأمر قليلًا:
_ تعالي يا فرح اقعدي جنبي.
تقدمت فرح بهدوء، فتابعت أمينة وهي تربت على ظهرها برفق:
_ يا بنتي سيدنا محمد (عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام) «انْصُرْ أخاكَ ظالِماً أوْ مَظْلُوماً. فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُوماً، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِماً، كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ». يعني مينفعش نشوفك غلطانة ونسقفلك.
في أعماقها شيء يخبِرها بأنهم جميعهم مُحقون، ولكنها تأبى الاستسلام، فقد تصرفت كما اعتادت سابقًا ولا تعلم لماذا؟
تدخل سليم مؤكدًا على حديث والدته وهو يقول بتعقل:
_ وعلى فكرة بقى كلنا بردو غلطنا سالم في رد فعله. بالرغم من اللي حصل بس إحنا كلنا في ضهرك، وكل اللي عايزينه إنكوا تبقوا كويسين.
أضاف طارق مازحًا:
_ كلنا غلطناه إلا الواد دا.
كان يشير بحديثه إلى مروان الذي كان يتابع ما يحدث بخبث، وما أن التفتت الأنظار إليه حتى تعمد ارتداء قناع الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال:
_ أيوا عشان أنا راجل دوغري. ماليش في حوارات الحريم دي.
التفتت سما تناظره بحنق وهي تقول بتقريع:
_ نعم يا أستاذ دوغري بتقول إيه؟ مسمعتش؟
عدل من لهجته ونظراته وكذلك كلماته حين قال:
_ بقول مابحبش أكتر من حوارات الحريم دي على فكرة.
سما بانتصار:
_ أيوا كدا.
زفرت أمينة بقلة حيلة قبل أن تقول:
_ فكري يا فرح وربنا يهديكِ يا بنتي.
أنهت حديثها وتوجهت للأعلى بعد أن ساعدتها سما، وتسلل الجميع إلى الخارج بصمت ماعدا شيرين التي اقتربت تقول بنصح:
_ شوفي يا فرح أنا مش هقولك إنتِ غلطانة. بس هقولك اركني اللي حصل دا على جنب وراضي سالم. مفيش حاجة في الدنيا تستاهل زعلكوا من بعض. حتى لو كانت دوافعك قوية هو موقفه كان صعب.
أومأت فرح بتفهم مصحوبًا بابتسامة هادئة، فأخذت تنظر لتجد نفسها وحيدة في الغرفة كما كان حالها طوال الأيام المنصرمة، وحيدة بدونه حتى ولو حولها الجميع، ولكنه الكبرياء الذي كان يقيدها من عنقها بأصفاده الساخنة، فلم تعد تحتمل، فأغمضت عينيها بتعب ليس له سوى دواء واحد، فحسمت أمرها سريعًا وتوجهت إلى غرفتها لتغلق الباب خلفها، وأخذت تبحث عن هاتفها حتى وجدته وشرعت في إجراء مكالمة هاتفية، وحين جاءها الرد تحدثت بجفاء:
_ عايزة أقابلك.
يتبع….
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السادس عشر 16 - بقلم نورهان العشري
أنا عالق بكِ حد التورط الذي يجعلني أراكِ بكل مكان حولي.
تُحيطين بي بطريقة أجهلها بقدر ما يعشقها قلبي، حتى أن الهواء المُحيط بي يحمل رائحتك ولا أعرف إن كان شوقًا أم يأسًا؟
أُناضل بجسارة كي أتحرر من طيف الحنين الذي يُراود قلبي عن نفسه فتتكاثر ألسنة الشوق بصدري الذي أضناه الهجر ومزقته لوعة التوق.
فبالله عليكِ أخبريني كيف تكونين بكل هذا الحضور حتى وأنتِ غائبة؟
حين تتحدث العيون تصمت جميع الأفواه، تسكن زقزقات العصافير، تخبو همهمات الألسن وتندثر جميع الظواهر الكونية أمام ألسنة السحر التي تنبعث من ثمر الزيتون الشهي القابع بين حدقتيها أو هكذا ظن!
فهو بحضرتها يخلع عباءة الكبرياء المطرزة بالعنفوان الذي يعطيه هيبة بدائية تجعلها تقع بعشقه كلما رأته.
ولكنها أنثى من نور ونار، نورًا حين تعشق ونارًا حين تتألم.
تتجاوز عن ذلاتها عمدًا وتدق على أوتار ثباته قاصدة إضفاء وقود عشقها على لهب شوقه لتحظى بغفران تشتهيه بقدر ما يصعب على شفتيها إعلانه.
"مبروك يا سيادة النائب."
الآن فقط تذوق معنى انتصاره في ملحمة الانتخابات التي بقدر ما كان يمقتها ولكنه ممتن لكونها كانت تشغله عن شوقه الضاري لها، والآن تضاعف الامتنان كونها جلبت ترياق الحياة لروحه.
تجاهل ابتهاج روحه ولوعة قلبه بغيابها وقال بفظاظة:
"الله يبارك فيكِ."
تعلم أن الطريق شائك مدجج بألغام الغضب الذي يناطح الشوق بنظراته، ولكنها لم تكن يومًا أنثى عادية.
لذا قطعت منتصف الطريق حين قالت بلهجة على قدر رقتها على قدر عنفوانها:
"أنا آسفة."
تفشت علة الشوق بقلبه وهو يناظر سكونها الذي يحمل إغواءًا قاتلًا يغزو ثباته بضراوة.
فتلك المرأة تنوي على إصابته بسكتة قلبية بدايةً من طلبها له بأن تراه بأحد المقاهي لتبقى بعيدة عن يديه بالقدر الكافي الذي يقتله شوقًا، وأيضًا ذلك الاعتذار الذي لا يعلم من أين أتت به؟
فعينيها كانت صافية لا يشوبها ذنب أو ندم، بل تحدي لازال يأسرها منذ أول لقاء بينهم.
ولكنه تجاهل ضجيج أفكاره وسايرها في لعبتها قائلًا بفظاظة:
"آسفة على إيه؟"
استمهلت نفسها قبل أن تقول بلهجة شابها الجمود:
"إني خرجت من بيتي، روحت قابلت ناجي."
تخطو فوق ألغام غضبه بأقدامها العارية، تتمايل فوق أوتار قلبه بذخيرة عشقه الضاري لها متسلحة بثوب الضعف الذي يُرهق أعتى الرجال خاصةً العاشقين، وهو بفضلها توج ملكًا عليهم.
تجاهل غضبه قائلًا بجفاء:
"بس أنتِ قولتي إن ليكِ أسبابك."
باغته هدوؤها الذي لم يخلو من القوة حين أجابته:
"أيًا كانت أسبابي فهي تخصني أنا، اعتذرت في اللي يخصك."
تصاعدت أبخرة الغضب إلى رأسه، فلو كان المكان مختلفًا لكان أذاقها مما يخصهما وحدهما.
ولكنها اختارت المكان الصحيح لحرب الأعصاب التي تمارسها بكل احترافية.
لم تخلو لهجته من السخرية المطعمة بالغضب حين قال:
"يخصك ويخصني! تمام، وأنا قبلت اعتذارك، بس خلي بالك من هنا ورايح الغلط بحساب."
نجح في إيقاظ شعلة الغضب في نفسها، فاحتلت لهجتها قليلاً قبل أن تقول:
"بس محدش معصوم من الغلط، كل بني آدم خطاء، وربنا بيغفر."
سالم بفظاظة:
"ده ربنا مش إحنا."
آخر ما كان يتوقعه هو سخريتها حين قالت:
"العادي بتاعك طول عمرك مستبد. ما بها اليوم؟"
تتحدى غضبه بشتى الطرق، تفاجئه بجمودها وهدوئها، لم يكن يتوقع سخريتها ولكنه أراد أن يخرجها عن تلك الحالة التي تستدعي شياطين جحيمه ببراعة:
"كويس إنك عارفة. ضيفي على كده إن التسامح مش من صفاتي، وقلبي أسود مبينساش."
ضاقت ذرعًا من جفائه، ولكنها سلكت أقل الطرق ضررًا لكبريائها، فواصلت جلد ما تبقى من صبره حين قالت ساخرة:
"آه مانا عرفت."
لم تكن الوحيدة التي تتلظى غيظًا وحنقًا، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من أن يضرب بكل شيء عرض الحائط ويلتهم ذلك الفم الشهي الذي يتفوه بتلك الترهات فقط ليضاعف غضبه.
فهو يرى بعينيها ألسنة التحدي تتراقص بإغواء، وأيضًا يلمح ذلك العتاب الذي يتوارى خلف جمودها.
ولكنه لم يستطع تجاوز ذلك الشعور المريع الذي أصابه حين علم بتواجدها مع ذلك المختل، ولأول مرة بحياته يتجاهل تحذيرات عقله.
فزمجر بخشونة:
"اتعدلي أحسنلك."
تلمع وهج الغضب بمقلتيها وطبع أثاره بتلك الفرولات الشهية التي لونت خديها، فهتفت بتحدي:
"ولو متعدلتش؟"
تجاهل أوامر قلبه بإخضاع مهرته الجامحة بالطريقة التي ترضي قلبه وشوقه معًا، فعض على شفتيه قبل أن يقول بصوت أجش يتخلله الصرامة:
"هرجع متأخر النهارده، عايز أرجع ألاقي مراتي مستنيماني بالشكل اللي عارف إنه هيعجبني."
نجحت في مسعاها وعاد الوحش إلى الأسر مجددًا بكل طواعية، غافلاً عن خبث مخططها في إخضاعه.
لذا شاب الغنج نبرتها حين قالت:
"أنا ليه حاسة إنك بتأمرني؟"
لا تزال نظراته داكنة توحي بما يشتهي فعله بها الآن، فلون المكر ملامحه ولهجته حين قال:
"عشان هو فعلاً كده."
بشق الأنفس استطاعت قمع ضحكة هوجاء كادت أن تفلت من بين شفتيها لتخترق قناع الجمود الذي أتقنت ارتدائه حتى الآن، وهتفت بتحدي:
"سالم يا وزان..."
فاحت من نبرته رائحة الغرور حين قال:
"كرري الاسم ده كتير، عشان تعرفي تتعاملي إزاي بعد كده."
دام الصمت لثوانٍ قبل أن تقطعه هي حين نصبت عودها المغوي لتناظره بجمود شاب لهجتها حين قالت:
"مبروك مرة تانية يا سيادة النائب."
تناطح الشوق والكبرياء بداخله في حرب هوجاء تبلور مداها في محيط عينيه، ليسقط الأخير صريعًا أمام طوفان عشقها الضاري.
فباغتها حين مد ساعديه القويين ليأسر خصرها بعناق من فرط شغفه كان قاسيًا لحد تلاحم أضلعهما.
لتخرج من فمها شهقة تردد صداها في صدره الخافق بعنف، فغابت لثوانٍ في دوامة الشوق الجارف التي ابتلعتهم، لتهمس وهي في حالة من اللا وعي:
"سالم... الناس حوالينا."
استفحل الشوق بقلبه وفاض به صدره، فعكست عينيه صورة لرجل الجليد الذي أذابه الشوق حتى كاد أن ينهيه.
وارتج قلبها حين سمعت نبرته المحرورة وهو يقول أمام شفتيها:
"بحضنك قبل ما تمشي، ولا هو حلال لكِ وحرام عليا؟"
***
دلف إلى داخل القاعة بهدوء ينافي تلك الهيبة التي تحيط به فتجعل قلوب الفتيات تهيم ولهًا بذلك المعيد اللبق الوسيم الذي كان الغضب يشع من نظراته يخص تلك الجنية التي لم تسلب عقله فقط، بل أصبحت تلهو بدقاته برمشة عين من بحرها الزمردي الفاتن.
فأخذ يتذكر ومضات من خلافهم البارحة.
"حبيبتي بتاعتي وحشاني. ما تسيبي البحث ده وتعالي أقولك على موضوع سر."
تملصت من يديه العابثتين وهي تتجاهل تأثيره القاتل على قلبها قائلة بتوسل:
"ياسين سيبني خليني أخلص البحث ده، هسلمه بكرة ومش فاضية حقيقي."
غرق بشلال الشوكولاتة الذائبة بين خصلاتها وأخذ يمرغ أنفه بهم لتتفشى نشوة العشق بقلبه وسائر جسده، فواصل محاولاته لإقناعها حين قال هامسًا بجانب أذنيها:
"هديكِ امتياز في كل المواد بس سيبي اللي في إيدك وتعالي أقولك."
"حلا" باستنكار:
"أيوه اضحك عليا؟ قال هديكِ امتياز في كل المواد. ده أنت سبت الامتحان بتاع الميد مع دكتور رؤوف عشان متجبش بيه البيت وأنا موجودة برغم إني عمري ما كنت هشوف. كدا ولا إيه؟ يا دكتور وقور!"
قالت جملتها الأخيرة بسخرية، تجاوزها وأنامله تقسو حول خصرها المغوي بينما قال بلهجة عابثة:
"بلا تعليم بلا وجع دماغ، الست ملهاش غير بيت جوزها وجوزها خلاص قرب يتجنن بسببها، يبقى ليه وجع القلب ده؟"
هتفت بشموخ:
"آه عشان أبقى تابعة لحضرتك. لا يا دكتور أنا عايزة أعمل لنفسي كيان وكرير."
بدأت سنة الغضب بالاشتعال في صدره، فغمغم بخشونة:
"ابقي اعملي الكرير ده بكرة يا حلا، الدنيا مش هتطير."
عاندته إذ قالت بفلسفة أصابته بالجنون:
"لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد يا دكتور، كل دقيقة بتعدي مستقبلي أولى بيها."
ضاق ذرعًا من عنادها وشوقه الضاري لها، فهتف بحدة:
"مستقبل إيه يا أم مستقبل أنتِ؟ ده أنتِ آداب فلسفة، اومال لو في طب كنتِ عملتي إيه؟"
برقت عينيها غيظًا من كلماته وهتفت بجفاء:
"مش عاجبه حضرتك آداب فلسفة اللي أنا فيها؟ طب اتفضل بقى روح نام خفيف وسيبني للفلسفة اللي مش عاجباك."
تعاظم الحنق بداخله وتجلت خيبة الأمل في لهجته حين قال:
"بقى كدا! أنام خفيف؟ طب ابقي قابليني لو نجحتي السنة دي يا حلا يا بنت الوزان؟"
عاد إلى الواقع وعينيه ترسلان سهام التوعد الذي سال لهجته حين قال في الميكروفون:
"صباح الخير. دكتور ممدوح تعبان النهارده وأنا اللي هستلم منكم البحث وهمتحنكم شفوي."
ضيق عينيه بمكر وهو يناظرها قائلًا بلهجة تحمل الوعد بين طياتها:
"واحد واحد ييجيلي المكتب ومعاه البحث بتاعه عشان يمتحن."
هوى قلبها بين قدميها حين سمعت كلماته ورأت ذلك الوعد والمكر الذي يتساقط من بين نظراته، ولكنها ظلت تهديء من روعها قائلة:
"اهدي يا حلا، ده جوزك، لا هيسقطك ولاهيرازيكِ. هو بس بيلاعبك."
جاء دورها فتوجهت بخط ثابت وداخلها ينوي الفوز بتلك المعركة التي حتمًا ستنشب بينهم في الداخل.
سمعت صوته يسمح لها بالدخول فدَلفت إلى الغرفة قبل أن تغلق الباب خلفها لتتوجه إلى مكتبه تتجاهل ألسنة المكر التي تتقاذف من عينيه لترسم على وجهها قناعًا ملائكيًا وصوتًا عذبًا حين قالت:
"اتفضل البحث بتاعي يا دكتور."
ضيق عينيه وهو يلاحظ ذلك الصفاء الذي يلون أحجار الزمرد في مقلتيها وذلك الهدوء المرتسم على ملامحها، فأيقن أنها تحاول التصرف وكأن شيئًا لم يكن.
فالتمع المكر في عينيه يتنافى مع قتامة معالمه وجمود نبرته حين قال:
"اتفضلي اشرحيلي، هل الحرية الفردية أهم من النظام والتنظيم الاجتماعي؟"
لم يحسب حساب لدهاء الأنثى بداخلها حين حاصرته بشهب عينيها الدافئ وتلك العذوبة في نبرتها حين قالت:
"طبعًا الحرية الفردية أهم من النظام والتنظيم الاجتماعي."
تجاهل ضجيج قلبه وذلك الخيط الخفي الذي يجعل الفرار من بين براثن سحرها أمرًا مستحيلًا، وقال بخشونة:
"اشرحيلي وجهة نظرك."
لم تقطع التواصل البصري بينهم ولو برمشة عين بسيطة، بل أخذت تتعمق ببحر عينيه الذي يتماوج به العشق والشغف معًا وهي تدور حول مكتبه تتوجه إلى مقعده تتغنج بخطواتها بينما انسابت الحروف من بين شفتيها بعذوبة تتنافى مع تأثيرها الضاري على ثباته:
"يعني مثلًا حريتي الفردية تسمح لي إني أقرب منك للحد الغير مسموح به عشان وحشتني."
جاءت كلمتها الأخيرة وهي تنحني حتى تصبح في مواجهة مباشرة مع عينيه للحد الذي جعلت عطرها المسكر برائحة الفانيليا يتغلغل إلى رئتيه فأصابته لعنة الاشتهاء التي زعزعت ثباته، وخاصةً حين تابعت بهمس:
"على الرغم من أن النظام والتنظيم الاجتماعي بيرفضوا ده عشان أنا طالبة وأنت المعيد بتاعي ولازم ألتزم بحدودي معاك."
قالت جملتها وهي تتراجع من أمامه، فلم تحسب حساب لتلك النيران التي قذفتها في قلبه ليضخها إلى سائر جسده الموقد بلهيب عشقها الذي لا يطفئه سوى شهدها المسكر.
بلمح البصر وجدت نفسها أسيرة لذراعيه القويين تطوق خصرها حتى كادت أن تخترقه من فرط قسوته التي تتنافى مع ذلك الشغف الذي يقطر من بين كلماته حين قال:
"رايحة فين؟ مش اللي يحضر العفريت لازم يصرفه بردو، ولا إيه؟"
انقلب السحر على الساحر، وليتذوق كلًا مما صنعت يداه.
كانت تظن أن بمقدورها الهرب من بين براثنه ولكنها لم تحسب حساب ضراوة عشقه لها وشوقه المضني الذي لم يكن يحتاج لوقود إغوائها حتى يثور، قاذفًا حممه البركانية فوق قسمات وجهها البهي الذي تناثرت ورود الخجل فوق وجنتيه وضفتي التوت الشهي خاصتها، فأصبحت لوحة حية للجمال الذي لم يستطع مقاومته أكثر.
فبتر اعتراضها لتلتحم شفاهه بخاصتها في معركة حارة مدججة بلهيب الصبوة الذي تضج به صدورهم وتنتشي به أرواحهم الهائمة بين عينات وردية.
قطعها صوت طرق خافت على باب الغرفة، كان كإنذار قوي اخترق عقلها لتنسلخ عنه وتتراجع بلهفة إلى الخلف، مما جعل جمرات العشق تتحول إلى غضب جحيمي من فعلتها.
فلو كان الزمان والمكان لا يسمحان بما حدث، ولكن انسلاخها عنه أثار غضبه، فهي زوجته التي باستطاعته تقبيلها أمام الجميع.
مرت ستون ثانية لم تكن كافية لإخماد ثوراتهم، ولكنها وقت طويل على من ينتظر الإذن بالدخول، والذي حين جاء لم تتوانى تلك الفتاة عن الدلوف إلى الغرفة بأعين يلمع بها الترقب والشك وهي تفرق نظراتها بين الاثنين، فتضاعف غضبه أكثر حتى شاب لهجته حين قال:
"نعم يا آنسة أروى؟"
انتفضت "أروى" من حدة لهجته وتلعثمت الحروف بين شفتيها حين قالت:
"أ... أنا. أنا... كنت بخبط لما لقيت حلا اتأخرت جوا..."
قاطعها حين زمجر بشراسة لوّنت معالمه حين قال:
"يعني إيه اتأخرت جوا؟ وبعدين أنتِ مالك؟ اتفضلي اطلعي بره."
لم ترى منه هذا الغضب سابقًا، لذا لم تفكر مرتين قبل أن تهرول للخارج بعد أن أغلقت الباب خلفها.
فصب جام غضبه على تلك التي كانت ترتجف من هول ما حدث:
"عجبك يا ست هانم؟ بسبب لعبتك السخيفة. مش قادر أقعد مع مراتي في المكتب بتاعي عشر دقائق على بعض."
كان محقًا، ولكن كان لها دوافعها التي كانت سببًا كافيًا لتلك اللعبة كما أسماها.
فهتفت بتذمر:
"انت عارف أنا عملت كدا ليه يا ياسين؟"
قاطعها بحدة:
"أنتِ لسه كمان هتتكلمي عن دوافعك؟ ده أنتِ مستفزة."
تبلور الحزن بعينيها ولون ملامحها وكذلك لهجتها حين قالت بخفوت:
"أنا مقصدش أزعلك أو أحطك وأحط نفسي في موقف وحش. بس أنا فعلًا كان نفسي أعمل أصحاب حقيقيين من غير ما حد يصاحبني عشان أنا مراتك. خصوصًا وإني بعيد عن أهلي وماليش حد هنا."
كان حزنها لأمر جلل لا يمكن تجاوزه أو الاستهانة به.
وعلى الرغم من غضبه إلا أنه اقترب يحتوي وجهها بكفوف حانية ثم قال بخشونة:
"كل ده يهون قصاد إن محدش يبصلك بصة وحشة، وصدقيني ربنا هيوقعك في اللي شبهك من غير ما تضطري تخبي جوازنا عن حد."
عاندته قائلة بخفوت:
"طب عشان خاطري نعدي الترم ده وبعد كده نبقى نتكلم. وبعدين أنا هتجنن وأشوف ماما ومتتقوليش بتكلميها كل يوم عشان ده ميغنيش أبدًا إني أشوفها قدام عيني."
كانت تشبه طفلة تتدلل على أبيها حتى تنال ما تريد، وهو لا يملك من الحول ما يمكنه من تجاهل رغباتها.
فأخذ يضع قبلة رقيقة فوق أرنبة أنفها قبل أن يقول بحنو:
"من عينيا الاتنين. بعد ما نخلص امتحانات هوديكِ تشوفيها."
تفشت السعادة بأوردتها فاندفعت تعانقه بحبور تجلى في نبرتها حين قالت:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
احتواها بين جنبات صدره ناثرًا ورود عشقه فوق خصلات شعرها قبل أن يقول بعبث:
"متفكريش إني نسيت موضوع النظام والتنظيم الاجتماعي. لما نروح البيت لازم نحل مشكلتك معاهم واحدة واحدة وعلى أقل من مهلنا."
تراجعت تناظره بتخابث تجلى في نبرتها حين قالت:
"لا والله، هي بقت مشكلة؟"
"ياسين" بوقاحة وعينيه تعانق كل إنش بجسدها:
"مشكلة جامدة كمان، ولازم لها مناقشات حامية عشان نوصل لحل رادع يجيب من الآخر."
تجاهلت خجلها الذي لون معالمها وقالت بتذمر:
"شوف، هو أنا مش فاهمه أنت بتتكلم عن إيه؟ بس أنا حاسة قصدك غير شريف بالمرة."
"ياسين" بعبث:
"لا شريف إيه؟ ده شريف هيبقى الله يرحمه بعد اللي هتشوفيه مني النهارده. بقى أنا أبقى زي المراهقين اللي خايفين يتقفشوا بسببك؟"
انفلتت ضحكة رائعة من بين شفتيها وهي تقول بعبث:
"آسفين يا دكتور وقور."
ثم تناولت حقيبتها وتتوجه إلى باب الغرفة قائلة بدلال:
"كده أنا ضمنت الامتياز في المادة، عقبال الجايين. سلام يا حبيبي."
برقت عينيه وهو يتذكر أن تلك الجنية خرجت دون أن يقوم بعمل الاختبار الشفوي معها.
فضيق عينيه قبل أن يقول بوعيد:
"ماشي يا حلا الكلب. بسببك هتضطر أنجح الدفعة كلها في المادة. وحياة أمي الغالية لهوريكِ."
***
"يا ماما سهام أنتِ زودتيها جوي والراجل اللي بره ده حبابة وهيطربجها فوق راسنا كلاتنا."
هكذا تحدثت "نجمة" إلى "سهام" التي كانت تمنع ضحكتها بصعوبة وهي تتذكر ما حدث منذ عدة أيام.
**عودة لوقت سابق**
هرول "صفوت" للخارج إثر صراخ "نجمة" فتفاجأ بـ "سهام" التي كانت تحمل حقيبة بها ملابسها تنوي المغادرة.
"أنتِ رايحة فين؟ وإيه الشنطة دي؟"
هكذا تحدث "صفوت" بغضب ينافي لوعة قلبه أن فكرت بتركه.
وقد أكدت شكوكه حين قالت بحزن:
"همشي يا صفوت. خلاص مبقاش ينفع أفضل هنا."
تفشى الألم بصدره حين سمع حديثها ونِيتها بالرحيل، ولكن سرعان ما تحول الألم إلى غضب تجلى في نبرته حين صاح هادرًا:
"إيه الجنان ده؟ أنتِ مين سمحلك تعملي كدا؟"
كظمت غيظها بصعوبة وهي تتوجه بنظراتها إلى الجهة الأخرى قبل أن تقول بجفاء:
"إحنا خلاص انتهينا يا صفوت والمقاوحة ملهاش لازمة. أنت طلقتني ومبقاش ينفع أقعد هنا أكتر من كدا."
كيف السبيل إلى وصالك؟ دلني.
كان هذا هو السؤال الذي ينخر عقله، بينما يتوارى خلف غضب واهي، كل ما به يرتجي الوصال ولكن دون أن يخدش كبرياء قلبه الجريح.
حسمت أمرها حين التفتت تعانق "نجمة" وهي تقول بنبرة مهترئة من فرط الحزن:
"خلي بالك من نفسك. أنا سبتلك عنوان بيت جدك عشان تيجي تزوريني. متتأخريش عليا."
لم يكن في القلب متسع لفاجعة أخرى كرحيلها، لذا توجه بخط غاضب لينتزعها من بين يدي "نجمة" التي برقت عينيها حين شاهدته يحمل "سهام" كعروس.
وسط صيحاتها التي تجاهلها وتوجه للأعلى دون حديث، إلى أن وصل إلى غرفتهم المشتركة التي حرمت من بهاء طلتها لسنوات.
فقام بإدارة قفل الباب بعد أن وضعها في منتصف الغرفة ليلتفت ناظرًا إليها بغضب يشوبه شوق شديد لم يفلح في قمعه:
"ممكن أعرف إيه اللي بتعمله دا؟"
تبلور الجنون بنظراته وهو يتقدم منها بخطوات وئيدة بثت الرعب في داخلها، خاصةً حين قال بخشونة:
"أنا قضيت سبعة وعشرين سنة من حياتي مستنيكِ. استنيتك كتير لما تكبري عشان أتجوزك، واستنيتك أكتر لما تقدري تتقبليني في حياتك وتعامليني على إني جوزك، واستنيتك أكتر وأكتر على ما بنتك رجعت لحضنك."
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بنبرة موقدة بلهيب العشق:
"قضيت أكتر من نص عمري وأنا بستناكِ وعمري ما مليت ولا اشتكيت. أظن إنك مديونة لي بكتير يا سهام هانم."
لم يكن إقرارًا صريحًا بعشقها، كانت كلمات ظاهرها قاسيًا على عكس أطنان العشق التي تخفيها تلك القسوة.
فرق قلبها واهتاجت دقاته تؤازر ذلك العاشق الذي لم يعد يرهبها بقدر ما يغريها الغوص في بحر هيامه اللامتناهي بها.
"أعمل إيه عشان أسدد ديني يا صفوت؟"
لم تكد تكمل جملتها حتى باغتتها يديه التي احتوت خصرها بقوة لتغرسها بين ذراعيه حتى اصطدمت عظامهم ببعضها البعض حد الألم الذي تجلى في تلك الشهقة القوية التي شقت جوفها من فعلته وكلماته الحادة حين قال:
"عايز وريث. أخ لنجمة!"
برقت عينيها للحظات من كلماته التي لم يستوعبها عقلها لوهلة، فأردف بجفاء ينافي نظراته العاشقة:
"أنا أقدر أتزوج بدل الست عشرة. بس أنا عايزة منك أنتِ زي ما طول عمري بحلم، وأهو تبقي حققتي لي ولو حلم واحد من أحلامي."
كانت كلماته قاسية على قدر ذنبها في حقه، لذا امتثلت لرغبته ولو كانت طريقته فظة مهينة، فأخفضت رأسها قائلة بألم:
"موافقة."
امتدت يديه ترفع رأسها لتصطدم بعينيه التي أطلقت الكثير من الاعتذارات التي أبت الشفاه إعلانها، وهمس بخشونة:
"بتوطي راسك ليه؟ أنا رديتك يعني أنتِ مراتي ودا مفروض يحصل بينا."
شعرت بالألم يتشعب إلى أوردتها، ولكنها اكتفت بجملة قاتلة ألقت به بين غياهب الألم:
"يمكن لأني اتعودت من زمان إني أكون في حضنك عشان هو أماني وبيتي، مش عشان ده شيء مفروض يحصل."
اهتزت نظراته وزاغت للحظات وكأن قلبه يعلن تمرده على قوانينه الصارمة ويخبرها بأن هذا الهراء ماهو إلا محاولة منه لإبقائها بجانبه دون المساس بكبريائه.
لم تعطيه الفرصة بالانهيار أمامها، لذا تراجعت خطوتين تناظره بأعين تعانق بهم الألم والكبرياء معًا:
"أنا هرجع أوضتي القديمة، ولما تحب يحصل اللي أنت عايزه ابعتلي. عن إذنك."
**عودة للوقت الحالي**
"سيبيه، أما خليته يقول حقي برقبتي."
هكذا تحدثت "سهام" بوعيد، فأخذت "نجمة" تولول بتحسر:
"يا مُري يانا ياما يا مُري. كن الأيام الجاية هتبقى مرار طافح. طب أنتِ وجوزك بتكايدوا في بعض، إني والغلبان الفجري (الفقري) ده ذنبنا إيه؟ ده كل ما ييجي يشوفني يجيله نايم، دانا لو بهيمة مش هنام كل ده؟ ألطم ولا أعمل إيه؟"
"سهام" بأسف:
"تصدقي صح، بيطلع غضبه على عمار الغلبان. إحنا لازم نفكر في حل؟"
"نجمة" بتحسر:
"على ما تفكري في حل، هيكون عمار انجلط من عمايل جوزك فيه. إني عارفة إني حزينة البخت والأمل طول عمري."
صاحت "سهام" بتقريع:
"يا بنتي بطلي ندب. قولتلك هنشوف حل. طب بصي، جتلي فكرة بمليون جنيه. إيه رأيك نحط أبوكي قدام الأمر الواقع ونعزمه النهارده على الغدا؟"
لمعت عينيها بوميض السعادة فصاحت بانبهار:
"أيوه بجى هي دي الأفكار ولا بلاش. طب بجولك إيه، لو بابا اتضايج ولا جلعه (طرده) هنعمل إيه؟"
"سهام" بمكر:
"ميقدرش، أنا هقفله. يالا كلمي عمار اعزميه."
أخذت "نجمة" هاتفها وتوجهت للشرق، ودقاتها تدق تزامناً مع دقات الرنين إلى أن جاءها صوته العذب حين قال بعشق:
"يا أهلًا بست البنات كلها."
"نجمة" بخجل:
"كيفك يا سيد الناس؟"
لوهلة تذكر ما يحدث معه من ذلك المتجبر، فقال بتحسر:
"سيد الناس جفاه ولع من الجري ورا أبوكي في عز نقحة الشمس."
"نجمة" بلهفة:
"سلامة جفاك يا غالي."
"عمار" بوله:
"الغالي يرخصلك يا نجمتي وقمري وشمسي."
تحمحمت "نجمة" بخجل وقالت بخفوت:
"بجولك إيه، ماما سهام عزماك الليلة على العشاء، بس سايجة عليك النبي ما تقول لبابا حاجة."
"عمار" بمكر:
"عملهاله مفاجأة يعني. طب إني جاي وهخليها مفاجأة عنب على سيادة اللواء. بجولك إيه، انزلي عند البوابة هتلاقييني سايبلك حاجة مع البواب."
"نجمة" بريبة:
"معرفش ليه جلبي مش مطمن لحديتك ده."
قهقه بصخب على حديثها قبل أن يقول بعبث:
"هتطمني لما تكوني في حضني وبين ضلوعي."
زحف الخجل إلى وجنتيها فهمست بخفوت:
"وه إيه اللي بتجوله ده؟"
"إنيزلي بس."
طاوعته وتوجهت للأسفل وهي تبحث بعينيها عن ذلك الحارس المكلف بأمر حراسة البوابة، فتفاجأت بذلك الفارس الذي يقف أمامها بطلته الخاطفة للأنفاس وهو على ظهر فرسه، يناظرها بعينين يتبلور بهما العشق.
فكان يشتهي عناقها في تلك اللحظة ولو كان مرهونًا بحياته، فقام بالترجل من على ظهر الفرس وهو يتقدم من تلك التي تقف كالمسحورة تناظره، فانسابت الحروف مشتاقة من بين شفتيه:
"اتوحشتك جوي. اشتقت لحضنك اللي مدوختوش، وعارف إني هلاقي فيه الحنان اللي اتحرمت منه عمري كله."
كلماته جعلتها تتجاهل صدمة وجوده ورق قلبها حين سمعت كلماته التي يتخللها الأسى، فخرجت الكلمات حانية من بين شفتيها محملة بوعود صادقة:
"هتلاقي معايا حب وحنية متخيلتهمش عمرك كله. بس أنت أوعى تجسّي عليا تاني."
"عمار" بلهفة:
"أجسّي عليك كيف وأنتِ النجمة اللي نورت حياتي وبدلت العتمة اللي جواتي. الله في سماه لو قلبي في يوم يجسّي عليكِ، دانا أطلعه بإيدي من بين صدري وأحطه تحت رجليكِ."
صاحت بلهفة:
"بعد الشر عنك متقولش كده تاني."
"عمار" بشجن:
"إني طول عمري يتيم يا نجمة، وحبك هو اللي حسسني بالألفة والونس."
ضاعف العشق من حسنها الذي يأسر، خاصةً حين أهدته تلك البسمة الصافية التي زلزلت كيانه، فاقترب حتى أصبح لا يفصلهم سوى خطوتين.
فشهقت بذعر وهي تتراجع للخلف قائلة بلهفة:
"وه أبويا لو شافك هيهد الدنيا فوق روسنا."
"عمار" بسخط:
"ليه إن شاء الله؟ هو إني بسارج! أنتِ خطيبتي، ومن حقي أشوفك وقت ما أحب."
"نجمة" بتذمر:
"لاه مبنسارجش. بس ده أبويا ولازم نحترم كلمته، حتى لو هيموتنا مشاليل."
"بعد الشر عنك يا قلبي."
"نجمة" بخجل:
"يباركلي فيك. متتأخرش النهارده."
غازلتها عينيه بينما تحدث بخشونة:
"أتأخر إيه بس يا بت الناس؟ ده أنا مستني الليل على أحر من الجمر."
***
كانت تُعد شطيرة من الجبن وهي شاردة في تلك الأحداث التي قلبت حياتها رأسًا على عقب، لتتحول لتجد نفسها في النهاية زوجة لأكثر شخص مقرب منها وأكثر شخص باتت تكرهه في هذه الحياة كونه كسر ثقتها التي لم تُعطها لمخلوقٍ سواه.
لا تُنكر أفعاله الرائعة معها خلال الأيام المنصرمة ولا احترامه لخصوصيتها، حتى عندما كان يضع لها تلك الدهانات فوق جروحها لم تجرحها عينيه ولو بنظرة استشعرت عشقه الضاري لها، ولكن بعد فوات الأوان فقد تشوهت روحها فتحولت لثوب تهلهلت خيوطه بعد كل ما مرت به من أزمات.
"يا بخت الفينو والله اللي بقالك عشر دقايق واقفة مبحلقة فيه."
انتفضت أثر صوته العابث الذي جاءها من الخلف، فالتفت تناظره بحدة تجلت في نبرتها حين قالت:
"في حد يدخل على حد ويخضه بالطريقة دي؟"
قهقه "عُدي" على حديثها قائلًا بمزاح:
"إيه كمية الحد دي؟ أوعي كدا وريني بتعملي إيه؟"
"ساندوتش جبنة! فكرتك عملالي بطة أو حلة محشي. يا بختك المايل يا عُدي."
دائمًا ما تفلح محاولاته في انتزاعها من دائرة الصمت التي تحاول أن تقحم نفسها داخلها خوفًا من التأثر بإغواء حضوره، لذا صاحت بغضب:
"حد قالك إن الجارية بتاعتك ولا حاجة؟"
غازلتها عينيه قبل أن يقول بعبث:
"تصديقي كده أنا ابتديت أفهم. زمان السلاطين ليه واحد كان عنده كبشة جواري ليه؟ قوليلي ليه؟"
لم تجبه فتابع بوقاحة:
"طبعًا عشان كانت الجواري كلهم قمرات زيك كده يا وحش."
كلماته حركت شيئًا كبيرًا بداخلها وتجلى ذلك في ذلك اللون الشهي الذي لون وجنتيها، ولكنها عاندت تلك الأحاسيس اللذيذة وصاحت بغضب:
"تصدق دمك تقيل."
يعرف ما يدور بداخلها وكأنها كتاب مفتوح أمامه، وقد تعهد بأنه لم يخطئ في فهمه كما حدث في السابق، لذا تجاهل غضبها وقال مازحًا:
"دمي تقيل إيه؟ هو أنا بقولك نكتة؟ ده حول في المشاعر باين."
"ساندي" باستنكار:
"نعم. إيه حول في المشاعر دي؟"
اقترب منها حتى حاصرها بين الطاولة وبين جسده وهو يقول بهسيس دغدغ حواسها:
"يعني أكون بقول عليكِ قمر تقوليلي دمك تقيل؟"
شعرت بلهيب ينبعث من بين شفتيه ناهيك عن نظراته التي كانت تحاصرها فتجعلها على وشك الذوبان كقطعة من الشوكولاتة، فبللت حلقها بتوتر قطعه حين تراجع وهو يقول بلهجة عابثة تنافي لهجته الموقدة منذ ثوانٍ:
"يالا ادخلي شغلي الفيلم اللي أنا جبته هيعجبك أوي على ما أحضر الفشار والعصير واعملي حسابك هلاعبك دور دومنة النهارده وهيبقى فيه أحكام."
هبت باندفاع:
"أحكام إيه دي إن شاء الله؟"
التفت يناظرها بوقاحة تجلت في نبرته حين قال:
"اللي يخسر يقلع."
هبت صارخة:
"إيه؟"
صحح جملته قائلًا بلهفة:
"اللي هيخسر هيغسل المواعين."
تراجعت عنه إلى غرفتها تحاول عدم التأثر بإغواء تلك الحياة التي يحاول جذبها إليها، فحتمًا سيؤول مصيرها إلى الهلاك كما هي العادة.
لذا توجهت إلى مخدعها تنوي اللجوء إلى النوم، ولكنها تفاجئت بذلك المجنون وهو يقتحم الغرفة ويقوم بحملها فوق أكتافه وهو يقول بوعيد:
"بقى أنا رايح دافع دم قلبي في لب وسوداني وجايبلك فيلم Fast Furious 7 عشان نسمعه سوا ونعمل لب وسوداني وأنا جايبلك بإيدي فيلم الواد الأقرع اللي بتحبيه تقومي داخله تنامي؟ ده أنا هصور قتيل النهارده."
أنزلها برفق ليضعها على الأريكة وسط زهولها الذي لم يدم طويلاً، وهبت غاضبة:
"أنت أكيد اتجننت. أنا مش عايزة أقعد معاك ولا عايزة أتعامل معاك، وقولتلك كده من وقت ما جينا هنا. وحطينا قواعد لحياتنا سوا صح؟"
لم يغضب أو يتجاهل غضبه وقال بهدوء:
"فيه استثناء للقواعد دي وهي إن في يوم في الأسبوع هنسمع فيلم حلو سوا وناكل لب وسوداني ونلعب دور دومنة بعدها، ومفيش نقاش. أنا قولت أهو."
شعرت بالإرهاق الذي جعلها تتنحى عن الجدال، فهو يريد إجبارها على تقبل وجوده بحياتها، لذا ستمرر هذا الوقت بصمت حتى تصيبه بالإحباط لكي يرفع يده عنها.
مر بعض الوقت وهو مندمج في الفيلم ظاهريًا، بينما عيناه تتابع تلك التي بدأت تتفاعل مع المشاهد، وأحيانًا تمتد يديها لتلتقط بعض من المقرمشات الموضوعة على الطاولة.
ولكنه لمحها هي تحيط أكتافها بيديها، فقام بجذب الشرشف الثقيل الذي يلتحف به و قام بالاقتراب منها، لتتفاجئ به على بعد أنشات قليلة منها.
فقامت بإغلاق عينيها كرد فعل طبيعي منها كونها تخشى رؤية ما سيحدث، وانحبست الأنفاس في صدرها ترقبًا لما هو قادم.
فتفاجئت حين شعرت بشيء ثقيل يحيط كتفها وذلك الدفء الذي انبعث من جسده حين حاوطها بذراعه وهو يقول بهمس ضد أذنها:
"فتحي عينيكِ واتفرجي عالفيلم. أنا قربت بس عشان متحسيش بالبرد."
انصاعت حواسها لكلماته فانفتحت جفونها لتجد نفسها مدثرة بشرشف ثقيل وهو يحتضنها بذراعه يقيها سقيع البرد والوحدة معًا، فأخذت تطالع إلى وجهه فقد كان ينظر إلى الفيلم باستمتاع جعلها كالمخدرة لا تقوى على مفارقة دفء وجوده.
فسكن جسدها وخبت تلك الرجفة التي كانت تتلاعب بأوتارها، والتفتت لتكمل الفيلم، حاجبة كل تلك المخاوف التي تنخر عقلها حتى الموت.
***
"وحشتيني على فكرة."
تحدث بهمس بجانب أذنها فغمرها الخجل مما جعلها تخفض رأسها، فاحتقنت لهجته حين قال بتذمر:
"بتبصي في الأرض ليه يا سما يا أختي؟ هو أنا بقولك كلام أبيح لا سمح الله!"
"سما" بخجل:
"بطل قلة أدب، وبعدين ده رد فعل طبيعي لما الواحدة تسمع كلام حلو من حبيبها."
"مروان" بلهفة:
"حبيبها! يعني أنا حبيبك يا سما؟"
لون الخجل معالمها وخبت لهجتها حين قالت:
"أيوه طبعًا حبيبي."
"مروان" باندفاع:
"طب ما تيجي نقتل أمك ونتجوز."
رفعت رأسها تناظره بحدة تجلت في نبرتها حين قالت:
"مروان اتلم، وإياك تجيب سيرة ماما. أنا اتكلمت معاها وهي مش هتضايقك تاني، يبقى أنت كمان تبطل تتكلم عنها قدامي وحش."
"مروان" باندفاع:
"خلاص وعد مش هتكلم عنها وحش قدامك. هتكلم من وراكي بس."
زفرت بيأس تجلى في نبرتها حين قالت:
"يا مروان افهم ماما. هي خايفة عليا من تجربتها ومن خوفها مش عايزاني أحبك أو أتعلق بيك زي ما هي عملت مع بابا وفي الآخر اتجرحت."
"مروان" بسخط:
"يا ستي هي ذوقها في الرجالة كان خرا، أنا مالي أمي؟"
ناظرته بحنق فتراجع عن كلماته قائلًا بجدية:
"خلاص يا حبيبي. انسي أمك دلوقتي خلينا فيكِ. إيه القمر ده؟ كل شوية تحلوي كده؟"
عاد الخجل يغمرها مرة أخرى فقالت بخفوت:
"بجد شايفني حلوة يا مروان؟"
"مروان" بلهفة:
"حلوة؟ ده أنتِ وتكة."
"سما" بامتعاض:
"إيه وتكة دي؟"
"وتكة دي يعني مزة جامدة كده يعني؟"
"سما" بامتعاض:
"دي ألفاظ؟ أعمل فيك إيه؟"
"مروان" بلهفة:
"اديني بوسة، وأنا هقطع لساني خالص."
"يااااه ده يوم المنى."
كان هذا صوت "طارق" الساخر الآتي من الخارج. صاح "مروان" بسخط:
"أهو عبدة موته وصل أهو."
"طارق" بتخابث:
"والله عيب. بقى حد يقول الكلام ده لبنت عمته!"
التفت "مروان" لـ "سما" قائلًا بأمر:
"حطي إيدك على ودانك يا بت أنتِ مش عايز الحلوف ده يخدش حيائك."
فعلت ما أمرها به، فالتفت قائلًا بتصحيح:
"قصدي مراتي ياخويا، وبعدين أنت أي حاجة قبيحة بتيجي على ريحتها!"
قهقه "طارق" بصخب قبل أن يقول بشماتة:
"وأنت بتعرف تقول حاجة أبيحة؟ عامل فيها المحترم بزيادة اتنيل."
"مروان" بتقريع:
"هقول إيه ما هو أنت واحد حاقد، ولا طايل حتى كلام. إنما أنا واحد كاتب كتابي يعني ممكن أخلف بعد بكرة عادي."
اغتاظ "طارق" من ذلك الوغد فصاح بفظاظة:
"على أساس إني هسكت. ده أنا هقلبها حريقة لو مكتبتش كتابي على الأقل."
"مروان" بتقريع:
"عايز تكتب كتابك ليه يا صايع يا ضايع؟ عشان تفضحنا!"
أنهى "مروان" كلماته تزامنًا مع دخول "شيرين" إلى غرفة الجلوس لتنضم إليهم.
فغمرتها نظرات "طارق" العاشقة قبل أن يقول بوقاحة:
"والله الفضيحة جايه جايه لو مجوزتونيش في أقرب وقت."
زحف الخجل إلى وجنتيها من كلماته الوقحة، وخاصةً حين أضاف بأمر:
"تعالي اقعدي جنبي."
حين أوشكت على التقدم تجاهه حتى جاءتها صيحة "مروان" الذي هدر بصياح:
"تقعدي جنب مين ليه هي سايبة؟ تعالي يا بت اقعدي جنبي. أنا مكان عمتي هنا."
رغمًا عنها توجهت إليه ركضًا، فأخذ "مروان" يحرك حاجبيه بحركة استعراضية أصابت بحنق "طارق" الذي صاح بغل:
"أنا ممكن أقوم أكسر عضمك على فكرة. أحسنلك ملكش دعوة بيا."
أخذ "مروان" يشدو باستفزاز:
"شقطت منك حبيبتك يا عم. امسح رقمها وخلّي فيه دم."
جن جنون "طارق" وكاد أن يندفع نحوه لولا صوت "همت" التي قالت بسخرية:
"لا ده أنت سُقت فيها بقى. هو سكتناله دخل بحماره؟ أنت كمان بتغني!"
تجاهل سخريتها وقال بصياح:
"تعالي يا عمتي شفتي حبيبك مروان. محافظ على الموزتين أهو منقصوش صباع."
كان يضع يديه على كتف كلًا من "سما" و"شيرين" قبل أن يشير بيديه إلى "طارق" الذي يود لو يكسر عنقه من شدة الغضب الذي تضاعف حين قال:
"الأولعوبان ده كان عايز يقعد البت جنبه بس مين أنا مرضتش. محافظ عليهم زي عيني."
صمت لثوانٍ قبل أن يقول بهمس:
"هي بوسة كده خدتها خطف."
صاحت "همت" باستفهام:
"بتقول إيه يا واد أنت؟"
"مروان" بتصحيح:
"أبدا. إيه رأيك يا عمتي لو نبعتك تحجي بتاع ست سبع شهور كده؟"
"همت" بسخرية:
"هو الحج بيقعد ست سبع شهور يا ظريف؟"
"مروان" بتهكم:
"معلش برضه ما أنتِ ذنوبك كتير هتاخدي وقت. عايزالك تسعتاشر ألف حجة عشان تكفري عنهم."
"همت" بوعيد:
"وهضيفلهم ذنب كمان لما أخلص عليك وأريح البشرية من شرك."
أخذ "مروان" يتبادل الكلمات مع "همت" وتحاول "سما" تهدئتهم كالعادة.
فلاحظت تلك الغمزة الخفية التي ألقاها بها وهو يشير للخارج لتستغل انشغالهم في الجدال وتتوجه إلى حيث أشار، وما هي إلا دقائق ووجدت يد قوية تجذبها من خصرها إلى الشرفة.
فشهقت بصدمة جراء فعلته وكلماته التي تقطر عشقًا حين قال:
"بقولك إيه آخر الأسبوع كتب كتابنا. مش هصبر أكتر من كده."
"طارق، أنت بتقول إيه؟"
"طارق" بجفاء:
"العيلة دي ملهاش أمان وممكن الدنيا تتقلب في لحظة وأنا خلاص مش قادر متبقيش جنبي بعد كده."
اللمعت نجوم الحب بسماء عينيها وقالت بخفوت:
"بتحبني؟"
كان استفهامًا يحمل بين طياته الكثير، فباغتها حين قال بوله:
"بعشق أمك."
فجأة وهما في خضم شجارهم تفاجأ "مروان" من اختفاء كلًا من "طارق" و"شيرين".
فقال بتقريع:
"عاملة زي خفير الدرج معايا أنا بس. شبطهم في بعض، وعلى ما تخلص العركة أكون أنا بوست لما شبعت."
تراجعت للخلف بذعر:
"مروان اعقل، حد يدخل علينا."
لم يكترث لتنبيهاتها وحين أوشك على أن يخطو خطوة واحدة تجمد بأرضه حين سمع صوت "سالم" الفظ آتيًا من الخلف:
"مروان. اومال الناس فين؟"
أطلق النيران من أنفه قبل أن يقول بسخط:
"إيه يا كبير أنت مش كنت مقموص؟ إيه اللي جابك دلوقتي؟"
"سالم" بجفاء:
"بتقول إيه يا زفت أنت؟"
"مروان" بتملق:
"بقولك حمد الله على السلامة. عمتك وطارق بيقتلوا بعض بره والباقي نايم."
تجاهل حديثه فقد كان الغضب والشوق يتصارعان بداخله، وخاصةً بعد لقائهم في الصباح.
فتوجه بأقدام متلهفة إلى الأعلى وقلبه يهفو إلى وصالها، فقد أضناه الهجر وبات يمقُت تلك الأقنعة التي يرتديها أمامها وقرر وضع الأحرف فوق الكلمات بينهم.
فما أن وقعت عينيه على تلك النائمة بسلام فوق مخدعهم حتى خانته دقاته الهادرة التي تقاذفت بجنون كجنون أنفاسه التي تلاحقت بصدره، حين التهمت عينيه ذلك الرداء الناعم الذي يعانق جسدها البض كاشفًا عن منحنياتها القاتلة بسخاء، وخصلاتها المفرودة حولها كخيوط الشمس المتوهجة.
فجذبه مظهرها الرائع ليتوجه رأسًا إلى السرير ويضع إحدى ركبتيه على طرفه، يميل بجسده بجانبها ويديه تقترب لتعانق خصرها، فإذا به يشعر بكرة شعر كثيف أسفل يديه.
لم يُمهله الوقت لاستيعاب شيء فقد سمع صرخة قوية جعلته ينتفض واقفًا، تلاها صرخة "فرح" التي استفاقت على ذلك الصوت المريع لتقوم بإنارة المصباح بجانبها، فإذا بها تتفاجيء بـ "سالم" الذي كانت معالم الجنون بادية على وجهه وهو يمسك كرة الشعر بأطراف أصابعه وهو يزمجر شراسة:
"إيه اللي جاب الكائن ده في سريري؟"
اندفعت تختطفها من يديه بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت:
"حاسب عليها..."
"سالم" باستنكار:
"أحاسب عليها؟ هو ده اللي قولتلك تستنيني؟"
"فرح" بهدوء مثير للأعصاب:
"مانا مستنياك أهو، وبعدين أنا لقيتها واقعة في الجنينة ومجروحة، قلبي مطاوعنيش أسيبها."
"سالم" بسخط:
"قلبك مطاوعكيش تسيبها، وعقلك قال استغليها فرصة وأضايقه!"
عاندته كاذبة:
"محصلش."
تبلور الجنون بنظراته وهو يقترب منها قائلًا:
"أنتِ مبتتعلميش أبدًا؟"
"فرح" بتحدٍ أشعل حمية العشق بجوفه:
"إيه بالظبط اللي المفروض أتعلمه؟"
كانت نظراته تحمل الوعد الذي تجلى في نبرته حين قال:
"الأدب. مفروض تتعلمي الأدب."
تشدقت ساخرة:
"وماله. علمهولي."
كان يتقدم منها بخط وئيد وهي تحمل تلك القطة بيدها وكأنها تحتمي بذلك الكائن الضعيف الذي لم يحتمل لمسة واحدة منه.
"أعمل فيكِ إيه؟"
هكذا استفهم بهسيس خشن، فحاولت الثبات قائلة:
"أنت عايز إيه؟"
زمجر بخشونة:
"عايز أكسر دماغك."
سخرت بمرارة:
"عادي كده أهون عليك؟"
لون العبث نبرته حين قال:
"مانا اللي هعالجك."
"فرح" بتهكم مرير:
"مش كل حاجة بتتعالج."
أجابها بثقة مفرطة:
"ماهو مش أي حد بيعالج."
كانت غافلة عن نظراته التي كانت تلتهمها التهامًا، فهتفت بحنق:
"واثق أوي من نفسك حضرتك؟"
"عندك شك في كده؟"
كانت تود لو تلكمه في أنفه من فرط وسامته وتأثيره السيء على حواسها، ولكنها آثرت السخرية قائلة:
"لا طبعًا، وأنا أقدر. ده أنت سالم الوزان على سن ورمح."
عض على شفتيه وعينيه تشملها بنظرات جائعة وقال يغازلها:
"قولتلك أرجع ألاقيِكِ مستنياني بالشكل اللي يعجبني، بس متفقناش إنك تبقي حلوة كده."
قال كلمته قبل أن تقع فريسة بين براثنه، فتخدرت من قربه لثوانٍ، وحين أوشك على الوصول لمبتغاه، مواء قوي جعله يرتد للخلف حين كاد أن يسحق جسد الهرة إثر اقترابه من تلك التي كانت تمسك بها بين يديها.
فلم تحتمل ضغطه فوق جسدها الهزيل فأطلقت مواء حاد جعله يطلق عبارات الاستغفار قبل أن يلتفت قاصدًا الحمام وهو يأمرها بعنف:
"أخرج ملاقيش الكائن ده في أوضتي."
أخذت قرارًا بأن تذيقه لوعة الهجر التي تذوقتها في غيابه.
فأما خطأها فقد اعتذرت، وأما خطأه فلن يمر مرور الكرام.
لذا توجهت وهي تمسك القطة الجميلة التي رق قلبها حين رأتها مجروحة في حديقة المطبخ وقامت برعايتها دون أن تعلم أن وجودها سيخدمها ويساعدها في ترويض ذلك الأسد الجسور.
بعد دقائق خرج من المرحاض وهو يرتدي شورتًا قصيرًا والمياه تقطر من بين خصلات شعره البنية لتنحدر فوق عضلات صدره الذي أخذ يعلو ويهبط من فرط الانفعال.
حين لم يجدها في الغرفة ووجد نور غرفة الملابس مضاء، فأخذ يضغط بقوة على أسنانه حتى كادت أن تهشم تحت وطأة غضبه، وقد قرر أن يعاقبها على كل تلك الأخطاء التي اقترفتها دفعة واحدة.
طرق قوي على باب الغرفة جعلها تنتفض في مكانها، ولكنها حاولت الثبات، فمن الواضح أن إصراره اليوم لا يضاهي، فقد توقعت أن يمنعه كبرياؤه من أن يدق بابها، ولكن أي كبرياء ذلك الذي يصمد أمام كل هذا العشق؟
فتحت باب الغرفة، فهالها مظهره المهلك الذي ضرب ثباتها في مقتل وزعزع قناع الجمود الذي كانت ترتديه.
فاشتعلت مواجهة حامية بين النظرات دامت لثوانٍ، قطعها صوته الفظ حين تجاهل تأثيرها عليه وقال:
"بتعملي إيه هنا؟"
"فرح" بجفاء:
"زي ما أنت شايف. هنام."
ابتلع غضبه الحارق وقال بحدة:
"وهو ده مكان نومك؟"
"ما أنت مش عايز جيسي تنام جنبي. قولت مش عايزين نزعجك وخدتها وجيت هنا."
فاق الغضب حدود سيطرته، فقام بالتوجه إلى تلك القطة اللعينة وقام يجذبها من فوق الفراش وتوجه إلى باب الغرفة وقام بوضعها أمام الباب وإغلاقه بعنف، قبل أن يعود أدراجه إلى تلك التي كانت تناظره بذهول.
هل رجل بحجم الجبل مثله يغتاظ من قطة بحجم كف اليد؟
"اتفضلي على سريرك عشان ننام."
صاحت بغضب أثر كلماته المستفزة:
"ممكن أعرف وديت قطتي فين؟"
"في داهية. أنا بكره القطط."
"براحتك. أنا بحبها."
"سالم" بحنق:
"حبي حاجة مفيدة."
تشدقت ساخرة:
"زي إيه مثلا؟"
"سالم" بجفاء:
"اقصري الشر يا فرح أحسنلك، وتعالي."
اغتاظت من جفاءه فصاحت دون احتراز:
"مش جايه."
برقت عينيه بغضب من كلماتها فالتفت يناظرها بنظرات غامضة أرعبتها وصاح بانفعال:
"أنتِ عايزة إيه في الليلة السودا دي؟"
باغته حين قالت بنبرة على قدر عنفوانها على قدر حزنها الذي تناثر من بين عينيها على هيئة أنهار من العبرات:
"وهعوز من الباشا إيه وأنا أصلًا ملزمهوش!"
التفتت تنوي الدلوف إلى الغرفة الأخرى حتى تخفي ضعفها وذلك الألم بصدرها، فتفاجئت من تلك اليد التي أحاطت خصرها لتجذبها إلى صدره بعنف آلمها، وكأن كلماتها كانت رصاصات توجهت إلى قلبه الذي اختار أن يحي بين ذراعيه من جديد حين قال بهمس خشن:
"أنا اللي يلزميني من الدنيا غيرك."
حاولت الفكاك من قبضته حين قالت باستنكار:
"واضح."
تفاجئت من كلماته المحشوة بالوجع حين قال بالقرب من أذنيها:
"موتيني من الخوف عليكِ يا فرح."
كانت أنفاسها توحي بمدى إرهاقه، ولكن كان هناك ألمًا ينخر بيسارها، لذا هتفت من بين عبراتها التي ألهبت وجنتيها:
"وأنت موتني من الخوف منك. لما دخلت الأوضة دي وقولتلي متقربيش مني مش ضامن نفسي أنا كمان موت من الخوف يا سالم."
زمجر بخشونة ولا يزال يحتجزها بين ذراعيه:
"خوفتي مني عشان اتعصبت بالرغم إنك عارفة إن عمري ما هأذيكِ، لكن أنا كان هيجرالي حاجة من الخوف عليكِ وأنتِ مع واحد مختل زي ده. أنا سبت المؤتمر والصحافة والمسؤولين وطلعت أجري زي المجنون."
أوشكت على الحديث، فأردف بقسوة:
"كان محاوط المكان برجالته يعني ناوي عالغدر. سألتي نفسك لو طارق موصلش في التوقيت المناسب كان ممكن عمل فيكِ إيه؟"
وضعها وجهًا لوجه أمام خطأها، فعاندت قائلة:
"مكنش هيقدر يعمل حاجة."
"سالم" بسخط وهو يديرها لتواجهه:
"مكنش هيقدر! ده مجنون تتوقعي منه كل شيء في الدنيا."
أوشكت على الحديث، فأردف بقسوة:
"أنتِ بالنسبة له الخنجر الوحيد اللي هيقدر يقضي بيه على سالم الوزان ومن بعدها العيلة كلها هتقع."
ألمتها كلماته، وخاصةً حين أردف بعتاب لم تخطئه في نبرته:
"عرفتي زعلت منك ليه؟ عرفتي وجعتك يومها ليه؟"
أخطأت وأقرت بذلك، ولكن كانت فريسة للغضب والقلق والخوف، لذا اندفعت قائلة بتبرير:
"عرفت، وأنت كمان لازم تعرف إن كان ليا مبرراتي."
قاطعها قائلاً بحدة:
"أنا عارف دوافعك ومبرراتك، مش محتاج أسمعها. بس وأنتِ بتمارسي أمومتك مع جنة، ماتدوسيش عليا عشان مش هسمح باللي حصل يتكرر تاني."
حين يصل الأمر إلى شقيقتها تتبدل جميع الأشياء بعينيها، فصاحت بقوة:
"جنة اختي وليها حق عليا."
باغتها صراخه الذي دوى في أرجاء الغرفة حولهم:
"محدش له حق عليكي غيري. أنا بس اللي ليا كل الحق فيكِ، فاهمة؟"
كلماته كانت تقطر عشقًا وتملكًا كالضماد فوق قلبها، ولكن هناك حق شقيقتها عليها الذي يجذبها من عنقها، فيجعلها تائهة حائرة، لذا هتفت بألم:
"أنا تعبت بقى."
إلى هنا ولم يعد يحتمل، فتبًا للعقل والكبرياء والمنطق وكل شيء يقف حائلًا بينه وبينها.
فاقترب يطوق خصرها بأصفاد ذراعيه وعينيه تحاصرها بنظرات عاشقة غاضبة، وشيء آخر لم تختبره معه مسبقًا، ألا وهو التملك الذي كان يقطر من بين كلماته حين قال:
"يمكن أكون بضغط عليكِ، ويمكن يكون حبي ليكِ متعب."
همست بتعب:
"سالم..."
قاطعها قائلًا بفظاظة تتنافى مع روعة كلماته حين قال:
"أنا عشت أربعين سنة من عمري مفيش واحدة هزت شعرة فيا لحد ما قابلتك، فتقدري تعتبري حبي ليكِ ده عقابك على اللي عملتيه فيا."
كان الأمر أبلغ من أن يوصف بالكلمات، فقد كانت لهجته تقسو بينما عينيه تحنو، يقطر العشق من بين شفتيه بلهجة قاسية، رفقًا بكبريائه الذي يأبى عليه الخضوع.
لذا رقت لهجتها حين قالت:
"وطبعًا مفيش أوبشنات. يعني زي القبول أو الرفض. مفيش صح؟"
لامست رقتها زوايا قلبه الذي لان أمام عينيها التي كانت منبع ارتواءه وشقائه في آن واحد، فقرّبها منه أكثر وهو يقول بعبث:
"حد قالك عليا قبل كده إني ظالم؟ في أوبشنات طبعًا. يا تحبيني يا تحبيني. اختاري؟"
أزالت كلماته آخر ذرات الغبار فوق قلبها الذي خلا من كل شيء سوى عشقها له، فحاوطت يديها عنقه وهي تقول بدلال راق له كثيرًا:
"طب ولو كان عندي اختيار تالت؟"
"اللي هو؟"
همست ضد شفتيه بعذوبة:
"إني بعشقك يا سالم يا وزان."
أطلق زفرة قوية في الهواء قبل أن يقربها منه حد تلامس أنوفهم وهو يقول بتعب:
"جننتي سالم الوزان يا فرح. زلزلتي عرش الوزان اللي محدش قدر يقرب منه أبدًا."
استمهل نفسه وكأنه يحاول منع تدفق الكلمات من بين شفتيه، ولكنه غافلته لتنساب بعذوبة فوق ندبات قلبها الذي شفيت جراحه كاملةً بقرب هذا الرجل:
"خلتيني لأول مرة في حياتي تايه زي العيل الصغير. عايز أهد الأرض عشان أوصلك وآخدك في حضني وأطمن إنك في أمان."
بعد أن تبددت ظلمة الأجواء حولهم، اقتربت تلثم ذلك التجويف الخفيف بذقنه وهي تقول بخفوت:
"أنا عارفة إني خليت شكلك وحش قدامهم وممكن أنزل أعتذرلك قدام الكل..."
رفع رأسه يطالعها بغضب تجلى في نبرته حين قال:
"بطلي عبط يا فرح، اعتذار إيه وزفت إيه؟"
تعلم أنه توجها على عرش النساء ملكة، ولكن يهفو القلب للاطمئنان بين الفينة والأخرى.
وحين اطمأنت أرادت اللهو قليلاً حين قالت بعبث:
"يعني عشان الهيبة وكده؟"
"سالم" بفظاظة ونبرة فاحت منها رائحة الغرور:
"هيبة سالم الوزان لا أنتِ ولا مليون واحد يقدر يهزها."
رمقته بحنق وقالت بسخرية:
"لا والله، وبالنسبة لعرش الوزان اللي زلزلته من شوية إيه نظامه؟"
داعب أنفها بأنفه وهو يقول بهسيس مثير:
"ده سرنا الكبير. ضعفي قدامك ده سر بينا ومش هسمحلك تستغليه أبدًا ضدي."
عاتبته قائلة بخفوت:
"أنت تعرف إني ممكن أعمل كده؟"
ضاق ذرعًا بالحديث، فحان وقت الأفعال التي يتوق إليها، لذا أنهى النقاش حين قال بخشونة:
"أنا عارف حاجة واحدة بس إنك عوض ربنا ليا عن صبر السنين اللي فاتت دي كلها، ومش مسموح لك تبعدي عني ولا لحظة بعد كده، فاهمة؟"
لم يُعطها الوقت حتى لتجيبته، فقام بارتشاف إجابتها من فوق شفتيها المغويتين اللتان كانت سبب كافٍ لشقاوه تلك الأيام المنصرمة، فأخذ يُعاقبهما بأقسى الطرق وأمتعها.
وما كاد يتركها لينثر عشقه فوق قسمات وجهها حتى يعود إلى ثأره معهما مرة أخرى، وينهال شهدها بنهم أفقده صوابه، خاصةً وهي تقابل نهمه بشغف قاتل جعله يطيح بتلك الطاولة تتوسط غرفتهما والتي كانت تعوق طريقه إلى مخدعهمَ.
فما أن وصل إلى مبتغاه حتى صار يُمزق تلك العوائق التي تمنعه عن جنته بين حنايا عشقها، فتعالى أنين العشق المنبعث من شفاهها، وكأنها دعوة غير صريحة لجعله يعاقبهما بطريقته الأكثر من رائعة، فكان يُغرقها ويغرق معها في بحور العسل الذي كان يقطفه من فوق شفاهها وسائر جسدها.
ولم يكتفِ بذلك فقط، بل قام بوشم كل ما تقع عينيه عليه بصك قبلاته الدامية، حتى تشكلت أمامه لوحة فنية تجسد عشقه الخالص لها، والذي لا تفلح الكلمات في وصفه، ولكنه لم يبخل عليها بها أيضًا.
حين اقترب واضعًا قبلة عميقة فوق ذلك البروز الصغير الذي يتوسط بطنها، قبل أن يرفع عينيه يناظرها بشغف كان وقودًا إضافيًا على نيران شوقها له:
"أنتِ حظي الحلو من الدنيا، وفرحة قلبي اللي مفرحش غير على إيديكِ."
***
أخذت تنثر عطرها بدلال وهي تناظر فتنتها الواضحة في المرآة بعد أن تحررت أخيرًا من هذا الثقل الذي كان يرسخ جذوره في منتصف قلبها.
فقد طمأنها "سالم" بأن أمر هذا الناجي انتهى، وأخبرها لشقيقتها بما حدث مع "سالم"، ولذهولها تشابهت كلمات شقيقتها مع كلماته حين قالت:
"متقلقيش، أنا وسالم بنعرف نتعامل مع بعض كويس، وبرغم إني زعلت إنك روحتي حكتيله، بس الحمد لله إنك عملتي كده، وإلا مكنش هنعرف نطمن طول ما الحيوان ده بيهددنا."
أخيرًا استطاعت التنفس براحة، وقد عزمت على التخلي عن قرارها بالرحيل حتى لو عارض ذلك أهل الأرض جميعًا.
قاطع تفكيرها صوت إغلاق باب الغرفة، فتسارعت دقات قلبها حين أطل بشمسه الدافئة على وحشة قلبها الذي ذاق الأمرين خلال الأيام المنصرمة.
تجمدت الدماء في عروقه حين شاهد حوريته ومعذبة قلبه بتلك الهيئة الخاطفة للأنفاس بذلك الرداء الأسود ذو الحمالتين عند الأكتاف التي ناقض بياضها سواده، مطلقة العنان لخصلاتها التي تشبه الليل الحالك تتماوج خلف ظهرها بجنون يوازي جنون دقاته حين شاهدها وهي تتقدم منه بخطوات وئيدة يغلب عليها الخجل الذي ينثر وروده فوق خديها الشهيين، يؤازرهما ذلك النبيذ الذي لونت به شفتيها، فبدت رائعة حد الهلاك لقلبه الذي أضناه العشق الذي جعل ذراعيه تمتد لتعانق خصرها بحنو ورقة أذابتها.
فقد كان يريد التأكد كونها بين ذراعيه، فهمس بنبرة موقدة:
"أنا في الجنة صح؟"
أجابته بنعومة أصابت ثباته في مقتل:
"الجنة هي اللي بين إيديك، وبتترجاك متبعدش عنها تاني."
ابتلع ريقه بصعوبة، فقد كانت أنفاسه وكأنها تتشاجر داخل صدره من فرط الإثارة والشغف الذي لون نظراته التي كانت تلتهم حسنها بلا هوادة، فصار يقربها أكثر حد امتزاج أنفاسهم الموقدة بلهيب الصبوة، كما لهجته حين قال:
"أبعد! ده أنا زي اللي كان ماشي في صحرا ميت من العطش ولما شافك ارتوى."
رفعت كفوفها الحانية تحوي وجهه بين طيات عشقها الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
"بعدك أصعب مصير ممكن أواجه في حياتي يا سليم. إني أنام من غير ما يكون نفسك محاوطني ده عذاب لوحده."
قست يديه حولها عشقًا وكأنه أراد أن يعانقها بأضلعه خوفًا من أن يختبر مرارة هجرها مرة أخرى، فأسند جبهته فوق خاصتها قائلًا بصوت أجش:
"آه يا جنة، اسأليني أنا عن معنى
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السابع عشر 17 - بقلم نورهان العشري
تذوقت الكثير من الخيبات التي كنت دائمًا ما أقنع نفسي بأنها مجرد خسائر لا أكثر. إلى أن أتت تلك الأخيرة لتصنع ثقبًا كبيرًا في منتصف قلبي، عاجزًا للآن على إصلاحه.
بأقدام أثقلها الخوف وأرهقها كثرة الأحمال، أخذت تدور بغرفتها وهي تتمنى لو أنها تطوي تلك الدقائق التي تفصلها عن عودته، بعد تلك القنبلة التي فجرها على مسامعها قبل ذهابه.
"مروة بتقولي الحقيني يا سليم، وصوت ضرب نار جنبها."
لم تستطع منعه من الذهاب ولا التفريط به، فهرولت إلى غرفة مروان لتخبره حتى يلحق به. وها هي الآن تتجرع مرارة الانتظار، وداخلها يتضرع إلى الله كي يحفظه.
تعثرت نبضاتها حين سمعت قفل الباب يدور لينفتح، وكأن الله يرسل غوثه في أشد اللحظات حلكة. فأطلت فرح برأسها من الباب، فحين شاهدتها جنة، تقاذفت العبرات من مقلتيها تأثرًا. وقادتها قدماها إلى أحضان شقيقتها، وشهقاتها كدوي تردد صداه في أرجاء الغرفة. فأخذت فرح تشدد من عناقها، تود لو تمتص كل هذا الحزن الماثل فوق قلبها الصغير الذي لم تنتهِ الحياة منه، بل أخذت توجه له الصفعة تلو الأخرى، وكل صفعة أشد من سابقتها.
"اهدي يا روح قلبي. متقلقيش. سليم زمانه جاي. سالم لسه قافل مع مروان وجايين دلوقتي."
رفعت رأسها بلهفة وعيناها تلتمع بوميض العبرات التي لا تزال كشريان نازف لا ينضب أبدًا.
"بجد يا فرح؟ طب هما فين؟ حصل إيه؟ طمنيني."
ذلك الألم في عيني شقيقتها وهذا الصمت المُميت لا يبشران بالصمت. فلم تستطع فرح أن تخبرها بوفاة مروة، والأصعب من ذلك تلك الحالة الشيطانية التي تلبست سليم جراء ما حدث.
قطع ذلك الحديث الدائر بين أعينهم صوت السيارات في الأسفل. فلم تتوقف لسماع كلمات فرح التي ودت تحذيرها، بل أطلقت العنان لقلبها ليسحبها للأسفل. فتفاجأت بوجود كلاً من طارق ومروان فقط. فهوى قلبها ذعرًا جعل الحروف تخرج متقطعة من بين شفتيها حين قالت:
"سـ... سليم... فين؟"
نظر الشقيقان لبعضهما البعض بصمت، قطعه صوت سالم الخشن الآتي من الخلف.
"سليم متضايق شوية يا جنة، سيبه براحته، وهو هيرجع من نفسه."
تجمدت أقدامها لثوانٍ، وكذلك علقت أنفاسها بصدرها الذي اجتاحته نوبة ألم عنيفة شوشت الرؤية أمامها لثوانٍ، حتى ظنت بأن النهاية باتت قريبة. فإذا بذراعين يحملان حنان العالم أجمع، والذي التف حول بؤر الوجع المتفشي بقلبها حتى سكن لثوانٍ مع كلمات فرح الحنونة.
"جنة. خدي نفسك. كل حاجة هتبقى كويسة صدقيني."
استدارت داخل جوق ذراعي فرح، التي كانت تذرف الحزن من بين عينيها بسخاء، تعاظم حين سمعت كلمات جنة التي بدت ساكنة بطريقة تبعث على الريبة.
"بجد يا فرح؟ هييجي يوم وتبقى كل حاجة كويسة؟"
لم تستطع فرح مقاومة ذلك الألم الساكن بعيني شقيقتها، فجذبتها بقوة داخل ذراعيها في مواساة صامتة أدمت قلوب الحاضرين، وكان من بينهم هو.
ذلك الجبل الذي لا يهتز ولو عصفت ألف ريح، فإذا بعدة قطرات من عبراتها تزعزع ثوابته وتجهز على شكيمته. ليقاوم بشق الأنفس رغبة هوجاء في انتزاعها من براثن ذلك الحزن الدامي الذي يحيط بها، فينال من جنته الخضراء التي تترقرق بين جفونها.
أخرجهم من حالة الشجن الذي يحيط بهم ذلك الصوت المُمزق لشيرين، التي هرولت من الأعلى تسبقها عبراتها واستفهامها الذي تتمنى لو تجد إجابة تهدئ من وَصَب قلبها.
"مروة جرالها إيه؟"
طافت عينيها على الجميع إلى أن استقرت فوقه، فوجدت نظراته تحمل الكثير من الاعتذارات التي لم يُفصح اللسان عنها. فأخذت تهز برأسها يمينًا ويسارًا، حتى جاءت كلمات مروان الخانقة.
"الكلب كان مرتب لكل حاجة وقصد يقتلها قدام سليم عشان يضمن أنه يعيش الباقي من عمره حاسس بالذنب."
في تلك اللحظة، سقط قلبان. أحدهم في الهاوية، وكان لـ جنة التي اخترقت الكلمات قلبها فأرته صريعًا. والسقوط الآخر كان لـ شيرين، التي لم تحتمل فاجعة خسارة صديقتها وتلاشت أقدامها لتسقط تفترش الأرض، بينما تتردد صرخاتها في أرجاء القصر. فسقط قلبه معها ليندفع تجاهها في محاولة لاحتوائها وتهدئة انهيارها. وكذلك فعلت همت، التي هرولت من الأعلى إثر كلمات مروان وانهيار طفلتها. بينما كان هناك حزنًا من نوع آخر. حزن من فرط سطوته كمم الألسن عن الصراخ وأحجم اندفاع العبرات التي احتقنت بها عيني جنة الشاردة بطريقة توحي وكأنها معزولة عن هذا العالم. فارتاع قلب فرح، التي أرسلت نداءات استغاثة إلى سالم، الذي لبى ندائها على الفور واقترب من جنة يمسك كلتا كتفيها بيديه، وهو يهزها بطريقة مؤلمة نسبيًا حتى تستفيق من تلك الحالة التي لا تبشر بالخير. اتبع حركته بصوته الفظ حين قال:
"جنة. فوقي. اللي حصل ده حصل غصب عننا كلنا."
استجابت عينيها لكلماته وارتفعت بنظراتها إليه، وفجأة صرخت بقوة وهي تضع يدها فوق كتفها الأيمن. فاندفعت فرح خائفة.
"جنة أنتِ كويسة؟"
لم تكد تجيبها حتى صدح صوت هاتف سالم، الذي أجاب على الفور. لتمر ثوانٍ قبل أن يزمجر بشراسة.
"انت بتقول إيه؟ طب سليم كويس؟"
شهقات متتالية اندفعت من أفواه الجميع، تلاها صوت جنة التي ناظرت سالم قائلة بذعر.
"سليم انضرب بالنار."
لم يكن سؤالًا بقدر ما هو إقرار بما حدث وشعر به قلبها، الذي يحمل من العشق ما يمكنها من الشعور بالوجع لأجل ساكنه.
هزة بسيطة من رأس سالم جعلت العالم ينطفئ من حولها، ولم تُمَانِع بالاستجابة لتلك الهوة السحيقة التي أغرتها لتنتشلها من بؤرة العذاب إلى حالة من اللاوعي.
أخذ يطلق أنفاسه الحارة وهو يمضغ أسنانه بغل، وهناك رغبة ملحة بالتقيؤ تتملكه كلما تذكر نفسه وهو يقوم بحلب هذا الحيوان الغبي. والآن يقوم بغلي حليبه لكي يطعم ذلك الرجل الذي يود أن يفتك به في الحال. ولكن ما يمنعه كونه بمفرده في تلك الصحراء، لا يعرف طريقة للفرار منها قبل أن تبتلعه دواماتها لينتهي به الحال هالكًا من الجوع والعطش وربما الجنون.
"هِم شوية. ايش تسوي كل هالوجت؟"
هكذا صاح جرير، الذي كانت نظرات الشماتة تنبعث من عينيه وهو يراقب الغضب الذي يقطر من عيني حازم. فحين تشاجروا ذلك اليوم، ألقى جرير بسم كلماته في وجهه الذي امتقع من شدة الصدمة.
"بتعرف أنا ما راح موت هني. راح يجوا هلي وناسي يدوروا علي، بس أنت ما حدا راح يفكر فيك. لأنك ما بتستاهل. وخليك عارف إني لو متت راح تحصلني بالبطيء، لإنك ما راح تعرف تخرج من هال مكان ولا راح تلاقي لا وكل ولا شرب."
وبالفعل، طوال اليومين المنصرمين وهو يمارس أعمال كليهما حتى يتمكن من حلب الماعز وغلي حليبها، الذي لا يستسيغ طعمه، ولكنه كان الغذاء الوحيد مع كسرات الخبز التي تبقى معهم. فهذا الوغد أخبره بأن كل أسبوع يذهب لجلب بعض المؤن من قبيلة يعرفها تسكن بالجوار. ولكن أي جوار؟ فكل ما يحيط بهم رمال!
زفر بقوة وهو يضغط على نفسه لمساعدة ذلك الوغد، وبعدها سيتتبعه ويعرف من أين يأتي بالمؤن، وحينها سيهرب من هذا الجحيم.
"اتفضل اطفح."
رمقه جرير بسخرية قبل أن يتناول منه الطعام في صمت. فأخذ حازم يناظره بحقد لم يحاول إخفاءه، ولكنه أجبر نفسه على فتح حديث مقتضب، لعله يصل لأي شيء قد يساعده في الهرب.
"هو انت ازاي قاعد هنا طول الوقت ده ومبتشوفش عيلتك ولا أهلك؟"
لم يجبه جرير، بل تابع الأكل في صمت. فلم ييأس حازم، الذي قال بضجر.
"أكيد عندك ولاد مش بيوحشوك؟"
فأجابه جرير حين قال ساخرًا.
"بدك أجعد جارهم كيف الحريم؟ إني رجال اتخلجت عشان أشتغل وأصرف على هلي."
ابتلع غضبه الحارق وقال باستفهام.
"والمفروض تفضل هنا قد إيه؟ يعني أقصد بتغيب عن ولادك قد إيه وترجع تقعد معاهم قد إيه؟"
جرير بفظاظة.
"ليش تسأل؟ إيش ودك بي وبعيالي؟"
حازم بسخرية.
"أبدا، بطمن عليهم. أصلك غالي عليا أوي."
جرير بسخط.
"شن عليي. جوم شوف المعزي ولا تكتر كلام. ما اكتفيت بالجعدة طول سنينك؟"
تعاظم غضب حازم، ولكن بداخله شعر بوخزات الخزي من أن يكون هذا البغيض يعلم شيئًا عن ماضيه. فقال بحنق.
"انت تقصد إيه بكلامك ده؟ وبعدين أنا مكنتش قاعد، أنا كنت بتعلم."
تشدق جرير ساخرًا وعينيه تطلقان أعيرة الاحتقار في وجه حازم.
"تتعلم؟ واحد نصاب مثلك كيف بدو يتعلم؟ ليش سويت كذيه؟ ليش ما كنت رجال مع عيلتك وأهلك؟"
انتفض حازم واقفًا وهو يزمجر بغضب، يدعي عدم معرفته بلغة جرير.
"أنا مش فاهم حاجة. ما تكلمني زي ما بكلمك."
تفاجأ حين حادثه جرير بلغة قهراوية تضمنت أقسى درجات الإهانة حين قال.
"مش فاهم لهجتي؟ حاضر، هقولك بلهجتك؟ إزاي كنت حقير مع أهلك وناسك كده؟ إزاي مكنتش راجل مع إنك من عيلة كبيرة وإخواتك محاوطينك بحبهم ورعايتهم؟"
أغمض عينيه، ولوهلة تمنى لو أنه لم يجعله يتحدث بلغتهم، فقد أراد التحجج بعدم فهمه لما يقول حتى يخرج من هذا النقاش سالمًا. ولكن اتضح بأنه أغرق نفسه بالوحل أكثر.
"انت متعرفش حاجة، يبقى متحكمش."
جرير بسخرية.
"مين قالك إني معرفش؟ أنا أعرف وأعرف كتير أوي، وقبل ما أكون عارف إني بحس، وحسيت من أخوك قد إيه أنت خيبة أمل كبيرة ليهم وفرع شيطاني لابد بتره."
أراد سكب الوقود في كلماته حين قال مستفهمًا.
"ما تقولي يا حازم. لو مكنتش عملت كل ده كان زمانك فين؟ كان زمانك وسط أهلك وتحت حمايتهم. كان زمانك نايم في فرشتك متنعم في خيركم وعزكم."
صاح باندفاع.
"هرجع. قريب أوي هرجع وأسترجع كل اللي خسرته."
جرير بتهكم.
"بتحلم. مش إنك ترجع، لأ. أنا ممكن أرجعك. بس بتحلم لو فكرت إنك ممكن تستعيد مكانتك في قلوبهم. الفلوس بتروح وتيجي، عادي هيرموهالك، بس محدش هيفتح لك حضنه."
استمهل نفسه قبل أن يضيف مشددًا على حروفه كي تنال من ذلك المتغطرس.
"هتعيش منبوذ. وحيد ملكش حد. عارف أخوك جابك هنا ليه؟"
لم يستطع الرد، فتولى جرير المهمة بدلًا عنه.
"عشان يحافظ على الباقي من عيلته. لو قتلَك هيوسخ إيده، ولو سَلّمَك للشرطة هيضر ناس مالهاش ذنب. جه رماك هنا يا تعيش وتتعلم وتتربى بعيد عنهم كافيهم شرك، يا تموت وتبقى جت من عند ربنا."
رغمًا عنه تألم. تجاهل سخطه وغضبه وشعر بالخزي والألم ووخزات الندم. فتابع جرير بجفاء.
"إني رحت أنا وبوي الشيخ رفاعي ناخد عزاءك وشوفت بعيني كيف كان سالم الوزان مدبوح وغرقان في الحزن والقهر عليك. كان لسه مخدوع فيك. لو كان يقدر يفديك بروحه ما كانش هيتأخر. كانت حياتك لسه غالية أوي وليهم تمن. لكن دلوقتي حياتك رخيصة."
صمت لثوانٍ يتابع امتقاع وجه حازم، الذي لم يفلح في إخفاء ألمه. فتابع بقسوة.
"أفعالك الدنيئة قضت على غلاوتك في القلوب وخليت حياتك رخيصة عندهم ووجودك ملوش تمن. مجرد مجرم عايزين يتخلصوا منه عشان ميجبلهمش العار."
فرت دمعة قهر من عينيه، سرعان ما محاها وهو يصيح بغضب.
"مش صح. هما فاكرين إنهم بيربوني. بس سالم بنفسه هييجي ياخدني."
"الكلام ده قبل ما تبجح وتجهر بغلطك. رصيدك في قلوبهم خلص، وحياتك بقت تهدد أمن عيلة كاملة وسلامتها. اتأقلم مع حياتك هنا، ده لو لسه في قلبك ذرة حب ليهم وعايز تكفر عن سيئاتك معاهم."
كان قلبها يسبقها، وهو يهرول عبر رواق المشفى باحثًا عن رجلًا لم يأتِ الزمن بمثله، ولو بحثت دهرًا. فأخذت عينيها تطوف بالمكان حولها، علها ترتوي برؤية وجهه الذي كان هو قمرها المنير بعد أن اعتادت ظلمة أيامها.
لم تكن وحدها، بل رافقها الجميع، وعلى رأسهم سالم، الذي لولا حالتها لم يكن يسمح بمجيئها، على الرغم من خوفه الكبير مما هو آتٍ، ولكن لا مفر من المواجهة.
"سليم عامل إيه يا دكتور؟"
كان هذا استفهام سالم، الذي شاهد الطبيب يخرج من غرفة خمسة، التي أخبروهم بأن شقيقه متواجد بها. فبادره بالسؤال ليجيبه الطبيب.
"بخير الحمد لله. الطلقة كانت في كتفه اليمين، والحمد لله مأثرتش على أماكن حيوية في جسمه."
صاح طارق بلهفة.
"طب هو فايق يا دكتور؟ نقدر نشوفه ونطمن عليه."
"آه طبعًا تقدروا تدخلوا عنده، هو فايق وكويس."
ما أن سمعت كلمات الطبيب، حتى اندفعت إلى الداخل بقلبٍ لهف وروحٍ ملتاعة، لتتفاجئ بذلك الجالس فوق السرير يلف الضماد كتفه الأيمن في نفس المكان التي تألمت به منذ قليل. فها هي شعرت بألمه دون أن تعلم، من فرط عشقها له. ولكن هناك ألم آخر لم تكن تدري عنه شيئًا، جعله في وادٍ آخر مليء بالظلام والوحشة والعذاب الذي تبلور في عينيه المحترقتين بنيران الجحيم، ويديه التي كانت تقبض على شرشف السرير بقوة جلبت الذعر إلى قلبها. فجاء صوتها هامسًا حين نادته.
"سليم."
لأول مرة، لم يكن حضورها مُبهجًا. لم ينتفض قلبه عشقًا، ولم ترتوي عيناه برؤيتها. بل على العكس، ازدادت قتامة. وسرعان ما عادت ذاكرته إلى ما حدث قبل عدة ساعات.
**عودة لوقت سابق**
أخذ يهرول إلى أن دلف إلى شقة مروة، التي كانت تئن من فرط جراحها التي منعتها من الاستجابة لصوته حين أخذ يناديها وهو ينهب درجات السلم لكي يصعد إلى غرفتها. ليهوي قلبه بين ذراعيه حين رآها وهي غارقة بدمائها تستجديه عيناها. ليقترب، يلبي ندائها بلهفة، وقام بحمل جزءها العلوي بين ذراعيه وهو يقول بلوعة.
"حصل إيه؟ ومين عمل فيكِ كده؟"
تقاذفت الدماء من بين شفتيها بدلًا من الحديث، وثقل لسانها حين قالت بحروف متقطعة.
"سـ... سل... سليم... أو... أول... مرة... أش... أشوفك... مل... ملهوف... عليا... كدا."
أخذ جسدها ينتفض بين ذراعيه، فارتاعبت لهجته حين قال.
"هشششش... اسكتي عشان متتعبيش. الإسعاف جاية عالطريق وهتقومي وتبقي زي الفل."
"مروة بابتسامة واهنة وحروف متقطعة تعلن عن بداية النهاية."
"هت... هتوحشني... خل... خلاص... دي... نه... نهايتي... وأنا... راضية... أموت... خلاص... أمنيتي... اتحققت... وآخر... حا... حاجة... هغمض... عيني... عل... عليها... صورتك."
صاح بلوعة.
"بطلي الكلام ده. هتعيشي وهجبلك حقك من الكلب اللي عمل فيكِ كده."
"اب... ابعد... عنه... نا... ناجي... ده... شي... شيطان."
تبلور الجحيم بنظراته حين ذكرت اسم ذلك الرجل. فزمجر بشراسة.
"الكلب الحقير. إيه اللي جابه عندك؟ وليه يعمل فيكِ كده؟"
"عش... عشان... مك... مكذبتش... و... وقلت... أن... إن... محص... محصلش... حاجة... بي... بيني... وبينك... كا... كان... عا... عايزني... اق... أقول... لجنه... إنك... كن... كنت... معايا."
امتدت يديه فوق شفتيها يمنعها من الحديث، وقلبه ينتفض ألمًا ولوعة تجلت في نبرته حين قال.
"طب اسكتي، متتعبيش نفسك. لما تقومي بالسلامة ابقي احكيلي كل حاجة."
حانت لحظة النهاية، فلونت ثغرها ابتسامة هادئة وقالت بلهجة واهنة.
"سا... سامحني... وافتكر... واحدة... عاشت... تحبك... وماتت... تحبك."
في تلك الأثناء، دلف مروان إلى الداخل واستمع إلى كلمات مروة، فاقترب منها، فهاله مظهرها وعلم أن النهاية حانت. فقال بحشرجة.
"اتشاهدي يا مروة. قولي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله."
همست مروة تردد الشهادة خلف مروان، قبل أن يسكن جسدها. فانفطر قلبه حين لاحت بوادر النهاية. فهتف بحرقة.
"لا يا مروة، خليكِ، متمشيش. أنا مش حمل ذنب جديد. بالله عليكِ فوقي. مش هقدر أعيش بذنبك. افتحي عينيكِ وردي عليا. يا مروووووة."
**عودة للوقت الحالي**
اشتدت يديه التي تقبض على الشرشف، وأخذ يمضغ أسنانه بغل. بينما عيناه تخلت عنها إلى الجهة الأخرى، وعلى صوت تنفسه وكأن الأنفاس تتشاجر بصدره. فبدا مخيفًا إلى حد كبير. ولكن ذلك لم يمنعها من الاقتراب لتروي ظمأ قلبها من رؤيته. فقد ظنت بأن غضبه ناتج عن حزنه لأجل تلك المسكينة. فتقدمت بخطوات سلحفية إلى حيث يجلس، ودون أن تتفوه بحرف، قامت باحتواء رأسه بين أحضانها وأسندت ذقنها فوق خصلات شعره وهي تشد من احتواءه. وعلى الرغم من أنه ظاهريًا لم يستجب لمواساتها الصامتة، ولكن كل ما به سكن بوجودها وبين ذراعيها. فظل الوضع لدقائق غير محسوبة، إلى أن لامس أرض الواقع الأليم الذي يحياه. فانتزع نفسه عنوة من ملاذه الآمن بأحضانها وقال بجفاء.
"جيتي ليه؟"
تحدثت ببراءة غافلة عن ذلك الجحيم الذي تعده بها عيناه.
"معقول أسيبك وأنت في الحالة دي؟ أنا عارفة إنك زعلان أوي عشان مقدرتش تلحقها. بس ده قدرها! عمرها اللي ربنا كاتبهولها أنت متقدرش تزود فيه لحظة واحدة. أرجوك متحملش نفسك فوق طاقتها."
التفت يناظرها بغموض دام لثوانٍ، قبل أن يفاجئها حين أطلق ضحكة صاخبة كانت آخر رد فعل يمكن أن تتوقعه منه. والمفزع أن ضحكته كانت مرعبة، تشبه نظراته التي أفزعتها وكلماته القاسية حين قال.
"قدرها! واللي ربنا كاتبهولها، ومحملش نفسي فوق طاقتها. أومال الكلام ده كله كان فين وأنتِ بتدوسي عليا وعلى قلبي وبتقوليلي خدلي حقي من اللي ظلمني؟"
تراجعت خطوتين إلى الخلف حين شاهدت معالمه المرعبة ونبرته القاسية، وتلك الكلمات التي كانت تنخر بقلبها الذي احتارت جراحه أيًا ينزف أولًا.
نصب عوده وهو يشملها بنظرات قاسية تشبه معالمه ولهجته، حين قال.
"لما أنتِ مؤمنة بالقدر وباللي ربنا كاتبه، ليه دوستي على نعم ربنا عليكِ ومسكتي في انتقامك من حازم؟"
اشتدت لهجته وشابها النحيب وهو يقول بشراسة.
"ليه سبتي كل اللي عملته عشانك وجيتي عاللي مقدرش أعمله ومسكتي فيه؟"
كان يتقدم منها وهي تتراجع، وعيناها تذرفان من الوجع أطنانًا. فلم يهتز، بل لم يكن يراها من الأساس. فهدر بكل ما يعتمل بقلبه من قهر.
"دلوقتي مش عايزاني أحمل نفسي فوق طاقتها، بس أنتِ تدوسي على وجعي وعجزي عادي."
لم تستطع التفوه بحرف، فقط عبرات صامتة وقلب ينتفض ألمًا، ليتسلل من عمق ألمها همسًا خافت يستجديه.
"سليم."
صاح هادرًا بعنف.
"سليم وزفت. مروة ماتت بسببك. ناجي قتلها بسببك. بسببك بقيت حيوان عايز أي حاجة تنسيه كلامك اللي بيقتل. لو مكنتيش وجعتيني اليوم ده مكنتش شربت زفت ولا كنت روحت عندها. أنتِ السبب."
على نحيبها، هرع الجميع للداخل، فآلهم ما رأوه. فاقترب سالم من جنة، التي كانت تنتفض ذعرًا وألمًا. بينما اقترب مروان من سليم يحاول تهدئته. فصاح الأخير بقهر.
"أنتِ أكبر غلطة غلطتها في حياتي. عملت كل حاجة في الدنيا عشان أرجعك للحياة تاني، بس أنتِ كنتِ بتموتيني. مكنتيش شايفة غير نفسك وبس. ابعدي عني. مبقتش عايز أشوفك قدامي. اخرجي بره."
كان الألم أكبر من قدرتها على التحمل، فصارت تنتفض بين يدي سالم، الذي صاح بقسوة.
"اسكت يا سليم."
وجه نظراته إلى مروان وهو يسحب جنة، التي كانت تنتفض بين يديه، وقال بصرامة.
"خليك معاه، هودي جنة وارجعلك."
لم تفارقه عيناه وهي تغادر، ومن فرط الوجع لم ينتبه لكون فراقها أكثر ما يمزقه. فقد كانت نيران الذنب تحرق أحشاءه من الداخل. فسقط على الأرض بين يدي مروان، الذي حاول تهدئته قائلًا.
"سليم أهدى. متعملش كده في نفسك. عمرها وخلص، هتعمل إيه يعني؟"
هدر بعنف.
"أنا تعبت. لحد إمتى هفضل عايش وطوق الذنب ملفوف حوالين رقبتي؟ مرة ذنب أخويا اللي فكرته ميت وهو زعلان مني، ومرة ذنب جنة اللي كنت ظالمها بسببه، ولا ذنب قلبي اللي مقدرش يتخلى عنها ولا عن ابنها بالرغم من رجوعه، ولا ذنب مروة اللي ماتت بين إيديا وبسببي! أنا تعبت. مبقاش فيا حيل لعذاب تاني."
هدأ صراخه وتحول لنحيب ولهجة متهدجة من فرط الألم.
"أروح فين من النار اللي جوايا دي؟"
"مروان بتأثر."
"يا سليم أنت ملكش ذنب في أي حاجة من اللي حصلت دي. حازم وقذر ده بعيد عنك. جنة والكل كان ظالمها وهي نفسها ظلمت نفسها لما خبّت اللي حصل حتى عن اختها. وأنك تبقى متمسك بيها بعد ظهور حازم ده حقك. عشان دي مراتك محدش يقدر ياخدها منك، ومروة ده قدرها. أنت روحت لحد ناجي عشان تاخد تارها وموت عشرة من رجّالته قصاد موت مروة والنتيجة اهو."
قام مروان بالضغط بقوة على تلك البقعة الحمراء في كتف سليم، لعل الوجع يعيد عقله إلى رأسه، ثم تابع بحدة.
"الألم ده أكبر دليل إنك مسبتش حقها، وكمان محدش طلب منها إنها تيجي تبرّك. على الأقل عملت الصح قبل ما تموت."
وضع سليم يديه فوق خصلات شعره، يحاول تحجيم شياطين الجحيم التي تعصف برأسه، فتكاد تصيبه بالجنون. فهتف صارخًا.
"أنا عايز أنام يا مروان. خليهم يدوني أي حاجة تنيمني. مش قادر أتحمل الصداع ده."
أطاعه مروان على الفور، وقام بإخبار الطبيب، الذي أذن له بمخدر قوي. ما أن أخذه حتى راح في سبات عميق، كان هو المنقذ الوحيد من تلك الآلام التي كادت أن ترديه صريعًا.
كانت رحلة العودة صامتة، على عكس تلك الصرخات التي تتردد بصدرها فـ تؤلمه. والحقيقة أن كل ما يحدث يؤلمه، حتى أنفاسها التي تود لو تتوقف حتى تعلن عن نهايتها. ولأول مرة بحياتها تشعر بالغيرة من إحداهن. في أعماقها تتمنى لو كانت هي من ماتت وليس مروة، على الأقل لن تكون فريسة لوطأة هذا الألم الدامي الذي لا ينهيها، بل بقدر ما يهلكها.
صف سالم السيارة أمام باب القصر الداخلي، ولجأ للصمت لثوانٍ قبل أن يبدأ بالحديث. ولكن باغتته جنة، التي قالت بلهجة متحشرجة من فرط البكاء.
"عايزة أمشي النهاردة."
لم يتفاجأ من حديثها، فقد انهدم كل شيء بعينيها اليوم. فبعد أن استشعر هدوءها، ولمس وميض السعادة بعينيها، فطن إلى أنها نفت فكرة المغادرة من رأسها. ولكن الآن وبعد ما حدث، فها هي تلك الفكرة تفرض نفسها وبقوة على ساحة تفكيرها. وبالحقيقة هو لن يلومها.
"جنة..."
قاطعته حين التفتت تناظره بعينين ارتسم بهما التوسل الذي يتنافى مع حشرجة صوتها وملامحها الجامدة، حين قالت.
"وعدتني قبل كده تقف جنبي. لو لسه عند وعدك ليا، مشيني من هنا."
يعلم أنها مُحقة، ويعلم أيضًا كم شقيقه ممزق. لذا حسم أمره سريعًا قبل أن يقول بجفاء.
"لسه عند وعدي. شوفي عايزة تمشي إمتى وأنا معاكِ."
"دلوقتي. هطلع آخد محمود وأشوف فرح وأمشي. مش هقدر أشوف حد من اللي في البيت، ومعنديش طاقة أرد على أي أسئلة."
هكذا تحدثت بمرارة، وكأن صبارًا نبت بجوفها. فأجابها سالم بجمود.
"اللي أنتِ عايزاه."
★★★★★★★★
دلفت إلى داخل الغرفة، فوجدت فرح نائمة على الكرسي مُلتحفة بأحد الشراشف. فاقتربت بخطٍ سلحفي إلى أن وقفت أمامها تناظرها بقلبٍ ينفطر ألمًا وعينين تذرفان الوجع بسخاء، وقلب ينزف شوقًا بدأ قبل أن تفارقها. فاقتربت تضع قبلة دافئة فوق جبهة فرح النائمة بهدوء، وقامت بطي ورقة صغيرة لتضعها بجانبها، قبل أن تهمس بلوعة.
"سامحيني. بحبك أوي."
تراجعت إلى الخلف وعينيها تتعلقان بشقيقتها، تشتهي عناقًا قويًا بين ذراعيها لتمسح على قلبها النازفة جراحه. ولكن كم كان التمني عظيمًا والأمنية مستحيلة. وكم كان الألم مُريعًا وقلوبنا ضعيفة. كانت الرحلة طويلة، وبكل خطوة تبعدها عن أحبائها يتضاعف عذابها وتتعاظم لوعة قلبها الذي لم يكن ينقصه فراق آخر. ولكن يبدو أن الفراق هو مصيرها. فبكل مرة تظن أن الحياة سـ تبتسم لها، تباغتها بـ صفعة أقوى من سابقتها. لتقف الآن أمام حقيقة واحدة، وهي أن السعادة لم تكن يومًا من نصيبها، وعليها تقبل الأمر. سيكلفها ذلك أطنانًا من العبرات ومثلهم من الصرخات، ولكن لا بأس، ستعتاد.
هكذا كانت تردّد وهي تضع يدها فوق قلبها لتحاول تهدئة آلامه العظيمة ونبضاته الثائرة، وهي تعده بأنه سـ يعتاد هذا الوجع يومًا.
العاشرة صباحًا، توقفت السيارة أمام فيلا صفوت الوزان، وترجل سالم الذي التفت ليساعد جنة على الترجل من السيارة، وبيدها محمود. لتتحرك إلى الداخل بأقدامٍ مُثقلة بخيبات عظيمة وآلام جسيمة لا تجرؤ على التحدث عنها.
استقبلتهم سهام بحفاوة، فقد أخطرهم سالم بمجيئهم. وقد تفهمت كلماته المقتضبة حين رأت ملامح جنة الشاحبة. ف قامت باحتوائها بين أحضانها وهي تهمس بحنو.
"نورتينا يا جنة. هتتبسطي معانا أوي أنتِ ومحمود."
لم تقاوم جنة حنانها، ورسمت ابتسامة هادئة على ملامحها. فتقدمت نجمة لتحتضنها برفق وشفقة على حالها، قبل أن تقول بمزاح.
"هتنبسطي أوي وأنتِ شايفة نور الشريف بيجري ورا بوسي في الغيطان، وأني والغلبان ابن عمك لو شاورنا لبعض يبقى ربنا كرمنا من وسع."
اتسعت ابتسامة جنة بعض الشيء على حديث نجمة، التي أخذت محمود من بين يديها تقبله وهي تقول بمزاح.
"كيف الجمر. الحمد لله مطلعه شبه المخفي أجله اللي اسمه مروان ده."
اندهشت جنة من معرفتها بـ مروان، فقالت باستفهام.
"أنتِ تعرفي مروان منين؟"
"نجمة باندفاع."
"شفته كان بيحاول يقتل الكبير جبل سابج."
"جنة بصدمة."
"إيه؟"
"نجمة بلهفة."
"لأه، ده موضوع طويل، هبقى أحكيلك بعدين. تعالي دلوقت عشان تريحي من السفر."
★★★★★★★★★★
في داخل غرفة المكتب الخاصة بصفوت، هتف صفوت بغضب.
"الحقير ده زودها أوي يا سالم. مبقاش ينفع نسكت أكتر من كده."
"سالم بجفاء."
"إحنا مش ساكتين يا صفوت. بس لازم أضمن المرة دي إنه مش مجهز لنا مصيبة تانية."
"صفوت بتهكم مرير."
"مبقاش في أموات تاني يصحوهم."
تجاهل سالم غضبه وقال بفظاظة.
"ماهو عمال يخلص ع الأحياء."
"صفوت بحنق."
"هتبدأ بالتنفيذ إمتى؟"
"سالم باختصار."
"آخر الأسبوع طارق هيسافر وهينفذ اللي اتفقنا عليه."
"صفوت بتفكير."
"طارق راجل وقدها، بس مش خطر عليه؟"
"سالم بغموض."
"متقلقش. كل حاجة متخطط لها، ده غير توفيق ربنا اللي بإذن الله مش هيتخلى عنا."
تمتم صفوت بخفوت.
"بإذن الله. هتعمل إيه؟ هتروح تشوف حلا؟"
"سالم بنفي."
"للأسف لأ. مش هينفع حد يعرف إني جيت هنا ومعايا جنة، مش عايز الدنيا تتكركب على دماغ سليم أكتر من كده. كمان هي كلمت ماما وقالت لها إنها جايه قريب."
ربت صفوت على كتفه وهو يقول بمواساة.
"معلش يا سالم. أنت الكبير، والكبير دائمًا بيشيل كل حاجة على دماغه."
أومأ سالم برأسه قبل أن يقول بخشونة.
"مش هوصيك على حلا يا صفوت. أنت مكاني هنا. لحد ما أخلص من كل العك ده. متتخيلش هي وحشاني قد إيه."
"ولا يهمك، حلا بنتي. ركز أنت في اللي أنت فيه."
نظر سالم إلى ساعته قبل أن يهب واقفًا وهو يقول بعجالة.
"أنا لازم أمشي. ماما وفرح لوحدهم هناك ومعرفوش حاجة، مش عايز قلق وتوتر."
أومأ صفوت بقلة حيلة.
"مش هقدر أقولك خليك. ربنا يكون في عونك."
★★★★★★★★★
"انت كده بتدمر مستقبلك عشان مين؟"
هكذا صاحت نجلاء، والدة عُدي، التي لم يُرضيها كونه تزوج بتلك المشوهة وهو لا يزال يدرس. لذا جاءت لتوها من المطار رأسًا على محل إقامته مع تلك الفتاة.
"مستقبلي وأنا حر فيه. محدش له الحق يقرر عني ولا يخطط لي حياتي."
هكذا تحدث عُدي بجفاء. فلم يُعجبها حديثه، فصاحت بانفعال.
"حر دي لما تبقى بتفكر بعقلك. مش سايق فيها زي المجانين وعايز تعملي شهم على حساب نفسك."
زمجر غاضبًا.
"تقصدي إيه بالكلام ده؟"
"نجلاء بانفعال."
"أقصد اختيارك اللي زي الزفت. مين دي؟ حتة بت مشوهة ومعقدة متستاهلش حتى تاخد دقيقة من تفكيرك، مش تديها اسمك يا بيه."
صاح عدي بوحشية.
"اسكتي. أوعي تجيبي سيرتها مرة تانية. البنت اللي مش عجباكِ دي هي حب حياتي ومراتي، ومسمحش لأي حد يجيب سيرتها على لسانه."
تجمدت نجلاء بمكانها وهي تستمع لصراخ ولدها لأجل تلك الفتاة. فقالت بصدمة.
"انت بتعلي صوتك عليا يا عُدي عشان خاطرها. بتعلي صوتك على أمك!"
"عُدي بلهجة تقطر ألمًا."
"يمكن عشان محستش يوم إنك أمي! كنتِ فين وأنا طول حياتي لوحدي بتعب لوحدي وأخف لوحدي وأتوجه لوحدي وأداوي نفسي برضو لوحدي؟ عارفة كام مرة احتاجتك وملقتكيش؟ عارفة كام مرة كان نفسي أترمى في حضنك وأعيط وملقتكيش؟ أنتِ مكنتيش موجودة قبل كده، ملكيش وجود في حياتي بعد كده. ياريت ترجعي مكان ما كنتِ، عشان أنا اخترت حياتي ومش هغيرها."
كلماته كانت كوخزات الإبر التي توخز بصدرها. فهبت معترضة.
"أنا وأبوك كنا متغربين ومتبهدلين عشان نأمن لك مستقبلك."
"مستقبل."
"عُدي بسخرية."
"وأنا مش عايز أي مستقبل ساندي مش موجودة فيه. ولو الفلوس في نظرك هي اللي هتأمنلي مستقبلي، تبقي غلطانة. أنا مستقبلي مع واحدة تحبني وأحبها وتعوضني عن كل اللي احتاجته منكم وملقتهوش."
"نجلاء بغضب."
"ده آخر كلام عندك؟"
"عُدي بوضوح."
"أيوا آخر كلام."
"نجلاء بسخرية."
"وياترى هتصرف عليها منين؟"
"عُدي بهدوء."
"أنا بشتغل كول سنتر الصبح وويتر في مطعم آخر النهار، والحمد لله مكفي بيتي ومراتي. متشغليش بالك أنتِ."
كانت ملامحه توحي بمدى رضاه على ما يقوم به. لذا استخدمت آخر ورقة رابحة تمتلكها. حين قالت بتحذير.
"خلي بالك إن لو فضلت راكب دماغك، حنفية الفلوس اللي مفتوحة دي هتتقفل."
"عُدي بصدق وعينين تحكيان مدى رضاه."
"مش لازمني فلوسكم، قلت. خليهالكم. أنا عندي اللي أغلى منها ألف مرة."
لم تستطع الصمود في هذا النقاش الذي حتمًا ستخرج منه خاسرة. لذا توجهت إلى باب الغرفة تنوي المغادرة، تزامناً مع تلك الشهقة التي خرجت من فم تلك التي استمعت إلى هذا الحديث الدائر بينهم. ولم تستطع منع عبراتها، التي لا تعلم سببها. أهو ألمًا جراء إهانة والدته لها؟ أم امتنانًا لدفاعه عنها؟ أم تأثرًا بعشقه الضاري لها؟
اخترقت شهقاتها صدره الذي يضج بعشقها، فأخذته أقدامه ليهرول إلى غرفتها يطرق الباب وهو يقول بلهفة.
"ساندي؟ افتحي الباب."
لم تكن في حالة تسمح لها بالمواجهة، لذا هتفت بتوسل.
"سيبني يا عُدي، مش قادرة أتكلم."
صاح غاضبًا.
"مفيش حاجة اسمها سيبني. فيه حاجة اسمها أنا تعبانة، احضنيني. أنا محتاجاكِ، خليكِ جنبي."
همست بألم.
"عُدي أرجوك."
"أرجوكِ أنتِ. متبعدنيش عنك، ومتفكريش إن في حد في الدنيا هيقدر يبعدني عنك أو يبعدك عني."
أسند رأسه فوق الباب الخشبي وهو يقول بألم.
"افتحي أرجوكِ، مش هتجاوز حدودي معاكِ، أقسم بالله. أنا بس هاخدك في حضني."
لم تستطع مقاومة إغراء وجوده، وقامت بفتح باب الغرفة لترتمي بين جنبات صدره تبغي النجاة. فقابل لهفتها بأقوى منها، وهو يشدد من احتوائها، دافنًا رأسه بين خصلاتها وهو يهمس بلوعة.
"بحبك. لو كل الدنيا عاندتني، هفضل أحبك. لو الناس كلها اتجمعت عشان تفرقنا، بردو بحبك."
★★★★★★★★★
تململت في نومتها، فقد أتعبها ذلك الوضع كثيرًا. فشعرت بألم كبير في أنحاء جسدها. فقاومته وهي تحاول أن تنصب عودها ليزداد الألم مصحوبًا بتيبس في أطرافها. فتوجهت إلى الحمام لتأخذ حمامًا منعشًا قبل أن تتوجه إلى غرفة شقيقتها.
بعد مرور نصف ساعة قضتها أسفل المياه الدافئة، علها تريح عظامها المتألمة. خرجت وهي تلتحف بمنشفة تكاد تصل إلى فوق ركبتها. لتتوجه إلى غرفة الملابس تنتقي رداءً يناسب برودة الطقس، الذي سرعان ما أذابها دفء حضوره حين وجدته. كان في طريقه للخروج من الغرفة باحثًا عنها. فتفاجأ بمظهرها المهلك الذي انتشله من بؤرة غضبه وخفف وطأة ذلك الضغط الماثل فوق كتفه. ليقترب منها بخطوات سلحفية وعينيه تشملهان بنظرات مشتعلة بعشق لم يُخلق لسواها. فهتفت بلهفة.
"سالم. جيت إمتى؟"
"مش مهم، المهم إني هنا وأنتِ معايا."
لوهلة، فاتتها نظراته المشتعلة تجاهها. ولكن ثقل أنفاسه وكلماته الدافئة جعلتها تندثر خجلًا من عينيه التي تلتهم حسنها بنهم. أيقظ نيران الرغبة بقلبها. ولكن كان هناك ما يؤرق قلبها وينغص سعادتها بوجوده. فهمست بتساؤل.
"جنة فين؟ جت معاك ولا لأ؟"
احتوى ذراعيها بحنو، وامتدت أنامله تلامس خصلاتها المبللة ليضعها خلف أذنيها، فيما قال بخفوت أمام شفتيها.
"جنة في أمان. متقلقيش عليها. خليكِ معايا هنا."
احتوت عنقه بذراعيها وهي تقول بهمس أصاب وترًا حساسًا بداخله.
"أنا دايمًا معاك حتى لو مكنتش موجودة. قلبي وروحي معاك دايمًا يا سالم."
همس بخشونة أذابتها.
"وسالم مش محتاج أكتر من كده."
انتقلت يداها من عنقه لتحتوي وجهه وهي تقول بصدق لامس أوتار قلبه.
"أنا آسفة بجد. من كل قلبي آسفة لو وجعتك وحطيتك في موقف وحش وخضيتك عليا. أنا متخيلتش إن البني آدم ده ممكن يكون وحش بالطريقة دي. النهاردة بس عرفت قد إيه أنا غلطت."
أخذ يستنشق أنفاسها الدافئة لينشرح صدره وينتشي جسده برائحتها الجذابة. فاقترب يرتشف اعتذارها ويقطف ثمار الحب من فوق شفتيها بتروٍ، أصابها بالخدر وكأنه لم يكن يملك من الحروف ما قد يصف ما بداخله. فأراد أن تصف الأفعال ما يحمله لها من عشق خالص نمى بقلبه منذ أول يوم رآها به.
شعرت بأن هناك الكثير مما لا يستطيع التعبير عنه. فأخرت تقربها منه أكثر حتى تبثه اعتذارها وعشقها في آن واحد. وداخلها يحمد الله أنه وقف بجانبها وحماها من هذا المجنون، وإلا من يعلم لربما كانت الآن في عداد الأموات.
فصل اقترابهم رأفة ببرائتها التي طالبت ببعض الرحمة. فرفع رأسه يناظرها بعينين داكنتين من فرط ما يشتهيها، ولكنها تحمل شيئًا آخر لم تخطئ في فهمه. فهمست بتساؤل.
"سليم كويس؟"
أومأ بصمت، يُشفق عليها من ما يخبئه بجوفه من أحداث قد تبدد صفاء ذلك الشعاع الأخضر الذي يطل من عينيها، فيجعله يقع في عشقها كلما رآه.
أخيرًا استطاع الحديث حين قال بخشونة.
"فرح أنتِ عارفه أنتِ إيه بالنسبالي، وعارفه كويس إني شخص مبيتهاونش في الغلط، ياريت بعد كده تتصرفي على إنك مرات سالم الوزان كبير العيلة دي."
بالرغم من أنها لا تحبذ تلك اللهجة، ولكنها تعلم أنه مُحق. لذا أومأت بالموافقة وهي تهمس بخفوت.
"حاضر."
لم تنتهِ أوامره، بل تابع بتحذير لم تخطئ فهمه.
"وياريت كمان تحطي جوازنا في أولوياتك. أو بمعنى أدق يكون هو رقم واحد بالنسبالك."
فطنت إلى ما يرمي بحديثه، وحين همت بالحديث، شدد من جذبها إليه وهو يهمس أمام عينيها.
"وسيبيني عليا كل حاجة بعد كده."
هدأ الفؤاد بكلماته، وشعرت بأنها تستند على كتف لا يميل وجبل لا يعرف الانحناء. لذا لم تجادل، بل اكتفت قائلة بهمس.
"ربنا ما يحرمني منك."
على حين غرة، قام وضع يده أسفل ركبتها والأخرى خلف ظهرها ليحملها. فصاحت باندهاش.
"سالم بتعمل إيه؟"
قرب رأسه من رأسها قائلًا أمام شفتيها بلهجة محرورة.
"عايز أغرق في حضنك وأنسى كل حاجة إلا أنتِ."
شددت من احتواء عنقه وهي تشعر بحاجته الملحة لوجودها بين ذراعيه.
"حضني مفتوحلك على طول يا حبيبي."
لم يُزد حرفًا واحدًا، بل اقترب يقطف ثمار العشق من فوق شفتيها المُغوية، وقدماه تأخذه ليتوجه إلى مخدعهما ليبثها أشواقه العاتية. ليشتعل بين ذراعيها وتنطفئ موجات غضبه بين أحضان عشقها. فهي ترياقه من سموم وخزات الحياة، وبره الآمن بين كل تلك العواصف التي لم تشفق ولو للحظة على رجل مثله لم يعتد على الانحناء أو الشكوى يومًا.
أخذ يعمق اقترابه منها، وشفاهه تفرق همساته العاشقة فوق شفاهها وملامح وجهها. ويديه التي وكأنهمَ يحويان حنان العالم أجمع، تلثم كل ما تطاله من جسدها. فقد كان وكأنه يغرقها في بحر من الدفء والحنان. وكانت تبادله بأضعاف ما يعطيها. ولأول مرة تبادر الحديث وسط ملحمتهم الرائعة.
"حقك علي قلبي يا روح قلبي."
لثمت كلماتها آثار ظلت عالقة بقلبه لـ تُشفى على يديها وبين ذراعيها. فاقترب ينثر وروده الدافئة فوق جبهتها وقسماتها المشعلة بلهيب العشق الذي انساب من بين شفاهه بعذوبة حين قال.
"قلبي معرفش الراحة غير في حضنك. أوعي تحرميه من راحته دا ما صدق لقاها."
باغتته حين ارتشفت شهد عشقه من فوق شفتيه بلهفة، أيقظت جنون رغبته التي يُكللها شوقه الضاري لها والذي تضاعف حين قالت بأنفاس متهدجة.
"أنا كمان ملقتش راحتي وسعادتي غير وأنا جنبك، وصدقني مش هضيعها بإيدي أبدًا. أنت وابننا أهم وأغلى حاجة عندي في الدنيا."
لطالما اشتهى سماع تلك الكلمات من بين شفاهها. فأسند جبهته فوق جبهتها وهو يقول قاصدًا إثارتها.
"أحلى أم منصور في الدنيا."
سارت الخطة كما أراد تمامًا، فقد اشتعلت جنتها الخضراء لتصبح مشعة بغضب لم تستطع الإفصاح عنه. فأطلق ضحكة قصيرة جذابة وهو يقول بعبث.
"حلو أوي كده. أحبك وأنت قايدة نار كده."
لم تستطع السؤال ولا حتى الحديث، فقد اختطفها معه في بحور العشق اللامتناهي، والذي لم تعد تحتمله قلوبهم. فأصبحت تطلقه على هيئة أنات مستمتعة من جانبها، وأخرى خشنة من جانبه، ليمتزجا في عزف أنشودة رائعة عنوانها العشق ومحتواها اللهفة والشوق الذي لا ينضب ولو احترق العالم من حولهم..
★★★★★★★★★★
دلفت الداخل قاعة المحاضرات كما هي العادة، لتتفاجئ بالجميع يناظرونها بغرابة. فـ اندهشت قليلًا، وما هي إلا ثوانٍ وتحولت دهشتها لصدمة عظيمة حين شاهدت…
يتبع….
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نورهان العشري
تجمدت الدماء في أوردتها حين شاهدت تلك اللقطات الفوتوغرافية التي تجمعها بـ «ياسين» تملأ حوائط القاعة.
ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وجمعوا كل تلك اللقطات ليضعوها نصب عينيها التي التقطت نظرات الشماتة من أعين الكثيرين ممن لم يُتح لها المجال حتى لمعرفتهم.
تزاحمت الأنفاس في صدرها واهتزت جفونها معلنة عن عدم قدرتها على احتمال كل هذه العبرات التي تهدد بالانفجار في أي لحظة، وخاصة حين أتاها ذلك الصوت الخبيث المتشفي:
_ مفاجأة مش كدا؟ متخيلتيش إن في يوم الكل هيعرف حقيقتك؟
تحرك رأسها بآلية لتنظر إلى تلك الفتاة «أروى» بصدمة من حديثها الذي يقطر حقداً ونظراتها المحتقرة، فلم تستطع سوى الاستفهام بخفوت:
_ عرفتي منين؟
**عودة إلى وقت سابق**
_ مالك يا أروى مش على بعضك ليه؟
«أروى» بحنق والشرر يتطاير من عينيها:
_ اقطع دراعي إن ما كانت البت السهتانة دي على علاقة بالدكتور ياسين!
_ ليه بتقولي كدا؟ دا باين عليها محترمة وفي حالها.
استنكرت «أروى» الحديث وتشدقت ساخرة:
_ محترمة! هي مين دي اللي محترمة؟ معذورة أصلك مشوفتيش شكلهم لما طبيت عليهم أول امبارح في المكتب. دول كانوا زي اللي عاملين عملة وبيحاولوا يداروها عني، بس على مين؟ هو أنا عبيطة! وكمان يوم الواد اللي راح يقعد جنبها وهو نافخ. لا دا في حوار كبير وكبير أوي كمان.
_ ولو بينهم وبين بعض حاجة، أنتِ دخلك إيه؟ كبري دماغك.
صاحت «أروى» باهتياج:
_ أنتِ عبيطة يا بت أنتِ ولا شكلك كدا؟ أنا اللي أعجبت بيه الأول وبعدين فيها إيه البت دي عشان يفضلها عليا.
لون الحقد معالمها وهي تضيف بحنق:
_ ابن التييت بعد ما وعدني إنه هيحضر الحفلة، خلع وقال إيه مالوش في الكلام دا! طب وحياة أمي دا باين عليه ملاوع وله في كل حاجة.
زفرت الفتاة بملل وهي تقول بنفاذ صبر:
_ بقولك إيه مش ناقصين مشاكل، ولو كان بينهم حاجة دا شيء ميخصناش، كبري دماغك.
«أروى» بانفعال:
_ لا دا يخصنا ويخصنا ويخصنا. أنا لازم أعرف وراهم إيه وأكشفهم قدام الجامعة كله.
تسلل الخوف إلى قلب الفتاة التي قالت باستفهام:
_ ناوية تعملي إيه يا بت أنتِ؟ مش مرتحالك.
«أروى» بتخابث:
_ هراقب الأمورة، أنا واثقة إنها أكيد يتركب معاه، بس مش قدام الجامعة. ماهو أنا مش هبلة، أكيد بينهم حاجة مش بريئة. نظراتهم يوم الامتحان بتقول كدا وأنا لازم أعرفها.
بالفعل انتظرت حتى خرجت «حلا» من الجامعة وقامت بمراقبتها إلى أن وصلت إلى سيارة «ياسين» الذي تلقاها بين ذراعيه مرحباً بانضمامها إليه، فقامت «أروى» بالتقاط عدة صور لهم وداخلها تتناحر شياطين الجحيم وتتوعد بالهلاك لكليهما.
**عودة إلى الوقت الحالي**
اقتربت «أروى» من «حلا» ولازالت عينيها تحملان وميض الخبث والشماتة التي تجلت في نبرتها حين قالت:
_ مفيش حاجة بتستخبى يا حلوة.
تغيب العقل من وقع الصدمة وتلك النظرات التي كانت تفترسها دون رحمة، حتى أوشكت قدماها أن تخور لولا تلك الذراعين القويتين اللتان أحاطتا بخصرها وذلك الصوت القاسي الذي هتف بحبور زائف:
_ إيه المفاجأة الحلوة دي! أنتوا عرفتوا إن عيد جوازنا قرب فـ حبيتوا تحتفلوا بينا على طريقتكوا ولا إيه؟
تعالت الهمهمات والشهقات المستنكرة من حولهم، بينما كان ذلك الثلاثي في عالم آخر. «أروى» يقابلها «حلا» التي كان «ياسين» يُحيطها بذراعيه بحنو يتنافى مع نظراته القاسية، حين تفاجأ بإحدى طالباته تهرول تجاهه. ما إن وصل إلى مكتبه وهي تخبره بأن «أروى» تجهز عرضاً رخيصاً على شرف كليهما، فأخذته قدماه بخط أشبه بالركض ليكون بجانبها قبل أن تقع في براثن تلك الغبية.
تجاوزت عن صدمتها وهي تقول باستنكار:
_ جوازكوا! أنت بتقول إيه؟
«ياسين» بفظاظة ونظرات لازالت تقسو دون رحمة:
_ آه جوازنا. حلا الوزان مراتي، أومال أنتِ عاملة الشو دا على أساس إيه؟
ثقلت أنفاسها ورجفة قوية ضربت سائر جسدها مما جعل الحروف تتلعثم بين شفاهها حين قالت:
_ أ. أنا. مك. مكنتش. لا. أقصد. كن. كنت. عايزة. أفا. أفاجئكوا.
«ياسين» بوعيد جعل جسد «حلا» ينتفض بين ذراعيه:
_ حلوة المفاجأة. استني مني واحدة زيها وأحلى كمان.
_ مكانك.
قال الأخيرة بزئير أفزعها، فتوجهت «أروى» إلى مقعدها وكل خلية في جسدها ترتجف ذعراً. تضاعف حين سمعت صوته الصارم يقول:
_ عشر دقايق أرجع ألاقي الصور دي اتلمت وبقت على مكتبي.
أنهى كلماته بينما يديه انتقلت إلى ذراعي «حلا» ليجرها خلفه وهو يغادر القاعة، ليُفسح للجميع فرصة إطلاق أنفاسهم التي كانوا يحبسونها خوفاً من غضبه المُريع.
دفعها إلى داخل المكتب الذي ما إن دلف إليه وأغلق بابه حتى التفت إليها ينوي إفراغ شحنة غضبه بها لوضعهم في هذا الموقف، ليتفاجأ بها تندفع إلى أحضانه وهي تجهش في بكاء مرير يوحي بمدى ثقل ما حدث عليها.
فتقهقرت جيوش غضبه أمام ضعفها وانهيارها.
لـ يحتويها بين جنبات صدره الدافئ الذي كان ملاذها دائماً، فأخذت تبكي بحرقة وهي تتخيل ذلك العرض القذر من تلك الفتاة، فقد أخرستها الصدمة وعاندتها شفاهها بالصراخ لتُعلن انتمائها إليه وبأنه رجلها، ليأتي إليها كما هي عادته وينقذها بأكثر الطرق روعة ليُثبت لجميع الحضور بأنها غاليته وزوجته.
_ مش كفاية عياط بقى؟ خلاص عدت.
_ أنا آسفة يا ياسين.
لم تستطع، هكذا كانت لهجته تحمل الضدين الغضب والحنان معاً، فهدأت شهقاتها وبدأت في كفكفة عبراتها بأناملها الرقيقة، فامتدت يديه لتقبض على كفها الرقيق تقربه من شفاهه التي أخذت ترتشف عبراتها العالقة فوق أناملها بحنو مثير، لتنتقل إلى وجهها الذي كان غارقاً في بحور من الدمع، فأخذ يرتشفها بتمهل أصاب أوتاراً خاصة داخل قلبها وسائر جسدها، فيما اختتم أفعاله الحانية وهو يهمس أمام شفتيها:
_ تجنني يا ياسين واللي خلفوه وتيجي تقولي آسفة! أعمل فيكِ إيه طيب؟
رفعت رأسها تناظره باعتذار يتجلى بوضوح في عينيها ويتناثر من بين حروفها:
_ أنا متخيلتش يحصل اللي حصل أبداً. أنا..
صمتت لثوان تحاول منع عبراتها من الانهمار مجدداً، فأعادها إلى صدره مرة أخرى وهو يشدد من احتوائها قبل أن يضيف بمزاح:
_ اللي حصل دا يخليني أتأكد إن اللي يمشي ورا الستات لازم يلبس في حيط.
شقت ضحكتها الرقيقة طريقها وسط مرارة العبرات التي لازالت آثارها مطبوعة فوق ملامحها، والتي فجأة غزاها الذبول وشعرت بأن الأرض تميد بها، فهمست قبل أن تستسلم للدوار:
_ ياسين. الحقني.
**★★★★★★★★★**
لم يفلح النوم في إغوائها على الرغم من تعبها الواضح وإنهاكها الجسدي والروحي، إلا أن القلب أبى أن يخلد للراحة قبل أن تطمئن على شقيقتها، فالتفتت تناظره بحنو طبعته شفاهها فوق جبهتها العريضة وامتدت أناملها تعيد تلك الخصلة الشاردة فوق جبينه، فقد بدا صورة حية لوسامة قاتلة مطعمة بهيبة بدائية تجعل جسدها ينتشي وحواسها تتيقظ وقلبها ينتفض عشقاً له.
انسلت تَلَكُّؤ من بين يديه التي تقبض على خصرها وجذبت أحد فساتينها لترتديه على عُجالة وتتوجه بخط متلهفة إلى غرفة شقيقتها للإطمئنان عليها، ولكنها ترددت في فتح الباب، فتقوم بطرقه عدة مرات قبل أن تطاوع قلبها الملتاع وتقوم بإدارة مقبض الباب الذي انفتح لتدلف إلى الداخل وهي تنادي عليها بلهفة لم يقابلها إجابة.
توجهت إلى غرفة «محمود» فلم تجده، فدب الذعر في أوصالها وأخذت تدور حول نفسها والدمع يتقاذف من مقلتيها بإسهاب، بينما شفاهها لازالت ترجو الإجابة:
_ جنة. جنة…
_ جنة مشيت يا فرح. يا ليتها لم تأتِ تلك الإجابة التي شقت قلبها إلى نصفين، فتجمدت للحظات بمكانها تحاول استيعاب ما سمعته للتو، ثم تحاملت على نفسها لتلتفت تناظره بعينين يقسم أنه لم يرى بهما كل هذا الكم من الحزن ذات يوم.
_ يعني إيه مشيت؟
هكذا تحدثت بصوت خالٍ من الحياة وعينين تتوسلان إليه بنفي ما ألقاه على مسامعها للتو، لذا تقدم منها وعينيه ترسلان ألف اعتذار بها نيابة عن العالم أجمع، إلى أن وقف أمامها مباشرة وهو يقول بنبرة حانية برغم ذلك التحذير الذي لم تخطئ في فهمه:
_ هنقعد نتكلم وهـ تسمعي اللي حصل، ولا هتنفعلِ وتتصرفي من غير تفكير زي عادتك؟
وقد كان هذا تحديداً ما حدث. شعرت بالغضب يتفشى في أوردتها للحد الذي لم تستطع ردعه، فهبت بانفعال:
_ تقصد إيه بـ "زي عادتي" دي؟ أنا طول عمري عقلي يوزن بلد، لو كنت أنت شايف غير كدا دي مشكلتك.
آخر شيء كانت تتوقعه تلك الابتسامة الرائعة التي أضاءت وجهه، فبهتت ملامحها لثوان قبل أن تتحول لغضب عارم، فصاحت من دون احتراز:
_ أختي فين يا سالم يا وزان؟
تفاجأت من إجابته حين قال بتسلية:
_ في الحفظ والصون يا قلب سالم الوزان.
شعرت بالغباء يسيطر عليها للحظات من ردود أفعاله، وهوى قلبها بين ذراعيها من فرط الذعر، ولكنها تفاجأت به حين احتوى وجهها بين يديه التي كانت قاسية تشبه نظراته وتتنافى مع تلك الابتسامة الهادئة فوق ملامحه، وهو يقول بتحذير:
_ لو صوتك علي عليا تاني هقطعلك لسانك يا فرح، تمام؟
كاد أن يصيبها بسكتة دماغية من فرط الغضب، ولكن لم يكن ذلك أكثر ما يشغلها، فقد كانت تتلهف للإطمئنان على شقيقتها، لذا قالت بلهجة أهدأ:
_ جنة فين؟
تراجع للخلف ويديه تجذبانها لتجلس على أحد الأرائك وهو بجانبها ويديه تحتوي كفوفها بحنو كان يتخلل لهجته حين قال:
_ جنة عند صفوت في المنيا.
برقت عينيها من شدة الذهول الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_ إيه؟ أنت بتقول إيه؟ جنة إيه اللي يوديها هناك؟
بدأ «سالم» في سرد ما حدث منذ أن ذهبوا للإطمئنان على «سليم» في المشفى، مروراً بما حدث بينه وبين «جنة» إلى طلبها المغادرة ثم إيصاله لها عند منزل «صفوت»، ولكنه لم يذكر سوى مقتطفات من الحديث بينها وبين شقيقه.
ما إن انتهى من سرد ما حدث حتى تفاجأت من تلك التي هبت واقفة تضع يدها فوق جبهتها وهي تدور في أرجاء الغرفة كمن أصابه الجنون، والعبرات تتساقط بوفرة من عينيها وهي تقول بهستيريا:
_ أختي يحصل معاها كل دا وأنا معرفش؟ يعني هي دلوقتي في الحالة دي في مكان غريب مع ناس متعرفهمش؟ وأنا فين؟ محدش يقولي ليه؟ محدش يديني خبر ليه؟ خلاص مبقاش ليا لازمة!
قالت جملتها الأخيرة صارخة بانفعال، فقد كان مظهرها مُذرياً كما توقع تماماً، لذا نصب عوده وهو يتوجه إليها قائلاً بهدوء:
_ دا كان طلب جنة إنك متشوفيهاش وهي ماشية عشان متصعبيش الأمور عليها وعليكِ.
امتقع وجهها حين سمعت كلماته وتهدلت أكتافها بانهزام تجلى في نبرتها حين قالت:
_ قلبها إزاي طاوعها تسبني كدا وتمشي؟
ضاق ذرعاً من حزنها الذي كان له وقع قارص على قلبه، فخاطبها بجفاء:
_ ممكن تهدي شوية وتعالي تقعدي عشان نعرف نكمل كلامنا.
رغمًا عن كل شيء لم تستطع تجاوز ذلك الألم الرهيب الذي يعصف بقلبها وهي تتخيل أن شقيقتها وحيدة وسط الناس لا تعرفهم، خاصةً وهي تحمل كل تلك الجراح بقلبها، لذا تحدثت ومن صباراً نبت في جوفها:
_ ليه هو فيه حاجة تانية أنا لسه معرفهاش؟
يعلم مدى تأثرها، لذا قال بلهجة هادئة:
_ جنة اختارت تبعد عشان تقدر تلملم نفسها وتهدى بعيد عن أي ضغط وأي صدام ليها مع سليم.
عند ذكر اسم ذلك اللعين تفجر بارود غضبها، فصاحت بانفعال:
_ سليم دا أنا هاكله بسناني لما أشوفه! يعني هو يشرب حشيش ويتنيل بستين نيلة وييجي يرمي اللوم عليها؟! هي ذنبها إيه؟ بس المرة دي مش هعديهاله بالساهل يا سالم، ولازم هاخد حق جنة من عينيه.
تبدل الغضب في لهجتها إلى بحة ألم قاتلة وهي تضيف بأسى:
_ عشان هو أكتر واحد عارف هي اتعذبت إزاي؟
أرجعت خصلات شعرها للخلف وهي تضع يدها فوق مقدمة رأسها قبل أن تضيف بحرقة:
_ دي يا قلبي ملحقتش تفرح إن ربنا شفاها وخفت من مرضها.
أخذت تلوح بكفها في الهواء وهي تقول بلهجة تتضور وجعاً تناثر من عينيها أولاً:
_ هقول إيه بس. اللهم لا اعتراض على قضائك يارب.
كاد الوجع أن يهزمها لولا يديه التي امتدت تجذبها بقوة لتعيدها إلى مكانها الطبيعي الذي خلقت منه ولأجله، فاستقامت أضلعه واكتملت بوجودها، فأطلق العنان لسيل حنانه بأن يغمرها كما لم يفعل من قبل، فقد شهد اليوم على أكثر لحظاتها ألماً وضعفاً، لم يحتمله ولن يسمح به، فهي كانت ولازالت أمرأته القوية، مهرته الجامحة، حبيبته ذات العنفوان والعزة التي لا يليق بها الانحناء، خاصةً في وجوده. فشدد من احتوائها حتى فاض دمعها ليبُلل مقدمة قميصه واخترقت شهقاتها المعذبة جدران قلبه الذي ارتج على إثرها وهو يلعن كل ما حدث وجعلها في تلك الحالة التي لن يسمح لها بأن تستمر طويلاً، لذا اقترب من أذنها هامساً:
_ تعرفي لو كان الحزن دا راجل كنت قتلته ولا تنزل دمعة واحدة من دموعك يا فرح.
_ ااااااااه يا سالم..
حاوطت خصره بذراعيها واضعة رأسها فوق قلبه وكأنها تشكو له مُر ما تمر به، وشهقاتها تتزايد، فأخذ يُمرر يده فوق خصلات شعرها بحنو نثرته شفاهه فوق جبهتها المتعرقة بفعل حالتها التي كانت تغضبه بقدر ما تؤلمه، لذا بعد فترة وجيزة أخرجها من بين أحضانه ثم جذب أحد المحارم الورقية ليزيل عنها آثار دمارها الهائل، وهي صامتة وكأنها أعلنت العصيان على جميع الأحرف التي لا تصف مقدار حزنها.
حملها برفق يتوجه بها إلى الأريكة ليجلس وهي بين ذراعيه التي لم تُحررها، إنما زادت من تشبثها بها حين توارى رأسها في تجويف عنقه بهدوء أثار جيوش غضبه الذي يحاول قمعها بشتى الطرق، فزمجر بخشونة:
_ كفاية بقى يا فرح. دموعك دي بتقتلني. قولتلك أنا هحل كل حاجة، وده وعد مني.
شددت من عناقه كرد فعل على كلماته الحانية، ليضيف بلهجة موقدة بلهيب العشق، حازمة من رجل اعتاد على الانتصار في جميع معاركه مع الحياة، فما إن كانت تلك المرة الحرب لأجلها!
_ دا وعد من سالم الوزان يا فرحة قلبي، هصلح كل حاجة عشان أرجع ضحكتك الحلوة من تاني.
تخدرت أوجاعها أمام عشق لم يسعها تجاوزه يوماً ولم تستطع مقاومته أبداً، فأخذت أناملها ترسم ملامحه الخشنة التي تهيم بها، فـ إن كان العشق أعلى درجات الحب، فهي تعشقه فوق العشق عشقين، فجميع المشاعر التي يعج بها الكون لا تليق بذلك الرجل الذي احتفظ بأكثر من نصف جاذبية العالم وجميع شهامته ومروءته.
انسابت الحروف بهمس من بين ضفتي التوت خاصتها:
_ أنا هعمل إيه لو مكنتش أنت موجود؟
وضع قبلة دافئة في باطن كفها الذي يحتضن وجهه قبل أن يجيب بتملك جعل حزمة من الوخزات اللذيذة تتفشى في سائر جسدها:
_ أنتِ معايا وجنبي وفي حضني موجود أو مش موجود، عشان مش هسيبك لحظة بعيدة عني بعد كدا.
سحبت قدر كبير من أنفاسه العطرة قبل أن تقول بحرقة:
_ أنا قلبي واجعني أوي يا سالم. مقدرش حبايبي يغيبوا عني.
قست أنامله فوق خصرها وهو يقول بخشونة:
_ حبيب واحد يا فرح هانم، وبعدين دي فرصتي عشان تبقي ليا لوحدي وأستفرد بيكِ شوية.
تعلم أنه يحاول تبديد حزنها وإخراجها من تلك الحالة التي تكاد تُنهيها، وهي ممتنة له وكثيراً، لذا همست بخفوت:
_ أنا نفسي أعرف أكون ليك بكل ما فيا يا سالم. نفسي أطمن على جنة عشان أعرف أفرح وأعيش معاك مرتاحين.
_ عارف، وعشان كدا بقولك سبيها تهدى شوية وتفكر بعقل. وعلى فكرة هي هتبدأ في جلسات العلاج النفسي الأسبوع الجاي. خليها تمشيها صح من الأول يا فرح.
ودت لو تكون بجانبها كي تمسك بيدها وتحتضنها فقط، ولكنها لم تستطع الإفصاح عن تلك الأمنية التي تبلورت في عينيها الضائعة، فتابع «سالم» بخشونة:
_ أول ما تحتاجلك هتيجي جري عليكِ، وبعدين انتوا هتتكلموا في التليفون أكيد. مالوش لزوم النكد يا فرح هانم.
برقت عينيها وتبددت نظراتها إلى أخرى ساخطة وهي تقوم بحنق:
_ أنا نكدية يا سالم؟
«سالم» بعبث:
_ نكدية قمر.
أضاءت وجهها ابتسامة عذبة، فهتف قائلاً:
_ أخيراً. بقولك إيه يا فرح بلاش تقعدي مع سما كتير.
كلماته نجحت في جعل الضحكة تشق جدار الحزن الذي يحيط بها، فاقترب منها حتى تعانقت أنفاسهم وهو يقول بهمس خشن:
_ ما تيجي نروح أوضتنا عشان أعرف أصبح عليكي بدل الصباح الغابر دا؟
«فرح» بصدمة:
_ صباح غابر؟ أنا صباحي غابر يا سالم؟
لم يفلح في قمع ضحكاته التي تردد صداها في الأرجاء، ثم قال يمازحها:
_ الصراحة يا فرح الوش الخشب دا والعياط والشحتفة اللي كانوا من شوية دول مش هياكلوا معايا. أنا راجل بكره النكد قد عنيا.
اشتعلت غاباتها الخضراء وقامت بلكمه في كتفه وهي تقول بحنق:
_ والله أنا كدا بقى لو كان عاجب سيادتك؟
«سالم» بعبث:
_ ما قولتلك من حسن حظك إن كل حالاتك بتعجبني.
غافلتها الابتسامة ولونت ثغرها الشهي، فاقترب يقتطفها من فوق شفاهها بشغف أضرم نيران العشق بسائر جسدها الذي احتواه بين يديه ليحملها متوجهاً إلى غرفتهم ينوي أن يبدد هذا الحزن الساكن في عينيها بشتى الطرق.
**★★★★★★★★★**
_ هو إزاي قادر يكون وحش كدا يا ماما؟
هكذا تحدثت «شيرين» من بين نهنهاتها المتقطعة حزناً وألماً على صديقتها التي قُتلت غدراً بفعل رجل لم يحمل من الأبوة بقلبه ولو مثقال ذرة واحدة.
ربتت «همت» على ظهرها بحنو وهي تحتويها بين ذراعيها تحاول مواساتها قدر الإمكان والتخفيف عنها، لذا قالت بأسى:
_ طول عمره كدا يا بنتي. معندوش قلب ولا يعرف معنى الرحمة.
رفعت «شيرين» رأسها تطالعها بلوعة تجلت في نبرتها حين قالت:
_ بس إحنا بناته. إزاي يقدر يعمل فينا كدا؟ حتى لو وحش مع الناس كلها إحنا لأ.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على ملامح «همت» التي قالت بمرارة:
_ بناته! طول عمره بيعتبر نفسه حظه وحش عشان مخلفش ولاد، وإني مش ست زي كل الستات عشان مقدرتش أجيبه الولد.
«شيرين» بغضب:
_ بس هو مش أول ولا آخر واحد يكون خلفته بنات.
«همت» بأسى:
_ الكلام دا للناس اللي عندها ضمير.
إنما دا طول عمره منزوع الضمير والإحساس. تفتكري لما سما كانت عندها سنة كنتِ أنتِ حوالي خمس سنين وقتها قالولي أنتِ بترضعي وعمرك ما هتحملي فمخدتش احتياطاتي بس للأسف حملت.
تقاذفت الدمع من مقلتيها وهي تروي حكاية وجعها الموشوم بقلبها يأبى الرحيل:
_ تعرفي إنه بهدل الدنيا، وقعد يدعي يارب لو اللي في بطنك بنت تموت.
أجهشت في بكاء مرير وهي تتابع بقهر:
_ وفعلاً اتولدت ميتة. تخيلي كان بيدعي على ضناه لمجرد إنه خايف لتبقى بنت. دا متتسمش أب أصلاً. حقكم عليا يا بنتي إني اخترت لكوا راجل زي دا. حقكم عليا..
كان الأمر مُريعاً للحد الذي لا يحتمل الكلام، فاندفعت «شيرين» إلى داخل أحضانها تنتحب بحرقة تكاد تخلع قلبها من مكانه.
**★★★★★★★★★**
_ خلصت بدري يعني؟
هكذا تحدث «جرير» إلى «حازم» الذي كان يعمل بملامح واجمة منذ آخر حديث بينهم، فلم يلتفت له إنما قال بجفاء:
_ لو عايز حاجة تانية قول من غير ما تكتر في الكلام.
تفاجأ حين قهقه «جرير» بصخب جعل الغضب يتفشى في أوردته، ولكنه قمعه وهو يتوجه إلى تلك الصخرة التي دائمًا ما يجلس عليها منذ أن قدم إلى هذا المكان:
_ متقوليش إنك مخاصمني من آخر كلام بينا؟
يحاول استفزازه وقد نجح في ذلك، حين التفت «حازم» يصرخ غاضباً:
_ بقولك إيه مش عايز استفزاز. ملكش دعوة بيا وغور شوف أنت وراك إيه؟
لم يتوقع أن تتبدل ملامحه إلى تلك الدرجة المخيفة، فأخذ «جرير» يتقدم منه بخطٍ وئيدة وعينيه تطلقان أعيرة نارية جعلت الذعر يتفشى في أوردته، وخاصة حين قال بقسوة:
_ إياك تفكر تجل عجلك وتغلط مع جرير ولد الشيخ مصطفى الهلالي، وألا بقطع خبرك من هالدنيا.
كان يعلم بأنه لا مجال للمقارنة بينهم من حيث القوة البدنية، فالمرة السابقة حين تمكن من ضربه كان عندما غافله، وبالرغم من ذلك لم يستطع قمع غضبه وثارت حميته وكبرياؤه الكاذب، وصاح بدون احتراز:
_ أغلط فيك وفي اللي يتشددلك كمان.
لم يستطع إكمال جملته حيث نالت منه قبضة «جرير» التي أطاحت به للخلف عدة خطوات، وجاء بعدها صوته المرعب حين قال:
_ بجطع لسانك جبل ما تكمل يا تافه يا حقير. مبجاش غير التافهين اللي شبهك يچبوا سيرة أسيادهم من الرچال؟
لم يحتمل تلك الإهانة فصاح بعنف وهو يتألم من تلك الضربة الموجعة:
_ اخرس أنا حازم الوزان. متخلقش اللي يكون سيدي. أنا سيد الناس كلها.
«جرير» بتهكم يُنافي غضبه منذ لحظات:
_ قصدك حازم التافه العار على عيلته. صحيح عيلتك أسياد جومهم بس دا عشان همَ رچال، أما أنت أحقر ما فيهم، عيل صغير بيتباهى باسم عيلته اللي هو مرمغه في الوحل.
كان يعلم كيف ينال من كبريائه ويضعه في مواجهة ضارية مع أخطائه، فلا يستطيع نكرانها ولا تبريرها، فقط صمت قاتل يكاد أن يطحن عظامه من فرط الغضب ولا يملك من الكلمات ما قد ينقذ به ماء وجهه.
_ شوف جسمك عامل إزاي؟ دا منظر شاب في سنك. فين الحيوية والقوة؟ إني عمري ضعف عمرك وبطيرك بصباع رجلي. أوعى تفكر إنك لما تضرب غدر تبقى انتصرت! لا الانتصار الحقيقي لما تبقى عينك في عين خصمك وتهزمه. زي ما أنا عملت فيك بضربة واحدة دلوقتي.
تجاوز الأمر حدود احتماله فصاح بعنف:
_ أنت عايز مني إيه؟ ابعد عني.. ملكش دعوة بيا. أنا ههرب من هنا ومش هرجع لهم تاني. لو هما مش عايزيني أنا كمان مش عايزهم.
«جرير» بسخرية:
_ وماله اهرب، وأنا مستعد أهربك. بس لما كلاب السكك تنهش في لحمك بره متبقاش تقول فين عيلتي؟
كان يود الصراخ حتى تنقطع أحباله الصوتية، كل هذا الثقل يكاد يجهز عليه، ولأول مرة بحياته يشعر برغبة ملحة في البكاء، فصار يركض ويركض وعينيه تذرفان عبرات لا يعرف كنهها، فقط يشعر بأنها ربما تريحه قليلاً، وأخيراً توقف بمكان بعيد عن ذلك البغيض وأخذ يصرخ وعبراته تنهمر بغزارة تبتلعها رمال الصحراء وتمحو أثرها، وكأنها أمرًا ليس له قيمة كما هو صاحبها.
**★★★★★★★★★**
الهرب ليس سيئاً في بعض الأحيان، فحين يكون الواقع مؤلم للحد الذي يجعلك تشعر بأن العالم كله لا يتسع لشخص مثلك، فحينها يمكنك الهرب دون أن تهتم ما إن وصفك أحدهم بأنك جبان، ولكن الأهم من ذلك هو إلى أين يمكنك الهرب؟ وأنت منبوذ من أقرب الأماكن إلى قلبك.
يحدث أن تشعر بأن كل ما بك ينزف ألماً بينما أنت صامت هادئ على غير المعتاد، ينخر الوجع بداخلك يتآزر مع الشوق ضدك، يساند هما حنين للحظة دفء واحدة تحياها بقربه، ليتشكل مثلث هائل من الشعور القادر على إخماد تلك الروح للأبد، ولكنها ما زالت تعاند وكأن الألم بات جزءً لا يتجزأ من حياتها.
زفرت بتعب وهي تغمض عينيها بقوة تحاول إخماد ثورة عبراتها التي تهدد بعصيان قد لا يحتمله جسدها الضئيل، فهبت من مكانها متوجهة إلى المرحاض وما هي دقائق إلا وخرجت تتجه بقلبها إلى الرحمن الرحيم بعباده والذي لا يرد من دعاه ولو كان مثقلاً بالذنوب، ارتدت ثوب الصلاة وشرعت في أدائها، وعلى حين غرة غافلتها بعض العبرات الهاربة حين همست وهي ساجدة:
_ ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.
أخذت تكرر ذلك الدعاء وقلبها يتضرع الله خالقها بأن ينتهي كل هذا الوجع وتلك المعاناة، ثم أنهت صلاتها وهي تحاول محاربة طيف الذكريات التي تهاجمها بشراسة تُذكرها ذات يوم حين كان يختتم صلاته فوق أناملها. كم كانت تلك الذكرى مؤلمة بقدر روعتها؟
أنقذها طرقات على باب الغرفة من انهيار عظيم لم تكن في حالة جسدية تسمح به، فلملمت سجادة الصلاة وخلعت ثوبها ثم توجهت لرؤية من الطارق فوجدتها «نجمة» التي كانت ابتسامتها مشرقة صافية للحد الذي جعل أخرى هادئة ترتسم على شفتي «جنة» وهي تقول بهدوء:
_ تعالي يا نجمة اتفضلي.
«نجمة» بود:
_ لقيت نفسي قاعدة لحالي جولّت أجي أقعد معاكِ لو مكنش يضايجك يعني؟
«جنة» بابتسامة هادئة:
_ لا طبعًا ميضايقنيش. اتفضلي.
دَلَفَت «نجمة» إلى الداخل وجلست فوق الأريكة لتبادر بالحديث بعفوية حين تربعت «جنة» على المقعد أمامها:
_ أنتِ كويسة؟
حاولت تجاهل غصة قلبها وقالت بهدوء:
_ هكون كويسة بإذن الله.
_ بإذن الله.
عارفة يا جنة، إني جه عليا وقت كنت بجول إني عايشة ليه؟ عايشة عشان أتعذب وبس؟ كنت مفكرة إن كل الأسى والحزن اللي في الدنيا في جلبي وأنا عايشة مع ناس إني مش بتهم، وحاسة إني عالة عليهم بخاف آكل بخاف أشرب. مكنتش أجول إني عايزة لبس جديد غير لما اللي عليا ميبقاش فيه مكان يترقع فيه تاني. حتى لما كبرت واشتغلت وبقيت أمسك قرش، كنت بحس إنه مش من حقي ولا ملكي. كنت أديه لأمي طوالي، وكأني بسدد تمن أكلي وشربي السنين اللي فاتت.
صمتت لثوان تحاول تجاوز ألم دفين لا يزال ينبض بالوجع داخل صدرها، ثم أردفت بلوعة:
_ لما قعدوني من المدرسة كنت بخاف أبكي عشان أما متضربنيش.
بس كنت ببكي كتير لحالي. تعرفي إني عمري ما كنت بتكلم مع حد ولا كان ليا أصحاب، حتى إن نجيبة كانت قاسية وشديدة كنت بخاف أجرب منها.
كان بييجي عليا وقت أتمنى أترمى على كتف حد وأبكي لحد ما ينقطع نفسي، بس حتى دي أمنية كانت مستحيلة.
كفكفت عبراتها الهاربة تأثراً بذكريات مريرة تأبى مفارقتها، ثم أضافت بتهكم:
_ كل دا ميجيش حاجة في اللي شفته في بيت جدك، وخصوصي من عمار بيه.
كانت «جنة» تتألم حد البكاء تعاطفاً مع حالة «نجمة»، ولكنها توقفت عند ذكرها أمر «عمار» فقالت باستفهام:
_ تقصدي إيه؟ هو مش عمار خطيبك؟
_ أيوا خطيبي. بس محدش سجانّي المر كده.
«جنة» باستفهام:
_ إزاي؟
شرعت «نجمة» في سرد ما حدث بينها وبين «عمار» مروراً بحادثة ظلمها مع المدعو «مرعى» إلى ما حدث بعد ذلك، ثم حادثة اختطافها إلى أن وصلت لأمر خطوبتها إلى «عمار» بعد كل ذلك العناء، فتوسعت عيني «جنة» من كلمات «نجمة» وقالت باندهاش:
_ وقدرتي تسامحيه وتغفريله؟
«نجمة» بصدق:
_ أيوا. عارفة ليه؟ عشان متأكدة إن اللي جواه ليه قدر ينسيني كل المر اللي شوفته، وعشان إني متمنتش في حياتي حد واحد يحبني ويحوط عليا. جه ربنا عوضني وخلاني أرجع لأهلي بعد كل السنين دي، وجه هو ورفع راسي في البلد كلها. سامحته وسامحت الدنيا على كل اللي عملته فيا وفتحت صفحة جديدة مع الحياة، ومتأكدة إن ربنا هيعينّي وهنسى كل الوحش دا.
صمتت لثوان قبل أن تقول بلهجة هادئة:
_ إني كنت راضية بالمر يا جنة، يبقى مش هرضى لما ربنا يعوضني بكل الحاجات الحلوة دي؟
اخترقت كلماتها أعماق «جنة» التي تأثرت بكلماتها وشعرت بأنها إجابة على توسلاتها وهي بين يدي خالقها، فهمست باستفهام:
_ طب وبتعملي إيه لما الذكريات تصحى وتصحي وجعها في قلبك؟
«نجمة» بنبرة ذات مغزى:
_ بقاومها، ومسبهاش تهزمني أبداً. بروح أترمي في حضن أمي وأبويا وأحمد ربنا إني بقيت وسطيهم، ببص حواليا وأشوف الهنا اللي أنا عايشة فيه. وأقول اللهم ديمها نعمة واحفظها من الزوال. لازم الإنسان ينتصر في معاركه مع الحياة يا جنة، أوعاكِ تستسلمي للوجع هيجيبك، ولا للذكريات المرة هتمرر عيشتك. بصي لكل حاجة حلوة عندك واحمدي ربنا وهو قادر يمحي أي وجع من جلبك.
رغمًا عنها اندفعت «جنة» من مكانها تعانق «نجمة» بقوة، فقد كانت تلك الفتاة الجاهلة بوصلتها للنجاة من براثن تلك العواصف والأعاصير التي كانت تتقاذف سفينتها حتى كادت أن تحطمها، ولكنها الآن بدأت تعرف أي طريق النجاة عليها أن تسلك.
شددت «نجمة» من احتضانها وهي تقول بحبور:
_ إيه؟ حوصول إيه؟ كني اتوحشتك ولا إيه؟
«جنة» بتأثر وهي تبتعد عنها:
_ أنتِ من غير ما تحسي طبطبتي على قلبي ونورتيلي بصيرتي. أنا من هنا ورايح مش هبص على اللي فات، هبص على الحلو اللي في إيدي، هاخد محمود وفرح في حضني وهحمد ربنا على كل حاجة.
«نجمة» باندفاع:
_ محمود وفرح بس؟ طب والمعفور سليم؟ نسيتيه إياه؟
أخفضت «جنة» رأسها وهي تقول بأسى:
_ منستوش ولا عمري هقدر، بس أنا كنت عبء كبير عليه لحد لما تعب ومبقاش قادر يتحمله.
أخفضت رأسها وهي تتابع بلوعة:
_ عنده حق. أنا تعبته أوي. كفاية عليه كدا.
«نجمة» بتأثر:
_ الله بقى دا أنتِ تحكيلي إيه اللي حوصول وخلّاكِ تجولي أكده؟
أومأت «جنة» قبل أن تشرع في سرد ما حدث بينها وبين «سليم» إلى أن أنهت حديثها بزفرة قوية وهي ترفع رأسها تحاول إعادة العبرات إلى مقلتيها من جديد، فتأثرت «نجمة» من حالتها وقالت تحاول تخفيف وطأة الأمر عليها:
_ شوفي أنا مشوفتش سليم ده غير مرتين اتنين بس، وفي المرتين كان متعصب وعينيه حمرا شبه العفاريت، بس إن جيتي للحج أنا بسمع عنه إنه راجل وراجل جوي، وإن كانت البت دي اتقتلت بسببه فهو معذور إنه يتجاهر، ومعلش طلع غضبه وزعله عليكِ، لكن من حديثك واضح إنه بيحبك جوي، يبقى له عندكِ ترباية وبس.
تنبهت «جنة» لكلماتها الأخيرة فقالت باستفهام:
_ إيه يعني إيه له عندي ترباية؟
«نجمة» بحماس:
_ أيوه تربيه و توريه النجوم في عز الضهر، وتخليه يجول حجي برجالتي، وبعد أكده هييجي يطلب منك تسامحيه.
«جنة» باندهاش:
_ يخربيتك إيه الكلام الكبير دا؟ طب ودا يحصل إزاي؟
_ لاه دي شغلة البيك بوس. أمي سهام. فظيعة في المؤتمرات، مخليه أبويا صفوت يا جلب أمه بيلف حوالين نفسه كيف اللي تاه أمله في الدنيا. إحنا نجولها وهي تجولنا نعمل إيه؟
**★★★★★★★★★**
_ خير يا سالم جمعتنا ليه؟
هكذا تحدث «سليم» بجفاء قابله الجمود من قِبل «سالم» الذي قال دون أن ينظر إليه:
_ وقت التنفيذ جه.
التفت الرجال الثلاثة يناظرونه بتحفز قبل أن يقول «طارق» باستفهام:
_ يعني خلاص هسافر؟
«سالم» بجفاء:
_ هتسافروا. هتاخدوا معاك...
قال جملته الأخيرة وهو يشير إلى «سليم» الذي قال بفظاظة:
_ من غير ما تقول أنا كنت ناوي أصلاً أسافر معاه.
تدخل «مروان» لأول مرة في الحديث قائلاً بمزاح:
_ طب ما تبعت عمتك معاهم يمكن يحبوا ينفذوا عملية انتحارية ولا حاجة؟
لم يفلح «سالم» في قمع تلك الابتسامة البسيطة التي لونت محياه، فاندفع «طارق» يقول بصرامة:
_ هكتب كتابي على شيرين قبل ما أسافر.
«سالم» بتهكم:
_ مفروض إنك مسافر كمان يومين!
«طارق» بتصميم:
_ وإيه المشكلة؟ المأذون والشهود وأنا وهي موجودين.
تدخل «سليم» ساخطاً:
_ أنت شايف إن دا وقت تفاتحها فيه في موضوع زي دا؟
«طارق» بحدة:
_ والله أنا مقلتش هعمل فرح ولا هجيب رقاصات، بقول كتب كتاب.
تحدث «مروان» بتهكم:
_ سيبه خليه يطلع يقولها الكلمتين دول. خليها تحدفه بالأبجورة في وشه وتريحنا منه.
تحدث «سالم» أخيراً بلا مبالاة:
_ قدامك عمتك وبنتها اتكلم معاهم، أنا معنديش مانع.
خفف «طارق» من لهجته حين قال:
_ شيرين تبعي، إنما عمتك هحتاج مساعدتك عشان تقنعها يا سالم.
«سالم» بتفكير:
_ دي مش مضمونة يا طارق، بس أوعدك هحاول.
زمجر «طارق» غاضباً:
_ ماهو أنا لازم أكتب كتابي قبل ما أسافر.
مش همشي من هنا غير وهي مراتي.
تدخل «مروان» ساخطاً:
_ ملهوف على كتب الكتاب ليه كدا يا خويا؟ عايز تكتب كتابك ليه يا صايع يا ضايع؟ أديني دقني إن نفعت.
نهره «طارق» بجفاء:
_ اتلم يا منحوس أنت واركن بخيبتك على جنب.
«مروان» بسخط:
_ ماشي يا عم عبدة ياللي مقطع السمكة وديلها، إن شاء الله عمتك هتقصقص لك ديلك وخياشيمك واحتمال تقطع خلفك كمان.
_ أنا ماشي.
زفر «سليم» بنفاذ صبر ونصب عوده قاصداً المغادرة، فأوقفته كلمات «سالم» الحادة:
_ استنى عشان عايزك.
تفهم الأخوان ما يرمي إليه «سالم» فتوجها إلى الباب، قبل أن يلتفت «مروان» إلى «سالم» قائلاً بحنق:
_ أنا لو منك أدور فيه الضرب.
نظرة قاتلة من «سليم» جعلته يهرول إلى الخارج، فجلس الأخير بمقعده مرة أخرى وهو يقول حانقاً:
_ نعم يا سالم؟
«سالم» بقسوة:
_ أنت عرفت إن ناجي كان بيهدد جنة؟
يتبع…
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورهان العشري
انكمشت ملامحه بصدمة وللحظة لم يستوعب كلمات «سالم» الذي كان يُناظره بأعين ثاقبة لم تتزحزح بل تُراقب وقع الكلمات عليه.
ولم يتفاجأ حين وجده يقول بهسيس مرعب:
"انت بتقول إيه؟ ناجي مين اللي بيهدد جنة؟"
«سالم» بسخرية جافة:
"هو إحنا عندنا كام ناجي؟"
هب من مكانه وقذائف الجمر تتأرجح بين طيات صدره الذي كان يعلو ويهبط من فرط الغضب الذي جعل عينيه تبرق بلون الدماء، وصاح بزئير غاضب:
"انت بتقول إيه؟ الكلب ده إيه اللي وصله لمراتي؟"
جاءت لهجته هادئة يشوبها سخرية طفيفة على عكس ملامحه الواجمة:
"والله بما إن دي مراتك فالسؤال ده تسأله لنفسك؟"
لم يستطع تحمّل جموده وسخريته فصاح بحدة:
"سااالم. كلمني زي الناس."
انقشعت غمامة الهدوء وحل محلها الغضب والقسوة التي غلفت نبرته حين قال:
"لو هكلمك زي الناس يبقى قبلها هعلق إيدك التانية في رقبتك."
كاد أن يتحدث ولكنه ردعته كلمات «سالم» القاسية حين قال:
"لما كلب زي ده يوصل لمراتك ويهددها ويرعبها لدرجة إنها تبقى عايزة تسيب الدنيا كلها وتهرب، يبقى دي عيبة في حقك كراجل. فين الأمان اللي مفروض تعيشها فيه؟"
اهتاجت أنفاسه وتناحرت بصدره تتقاذفها أسهم نارية تساقطت من بين كلمات شقيقه الذي لم يبالِ، بل تابع حديثه بلهجة أهدأ:
"كلامي زعلك صح؟ لكن الحقيقة واللي حصل مع جنة هيزعلك أكتر لما تعرف إنه بقاله أكتر من شهر بيهددها ومسمم عيشتها. وبالمناسبة ده سبب إنها كانت متغيرة معاك."
امتلأت حقيبة جراحه بالدماء، فلم يعد بمقدوره التحمّل أكثر، وصاح باهتياج:
"يعني أنا بشم على ضهر إيدي؟ ده أنا كنت بحايل فيها عشان تقولي مالها؟ فيها إيه؟ اتحملت اللي محدش اتحمله وبرضه أنا وحش! كانت بتدوس عليا ومستمتعة وهي بتحسسني إني عاجز أرجع لها حقها."
«سالم» بفظاظة:
"والله اللي أعرفه إنك متجوزتش جنة جواز صالونات ولا قابلتها في النادي فعجبتك فاتجوزتها! انت اتجوزتها وأنت عارف كويس أوي ظروفها وقابل بيها."
استمهل نفسه لثوانٍ قبل أن يضيف بتقريع:
"وتقريبًا انت كنت متوقع كده وأسوء من كده ولا أنا بيتهيألي؟"
«سليم» بتعب قلما يظهر عليه:
"لا مش بيتهيألك. أنا فعلًا كنت قابل وراضي. هي اللي مرضيتش. هي اللي بنت في نهاية علاقتنا حيطة سد مقدرتش أكسرها."
«سالم» بعنفوان:
"متبقاش سليم الوزان اللي أعرفه. طول عمرك أسد مفيش حاجة بتقف قدامك. إيه مش عارف تمشي حياتك وتنقص جوازك؟ خيبت على كبر؟"
تعاظم القهر والألم بداخله فصاح غاضبًا:
"انت مش حاسس بيا. أنا فعلًا تعبت. حطيتني في أصعب اختيار في الدنيا يا أجيب لها حقها من اللي ظلمها يا أنساها. مفروض أعمل إيه؟"
تشابهت عينيه ونبرته حين قال:
"تعرف إيه اللي وصلها لكده؟"
«سليم» بجفاء:
"عملت المستحيل عشان أعرف مفيش فايدة، والهانم ليه مجتش قالتلي إن ناجي بيهددها؟"
«سالم» بحنق:
"سؤال حلو. بس إجابته سيئة!"
لا يعرف لما شعر بغصة كبيرة في حلقه من كلمات «سالم» التي ينتابه هاجس قوي بأنها ستكون صادمة بل أكثر:
"كان بيهدد جنة بأنه معاه فيديو ليها مع حازم يوم ما اغتصبها."
سقطت كلمات «سالم» كالمطرقة فوق قلبه الذي انتفض بوجل، سرعان ما اجتاحه طوفان الغضب ممزوجًا بالغيرة يشوبه الخزي، فكان الأمر أكبر من قدرته على التحمل. فصاح كوحش جريح أخذ يتردد زئيره في أرجاء الغرفة التي نالت نصيبها من جنونه، حين قام بحمل ذلك المقعد وإلقائه فوق أحد الجدران. وما أن أوشك أن يحمل المقعد الآخر حتى امتدت يد «سالم» لتوقفه وهو يزمجر غاضبًا:
"سليم.."
حاول الإفلات من بين براثن شقيقه ولكن هيهات، فقد كان يتمسك به بكل ذرة بجسده يؤازره قلبه الذي كان ينتفض ألمًا على ما يحدث مع شقيقه الذي حاوط رأسه بيديه وأخذ يهتف بلا وعي:
"لا. لا. أنا في كابوس. ده مش حقيقي. أكيد مش حقيقي."
حانت لحظة إلقاء المرساة لإيقاف السفينة عند برها الآمن، فصاح «سالم» بقوة مشددًا على حروفه:
"طبعًا مش حقيقي، دي حيلة قذرة من واحد زي ناجي عشان يلعب بأعصابها."
تجمد لثوانٍ قبل أن يلتفت بأعين يتساقط منها التوسل على هيئة عبرات لم تفلح في محو الألم من نبرته حين قال:
"الكلام ده بجد؟ ولا؟"
"مفيش ولا. الكلام ده مالوش أساس، وأنا بنفسي متأكد من كده. هو حب يخترع أي حاجة يشوشر بيها على تفكير جنة."
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف مغلولًا:
"ناجي مش عايز دم. عايز نار تحرقنا واحنا عايشين وبنتنفس. نار متموتناش تفضل تعذبنا طول عمرنا. عايزنا كلنا نوصل لحالتك دي."
أخذ يمضغ أسنانه غضبًا تبلور في عينيه التي من فرط شناعتها تجمدت العبرات بها لتندفع ألسنة اللهب من شفتيه:
"الحقير. نهايته على إيدي.."
«سالم» محاولًا امتصاص غضبه:
"على إيدنا. إيدك لوحدك سهل أوي يقطعوها، وده اللي هو عايزه. اقعد خلينا نتكلم بهدوء."
طاوعه على مضض ليتابع «سالم» بعد أن استقر على المقعد المقابل:
"في حاجات كتير أوي تمنعنا إننا نخلص عليه وأنا عارف كده، ودلوقتي اركنه على جنب أنا عايز أعرف إنت ليه عامل في نفسك كده؟"
القى بثقله على ظهر المقعد وهو يضحك بصخب ينافي غيوم الحزن التي تُغلف عينيه اللتين كانت في تلك اللحظة صورة حية لرجل اغتيلت روحه وهو لا يزال على قيد الحياة:
"ياااه يا سالم. أنا اللي عامل في نفسي كده! ده أنا نفسي دي مبقتش لاقيها! أنا عامل زي واحد محكوم عليه بالإعدام وهو عامل نفسه عبيط عشان يقضي اليومين اللي باقيين له من غير خوف. لا قادر يصرخ ولا قادر يبكي ولا قادر حتى ينهي حياته بإيده. كل ما أخلص من طوق الذنب اللي خانقني ألاقي الدنيا تجيبني من رقبتي بذنب أصعب وأصعب. كل مرة أقول خلاص. هرتاح. هطمن. هعيش حياتي زي الناس ألاقي قلم أصعب من اللي قبله."
محى تلك الدمعة الغادرة التي شقت قلبه قبل مآقيه وتابع بحرقة:
"أنا مبقاش فيا حيل لذنوب تانية مبقاش عندي طاقة أسند نفسي وأقف على رجلي. أنا لأول مرة عايز أهرب أجري لبعيد لحد ما يتقطع نفسي يمكن أرتاح."
كان رجلاً جليديًا ذو شكيمة وجأش صلب، والآن تشقق كل ذلك وهو يناظر كل هذا الكم من الحزن الذي يتقاذف من حروف شقيقه وعينيه، فاشتعلت حمية الانتقام بقلبه وتفشت علة الغضب بأوردته وأقسم على أن يضرب العالم بانتسقامه أبشع الأمثلة:
"خلصت؟"
هكذا تحدث بجفاء كان نشازًا على مسامع «سليم» الذي ارتفعت عينيه تناظر «سالم» فهاله هيئته التي توحي بأن هناك جيوش تتلاحم خلف ستار الجمود الذي يدعيه، فلم يستطع كبح جماح كلماته حين قال:
"انت في صف مين يا سالم؟"
اختطفه استفهام سليم إلى خارج حدود المعركة، لذا هدأت لهجته قليلًا حين قال:
"تبقى غبي لو فكرت إني مش في صفك!"
تشدق ساخرًا:
"في صفي؟ ده انت متوجعتش ولو للحظة عشاني!"
أخذ يهز رأسه في الجهتين قبل أن يقول بهدوء كان غريبًا من نوعه:
"متوجعتش عشانك! جايز! بس ما انت كمان متوجعتش عشان نفسك! مشيل نفسك أحمال مش بتاعتك. غرقان في ذنوب مالكش يد فيها."
انكمشت ملامحه بصدمة سرعان ما تبددت حين سمع كلمات «سالم» القاسية:
"من أول ما حازم اتقال إنه مات وانت مشيل نفسك ذنب موته مع إن لحظة موت الإنسان مكتوبة من قبل ما يتولد، وبسببها ظلمت بنت غلبانة من غير أي ذنب."
صمت لثوانٍ قبل أن يستطرد قائلًا:
"بس على فكرة هي تستاهل. عشان هي غبية ومثالية زيادة عن اللزوم زيك. اختارت إنها تحفظ سر واحد غشها وخدعها، وطبيعي يكون رد فعلك كده معاها بس طبعًا انت عمرك ما تختار الطريقة السهلة وتفكر كده. لا. ده انت تفضل شايل ذنبها هي كمان."
كان يتابع وقع كلماته على «سليم» بترقب، وحين أوشك الأخير على الحديث لم يُمهله الوقت بل تابع بتقريع:
"نفس النظام مع مروة. مروة دي جرحتك زمان وسابتك من غير ما تحترم أي شيء بينكوا وبناءً عليه خسرتك. أما جالها فرصة تصلح غلطها في حقك مترددتش وبرأتك. جت ساعة موتها بالطريقة اللي ربنا كاتبها ليها. لا إزاي؟ ده ذنبي ولازم أشيله وأشيله للغلبانة التانية، وأهي بجملة القرف صح؟"
قساوة الكلمات تتنافى مع وقعها على قلب «سليم» الذي لاحت بوادر الضوء تتسلل إلى صدره، فلانت ملامحه قليلًا ليتابع «سالم» بمبدأ الطرق على الحديد وهو ساخن:
"إلا قولي يا سليم هو انت طلبت من مروة تيجي تبرأك قدامنا؟"
هزة خفيفة من رأسه بمعنى لا، فتابع «سالم» استفهاماته:
"هي قالتلك إن ناجي هددها إنه يقتلها لو برأتك؟"
نفس ردة الفعل، فتحدث «سالم» بتقريع:
"يبقى عقلك الغبي ليه صورلك إن ذنبها في رقبتك؟ ليه متقولش إن ده واحد مجرم مختل ولازم يتحاسب على كل جرائمه؟"
حين أوشك «سالم» على متابعة الحديث تفاجأ ب«مروان» الذي اقتحم النافذة برأسه وهو يصيح بغضب:
"تشيل الطين وتشيلهولنا معاك ليه أنا عايز أفهم؟ ناقصين قرف؟ مش كفاية عمتك واللي عملاه فينا؟"
التفت الأخوان يناظرون ذلك الذي اقتحم جلستهم، فأشار له «سالم» بيديه لكي يأتي، فاخذته الحمية ولم يلاحظ ذلك الوميض الخطِر في عينيه، فدلف إلى داخل الغرفة ليلاحظ عيني سالم التي كانت مريبة، فاندفع يقول بحماس:
"الله يكملك بعقلك يا باشا. الباشا الكبير اللي مفيش في عقله وذكائه اتنين."
وجه أنظاره إلى «سليم» قائلًا بتهكم:
"طبعًا انت والذكاء أعداء."
قطع حديثه صوت «سالم» الجاف حين قال:
"انت كنت بتتجسس علينا من الشباك؟"
«مروان» بتلعثم:
"إيه يا باشا؟ إيه. اتجسس عليك دي؟ هو انت رأفت الهجان ولا إيه؟"
«سالم» بلهجة صارمة تحوي تحذيرًا لا يمكن تجاهله:
"مروااان؟"
"الصراحة بقى فرح قالتلي أروح أسمع بتقولوا إيه وأقولها، وأنا اتغاظت من الجحش ده ومقدرتش أمسك نفسي.."
لم يستطع إخفاء تلك البسمة الساخرة التي ارتسمت على شفتيه، ولكنه تجاهل وجود «مروان» والتفت ينظر إلى «سليم» بأعين هدأت قليلًا تأثرًا بمرور نسمات وجودها حوله، وتابع بلهجة هادئة:
"أنا مش في صف جنة يا سليم لو في صفها كنت طلقتها منك."
وقع الكلمة كان صاعقًا للحد الذي جعله يرفع رأسه بحدة يناظر «سالم» بذعر، هدأ قليلًا حين تابع الأخير:
"ولأول مرة في حياتي أحيد عن الحق ومقفش في صفها عشان لو وقفت في صفها هطلقها منك برضه، ووقتها أبقى كتبت نهايتك بإيدي، وده أنا للأسف مش هقدر أعمله، واللي مريح ضميري شوية إني عارف إنها هتضيع من غيرك هي كمان."
ألقى «سليم» برأسه للخلف وهو يحاول التملص من دقات قلبه الهادرة لدى سماعه جملة «سالم» الأخيرة، ولوهلة غامت عينيه برغبة عاتية في الاستلقاء بين جنبات عشقها ينشد الراحة يبغي البكاء علّ قطراته تمحو رماد الحزن الذي يعشعش داخل أوردته، لذا نصب عوده وقرر المواجهة، فإما أن ينتصر بها وإما أن يهزم بين ذراعيها:
"عندك حق. أنا مش هسمح لأ ناجي ولا لحد يدمر حياتنا سوى."
التفت «مروان» إلى سالم بنظرات مستفهمة حذرة، فها هي النقطة التي كان يخشى الوصول إليها، ولكن الأخير لم يبالِ بأي حذر، وحين أوشك «سليم» الوصول إلى باب الغرفة تحدث «سالم» بجفاء:
"جنة مشيت يا سليم."
توقف النبض بصدره للحظة كانت الأسوأ على الإطلاق، كانت جملة صغيرة كافية لغمس قلبه في جذوة مشتعلة ترتكز بقاع الجحيم الذي تجلى في نظراته حين التفت إلى «سالم» الذي تمهل قبل أن يجيبه بنبرة ذات مغزى:
"مفروض إنها مشيت عشان تعبت أو عشان تبدأ تلملم نفسها من جديد، ده اللي قالته، بس اللي أنا واثق منه إنها مشيت عشان تعرف انت عايزها ولا لا؟"
همس بغير وعي:
"عايزها ولا لا؟"
تدخل «مروان» قائلًا باتزان:
"أعتقد إنها مستنية منك إجابة."
فك أسر أنفاسه التي تناحرت بصدره لتخرج ملتهبة كما كلماته حين قال:
"السفر إمتى؟"
«سالم» باختصار:
"التلات الصبح."
أجابهم بلهجة جافة تُشبه نظراته حين قال:
"هروح أجهز نفسي."
ما أن غادر الغرفة حتى اندفع «مروان» قائلًا بسخط:
"هيجهز نفسه لأيه بالظبط؟ هو هيسافر من غير ما يروحلها؟"
«سالم» بنفاذ صبر:
"في الغالب أه."
«مروان» بحنق:
"ودا ليه إن شاء الله؟ اومال المحاضرة اللي ادتهاله دي من شوية دي كانت ليه؟"
«سالم» بجفاء:
"دي الحجة اللي هترجعه ليها لما الشوق يقرصه."
«مروان» بسخط:
"لا مش فاهم بقى. هو المفروض هيحاول ينقذ حياته معاها ولا هيعند ويتغابى؟"
«سالم» بسلاسة:
"هي عند وتتغابى، وللعلم هو له حق يزعل مكنش ينفع إنها تخرج من البيت من غير ما يعرف. بس كان لازم ده يحصل."
«مروان» بعدم فهم:
"انت في صف مين يا كبير؟ أنا مبقتش فاهمك."
«سالم» بنفاذ صبر:
"الاتنين صف واحد. بس كل واحد وليه أخطائه. كل واحد فيهم شايف إنه اتحمل اللي محدش اتحمله عشان التاني. مع إن محدش جبرهم يعملوا كده."
«مروان» بغضب:
"هما اتحملوا كتير يا سالم، بس سليم طلع عينه عشان جنة. هي اتحملت نتيجة خطأها حتى لو غير مقصود، بس بعد كده الكل كان رهن إشارتها."
«سالم» بتعقل:
"بغض النظر عننا بس الحب يعني عطاء، وعطاء غير مشروط. بحب يعني أعمل كل اللي أقدر عليه عشان الشخص اللي بحبه. الشخص اللي اخترته بكامل إرادتي. محدش أجبرني، وأكبر غلط ارتكبته في حقه وحق نفسي لما في أول مشكلة بينا أعايره بكل اللي عملتهوله اللي برضه عملته بكامل إرادتي. محدش أجبرني أعمله."
"عندك حق. بس فعلًا سليم صعب عليا. آه أنا مع جنة عشان هي الجانب الضعيف، بس سليم برضه تعب."
"ولسه هيتعب. عشان هو موقفش علاقته بيها على أرض صلبة من البداية، والبعد ده في مصلحتهم. شوقهم لبعض وخوفهم إنهم يفترقوا تاني هيخليهم يحسبوها صح المرة الجاية."
★★★★★★★★★★
"طمني يا دكتور هي عاملة إيه دلوقتي؟"
هكذا
★★★★★★★★★★
"بصي بقى يا أمو جلامبو إحنا لازم نتصرف نعمل أي حاجة الواد هيسافر وده عنيد ودماغه جزمة."
هكذا تحدث «مروان» إلى «فرح» التي كانت تغلي من الغضب حين قص عليها «مروان» ما حدث، فهبت من مكانها وهي تقول بانفعال:
"بقى كمان البيه مش ناوي يراضيها ويعتذر لها عن عمايله؟"
«مروان» بحنق:
"معلش بقى الاتنين غلطانين. سليم غلط تحت ضغط شديد زي ما هي برضه كانت مطلعة عينه عشان عليها ضغط وأنتِ أكتر واحدة عارفة هو اتحمل إيه عشان خاطرها. كمان هي مشيت من غير ما يعرف."
وخزات التأنيب تفشت بقلبها، فهي أكثر من يعلم ما مر به على يد شقيقتها في الفترة الماضية، لذا زفرت بقوة قبل أن تجيب بغضب:
"بس هو الراجل ومهما كان هو كسر بخاطرها وجرحها وأنت بنفسك اللي حكيلي."
«مروان» بسخط:
"يتقطع لساني أنتِ اللي جرجرتيني في الكلام. ما أنتِ سوسة."
حين لم تستطع معرفة ما حدث تفصيليًا من «سالم» لجأت إلى «مروان» الذي أوهمه بمعرفتها بكل شيء لينخرط معها في الحديث ويخبرها عما حدث تفصيليًا.
تجاهلت كلماته وقالت بحنق:
"وهي مشيت لوحدها ولا هو اللي طردها من حياته؟"
تفاجئت بذلك الصوت القاسي الآتي من الخلف:
"وهي كام مرة طردتني من حياتها؟"
التفتت لتتفاجئ ب«سليم» الذي كان الجمر يتساقط من كلماته ونظراته التي أغضبتها، فقالت ساخطة:
"وانت بتردهالها بقى؟"
«سليم» بجفاء:
"أنا حر أنا ومراتي."
«فرح» بانفعال ونبرة تجاوزت حدود المسموح به:
"مراتك دي مش جايه من الشارع؟ دي ليها أهل يدافعوا عنها ويحمُوها."
تجاهل غضبه من طريقتها وقال بجفاء:
"لما تبقى تشتكي لأهلها يبقوا يجوا يكلموني. لكن هي مشكتش هي مشيت. يبقى محدش له فيه."
أحرقتها كلماته ولكنها لمحت تلك اللمعة في عينيه التي أشعرتها بما يعانيه من ذهابها، فهي تجاوزته كما تجاوزتها وذهبت دون أن تلتف إلى الوراء.
ابتلعت غضبها وحزنها وقالت بلهجة قاطعة كالسيف الذي شق قلبه لنصفين:
"هي فعلًا مشتكتش ولا هتشتكي. عارف ليه؟ عشان للأسف هي بتحبك. هي ممكن تشتكي من كل حاجة في الدنيا إلا أنت. كل خوفها عليك. بس أنت كتر ألف خيرك مخلتش قدامها أي حل غير إنها تمشي، ودلوقتي اختي بعيد عني بسببك. ارتاح بقى."
أنهت كلماتها وتوجهت إلى الخارج تبغي الصراخ من فرط الغضب والألم معًا، لذا اختارت المكان الوحيد الذي بإمكانه احتمال صراخها وبكاءها وغضبها ولو استمر ألف عام.
توجهت بخط متعثرة إلى غرفة مكتبه وقامت بالدلوف إليها مباشرةً ليتفاجأ بها تقتحم غرفته بحالتها المذرية، فهب من مكانه يسحبه قلبه ليقابلها في منتصف الغرفة وهي تهرول إليه باكية ترتمي بين أحضانه تنشد الراحة التي لن تجدها سوى بجانبه:
"فرح. مالك في إيه؟"
لم تجبه بل شرعت في نوبة بكاء عنيفة اهتز لها قلبه، فأخذ يشدد من عناقها وكأن يريد إدخالها بجانب قلبه موطنها الأصلي يبغي امتصاص كل هذا الحزن الذي يخيم على قلبها، فظلا متعانقين لفترة غير محسوبة على الرغم من هدوء نوبة انهيارها إلا أنها لم ترد الانسلاخ عنه وشاطرها قلبه رغبتها مستنشقًا عبيرها الآسر ويديه تدللان خصلاتها المتموجة بتمريرات حانية هدأت من روعها كثيرًا، فقد توقع ما حدث معها لذا آثر تأجيل الحديث لحين هدوئها تمامًا.
تململت بين ضلوعه ليخفف من احتوائه لها حتى أصبح وجهًا لوجه معها، فمد يديه يزيح آثار العبرات التي تلطخ فتنتها التي تتضاعف مع تقدم شهور الحمل.
كان حنانه آخاذًا يُغريها بالانغماس بين أحضانه للأبد، حتى ولكن كان هناك ألمًا يُنغص عليها كل شيء حتى التنفس:
"مش نهدى شوية بقى؟"
كلماته كانت تحوي عتابًا لم تخطئ فهمه، فأخفضت رأسها وهي تقول بحزن:
"كل ما أحاول أهدى تحصل حاجة تضايقني وتخنقني أكتر."
احتوت كفوفه وجهها كما فعلت عينيه بخاصتها في نظرة عميقة أرسلت ذبذبات قوية إلى سائر جسدها، و خاصةً حين تحدث بصوت أجش:
"مش اتفقنا تسيبي كل حاجة عليا؟"
همست بخفوت:
"انت هتشيل إيه ولا إيه بس يا سالم؟"
تبلور العشق بنظراته وانساب من بين حروفه حين قال بخشونة:
"أشيل الدنيا دي كلها على كتافي المهم تبقي مرتاحة يا فرح."
توسعت عينيها تأثرًا بكلماته، فلم تجد بداخلها من الكلمات ما قد يعبر عن عشقها له، فاقتربت تضع رأسها فوق صدره النابض عشقًا لها وأخذت تمرغ رأسها كقطة وديعة بين ذراعيه، فكان لفعلتها وقع خاص عليه، فأخذ يشدد من عناقها كثيرًا إلى أن علم بهدوئها كليًا، فقام بجذبها ليتوجه إلى الأريكة ليأخذها بين ذراعيه قائلًا بخشونة:
"قوليلي بقى حصل إيه بينك وبين سليم؟"
رفعت رأسها بحدة تجلت في نبرته، فارتفع أحد حاجبيه تحذيرًا، فابتلعت غصة غاضبة بحلقها وقالت بحنق مكتوم:
"البيه ناوي يسافر من غير ما يروح يصالح جنة ويعتذر لها."
«سالم» محاولًا عدم الابتسام على مظهرها الغاضب الذي تجاهد حتى تتحكم به:
"طب وإيه المشكلة هو حر معاها."
انتفضت غاضبة بيد ذراعيه لتجيبه باندفاع:
"يعني إيه حر معاها؟ يعني يزعلها ويبهدلها وعادي كده مفروض أسيبه."
«سالم» بهدوء:
"مفروض تسبيهم يحلوا مشاكلهم مع بعض. حتى لو عمل فيها إيه هي الوحيدة اللي ليها حق تعاتبه."
«فرح» بعدم تصديق:
"سالم."
«سالم» بتعقل ويديه تحويان كفها في محاولة لجعلها تستكين:
"فرح أنتِ عندك شك في حب سليم لجنة؟"
رغمًا عنها أجابته نافيه، فاستطرد قائلًا:
"يبقى تديهم فرصة يفهموا حبهم ده ويحاولوا يحافظوا عليه، وصدقيني سليم بيتعذب أكتر منك عشانها."
«فرح» بحنق:
"طب وليه يعذبها ويعذب نفسه؟"
"عشان هو بني آدم يا فرح. بيزعل ويتخنق ويجيب آخره، وعلى فكرة الغلط دي صفة بشرية محدش ملاك فبلاش أسطوانة غلط ومغلطش. اديهم فرصة يعرفوا قيمة بعض، وصدقيني دي أول خطوة على الطريق الصحيح."
صمتت لثوانٍ تفكر في كلماته التي وجدت أنها بالرغم من كل شيء صحيحة، لذا هدأت نظراتها ولانت ملامحها، وحين أوشكت على الحديث حتى بادرها قائلًا بتخابث:
"وبعدين بلاش تحمليه ذنب إنها وحشتك. عشان هي وحشته أكتر منك."
«فرح» بسخرية:
"وعرفت منين؟"
قرب وجهه منها وهو يهمس ضد شفتيها:
"إذا كنتِ أنتِ بتوحشني لما تغيبي عني ثواني أومال هو يعمل إيه؟"
تجاهلت جملته الأخيرة وقد لمعت عينيها بالشغف الذي كان يقطر من بين كلماتها حين قالت بغنج:
"يعني أنا بوحشك لو غبت عنك ثواني؟"
«سالم» بخشونة أذابتها:
"عندك شك في كده؟"
«فرح» بتخابث أضاء عينيها الزيتونية الخلابة:
"يعني محتاجة شوية إثباتات."
اشعلت كلماتها حمية العشق بقلبه الذي تلاحمت بأوردته الرغبة والشغف ليتولد بركان هائل من المشاعر التي خضعت لسطوتها الأكثر من محببة لقلبها، فأخذا يتبادلان العشق يتأرجحان بين سنة الرغبة العاتية التي تجتاح كليهما، ليخترقها اعتراض رقيق من ذلك الكائن الصغير بين أحشائها، لتنتفض «فرح» بين ذراعيه بطريقة أجفلته، فاندفع بقلق:
"إيه مالك؟ أنتِ كويسة؟"
همست بحبور وهي تمسك يده تضعها فوق ذلك البروز البسيط فوق بطنها:
"سالم. البيبي بيتحرك."
كان شعورًا لا يوصف من الفرحة والرهبة التي قلما زارته والآن تتغلغل داخل قلبه احتفاءً بهذا الشعور العظيم الذي لطالما حلم به طوال حياته، فارسمت ضحكة صافية على ملامحه أضاءت قلب تلك التي كانت تراقب معالمه وانفعالات وجهه، فاقتربت منه تحتوي وجهه بين كفوفها وهي تقول بنبرة تقطر عشقًا وعينين غمتا بعبارات الفرح:
"هتكون أجمل بابي في الدنيا."
وكأن ذلك الكائن الصغير يؤازرها على طريقته، فقام بركلة صغيرة أسفل كف «سالم» الذي شعر بانتفاضة قلبه تأثرًا بما حدث، فهمس بتمني تخلل كلماته حين قال:
"إمتى ييجي بقى أنا هتجنن وأشوفه."
"خلاص هانت فاضل تلت شهور وييجي بالسلامة. بس هو ممكن يسمعك على فكرة."
هكذا تحدثت «فرح» بحنو شاركها هو به حين أخذ يمرر يديه بلطف فوق بطنها قبل أن يقول بغموض:
"أبوك بيعمل كل اللي يقدر عليه عشان لما تيجي تلاقي كل حاجة حلوة مستنياك."
★★★★★★★★★
"طمني يا دكتور مالها؟"
هكذا تحدث «ياسين» بقلق بعد أن كادت تسقط بين يديه في الجامعة ليقوم بإمساكها وإراحتها فوق الأريكة قبل أن يستدعي طبيب الجامعة الذي كان يعلم بأنه متزوج ولكن لم يكن يعلم هويتها، فأجابه قائلًا:
"كويسة ضغطها وطى بس وده شيء طبيعي في الحمل."
«ياسين» بصدمة:
"حمل!"
الطبيب باندهاش من مظاهر الصدمة التي تلون ملامحه:
"انت تعرفها؟"
فاق من صدمته مطلقًا ضحكة قوية قبل أن يقول بسعادة بالغة:
"أعرفها؟ دي مراتي. يعني أنا هبقى أب. أنا مش مصدق نفسي. ألف حمد وشكر ليك يا رب."
الطبيب بحبور:
"ألف مبروك يا دكتور ربنا يقومها بالسلامة. بس لازم تتابع مع دكتور مختص عشان يتابع حالتها وحالة الجنين."
«ياسين» بلهفة:
"آه طبعًا. أكيد."
انصرف الطبيب وتركهم لتبدأ «حلا» في استعادة وعيها شيئًا فشيئًا إلى أن استقرت زمرديتها على أحب وجه إلى قلبها، فهمست باسمه بخفوت:
"ياسين."
اقترب يلثم حروف اسمه من بين شفاهها قبل أن يقول بعشق:
"قلب ياسين."
فتحت عينيها تناظر ملامحه التي كانت تضج بسعادة وحبور، لون عينيه الجميلة، فارتسم سؤال ملح في عينيها وقالت بخفوت:
"في إيه؟ أنا اغمي عليا ليه؟"
جذبها ليجعلها تستقر بجانب قلبه قبل أن يقول بسعادة:
"أخيرًا يا حلوة قلبي ربنا كرمنا."
وصل إلى عقلها هاجس جعل قلبها يرتجف داخلها، فرفعت رأسها تطالعه بلهفة وعينيها تتوسلان إليه بأن يطمئنها، فلبى نداءها على الفور وهو يقول بتأثر:
"إنتِ حامل يا حبيبتي."
لوهلة تصنمت بمكانها تحاول أن تستوعب ما قال قبل أن تخرج منها صرخة قوية وهي تهتف بسعادة غامرة:
"أنا حاااامل. مش مصدقة نفسي بجد."
حاول «ياسين» احتوائها وهو يقول بسعادة:
"اهدي يا مجنونة الجامعة كلها عرفت، وبعدين إيه مش مصدقة دي هو أنتِ معاكِ أي حد ولا إيه؟"
لون المكر نظراته وهو يقول بتخابث:
"لو كنت نسيت أفكرك!"
اختتم كلماته بغمزة عابثة جعلت الدماء تندفع لأوردتها، ولكنها دفعته قبل أن تهب واقفة وهي تقول بدلال:
"سينو مش وقت قلة أدبك دي. أنا نفسي في مانجا."
«ياسين» بصدمة:
"مانجا؟ مانجة إيه اللي في شهر اتنين دي؟"
"أيوا مانجا. إيه مسمعتش عن الوحم قبل كده؟ خلي بالك لو مجبتليش مانجا البيبي هيزعل يرضيك؟"
تدلى فكه من فرط الصدمة التي تحولت إلى استنكار تحلى في حروفه حين قال:
"وحم والبيبي هيزعل! هو لحق ده أنتِ لسه عارفة إنك حامل من تلت دقايق."
«حلا» باندفاع:
"أيوا هي التلت دقايق دي شوية؟ وبعدين انت من أولها هتناقشني لا بقى أنا هروح لطنط تهاني اشتكيلها منك."
«ياسين» باندهاش:
"هي حصلت؟ ده أنا باين هشوف معاكِ أيام سودا. ربنا يستر."
اقترب منها قائلًا:
"استنيني في العربية عشر دقايق هعمل حاجة مهمة وبعدين هاخدك عالدكتور عشان نطمن عالبيبي قبل ما نروح عالبيت."
لاح شبح غاضب بنظراته، ففطنت ما ينوي عليه، فاقتربت منه قائلة بهدوء:
"ياسين إحنا لسه دلوقتي سامعين خبر حلو. أنا عارفة إنك متضايق بس بلاش تأذيها عاقبها بس من غير أذية."
«ياسين» بجفاء:
"متقلقيش أنا عارف هعمل إيه كويس."
ماهي إلا دقائق حتى أوصلها للسيارة وتوجه إلى مكتبه بعد أن أرسل استدعاء لتلك الفتاة التي كانت تقف أمامه وبقلب مذعور، وما أن استقر خلف مكتبه حتى اندفعت قائلة بتبرير:
"والله يا دكتور ما كنت أعرف. أنا كنت.."
قاطعها «ياسين» بقسوة:
"كنتِ عايزة تفضحيها مش كده؟"
اخفضت «أروى» رأسها، فتابع بحدة:
"بنت تأذي بنت زيها بالطريقة القذرة دي ليه؟"
لم تجد إجابة واحدة تنفذها من هذا الموقف المُذل، فتابع بقسوة:
"هو أنتِ لابسة الحجاب دا ليه؟ لما أنتِ متعرفيش ربنا لبساه ليه؟ شكل وبس؟ متعرفيش إنه دائن تُدان، وأن اللي هتعمليه فيها هيتردلك في يوم."
كلماته كانت كالنغزات التي أصابت كرامتها وأردتها تحت أقدامه، و خاصةً حين تابع بتقريع:
"عيب أوي لما بنت تتعمد تأذي بنت زيها وتفضحها على الرغم إنها معملتش فيكي حاجة. أنا ممكن أعملك استدعاء لأهلك، وممكن أضمن إنك تفضلي تسقطي طول حياتك، وممكن أتسبب إنك تتفصلي من الجامعة ويضيع مستقبلك."
ارتجف بدنها رعبًا من كلماته وأخذت تنتظر باقي جملته كمجرم ينتظر حكم الإعدام، فتابع «ياسين» بعنفوان زاد من تحقيرها:
"بس أنا مش حقير زيك. ماهو اللي عملتيه ده حقارة ودناءة. مسمعتيش عن حديث سيدنا محمد (صل الله عليه وسلم) من ستر مسلمًا ستر الله يوم القيامة؟"
"أنا آسفة والله. أنا.."
قاطعها «ياسين» بصرامة:
"آسفة دي تقوليها لنفسك اللي غلطي في حقها وحطتيها في الموقف المخزي ده. نفسك دي أمانة عندك بلاش تهينيها وتذليها عشان هتتحاسبي."
صمت لثوانٍ ليردف بنبرة صارمة:
"أنا هكتفي بأنك تعتذري لحلا قدام المدرج كله إنك اقتحمتي خصوصيتها، ومن هنا لحد ما الترم ينتهي مش عايزك تحضريلي ولا محاضرة."
شهقت «أروى» بصدمة وقالت برجاء:
"بس أنا كده هسقط.."
قاطعها بجفاء:
"تقدري تاخدي المحاضرات من زمايلك، وأنا كده رحيم بيكي أوي مع إنك متستاهليش الرحمة. اتفضلي على محاضراتك ومش محتاج أقولك إن حلا الوزان خط أحمر."
★★★★★★★★★
"عاملة إيه دلوقتي؟"
هكذا تحدث «طارق» ل«همت» التي كانت تغادر لتوها غرفة «شيرين» فأجابته بحزن:
"هتكون عاملة إيه يا طارق؟ بناتي ربنا يتولاهم ملهمش غيرها."
اغتظ «طارق» من طريقتها فقال بجفاء:
"ونعم بالله يا عمتي كلنا ملناش غير ربنا. بس لازم تعرفي إن بناتك مش لوحدهم إحنا كلنا حواليهم."
أومأت بصمت، فقام «طارق» باحتوائها بين ذراعيه فقد شعر بمرارتها ومدى ثقل جراحها ونزيف روحها، فأشعرتها فعلته برغبة عاتية في البكاء فطاوعتها رغمًا عنها وأخذت تبكي بحرقة بين ذراعي «طارق» الذي لم يحاول تهدئتها بل تركها تفرغ ما بجوفها من حرائق، فمرت بضع دقائق قبل أن تقول «همت» من بين عبراتها:
"أنا ظلمت نفسي وظلمت بناتي يا طارق. اخترتلهم أسوأ أب في الدنيا. هما دلوقتي بيدفعوا تمن أخطائي."
"يا عمتي كل شيء في الدنيا دي نصيب. مفيش حد عارف بكرة في إيه؟ وأنتِ لما عرفتي حقيقته القذرة سبتيه ودستِ عليه ودي أكتر حاجة وجعته."
رفعت رأسها تناظره بألم جلل:
"ناجي مفيش حاجة بتوجعه يا طارق. ده شيطان."
أومأ «طارق» برأسه عدة مرات قبل أن يقول بهسيس مرعب:
"هنشوف. والله اللي بتهز له سبع سموات لـ هخليه يبكي بدل الدموع دم على كل دمعة نزلت من عينيها."
هالها مظهره وتوعده، فكفكفت عبراتها قبل أن تقول باندهاش:
"هو انت بتحبها أوي كده يا طارق؟"
«طارق» بصدق تبلور في نظراته وكذلك لهجته حين قال:
"أنا عمري ما عرفت يعني إيه حب غير على إيدها. شيرين دي فرصتي من ربنا عشان أبقى إنسان جديد."
صمت لثوانٍ قبل أن يتابع بنبرة ذات مغزى:
"وأنا مش هسيب فرصتي تضيع مني أبداً."
وصلها مغزى حديثه فاومأت بصمت، فتابع هو بنبرة صارمة:
"كتب كتابي على شيرين بكرة زي دلوقتي."
شهقت «همت» بصدمة:
"بتقول إيه يا طارق وهي في الحالة دي؟"
أوشك «طارق» على الحديث فتفاجئت بتلك التي فتحت باب الغرفة وهي تقول بأسى من بين عبرات جامحة:
"أنا موافقة يا ماما."
لم تسعده موافقتها بل على العكس أغضبته، فهي لم توافق عشقًا له بل استجابة لرغبة قوية في الانتقام من «ناجي» الذي تعلم أن زواجها منه سيشعل جنونه.
لم يعاتبها ليس وهي لم تصبح زوجته بعد، ليس وهي في تلك الحالة التي تجعله يريد غرسها بداخله أحضانه ليمتص منها كل ذلك الحزن الذي يكاد يجهز عليها، لذا قال بجفاء:
"جهزي نفسك واستعدي عشان بكرة."
★★★★★★★★★
يقف جامدًا كتمثال قُد من حجر بينما بداخله حرائق مشتعلة ولا يلوح خبر انطفائها بالآفاق.
لم يعد يعلم سبب تلك النيران المندلعة بجوفه هل غضبًا أم ندمًا أم شوقًا؟ يشتاق لا يخجل من الإفصاح عن ذلك، نادم على ما حدث وما سيحدث، وغاضب وبشدة على شوقه الأحمق وندمه المريع ومعرفته بأن كل هذا سيتوقف ما أن يلمح طيفها.
يعلم بمدى فداحة خطأه تجاهها ولكن لا أحد يعلم فداحة ما كان يشعر في تلك اللحظة. أن يموت شخصًا بسببه دون أن يقترف أي إثم سوى إنقاذه. تكالبت عليه أوجاعه وعقدة الذنب التي تلازمه دائمًا ولأول مرة يرى الحياة سوداء بعينيه حد اشتهاءه الموت حتى يتخلص من كل هذا العذاب الذي تضاعف حين سمع تلك الحقائق المروعة من شقيقه، ليتعاظم الألم بداخله فلا يعلم لمَ يتألم؟
هل يتألم لكل هذا الضغط الذي عاشته بمفردها كي تحميه من صدمة كانت ستودي به إلى الهلاك؟ أم يتألم لكونه لم يكن يحميها بالقدر الكافي لتتعرض لكل هذا الأذى وهي بجانبه؟ أم يتألم لكونه لا يستطيع الذهاب الآن لرؤيتها واحتضانها حتى تتحطم ضلوعها تحت وطأة عناقه وإخبارها بأنها أثمن ما يمتلك في هذه الحياة؟
ولكن بالرغم من كل شيء كان هناك عتابًا لها بداخل قلبه، ألم يحتمل قلبها ثورة واحدة منه بينما احتمل هو الكثير والكثير من ثورات وعواصف واضطرابات ألمت بها دون أن يمل أو يشتكي؟
انفلتت دمعة غادرة من عينيه تحكي أي عذاب يقع تحت سطوته، لم يمحها ولم يحاول قمع مثيلاتها التي تدحرجن فوق خديه يرويان سطور الوجع المحفور بقلبه الذي كان يتوسل إليه التراجع ولو قليلًا، فلم يمنع نفسه من التقاط هاتفه وقام بالضغط فوق اسمها ينوي الصراخ وتوبيخها وإعلان عظم رضاه عما فعلت وربما يبكي كالطفل يتوسل إليها العودة، وكأن اضطرابه وثورة قلبه كانت استجابة لدعائها الملِح بأن يروي ظمأ شوقها إليه، فتسابقت دقات قلبها حين شاهدت اسمه يضيء هاتفها، فلوهلة ظنت بأنها تهذي، فالتفتت تنظر إلى «سهام» التي فطنت إلى أن المتصل «سليم» خاصةً وأنها كانت تتحدث عنه، لذا قالت بلهفة:
"ردي عليه."
«جنة» بأنفاس مقطوعة:
"طب أقوله إيه؟"
"خليكِ هادية وشوفي هو هيقول إيه يالا ردي."
أجابت بأنامل مرتعشة ونبرة صوت ترتجف شوقًا وتأثرًا:
"ألو.."
"مشيتي ليه؟"
هكذا استفهم بنبرة معذبة لم تخطئ في فهمها، فأجابته بنبرة حاولت أن تبدو متماسكة:
"ده اللي كان لازم يحصل من زمان."
لا ينكر شوقه الذي كان هو الشعور الطاغي على كل ما يجش بصدره، ولكنه اندفع يستنكر بغضب:
"لا والله! كان مفروض إنك تمشي من زمان؟"
"كان مفروض إني أمشي من الأول لحد ما أتعافى وتتعافى عشان نقدر نعيش."
تجاهل ما يرمي إليه حديثها وصاح بغضب يحوي عتابًا خاصًا ارتج له قلبها:
"كل ده عشان انفعلت عليكي وأنا في أصعب حالاتي؟"
لم تفلح في محو الألم من نبرة صوتها وهي تجيبه:
"لا يا سليم. مشيت عشان كل مرة كنت بقولك انت تعبت معايا أنا عبء عليك كنت بتقولي أوعي تقولي كده تاني المرة دي انت اللي قولتها، وانت عارف انت قولت إيه. كفاية عليك أوي كده. انت تعبت وعايز ترتاح."
كان يود الصراخ في وجهها عن أي راحة وهو يتلظى فوق جمر ملتهب لا يطفئه سوى وجودها؟ وبآخر لحظة تماسك ليسكب كل ما يمتلك من جمود فوق لهجته حين قال:
"وانتِ عايزة حقك صح؟"
جنة بصدمة سرعان ما تحولت إلى ذعر:
"تقصد إيه؟"
أجابها بلهجة أذابت عظامها ذعرًا:
"مسافر. رايح أجيب لك حقك عشان ترتاحي أنتِ كمان."
انتفض قلبها وهبت من مقعدها وهي تقول برجاء:
"سليم."
قاطعها بلهجة جافة:
"خلي بالك من نفسك ومن محمود وبعد كده لما حد يتعرضلك بسوء ليكِ رجالة تقفلك."
لم تكد تجيبه حتى أغلق الهاتف ليسقط قلبها ذعرًا بين قدميها وتناثر الدمع فزعًا من مآقيها وهي تصرخ برعب:
"سليييم."
★★★★★★★★★
"طنط سهام الحقيني."
هكذا تحدثت «جنة» من بين انهيارها، فهبت «سهام» تتلقفها بين يديها وهي تقول بفزع:
"في إيه يا جنة؟"
تمالكت نفسها بصعوبة قبل أن تقص عليها ما حدث بينها وبين «سليم» ثم أنهت حديثها قائلة بألم:
"رنيت على فرح مردتش ورنيت على مروان برضه مردش أنا هموت من القلق."
تدخلت «نجمة» قائلة بتفكير:
"ما يمكن بيصيع عليكِ يعني؟"
«جنة» بصدمة:
"بتقولي إيه!"
"أيوا. ماهو حديثه ده بيخلينا نفكر إنه رايح يفتح عكة مثلًا! إني شاكة إنه بيجول أكده عشان يخوفك فترجعيله."
تدخلت «سهام» تنفي حديثها:
"لا مش صح. سليم مش كده وبدل قال مسافر يبقى فعلًا في حاجة. استنوني هنا."
هرولت «سهام» إلى غرفة «صفوت» لتقتحمها وهي تقول باندفاع:
"انتوا ناويين على إيه مع ناجي؟"
انتفضت عروقه غضبًا حين سمعها تأتي على ذكر ذلك الرجل، فأجابها بهسيس مرعب:
"ميخصكيش."
شعرت بمدى غضبه فرققت لهجتها قليلًا وقالت بخفوت:
"ناجي ميستاهلش توسخوا إيديكوا بيه."
إصرارها على ذكر اسم ذلك الرجل أثار استفزازه، فهتف بتحذير:
"قولتلك ملكيش فيه؟"
مظهره يوحي بأنها على الطريق الصحيح، لذا تابعت بإصرار:
"سليم كلم جنة وقالها إنه مسافر وهي منهارة وأنا قولت أكيد ده له علاقة بناجي."
لم تستطع إكمال جملتها فقد اقترب يمسك بكفها يقربها منه حتى تلاحمت أنفاسهم وهو يزمجر بخشونة افزعتها:
"إنتِ قصدها بقى. عمالة تكرري اسمه قدامي. عايزة إيه؟ بتحومي حوالين إيه؟ عايزة تختبري غيرتي ولا عايزة إيه؟"
قال جملته الأخيرة بصراخ افزعها، فتمسكت بقميصه تحتمي به من غضبه وهي تنتفض خوفًا:
"صفوت."
كان لفعلتها وقع خاص على قلبه كما همسها، وكأنها تستنجد به من بطشه، وقربها الذي تنبه له، فغامت عينيه برغبة كان يحاول دفنها بقلبه قدر الإمكان، ولكن بعد ما حدث هيهات أن يستطيع التملص منها، فقام بجذب خصرها حتى أصبحت جزء منه، وبأنامل قاسية رفع رأسها كي يقر عينيه برؤية عينيها، ثم زمجر بخشونة:
"عايزة إيه يا سهام؟"
تنحى كل شيء أمام سطوة رجل امتلك قلبها سابقًا واستحوذ على جميع حواسها الآن، لذا همست بخفوت:
"عايزاك، وبحبك يا صفوت."
كان تصريحها مفاجئًا للحد الذي غيب عقله، فهمس بنبرة عاشقة:
"وأنا بعشقك يا سهام."
أطلق العنان لوحوش شوقه الضارية أن تفترسها دون رحمة، فقد كان لقاءً طال انتظاره لسنوات، يُمني نفسه بأن اجتماعهم سيأتي قريبًا، والآن جاءت تلك اللحظة التي تحمل لأجلها شتى أنواع العذاب واللوعة التي أحرقت قلبه، والآن كان كالناسك الذي ظفر بجنته فصار يتنعم بها بنهم، بينما لم يكن حالها أفضل منه، فقد أغدقت عليه من حنانها وعشقها ما جعله يهيم بها كالمجنون يمتلك كل أنثى بها يوشمها بعشقه ويرتشف عشقها بجوع قاتل لا يعرف الشبع، وهي غارقة بين ذراعيه تختبر أروع شعور يمكن لامرأة أن تختبره، وهو أن يهيم بها رجل عظيم مثله وينصبها ملكة على عرش قلبه.
★★★★★★★★*
كان الألم يتشعب بصدره رغمًا عن إنكاره له، فضاق به جسده الذي أخذ ينتفض جراء الحمى التي أصابته، فارتده طريح الفراش لمدة يومين ذاق الويلات من هذا المتعجرف الذي كان يعامله بجفاء:
"يالا قوم اشرب اللبن طولت في المرض أوي وأنا مش فاضيلك."
أجابه من بين أنفاسه المقطوعة بسبب السعال:
"مش قادر. تعبان أوي. انت مش شايف؟"
«جرير» بنفاذ صبر:
"شايف إيه؟ شوية برد يرقدوك كده؟ اللي يشوفك كده يقول إنك هتموت."
«حازم» بغضب لم يستطع التعبير عنه:
"هموت لو مجبتليش دكتور ودوا وأكل زي الناس."
«جرير» باستنكار:
"لا والله دكتور وأكل ودوا مش عايز أغسلك رجلك بالمرة؟ هو انت فاكرني الست والدتك؟"
تسلل شعور عارم بالحزن إلى قلبه حين أتى على ذكر والدته، فقد اشتاقها كثيرًا، اشتاق لحنانها ولدفء ذراعيها، و خاصةً حين يمرض كتلك الحالة، فقد كانت تسهر على راحته، يستيقظ في جوف الليل يجدها غافية إلى جواره تتفحص حراراته، وأشقائه «حلا» التي كانت تبكي ما إذا أصابه زكام طفيف وتتعلق به حتى تصاب هي الأخرى، و«سالم» الذي كان يطمئن عليه دائمًا وعلى أبسط شيء يخصه، و«سليم» الذي بالرغم من قسوته الظاهرة لا يزال يتذكر ذلك اليوم حين أصابه خلع في الكتف حين كان يلعب الكرة، فقام بحمله والهرولة به إلى المشفى وهو ينتفض خوفًا عليه، والآن أين ذهب كل هذا الدفء والحب؟ يرتجف بردًا وألمًا ومرضًا ولا يجد من يُشفق عليه.
"انت نمت ولا إيه؟ اصحى خد دواك ومن بكرة بإذن الله هتشوف شغلك. لا تكون مصدق إنك تعبان؟ الرجالة مبتنممش زيك كده."
★★★★★★★★*
جاء اليوم المنشود لأي فتاة أن تُكتب على اسم من تُحب، وكعادتها لا يكون أي شيء معها يبعث على الفرح بل على العكس تتبدل دائمًا فرضيات الأمور وتصبح النقيض، فها هي الآن بدلاً من أن تكون بأقصى درجات السعادة يكاد الحزن أن يقتلها.
"خلاص جهزتي؟"
كان هذا صوت «هِمت» التي دلفت إلى داخل غرفتها تستحثها على النزول للأسفل، فنصبت عودها وهي تقول بجمود:
"جهزت."
أمسكت «همت» بذراعها وهي تقول بحنو:
"كل حاجة هتبقى خير بإذن الله. خلي عندك ثقة في ربنا."
«شيرين» بأسى:
"أنا واثقة في ربنا يا ماما. بس إحنا بنات ناجي اسمه لوحده كفيل يمنع أي خير ممكن يجيلنا. يالا عشان ننزل."
بضع دقائق كانت تصل إلى الغرفة المنشودة لتجد الجمع العائلي المتوقع و بينهم شيخ كبير على يمينه «سالم» و بجانبه «مروان» و على يساره «طارق» و بجانبه «سليم» الذي نهض من مقعده ليجلسها، فتوجهت إلى مقعده بصمت، وقبل أن يشرع الشيخ تساءلت «شيرين»:
"هي سما منزلتش ليه؟"
هب «مروان» من مكانه يُخفي غضبًا كبيرًا بداخله من تجنبها الحديث معه منذ تلك الحادثة ليقول بصرامة:
"أنا هطلع أجيبها."
تجاهل اعتراضًا كان على وشك أن يظهر على «همت» وتوجه للأعلى ينوي أن يُخرجها من تلك القوقعة التي تحتمي بها، فقام بطرق باب الغرفة ولكن لم يجد ردًا، فكرر الأمر عدة مرات ولكن دون رد، لذا حسم أمره وقام بفتح باب الغرفة، وسرعان ما تجمدت الدماء في أوردته حين شاهد...
يتبع.....
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل العشرون 20 - بقلم نورهان العشري
لم أكُن يومًا شخصًا مُتقلبًا لا يعرف ماذا يُريد. لطالما كانت خطواتي دائمًا ثابتة و لكنه الخوف! مُنذ أن زارني هذا الشعور حتى استوطن جميع خلايا جسدي فصِرت أتخبط بكل شئ حولي لا أدري اى طريق يجب عليا أن اسلُك. أرهب الوحدة بشدة و اخاف الفقد كثيرًا؛ أخشى أن أرسو بسفينتي على شاطئ السراب فـ تبتلعني دوامات الغدر مرة أخرى فتكون النجاة أمرًا مستحيل . كل ما أرجوه أن أجِد وِجهة أمنه تُعيد لي ثباتي ، تحتضن ثقوب روحي ، وتُرمم ما فعلته عواصف الهوى بـ قلبى.
و كأن أحدهم زعزع قلبه من مسكنه حين شاهدها تحتضن جسدها كالأطفال تتمدد على مخدعها الذي صار يهتز تزامنًا مع اهتزازها جراء طوفان العبرات الغارقة به.
قاده قلبه جرًا إليها ليهمس بحرقه:
_ سما ؟
لم ينتظر أن تُلبي ندائه إنما انحنى يحتضن ظهرها بقوة منبعها عشق هائل لم يُخلق لسواها ولم تبغي سواه ولم يكُن يربطها بتلك الحياة سواه. لذا حين استشعرت دفء وجوده تعالت شهقاتها أكثر لتُخبره أي ألم يجتاحها الآن.
فشدد من احتوائها وهو يهمس بنبرة مُلتاعه:
_ دموعك دي مية نار على قلبي. والله ما يستاهل دمعة واحدة منهم.
انغمست كلماته في عمق جرحها المُستعِر فانتزعت نفسها من بين أحضانه لتقول بحرقه تمتد من القلب الى الحلق:
_ انا مش بعيط عشانه. انا بعيط عشانا احنا. عشاني و عشان أمي و أختي، بعيط عشان ذنوبه اللي احنا بنكفر عنها من غير اي ذنب.
كلماتها كـ مطارق قويه انهالت فوق قلبه دون رحمة لينتفض جزعًا وهو يقترب منها قائلًا باستفهام حاد:
_ حصل ايه؟ حد هنا في البيت ضايقك ؟
هبت واقفه و أحنت رأسها هوانًا وهي تهمس بنبرة موقدة بلهيب لا يخمد أبدًا:
_ اطمن الكل بيشفق علينا هنا..
ضاق ذرعًا بوجعها الذي يُفتت خلايا القلب و هيئتها المُبعثرة الذي زلزلت كيانه فاندفع يقف أمامها و هو يضيح بانفعال:
_ اومال في ايه ؟ عاملة في نفسك كدا ليه ؟
صرخت بأسى ضاق به الفؤاد:
_ في أننا مش مكتوبلنا نفرح. اختي بيتكتب كتابها في عز وجعها على صاحبة عمرها و متقدرش تعترض عشان دا من ضمن خطتكوا انكوا تخلصوا على ناجي الوزان، و من كام شهر اتحطيت في نفس موقفها و اتكتب كتابنا و كان بردو من ضمن خطتكوا عشان تخلصوا على ناجي الوزان. هنفرح امتى زي البنات؟ هنتعامل امتى على أننا بشر مش ولاد ناجي الوزان….
بترت كلماتها المسمومة تلك القبضة الحديدية التي نالت من خصرها لتعتقلها بين جنبات جسده القوي فأجفلتها أنفاسه الحارة التي كانت قريبة من وجهها حد أن تحترق بنيران كان ينفثها من قلبه و تجلى اشتعالها بنظراته التي كانت قاسية تُشبه نبرته حين قال:
_ بقى انا جوازي منك كان من ضمن خطتنا أننا نقضي على ناجي الوزان!
تساقط العتب من نظراته و كلماته حين أضاف:
_ طب ولو كان كلامك صح ليه قلبي بيدق اوي كدا وأنتِ في حضني؟
قال كلمته الأخيرة وهو يمسك كفها و يضعه فوق صدره الخافق بعنف تأثرا بها و غضبًا منها ففاجأته حين تناثر من بين حروفها وهي تقول:
_ عارفه. بس كان نفسي اني غاليه زيي زي أي بنت أعيش اللحظة دي مع اللي بحبه زيي زي أي بنت. مش بالطريقة اللي حصل بيها الموضوع و اللي بتتكرر دلوقتي مع شيرين.
ازداد حصاره لها و تشابكت الأعين بنظرات عاشقة تُنافي لهجته حين قال:
_ أولًا شيرين بتتجوز اللي قلبها اختاره مش فرض ولا خطة زي ما بتقولي. ثانيًا مسألتيش نفسك لا أنا ولا طارق ولا سالم ولا سليم خلصنا على ناجي ليه؟ كل الفُرص اللي جتلنا دي و مخلصناش عليه ليه و ارتاحنا من شره؟
تبلور استفهامًا صامتًا في عينيها فجاءتها إجابته كزخات المطر لتروي تصدعات روحًا بات الشقاق و الألم سُكانها:
_ عشان انتوا غاليين اوي، و مكانتكوا كبيرة عندنا كلنا. حفاظًا على مشاعركوا، و عشان مفيش واحدة فيكوا تبقى نايمة في حضن اللي قتل ابوها.
برقت عينيها لثوان قبل أن يُتابع بنبرة رخيمة:
_ طارق كان واقف قدامه بينهم خطوة واحدة و في أيده سلاح مليان كان ممكن يفجر دماغه بس مقدرش! طارق اللي عمره لا همه حد ولا عمل حساب لحد و لا فكر في حد وقف و مقدرش يخلص عليه عشان شيرين.
لم تدري هل عليها أن تفرح أم تحزن تزاحم الشعور بداخلها و تلعثمت الحروف على شفتيها حين قالت:
_ انتوا. طارق. بيحبها. يعني. انا. مقصدش.
قاطع تلعثمها قبضته التي اشتدت على خصرها كما قست عينيه حين قال بلهجة مُحذرة:
_ أنتِ حسابك تقل معايا اوي.
ارتج قلبها لا تعرف أن كان ذعرًا ام شيء آخر فهمست بخفوت:
_ مروان..
تحولت جمراته المشتعلة الى آخرى داكنة و اقتنص باقي حروف اسمه من فوق شفتيها بنهم قاتل فقد كان يبتعد و يبتعد كي يُعطيها الفرصة لتقبُل ما يحدُث حولها ولكن حان الوقت لبتر تلك الهواجس التي تؤرق جميلته و تُنغص صفو سماءها، ولأول مرة يتجرأ على برائتها أكثر فقد أطلق العنان لجيوش شوقه لتقتحم حصونها مع مراعاة عُذريتها بكل شيء فقد كانت بين يديه طفلة خجولة عاشقه لا تدري ما عليها فعله فتركت له العنان ليقودها كيفما يشاء فطال الأمر لدقائق مسروقة من الزمن ليعود بها إلى أرض الواقع لاهثًا من تلك الرحلة الرائعة التي حملته إلى سماء العشق معها فأسند رأسه فوق خاصتها وهو يقول بأنفاس مقطوعة:
_ لو كان الوقت يسمح و ست الحسن ترضى مكنتش هسيبك أبدًا.
كانت غائبة عن الواقع تأتيها كلماته كلحن رائع يدغدغ حواسها المُلتهبة بـ صبوة العشق الضاري الذي اجتاحها جراء هجومه الشرس فأخذت تحاول استرداد أنفاسها لتتجمد الدماء بـ أوردتها حين سمعت صوت فرح الآتي من الخارج فرفعت رأسها تناظره في استغاثة صامته فتلونت ملامحه بابتسامة عاشقة قبل أن يقول بمُزاح:
_ والله العظيم انا مش شاقطك. أنتِ مراتي اوريكِ القسيمة. اترزعي هنا على ما أجيلك.
التفت مُلبيًا نداء فرح التي ما ان أوشكت على طرق الباب الذي كان مواربًا فأطل عليها مروان الذي قال بلهفة:
_ بقولك ايه؟ اعملي حاجه حلوة في دنيتك و اقعدي مع سما عشر دقايق على ما ارجعلك.
فرح باندهاش:
_ هو في ايه؟
مروان بنفاذ صبر:
_ ايه اللي مش مفهوم في كلامك. بقولك اترزعي مع البت هنزل اكلفت الجوازة اللي تحت دي واطلع اخطفها.
فرح بصدمة:
_ تخطفها؟
مروان بتهكم:
_ اه هخطفها ايه الباشا عمره ما خطفك قبل كدا؟ اه صحيح هي دي أشكال تتخطف؟
فرح بتحذير:
_ اتلم احسن مش هعبرك في الجزمة.
مروان بتقريع:
_ والله عيب دانا مداينك في ييجي خمسين خدمة. اومال لو مش لسه مسلملك سلومة الأقرع على طبق من دهب كنتِ عملتي ايه؟
فرح بحنق:
_ متفكرنيش عشان مش طايقه ابص في وشه.
_ ولا هو كمان على فكرة، الصراحة انتوا الاتنين اشكالكوا تسد النفس. يالا هطير انا.
لم يُتيح لها الفرصة للرد عليه بينما أخذ يأكل الدرجات للأسفل حتى توجه إلى المكان المنشود فوجد عيني سالم التي كانت تبرق غضبًا فأعطاه غمزة خفية ليتحدث بصوت غليظ:
_ يالا يا شيخنا أبدأ.
حين أوشكت شيرين على الاعتراض اقترب مروان من أذنها قائلًا:
_ اعملي خير في دنيتك تضمني اخرتك. سيبيلي البت استفرد بيها النهاردة فرصة و أمك مشغوله معاكِ. الهي يجعل طارق ابن دولت خاتم في صباعك يا شيخة.
كلماته جعلت ضحكة رائعة تتسرب إلى شفتيها وهي تومأ برأسها دون حديث فيكفيها أن تكون شقيقتها سعيدة بينما كانت تغفل عن ذلك الذي ارتفع أحد حاجبيه حين رأى ضحكتها لذلك الوغد بينما لم تُكلف نفسها عناء الإلتفات له فأقسم أن يُعيد تهذيبها من جديد.
_ بارك لكما و بارك عليكمَ و جمع بينكمَ في خير.
انهى الشيخ كلماته و دقت طبول نبضاتها الثائرة فرحًا لكونها أصبحت تنتمي إليه لم يكُن الأمر بالشكل المُرضي لها ولكنها برغم من ذلك لم تستطِع منع إرتجافه جسدها الذي استشعر نظراته حين كانت تُعطيه ظهرها وهي تتلقى التهنئات من سُكان القصر و آخرهم فرح التي كانت وصلت لتوها بعد أن هرول مروان إلى الاعلى حلما انتهوا:
_ طارق بيحبك. انسي اللي فات و متفكريش فيه كإنه محصلش.
هكذا همست فرح بجوار أذنها فأطلقت تنهيدة حارة من جوف الحريق المُندلِع بصدرها قبل أن تقول بلوعة:
_ انا و نصيبي يا فرح. مش هيحصل اصعب من اللي حصل.
قطمت باقي حروفها حين شعرت كفه الخشن يتعلق خصرها وهو يقول بفظاظة:
_ هاخد شيرين و نخرج نشم شويه هوا.
كانت عينيه موجهه إلى مكان مِعين فاومأ سالم برأسه بينما عينيه لم تخلو من نظرات تحذيره وصل مغزاها إلى عقل طارق الذي أرسل اليه نظرة مُتفهمة لا تعلم لما أصابتها بالذُعر فاوشكت على الهرب قائلة:
_ بس انا تعبا….
قست أنامله على خصرها في مُحاولة لردعها عن الحديث وهو يقول بفظاظة قبل أن يسحبها خلفه:
_ تصبحوا على خير.
أطاعته مُضطرة ولو ترك لها العنان لهربت منه لا تعلم ما السبب تحديدًا ولكنها تخشى نظراته و تخشى ما هو قادم و ترتعب من مصير مجهول قد يبتلعها بين دوامته كما حدث سابقًا.
_ لازالت تحبس أنفاسها للحد الذي جعل ملامحها شاحبه و عينيها زائغة تناظره حين التف يجلس بجوارها في السيارة فأجفلها صوت الباب الذي أغلقه بحدة تشبه حدة أنفاسه التي جعلت الدماء تتأرجح في مقلتيها خوفًا وهي تراه ينطلق بسيارته لوجهه غير معلومة فلجأت للصمت ولكن داخلها كان هناك الكثير مما يؤرقها ولكنها هربت للجهة الأخرى بعينيها قمر بعض الوقت كان ثقيلاً وهي تحاول منع نفسها من الإلتفات إليه لرؤيه وجهه و معرفة ماذا يدور بداخله إلى أن توقفت السيارة في مكان مجهول إليها هادئ خالي أمام أحد الشواطيء التي لم تتعرف إليها.
فتسرب الخوف إلى داخلها أكثر بل و تعاظم حين شعرت به يقترب منها فأغلقت جفونها كرد فعل سريع منها و سرعان ما توقف نبضها لثوان حين استشعرت ملمس شفتيه الدافيء فوق وجنتها وصوته الأجش حين قال بجانب أذنها:
_ تقدري تاخدي نفسك دلوقتي. عشان بدل ما نروح نحتفل بجوازنا نروح المستشفى.
و كأن حواسها انصاعت له فقد خرجت أنفاسها لاهثة لتشعرها بالحياة مرة أخرى فابتلعت ريقها و قالت بنبرة مُتحشرجة:
_ بس انا مش عايزة اروح في أي مكان. انا تعبانه و عايزة ارتاح..
تجاهل جملتها الأولى و قال بلهجة عابثة:
_ حلو اوي. سيبي موضوع الراحة دا عليا.
التفتت تناظره بلهفة وقد اضرمت كلماته النيران بحقول الألغام التي يعج بها قلبها فاصطدمت بأروع ابتسامة رأتها بحياتها و صوتًا عذب يشدو عاشقًا حتى أطرب مسامعها:
_ مبروك يا روح قلبي. بقيتي حرم طارق الوزان.
وقع الكلمة كان صاعقًا على جميع حواسها حد تدافع العبرات من مآقيها و تلعثم الحروف فوق شفاهها حين قالت:
_ طارق..
دنى منها للحد الذي جعله يستشعر نبضات قلبها الثائرة بعنف كحال نبضاته الجنونية فجاءت نبرته خافته ذو وقع آخاذ على جميع حواسها:
_ عيون طارق.
جاءت همساتها مُعذبة كحال قلبها حين همست قائلة:
_ انا قلبي واجعني أوي و حاسة ان روحي بتروح.
احتوى خصرها بساعديه القويين يقربها منه حد تلاحم أنفاسهم قبل أن يقول بلهجة عاشقة:
_ سلامة قلبك يا قلبي.
ارتشف أنفاسها كنبيذ مُسكِر لتنتشي رئتيه بقربها فأخذ ينثر عشقه فوق جبهتها و خصلاتها الثائرة قبل أن يُضيف بهسيس خشن:
_ انا هنا. خلاص مبقاش في ألم ولا خوف ولا وجع. انسي كل اللي فات. امحيه، و سيبي روحك ليا وانا كفيل امحي منها كل اللي عدا كله.
كلماته العاشقة مسدت جراحها المُلتهبة فبدأ الخدري يسري بـ أوردتها ولكن لازال الخوف مُستيقظًا فهمست بنبرة يشوبها التوسل:
_ هتمحي ايه ولا ايه؟ أصلًا مفيش حاجه حلوة في حياتي من يوم ما وعيت على الدنيا.
لازال يحاول تسكين جراحها و سكب زخات الهوى فوق تصدعات روحها التي تهلهلت من فرط الأسى فعمس بنبرة مُتحشرجة:
_ من النهاردة بقى في كل حاجه حلوة. مش هطلب منك تنسي. هقولك سيبيلي نفسك وانا هنسيكِ اسمك مش بس ذكرياتك الوحشة.
كلماته كانت تُقصيها عن تلك البقعة المُلتهبة في قلبها لتجذبها إلى أخرى تضج شغفًا و هيام كان ينبعث من عينيه التي تحاوطها كما تفعل يديه التي تُعانق خصرها بقوة مُحببة كثيرًا فلم يكُن لها مفر بالهرب كيف؟ و كل الطرُق لا تؤدي إلا لعينيه التي لاح بهم العبث و كذلك نبرته حين قال هامسًا:
_ طب ايه بقى مش هتقوليلي مبروك؟
تدحرجت حبات الفراولة الطازجة فوق وجنتيها خجلًا من كلماته العابثة والتي أثارت زوبعة من المشاعر بداخل قلبها فحاولت الهرب قائلة بتلعثم:
_ ما هو. ما هو. مب. مبروك….
قاطع كلماته المُبعثرة قائلًا بشغف يقطر من عينيه و كلماته:
_ نقطة و من أول السطر مبروك تتقال كدا..
اكتسح ضفتي التوت خاصتها بقوة توحي بمدى عشقه و هيامه بها تلك التي طغى هواها على كل شيء فبات كونه ظلامًا دونها و باتت فلكه الذي تدور حوله جميع الكواكب و النجوم فلم يكُن هُناك مفر أمامه سوى انتزاعها من بين براثن الحياة كما اعتاد دائمًا ولكن معها كان كل شيء مُختلف يشعر بروحه تمتزج مع خاصتها تنصهر جميع حواسه بين طيات عشقها يرتشف ريقها بتمزُز و كأنه ترياق لحياة ليس لها معنى بدونها كان مُتطلبًا بطريقة أجفلتها في البداية ولكن بعد ذلك انخرطت معه في دوامة من المشاعر التي تُشبه الجنة في روعتها فلم تشعُر حين جذبها لتستلقي بين جنبات صدره الخافق باسمها فقد كانت تتنعم بين وسائد حريرية تحملها فوق سُحب العشق الورديه على الرغم من قسوته الا أن الأمر كان رائعًا فقد كان قوياً بقدر ما يتطلب الأمر و اكثر بقليل و كانت هي مُحبة تتقبل قسوته بقلب لهيف والكل اللهفة كانت بوابته نحو الجنون لذا توقف قبل أن يتمادى إلى نقطة اللا رجوع وهو مالا يُريده الآن.
لأول مرة مُنذ زمن ترسو بسفينتها فوق برًا آمن غير عابئة بعواصف و أعاصير القدر فقد نالت راحتها بعد عناء تلك الرحلة المُضنية التي كانت نهايتها أروع مما تخيلت يومًا و من فرط سعادتها لم تستطِع أن تُزحزح عينيها من عليه لا تعرف ماذا سيحدُث غدًا ولكنها كانت تُريد حفر تلك اللحظة في ذاكرتها للأبد ولكنها لم تكن تعلم بأنه يُشاطرها رغبتها بل و يتمنى أن يدوم قربها حتى تفارقه الروح التي لازالت ملكًا لها و كأنه عاد بالزمن إلى الوراء لاثنى و عشرون عامًا و أول لقاء جمعه بها.
_ مكنتش اعرف ان شكلي حلو اوي كدا؟
هكذا تحدث صفوت مازحًا وانامله تداعب خصلات شعرها المشعثة إثر جنون أفعاله منذ قليل فأجابته بنبرة عاشقة لامرأة تعرف جيدًا كيفية الوصول إلى قلب تهواه بكُل جوارحها:
_ يبقى دي غلطتي انك معرفتكش انك أجمل راجل في الدنيا.
نجحت كلماتها في إصابة منتصف الهدف الذي جعل قلبه يرتج أسفل أناملها الرقيقة فقام بتقريبها منه في حركة مُباغته لتصطدم أنفاسهم الموقدة بلهيب العشق الذي تساقط من بين حروفه حين قال:
_ كنت قربت انسى طعم الحب بين ايديكِ. بس من النهاردة خلاص مش هفتكر غيره.
افتر ثغرها عن ابتسامة عاشقة و همست بنبرة تُشبهها:
_ انت حبيبي و روح قلبي و من هنا ورايح مش هتشوف مني غير الحب و بس. لكن توعدني انك تخلي بالك من نفسك عشاني و عشان نجمة.
كان هناك استفهام يلوح في سماء عينيها و حاولت التعبير عنه بجملتها الأخيرة فاعتدل في نومته ليصبح نصف جالسًا قبل أن يقول بلهجة عابثة:
_ لسه بردو زي ما أنتِ متغيرايش. عايزة تعرفي ايه يا سهام؟
سهام بغنج راج له كثيرًا:
_ عايزة اطمن.
_ اطمني. محدش فينا هيوسخ أيده.
سهام باستفهام:
_ طب و هتتخلصوا منه ازاي؟
_ الموضوع كبر اوي بعد ظهور حازم و سالم حلف لازم ياخد تاره عشان كدا هنلاعبه بنفس لعبته خصوصًا انه ظهرله نقطة ضعف مكنتش في الحسبان.
سهام بفضول:
_ اللي هي ايه؟
صفوت بتهكم:
_ ناجي عنده بنت مخبيها عن الناس كلها و عايشة في برلين.
_ ست نجمة. يا ست نجمة..
هكذا تحدثت أحد الخادمات بصوت منخفض لتلتفت نجمة إليها وهي تقول باستفهام:
_ عايزة ايه يا بهية؟
_ تعالي اوريكِ حاچة في المُطبخ.
طاوعتها نجمة و توجهت الى داخل المطبخ فقالت بهية بتلعثم:
_ بجولك ايه شوفي أكده في ايه في الچنينة؟
خيم الاندهاش على ملامحها فتوجهت إلى الخارج لتتفاجئ بتلك الباقة من الزهور الحمراء أمامها فشهقت بصدمة لتتنحى الباقة جانبًا و يظهر عمار بتلك البسمة الرائعة التي أضاءت عينيه الزيتونية الخلابة و صوته الأجش وهو يقول:
_ چبت الورد للورد يا ترى الورد هيحن علي ولا هيهمل جلبي في لوعته و عذابه.
لونت ابتسامة عاشقة محياها كما توهج خديها بحمرة قانية سلبت أنظاره العاشقة و خاصةً حين قالت بنبرة خافتة:
_ بعد الشر عنك من العذاب و اللوعة. اني مجدرش اهملك واصل. جلبي ميطاوعنيش.
كان الحنان الذي يقطُر من عينيها يغويه بأن راحته المنشودة تكمُن في قُربها لذلك كان يتحمل أفعال صفوت الغاشمة بحقه و طريقته في أبعاده عنها وكان يُمني نفسه بأنها غاليته التي سيبذل الغالي و النفيس حتى يصل إليها.
_ اتوحشتك جوي يا نچمة جلبي.
اخفضت رأسها خجلًا فجاء صوته مُحذرًا:
_ وه. بتبعدي عيونك عني ليه؟ دا انا جاطع المسافة دي كلاتها علشان املي عيني من چمالها.
كلماته كانت رائعة للحد الذي جعلها تهمس دون وعي:
_ انت بتچيب الحديت الحلو ده منين؟
عمار بمزاح:
_ الصراحة معرِفش. اني معاكِ مهفكرش سايب جلبي يتكلم و ياخدني لحد عِندِك و مجدرش حتى اقاومه.
هناك شيء خلف نظراته و كلماته التي توحي بمدى احتياجه لها فـ همست بخفوت:
_ هو أنت عمرك ما حبيت جبل اكده؟
تبسم بخفة قبل أن يُجيبها بلهجة تشوبها المرارة:
_ اني متربتش عالحب ولا عمري دوجته من وانا عيل صغير. عشان أكده لما چربته معاكِ مكنتش فاهمه، ولا كنت عارف اللي جواتي دا يُبجى ايه؟
استفهمت بخجل:
_ و ايه اللي كان چواتك؟
أطلق العنان لقلبه يقوده إلى أكثر الأماكن أمنًا نُصب عينيها:
_ من اول ما عيني شافتك و لچيت جلبي هيتنطط چواي كيف العيل لصغير. عيونك الحلوة خطفتني و احتلت أحلامي صاحي و نايم، كنت ابجى ماشي بجول يا أرض اتهدي ما عليكِ كدي و أول ما أشوفك كياني يتشجلب.
صمت لثوان قبل أن يُضيف بلهجة يملؤها الشجن:
_ چوه كل إنسان مهما أن كان چوي نجط ضعف مبتظهرش غير مع اجرب الناس ليه و أني جبل ما اعرفك مكنش ليا جريب. أنتِ الوحيدة اللي حسيت اني هرمي ضعفي بين ايديكِ واني مش خايف أو جلجان.
هتف قلبه بلوعة العشق:
_ عمري ما حسيت اني ناجصني حاچة غير لما شوفتك. اني طول عمري عِندي كل حاچة في الدنيا الا حضن يحن عليا و يطبطب على وچعي. الحنان اللي في عنيكِ كان بيغويني و يچرچرني لحد عِنديكِ و يجولي اني حياتي مش هتبجى حياة غير لما تنوريها.
تقاذفتها أمواج العشق و نثر الخجل حبات الفراولة الطازجة فوق وجنتيها و هتفت بهيام:
_ ايه دا كله؟ دا انت شاعر و اني معرِفش.
_ كلات دا ميچيش نجطة في بحر اللي چواتي ليكِ.
توقف لثوان ثم تابع بسخط:
_ هو بس ابوكي لو ربنا يهديه كُنت اعرِف اعبر عن كل اللي چواتي بدل ما اني كيف الحرامية أكده عشان اشوفك. حتى يوم العشوة المشچومة لما عِرف اني چاي جفل البوابة و جال للحارِس يجولي انكوا نمتوا بدري.
لم تستطِع قمع ضحكاتها على ما حدث ذلك اليوم فهوى قلبه صريعّا في عشق تلك الضحكات التي أضاءت ظلامه الدامس و هتف بلهجة موقدة بلهيب الصبوة:
_ يابوووي. هو في أكده؟
خمدت ثورة ضحكاتها و توارت خلف جدار الخجل خامسة بتلعثم:
_ ت. تجصد. ايه؟
دكنت نظراته من فرط ما تحويه من مشاعر جعلت نبرته متحشرجه حين قال:
_ أمتى بجى هتصبح بالضحكة الحلوة دي؟ اني مش هقدر اصبر اكتر من أكده. يمين بالله لا رايح لصفوت الوزان دلوق و محدد معاه معاد الفرح حتى لو هيطير فيها رجاب..
انهى كلماته و توجه إلى البوابة الرئيسية للمزرعة و قام بدق الباب بطريقة افزعت الحارس الذي هرول لرؤيه ذلك الطارق العنيف فتفاجيء بعمار الذي باغته قائلًا بلهجة توحي بأن هناك امرًا جلل:
_ افتح الزفت دا لازمن اجابل صفوت بيه موضوع حياة أو موت.
تلبك الخفير لثوان قبل أن يفتح البوابة ليدخل عمار رأسًا إلى الداخل بينما هرولت نجمة التي تذكرت وجود جنة في الداخل و ما كادت أن تُخبرها بمجيء عمار حتى سمعت الطرق على الباب الداخلي للبيت فجذبتها من يديها وهي تقول بعُجالة:
_ جنة. همي معاي نطلع على فوج بسرعة.
جنة بذعر:
_ في ايه يا نجمة؟ حصل ايه؟
نجمة بأنفاس مقطوعة:
_ عمار واد عمك عالباب. مهينفعش يشوفك اهنه دلوق.
_ هيفتح سين و چيم و دا غتيت لازمن هيعرف في ايه؟
فزعت جنة و هرولت معها إلى الاعلى ليتقابلا بصفوت الذي ارتدى ثيابه على عجل حين سمع تلك الطرقات على باب القصر ليقول باستفهام غاضب:
_ مين الحمار اللي بيخبط كدا؟
تلعثمت نجمة وهي تقول بعُجالة:
_ يا مُري. ده باينه عمار. خطيبي. كنك نسيت اني مخطوبة ولا اي؟ همي يا چنة..
ألقت كلماتها الساخطة وهي تهرول مع جنة للداخل فخرجت سهام خلفه وهي ترتدي مئزرها لتقول بوجل:
_ في ايه يا صفوت؟
صفوت بحنق:
_ البيه خطيب الهانم بنتك اللي معندوش نظر جاي يزورنا في نصاص الليالي.
قال جملته و توجه إلى الغرفة ليُكمل ارتداء ثيابه استعدادًا لمقابلته بينما تمتمت سهام بسخط:
_ هو بردو اللي معندوش نظر!
صفوت باستفهام:
_ بتقولي ايه؟
اقتربت منه تساعده على ارتداء ملابسه لتربت على كتفه بدلال قائلة:
_ صفوت يا حبيبي الولد بيحب البنت وهي كمان بتحبه مرمطه بما فيه الكفاية خلاص بقى مصعبش عليك!
صفوت بحنق:
_ نعم ياختي؟ مانا بقالي عشرين سنة متمرمط معاكِ مصعبتش على حد ليه؟
حاولت قمع ضحكاتها بصعوبة قبل أن تقول بحنو و عينين تعدانه بالكثير:
_ اوعدك يا روحي هعوضك عن كل الوقت اللي ضاع مننا. بس الولاد ملهمش ذنب بنتك بتحبه.
تجاهل ضجيج قلبه إثر كلماتها و قال بسخط:
_ هو انا لحقت افهم أنها بنتي أصلًا عشان ييجي البيه ياخدها مني.
_ مين قالك كدا؟ دي هتبقى جنبك في أي وقت هتعوزها هتلاقيها.
حاول تجاهل تأثيرها القاسي عليه وقال مُحذرًا بجدية زائفة:
_ بطلي اسلوبك دا عشان مش هتقنعيني يا سهام!
كانت اكثر من يعرفه لذا اقتربت منه بدلال تحاول زعزعة المُتبقي من ثباته وهي تقول بلهجة تقطُر غنجًا:
_ طب وحياة سهام حبيبتك ما تمشيه مكسور الخاطر. دا انت مفيش أحن من قلبك، فرحهم عشان خاطري ولا انا بقى ماليش خاطر عندك؟
قالت جملتها الأخيرة بحزن جعله يزفر بقلة حيلة أمام حُسنها و حزنها الذي لا يحتمله قلبه لذا أتم اقترب واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها قبل أن يقول بحنو:
_ خاطرك عندي بالدنيا كلها….
نصب عوده ليقف في مقابلة صفوت الذي دلف إلى غرفة المكتب ليجده بانتظاره قائلًا ببرود أثار حفيظة صفوت:
_ أهلًا يا حمايا العزيز.
تمام صفوت حانقًا:
_ أنا لا حماك ولا بطيقك ياخي.
_ يتجول حاچة يا حمايا؟
صفوت بسخط حاول اخفاءه خلف ابتسامة سمجة:
_ لا متقولش. اتفضل اقعد.
جلس عمار في مواجهة صفوت الذي تابع بجفاء:
_ خير؟ حد يزور حد في الوقت المتأخر دا؟
عمار باستفزاز:
_ و هو اني غريب؟
زفر صفوت حانقًا قبل أن يقول بسخرية:
_ والله مش فاهم العشم اللي بتتكلم بيه دا جايبه منين؟
عمار بسلاسة أثارت جنونه:
_ مش احنا اهل بردك؟ يبجى لازمن نعشمو في بعض.
تجاهل صفوت كلماته وقال بجفاء:
_ وماله. نعم؟
عمار بنبرة قاطعه كالسيف:
_ عايز احدد معاد للچواز.
صفوت باختصار:
_ مش قبل ست شهور.
انتفض عمار من مقعده مصدومًا وهو يهتف بحدة:
_ وه. ست شهور؟ ليه أن شاء الله؟
زفر صفوت حانقًا وهو يقول بتعقُل:
_ اقعد يا عمار خلينا نعرف نتكلم.
طاوعه عمار و هو يتجاهل براكين غضبه المِشتعل:
_ جعدنا. اتفضل اتكلم، وياريت يكون كلامك يدخل العجل.
أومأ صفوت قبل أن يقرر رفع الستار عن كل شيء فقال بجفاء:
_ انت لسه قايل من دقايق اننا أهل، وبنعشم في بعض، وعشان كدا بقولك انا مضطر أأجل الفرح و قبل ما تسأل ليه انا هقولك.
استمهل نفسه قبل أن يُتابع بلهجة أهدأ:
_ انت طبعًا كنت معانا يوم ظهور حازم و فن ناجي و عمايله، و كمان شوفته لما يكل بجاحه جه هنا.
_ ايوا حوصول بس دا ايه دخله بچوازي من نچمة؟
صفوت بصوت شجي:
_ ناجي بالرغم من أنه اخويا بس طول عمره نبت شيطاني مبيجيش من وراه غير الأذى و أذاه مفيش حد فينا مطالهوش و أولهم نجمة بنتي اللي خطفها اول مرة من حضني وهي لسه طفلة سنتين، و رجع وخطفها تاني وهي عروسه عشرين سنة. ناجي حرمني اني استمتع ببنتي بتكبر في حضني وعشان كدا مش هسمحله يمنعني استمتع بيها وهي عروسه و افرح بجوازها اللي مُتأكد أنه هيعمل المستحيل و يقلبه جنازة فوق دماغنا.
عمار بغضب من ذلك الحقير و جز على أسنانه قائلًا بحنق:
_ دا انا كنت ادفنه مُطرحه. يعني ايه يجلبه چنازة؟ هو انت متعرِفش انت مناسب مين يا صفوت بيه؟ لو كان هيجف بينك و بينه الدم اللي بيچمعكوا اني معنديش مشكله ادفنه حي لو جرب منيها ولا حتى فكر.
صفوت بإعجاب من بسالته في الدفاع عن ابنته:
_ أنا عارف انك جدع و راجل و ميتخافش عليك. بس للأسف اللي بينا وبينه كبير اوى و لازم يتصفى بعقل عشان للأسف هو من دمنا. يعني اللي هيعيبه هيعيبنا و احنا ناس طول عمرنا معروف عننا الاحترام و الأصل مينفعش نوسخ اسم العيلة اللي اتبنى في سنين شقى و تعب.
زفر عمار حانقًا و قال بنفاذ صبر:
_ طيب اني معاك في كل اللى جولته بس اني بردو مش هقدر اصبر كلات دا. شوف عايز تتصرف ازاي معاه واني في ضهرك. خلونا نخلصوا من الراچل دا عشان نعرف نعيش حياتنا كيف باجي الخلج.
لمعت عيني صفوت بوميض الانتصار و قد راقت له كلمات عمار لذا قال بتفكير:
_ والله عندك حق. شوف أما اقولك…
_ ايه أنتِ بلعتي لسانك ولا ايه؟
هكذا تحدث مروان إلى سما المُنكمشة على نفسها بخجل جراء فعلته منذ قليل فلم تُجيبه بل اكتفت بنظرة مُعاتبة فأكمل مروان بوقاحة:
_ أو يمكن أكون قسيت عليه شويه؟
_ مروان!
هتفت سما بتحذير و الخجل يكاد يغمرها فقهقه مروان بصخب على مظهرها قبل أن يقول بمُزاح:
_ أيوا كدا خلي صوتك يطلع بدل ما اخلي أمة لا إله إلا الله تتفرج عليكِ و بالمناسبة انا جايب معايا القسيمة يعني اي حد هيتكلم هحطها في خلقته.
لم تستطِع قمع ضحكاتها إثر كلماته فهلل مروان قائلًا:
_ ايوا بقى اضحكي يا بركان النكد الأزلي.
انمحت ضحكاتها و هتفت بحزن:
_ انا نكديه يا مروان؟
مروان باندهاش:
_ انتِ بتسألي بجد؟ داهية لا تكوني بتسألي بجد! سما انا من زمان عايز اكلمك في الموضوع دا.
سما باستفهام:
_ موضوع فيه؟
مروان بجدية:
_ كفاية نكد يا ماما. هتعجزي قبل أوانك. الدنيا دي كل حاجه فيها مكتوبة. النكد دا بيقصر العمر. اضحكي للدنيا تضحك لك كشريلها هتسفخلك على طول.
سما بهدوء:
_ ماشي عندك حق بس غصب عني..
قاطعها بتعقل:
_ مفيش حاجه اسمها غصب عنك. احنا ناس مؤمنة بربنا، و ربنا رحيم بينزل البلاء على قدر طاقتنا. بصي حواليكِ هتلاقي في ناس كتير حياتها أصعب منك بس راضيه. احمدي ربنا أن حواليكِ ناس بتحبك عندها استعداد تفديكِ بروحها و ارمي ورا ضهرك اي حاجه تانيه.
تغلغلت كلماته إلى أعماقها فبدأ شعاع الضوء يتسرب إلى ذلك الظلام الذي يتعشش بداخلها فتابع مروان بجدية:
_ وبعدين انا جنبك، و بحبك عارفه يعني ايه جنبك و بحبك يعني مش هسمح لـ حاجه في الدنيا كلها تمس شعرة منك.
انتفض قلبها تأثُرًا بكلماته العاشقة التي لأول مرة تتذوق ذلك الإحساس الرائع بالأمان برفقته فـ ناظرته بلهجة عاشقة:
_ ربنا يخليك ليا…
تبدلت جديته إلى عشق ارسلته عينيه كسهام عرفت هدفها جيدًا و قال بنبرة شغوفة:
_ لسه عايزة تعرفي بحبك قد ايه؟
لم تفهم ما يرمي إليه فتوقفت السيارة بأحد المولات الكبيرة فإذا به يترجل منها ليقوم بسحبها خلفه وسط ضجيج تساؤلاتها التي تجاهلها إلى أن دلف إلى الداخل وسط زحمة كبيرة ليتوقف بمنتصف المكان وهو يصيح بصوت جذب أنظار المارة:
_ جماعه. سكوت من فضلكم.
التفتت الأنظار إليهمَ فاحتمت خلفه خجلًا من كل تلك بنظرات المستفهمة فتفاجئت بذلك المجنون الذي قال بصوتًا عال:
_ عايز بس اعترف اعتراف و الناس دي كلها تشهد عليه. عشان البت دي لو عيطت تاني انا هزعل و أجيب ناس تزعلك.
ان الجميع مدهوشًا من حديثه و خاصةً حين التفت ينظُر إلى تلك التي جمدها الخجل بمكانها وسرعان ما تحول لصدمة حين وجدته يجلس على إحدى ركبتيه وهو يخرج شيء ما من جيبه و الذي لم يكُن سوى خاتم ألماسي رائع يشبه روعة تلك اللحظة حين قدمه إليها وهو يقول بلهجة عاشقة:
_ بقولك قدام الناس دي كلها اني بحبك و مش عايز من الدنيا غيرك. موافقة تكوني مراتي؟
رجفة قويه ضربت سائر جسدها حين استمعت إلى كلماته العاشقه و تلك الهمهمهات حولها فـ ازدادت ضربات قلبها حتى تجاوزت المليون دقة في الثانية الواحدة وهي تناظره بأعين يلتمع بها العشق وتغشاها الدموع فهمست بحب:
_ موافقه.
لونت ابتسامة عاشقة محياه و قام بـ إلباسها الخاتم قبل أن ينصب عوده و يتقدم لـ يحتويها بين ذراعيه و يدور بها وسط تهليل من الجميع حولهم فدفنت رأسها بعنقه خجلًا كان أكثر من مستمتع به فزاد من ضمها قليلًا قبل أن يُعيدها إلى الأرض ليستمع إلى أحد التعليقات المازحة من أحد الشباب:
_ يا عم كل دا حضن؟ طب استنى لما تتجوزوا الأول.
اجابه مروان بسخرية:
_ لا ياد ما هي مراتي أصلًا. ما هو انت متعرفش اصل البت دي تعشق النكد قد عنيها و المفروض أن النهاردة كتب كتاب اختها على عبدة موته اخويا و دي قلبتهالنا متاحة قوم ايه… وله انت هو انا هحكيلك قصة حياتي؟ وانت مالك اصلًا. ما تيجي تتعشى معانا احسن؟ دا انت غتيت اوي.
بعد مرور أسبوع و تحديدًا منذ سفر كُلًا من سليم و طارق إلى وجهة غير معلومة لم تُلِح بالسؤال عنها كانت تشعر بتوتره الذي كان يبرع في إخفاءه ولكن ليس على قلبها الذي يحفظ سكناته عن ظهر قلب و يعلم أنه يُعاني من القلق و قد فطنت بأن الأمر له علاقة بذلك المدعو ناجي لذا ارادت التخفيف عنه قليلًا و مُفاجأته ذلك اليوم بالذهاب إلى مقر الشركة الخاص به دون إعلامه و ما أن وصلت حتى حيت تلك الفتاة مديرة بكتبه و توجهت إليه وهي تُشدِد عليها إلا تُخبره و بينما هو غارق في تلك الأوراق أمامه تفاجيء بباب غرفته يُفتح و كأن قلبه قد شعر بوجودها فرفع رأسه بلهفه يُناظر تلك الحورية التي زارته ذات يوم لتُحذره من مغبة خطر يُحاوط كليهما لتوقعه في خطر أكبر وهو عشقها.
ارتفعت عينيه تحاوطها بشغف و بسمة هادئة مُرتاحه ترتسم على محياه حين شاهدها تقف مُستندة على باب الغرفة تُعانقه بنظراتها المُشتاقة و كأنها تُشاطره تلك الذكرى البعيدة لـ تتقدم نحوه بدلال تجلى في نبرتها حين قالت:
_ سالم بيه الوزان.
قرر أن يُجاريها قائلًا بلهجة فظة:
_ فرح عمران.
صححت كلماته بلهجة عابثة:
_ آنسة فرح عمران لو سمحت.
اندلعت من جوفه ضحكة صاخبة زعزعت كيانها الذي يذوب به عشقًا ارتسم على ملامحها و أخبرته به عينيها فتوقف عن الضحك و قال بلهجة خطرة:
_ قربي سمعيني كدا قولتي ايه؟
أرادت مشاكسته قليلًا فقالت بغنج:
_ ما ما اقول من هنا عادي.
سالم بعبث ارتيم في نظراته أولًا:
_ لا دا كلام كبير اوي. كلمة تتنطور هنا ولا هنا. ينفع؟
انهى كلمته الأخيرة بغمزة وقحة فتقدمت منه بدلال تجلى في نبرتها حين قالت:
_ تصدق عندي فضول اعرف ايه الكلام الكبير اللي بيربطنا.
للمرة الثانية خرجت قهقهاته لـ تملء أرجاء الغرفة وهي تُعيد عليه تلك الكلمات التي ألقاها على مسامعها ذلك اليوم ليُعيد عليها إحدى كلماته التي كانت تُثير حنقها:
_ وماله اعرفك بس بطريقتي. ماهو كل شيء مُتاح في الحُب و الحرب.
ابتسمت هي تلك المرة و تقدمت لتقف أمامه قائلة باستفزاز:
_ دمك كان تقيل اوى على فكرة.
باغتها حين نصب عوده الفارع ليقف قبالتها مُباشرةً و كفوفه الغليظة تحتضن خصرها بتملُك حتى جعلتها جزءً لا يتجزأ منه و جاءت لهجته شغوفة خشنة دغدغت حواسها حين قال:
_ و أنتِ كنتِ حلوة اوي.
تجاهلت ثورة قلبها بقربه و قالت بدلال:
_ كُنت؟
مرر أنفه فوق قسماتها البديعة يتشرب قُربها بتمهُل قاتل قبل أن يُجيبها بخشونة اذابت أوصالها:
_ أحلويتي اكتر و أكتر.
احتوت عنقه بذراعيها وهي تشاكسه قائلة:
_ حتى و أنا أبلة نظيرة كنت حلوة؟
ألهبت حواسها ضحكاته الرائعة التي اطربت أذنها قبل أن يقول بهسيس خشن:
_ أبلة نظيرة دي كانت بتجنني و خصوصًا لما كانت بتحرمني اشوف عيونك الحلوين.
دفنت رأسها في صدره وهي تقول بمزاح:
_ اقولك على سر. بصراحه انا كنت بعمل كدا عشان استفزك.
قست أناملة فوق خصرها قبل أن يرفع وجهها ليرى تلك النظرات العابثة التي تُطل من عينيها فعض على شفتيه بتوعد تجلى في نبرته حين قال:
_ دا سر خطير جدًا و عواقبه وخيمة يا فرح هانم.
_ يعني أنا غلطانه اني بشاركك أسراري؟
سالم بعبث:
_ غلطانه عشان بتخبي عليا أسرارك، ولازم تتعاقبي.
اقترب ليُعاقبها بطريقته الأكثر من مُحببة لديها ولكن يديها التي وضعتها فوق صدره لتقف حائلًا بينهم وهي تقول باعتراض:
_ تؤ تؤ تؤ تؤ تؤ.
تراجع باندهاش ليجدها تقول بلهجة مُعاتبة:
_ منصور مش هيسمح لك تقسى عليا يا ابو منصور.
شعر بمدى حنقها ولكنه أراد مشاكستها قليلًا:
_ انا تحت امر منصور بيه. هو انا عندي أغلى منه.
كانت على وشك البُكاء وهي تُناظره بعينين تتوسلان إليه أن يفهم ما لا تستطِع قوله فاتقن ارتداء قناع الجمود لتزفر باستسلام و تومئ برأسها فقام بنثر عشقه فوق جبهتها وهو يقول بهمس:
_ طول عمري بتمنى أكون أب بس تعرفي اني أكون أب لطفل منك دا أروع أحساس حسيته في حياتي.
حاوطت وجهه بأناملها الرقيقة و قالت بخفوت:
_ طب ينفع تقولي مالك؟
تلبدت سماءه الصافية بالغيوم فزوى ما بين حاجبيه قبل أن يقول بلهجه جامدة:
_ شويه مشاكل في الشغل.
انتقلت يديها إلى كفوفه لـ تسحبه إلى تلك الأريكة التي تتوسط غرفته وقامت بالجلوس ليفعل مثلها ولكنه تفاجيء بها وهي تجذب رأسه ليستقر فوق صدرها الخافق باسمه و شفاهها المُغوية تعزف اروع معزوفة عشق فوق ملامحه قبل أن تنساب كلماتها الحانية فوق إضطرابات عقله:
_ انا عارفه انك مابتحبش تتكلم كتير بس عارفه انك شايل كتير جواك، و عشان كدا عايزاك تعرف انك أروع راجل في الدنيا، و انك تستحق تكون كبير العيلة دي. العيلة اللي متنفعش من غير سالم الوزان. العيلة اللي انت مضلل عليها بحبك و حنانك حتى في عز قسوتك. اوعى تفكر اني مش حاسة بيك. لا. انا بس مش حابة اضايقك لكن انا جنبك. في اي وقت هتلاقيني جنبك و في ضهرك.
لثمت كلماتها تلك الندوب التي تركتها حوافر القلق بقلبه و هدهدت ثورة إضطراباته العاتية فقام باحتواء خصرها بساعديه القويين وهو يمرغ رأسه فوق صدرها الذي كان أكثر من مُرحب بوجوده فأخذ يستشعر حلاوة قُربها لدقائق سرقها عنوة من الزمن إلى أن دق رنين ذلك الهاتف الذي الغريب كُليًا عليها فانتزع نفسه من بين أحضانها ليُجيب بلهفة قلما تظهر عليه و إذا بالكلمات تتساقط فوق رأسه كـ طلقات الرصاص:
_ كنا حاسبينها غلط يا سالم. البنت مطلعتش بنت عشيقته. ناجي خدعنا كلنا!