وقفت أمام هذان المتوحشان بأقدام مرتعشة، تلعن غباء تصرفها، لكنها مضطرة حتى تنقذ حياة تلك الفتاة التي لا تعلم من رمى بها في طريق جدها. لذلك لابد لها من التحدث. هتفت بحذر: "أنا عارفة مين خطف عشق." فهم فهد أن جدها له يد بالموضوع، وأنه لن يمر مرور الكرام. لذلك سألها بحذر حتى لا تفزع أكثر: "وأنتِ عرفتي منين؟ تحدثت بدموع: "لأن جدي هو اللي ساعد الراجل اللي خطفها."
هجم عليها أدهم بغضب. لقد تدمر وتألم كثيراً في الأيام الماضية بسببهم. لقد تشاهدت على روحها من هجوم هذا الأخير ونظرته القاتمة، لكنها لم تتوقع ما حدث. لقد وقف فهد بينهم مثل سد منيع وهو يهتف بلهفة: "إلا دي يا أدهم، إلا دي." لا حظ خطأ ما تفوه به عدل كلامه: "هي مالهاش ذنب، هي جاية تساعدنا." نظر لها فهد بإطمئنان وهو يشجعها على إكمال حديثها: "تعرفي تحددي مكانها؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تسرد عليهم ما حدث قبل أن تستطيع الهرب من منزلهم. *** رجع والد ماسة إلى زوجته. "أبويا شكله عامل مصيبة كبيرة، وهيأخذنا كلنا في الرجل." تحدثت والدتها بخوف: "ربنا يستر، وبعدين البنت اللي حيلتنا ممكن تروح فيها." وقف إبراهيم أمام ابنته وزوجته: "في حاجة مش طبيعية بتحصل وأنا مش عارف أتصرف. علشان كده لازم تخرجي من هنا يا ماسة وتروحي بعيد عن يد جدك. أنا كلمت عمك، وهو هيستقبلك." ناولها
حقيبة بها بعض المال: "دول كنت محتفظ بيهم علشانك، كلها فلوس حلال، ما دخلش فيها جنيه من فلوس جدك." بكت ماسة وهي تنظر لهم بحيرة وتشتت: "بس يا بابا، أنا مش هعرف أتصرف لوحدي، وأنا عمري ما خرجت برة هنا." اقترب منها والدها يضم وجهها ويشجعها: "أنتِ ذكية وتعرفي تتصرفي. المهم تهربي قبل ما أذى جدك يطول الكل. أنا اتحملت الأرف ده كله علشان أحميكي أنتِ وأمك منه."
"ما فيش غير مكان واحد ممكن أخرجك منه، الممر اللي جدك عامله لما بيهرب منه الآثار اللي بيخبيها تحت البيت. ما تخافيش، المكان مش مسكون زي ما بتسمعي، دي كلها تخاريف علشان يبعدوا بيها اللصوص." احتضنت أمها، بكى الاثنتين. "خلي بالك من نفسك يا جلب أمك، ولو في نصيب نتقابل من تاني." نزل إبراهيم وخلفه ابنته على مسافة قريبة.
سمع والده يتحدث بعصبية: "يلا يا بهايم منك ليه، شيل التبن ده وحط العربية مكانها وغطيها بيه. وأنت هات جلاليب تناسب حجمهم ده وخليهم يشتغلوا في الأرض." دخل عليه إبراهيم يسأله بتعجب: "مين دول يا أبويا وكيف تقعدهم بينا؟ تحدث والده بغضب: "مالكش صالح بأي حاجة هنا، لو باجي على عمرك." رن هاتف والده الذي فتح الخط وتحدث بقوة: "أنا ما روحتش لحد، هو اللي جه لحد عندي طلب مساعدتي. وبعدين أنا كنت أعرفه منين؟
مش الباشا الكبير هو اللي عرفني عليه، لأن بينهم شغل وطلب مني المساعدة وأنا بنفذ أوامر الباشا. وبعدين يجلج من إيه، مصلحتي ومصلحته واحد. أنا عايز أكسرهم وأنتقم لابني وهو عايز يكسرهم. البلد هنا مقلوبة، بس على مين، إحنا خلاص دفناها كده. دوري انتهى، ابعت نصيبي لرجالته." "ما ينفعش تخرج اليومين دول لحد ما فهد يهدي أو يعرف أن ما فيش فايدة." انصدم إبراهيم مما سمع: "أنت عملت إيه يا أبويا؟ عايز تفتح بحور دم تاني ليه؟ وعلشان إيه؟
"علشان أخذ حقي ابني، طالما ما فيش عندي رجالة تأخذه." "ماسه، ابنك مين؟ ابنك المغتصب اللي مات في السجن من سوء عمله. فهد هيخرب البلد كلها ويمحي عيلتنا من الوجود. ذنبهم إيه الحريم والأطفال؟ أنا لازم أبلغ فهد عشان يلحق بنت عمه." شاور والده لرجال السلاموني بلا تردد: "خذوه." اتسعت عيونه، لم يتوقع ما يحدث: "إيه ده يا بوي؟ حتى ابنك مش باقي عليه؟ يا بوي ارحمنا من شرك وخاف على باقي ولادك."
أمرهم الجد: "خذوه. اربطوه وحطوه جوه العربية وغطوها تاني لحد ما نخلص من الوضع ده." استجاب الرجال لأوامره. ارتعبت ماسة عندما سمعت ورأت ما يحدث، خرجت مسرعة وهي تعرف من تقصد. *** تحدثت ببكاء: "ده كل اللي حصل، والله." أدهم برعب عليها: "يلا يا فهد، ما فيش وقت." في ثواني معدودة تجهز كل رجال العائلة والحرس. وقفت تشعر بضياع، لا تعرف ماذا تفعل بعد أن هربت من منزلها.
توقف فهد أمامها: "أنا هخلي حد يوصلك عند خالتك، متخافيش، ما فيش حد يقدر يأذيكي." ثم تركها وابتعد وهو يهتف: "زين، ابعت القوات والرجالة. خرج إبراهيم وهات الرجالة اللي هناك وربطهم لحد ما نرجع." "ماشي، بس أنا جي أطمئن على عشق." توجه الجميع إلى المقابر، وكلما اقترب كلما شعر أدهم بنبضات قلبه تقل من شدة خوفه من خسارتها. توقف أمام المقابر.
تحدث فهد بقوة بين الرجال: "ما فيش حد توفى في البلد من فترة، معنى كده أنها تكون جديدة. كله يدور، ولما حد يوصل ينادي." تحرك الجميع، ومع كثرة العدد كان الموضوع سهلاً. عند أدهم، يتحرك على نبضات قلبه وأقدام ثقيلة، لا يعلم ما ينتظره. فهي غائبة منذ ثلاث أيام. هل ما زالت حية ترزق أم فارقت تلك الحياة القاسية التي لا تناسب ملاك مثلها. توقف أمام أحد القبور
ومرر يده على بابها بحنان: "أنا متأكد إنك هنا، قلبي بيقول لي إنك موجودة هنا، بس خايف لما أفتح يكون الموت خطفك مني. مش عارف أعمل إيه، دليني." فهد يتابعه بعيون صقر، يعلم حالته جيداً وما يمر به. وعندما وجده يقف بتلك الحيرة والرعب الظاهر، علم أنها في ذلك القبر. تحرك تجاهه بسرعة وأشار على أحد الرجال الذي يحمل بيده فأساً أن يأتي معه. "هي دي يا أدهم؟ دي أجدد أسمنت موجود، حاسب علشان نكسر الباب." اقترب أحد الرجال حتى يكسره.
صرخ أدهم برفض: "استنى يا غبي، كده ممكن تأذيها." أشار له فهد بالتوقف. بينما مد يده لخالد وهو يردف: "هات الخنجر ده يا خالد." وقف هو من جانب وفهد من الجانب الآخر، يحاولون فتح الباب دون تكسيره حتى لا تصاب بأذى. فتح الباب وهو يشعر بضيق في صدره. وجدها تجلس في وضع الجنين. قفز داخل القبر بسرعة وضمها لصدره بجنون. وضع يده عند شفتيها يجس تنفسها. وجده يكاد يكون معدوماً، ووجهها قارب على اللون الأزرق.
لم يعد يتحمل كبت مشاعره أكثر من ذلك. همس بوجع: "لا تعشق، أوعي تسيبيني. قلبي مش حمل فراقك، أرجوك تمسكي بالحياة عشاني." هزها بحنان: "عشق، ردي عليا، أنا هنا يا حبيبتي، فوقي." لم يجد رد، كأنها فارقت الحياة. صرخ على محمد: "تعال شوف فيها إيه." وقف محمد على باب القبر يريد اخراجها حتى يدخل صدرها هواء نقي. مد يده لأدهم: "هاتها، لازم تخرج من الخنقة دي علشان أكشف عليها."
أدهم برفض: "لا، ابعد عنها، أنا هطلعها، أخرجها الأول ثم اتبعها." وهو ما زال متمسك بها، ثم رفعها بين يديه وهو ما زال يحضنها. استدعى محمد المسعفين الذي تم تجهيزهم مسبقاً منذ علم وجودها في المقابر. جاء إليه الممرضين لأخذها منه. أدهم برفض: "ابعدوا عنها، ما حدش يلمسها." وقف فهد صلب صامد وهو يحدث أدهم الذي بدأ الدخول في حالة هياج: "اهدأ يا أدهم، لازم يخدوها. هي محتاجة تنفس صناعي، لازم تتحط على الجهاز."
حملها ووضعها في السيارة، لا يعرف كيف يقف على قدمه حتى الآن، غير أن احتياجها له هو ما يعطيه القوة لتلك اللحظة. ركب جوارها وتحركت السيارات الإسعاف. *** في المستشفى، تم الكشف عليها من قبل محمد وأحد زملائه. تنفس بإرتياح وهو يردف: "هي نبضها ضعيف جداً، بس الحمد لله خير. وجسمها متعرضش لأي انتهاك أو عنف. هم شوية ضعف لأن ليها كام يوم من غير أكل والمكان مرعب والنفس مش كويس عليها."
اجتمع جميع العائلة في المستشفى في إنتظار تشخيص حالة عشق. خرج محمد هو وأحد زملائه. استقبلهم الكل بلهفة: "خير يا محمد؟ ابتسم بحزن على ما وصلت إليه الأمور وهو يردف: "حالياً، كلنا نصلي ونحمد ربنا أنها لسه على قيد الحياة." الكل في نفس الوقت: "الحمد لله."
أكمل: "بس في الطبيعي هتكون محتاجة رعاية أقل حاجة أسبوع لأن جسمها كان منهك من قلة الأكل والأكسجين، وتعرضت لضغط نفسي شديد وده محتاج متابعة بعد ما تفوق. بس حالياً هي تعتبر تمام الحمد لله." هتفت نعمة بقلب ملتاع: "أنا عايزة أشوف بنتي يا محمد." محمد بحب: "حاضر يا أمي، ثواني أدخلك لما أدهم يخرج، لأن كثر النفس غلط عليها." ***
جلس أدهم جوارها يضمها لصدره، لم يتركها ولم يسمح لأحد بالاقتراب منها. مر أسبوع وجع وحزن على الجميع في انتظار إفاقتها. بينما ظل محمد يعطيها أدوية تساعدها على النوم مع المحاليل التي تعلق لها بإستمرار تغذية عما فقده جسدها. دخل محمد كعادته منذ أسبوع على أدهم الذي يجلس جوار عشق يضم كفيها بين راحة يده. ابتسم على عشقها لزوجته، الظاهر هو لم يترك المستشفى ولا لحظة منذ دخولها.
أردف يطمئنه: "على فكرة، هي كويسة، بس أنا عطيها مهدئ علشان جسمها محتاج راحة ومفعول المحلول هيكون أسرع من الأكل." لم يرفع رأسه عن يدها وهو يردف بكره: "لو سبتها قبل ما تفوق، هخرج أقتلهم كلهم واحد واحد بإيدي. بس عارف أنها ممكن مش تسامحني، علشان كده مش عايز أسيبها. لأن طول ما أنا شايفها بهدي لحد ما تفوق، ووقتها أشوف أرجع حقها إزاي." ابتسم محمد: "وعليه إيه؟ الطيب أحسن. خليك جنبها."
قام بالكشف عليها وتركهما لخلواتهما، خرج وهو يتمنى مرور الأمر على خير. *** في منزل المنشاوي، تحدثت نعمة بحزن: "يعني كان فيها إيه لو سابني قعدت جنب بنتي أطمئن عليها." غادة: "معلش يا أم عشق، ابني غيرته وحشة وعايز هو اللي يفضل جنبها." "أنا ما قلتش حاجة، بس حتى كنت فضلت في الأوضة اللي جنبها علشان أرتاح." تحدثت سلفتها حميدة: "مش محمد بيطمنك عليها كل يوم؟ وقال هانت، كلها بكرة أو بعده وتخرج بالسلامة." ***
يقبل يدها وهو يحدثها بوجع: "حمد لله على سلامتك يا عمري. عارفة أنا كنت بموت من الخوف أن أخسرك. قلبي معرفش الخوف غير من يوم ما ملكتيه. كل مرة أحس أن ممكن حياتي ميبقاش فيها عشق، قلبي ينتفض بينضلوعي كأنه بيلفظ أخر أنفاسه. وجع صعب قوي، لو كان جالك حاجة كنت حصالتك صدقيني. قلبي من غير وجود أنفاسك في الدنيا ميت. أنا بستناكي علشان تلبسي الفستان الأبيض وتفتحيلي أبواب جنتك، أتمتع بنعيم قربك يا عشق. عارف أن اللي حصل لك هيسيب أثر كبير جواك، بس أنا مش هستسلم، أفضل معاكي لحد ما تنسي كل حاجة إلا أدهم. أدهم اللي روحه مرتبطة بروحك، يا روح وقلب أدهم."
انتفضت بفزع تصرخ بحروف اسمه برعب شديد. أدهم بسعادة وهو يضمها حتى تهدأ: "أنا هنا يا حبيبتي، أنا جنبك يا روحي، اهدئي." تنتفض بين يديه بقوة وهي تتحدث بشكل هستيري. لا يفهم أغلب كلماتها، لكنه سعيد برجوعها له. ضمها بحنان وهمس جوار أذنها: "أنا هنا يا حبيبتي، أنتي في حضني خلاص."
رفعت عيونها تتأكد من وجوده، ثم انفجرت في بكاء شديد، أشعره بالعجز والضعف الذي قتل روحه، رغم قوته ونفوذه، لم يستطع توفير الحماية للإنسانة الوحيدة التي يجب عليه حمايتها.
دلف محمد مع إحدى الممرضات على صوت صراخها. وجد أدهم يضمها وهو يهددها وهي تبكي كأنه مخزون بداخلها منذ فترة. طلب محمد من الممرضة تجهيز حقنة مهدئ حتى يحقنها بها. أشار له أدهم بالرفض، وتركها تخرج كل الخوف بداخلها وهو يمسد جسدها بحنان في انتظار إخماد ثورة بكائها. *** بعد وقت ليس بقليل، تراخت بين ذراعه وهي تتمسك به بقوة. لا يريد تجديد عذابها بسؤاله عما حدث معها، لكنه يحترق شوقاً لمعرفة كل لحظة مرت عليها في بعده.
كأنها شعرت به، تمتمت بتعب، وما زالت يدها تقبض على ملابسه وعينها الحمراء الدامعة في محيط عيونه: "أنا كنت خايفة قوي يا أدهم. صحيت لقيت نفسي في مكان ضلمة. ناديتك كتير، مش رديت. قرأت قرآن، طلبت من ربنا يدلك عليا علشان تخرجني. الوقت طال، فضلت أحسس حواليا يمكن ألاقي مخرج." انتفض جسدها بشكل واضح وزادت دموعها وتقطعت كلماتها وهي تردف: "لقيت... لقيت عظم بشر وجمجمة." انهارت مرة أخرى من البكاء وجسدها في حالة صعبة.
شاركها دموعها وهو يهتف لها بعذب الكلمات حتى تستعيد هدوءها: "وحشتيني قوي يا عشق، وحشني صوتك، ملامحك. انسي كل حاجة، أنتِ هنا في حضني." شعرت بشيء دافئ على عنقها. ابتعدت تنظر له، وجدت دموعه تسيل بصمت. مدت يدها بلهفة وهي تردف: "حبيبي، ليه تبكي؟ ابتسم من بين دموعه وهو يقبل أناملها التي تمحي دموعه من فوق وجنته: "مين في الكون يستحق دموعي دي غيرك يا عشق؟ مين تاني يستاهل يشوف دموعي وضعفي ده غيرك يا قلبي."
مدت أناملها تحدثه بحزن: "حتى أنا مستهلش دموعك دي. أوعي دموعك دي تنزل علشان أي حد." جذبها لصدره بقوة: "أنت مش أي حد، أنت أنا." وضعت رأسها على صدره براحة وهي تكمل قراءة آية الكرسي خمس مرات علشان ربنا يحميني من الخوف والوهم اللي مسكوا فيه. وفعلاً هديت وفضلت استناك. هتف بوجع: "أسف لأن اتأخرت عليكي، سامحي تقصيري في حقك." ***
علم الكل أنها قد فاقت، واستعد الجميع للذهاب إلى المستشفى. دخلوا بوجه مشرق من السعادة للإطمئنان عليها. عندما فتح الباب وتزاحم الجميع عليه، حاول أدهم الاعتدال في جلسته حتى يستقبلهم، لكنها أبت ابتعاده، التصقت به مثل جلده، كأنه لو ابتعد يبتعد عنها الأمان والحماية.
ظلت في أحضانه، لم ترفع عيونها عن صدره، لم تسلم على أحد أو حتى ردت سلامهم. هو أمانها الوحيد، رغم الحزن الشديد الذي ظهر في عيون الكل، لكنها إنكمشت أكثر في أحضانه كأنها لا تعرفهم. كلما اقترب أحد لاحتضانها، وضعت وجهها في صدره. لم يتضايق أحد من فعلتها، بل عذروها، ما مرت به ليس بقليل أو سهل.
يشارك الكل في الحوار، علها تندمج معهم وتسترجع شخصيتها المرحة الحنونة، لكنها ظلت كما هي، تستمع لضربات قلبه وصوت أنفاسه القريبة منها حتى غفت مرة أخرى وهي تتمسك بقميصه بقوة خوفاً من تركها. تأمل الجميع حالتها، تأكدوا أنه الشخص الوحيد بين البشر الذي ملكها، لا أصدقاء ولا أهل لهم تأثير في وجوده. أما هو، في تلك اللحظة، قلبه يرقص طرباً على تعلقها به، وتلك الأنامل التي كادت تخترق أنسجة قميصه من قوة قبضتها عليه. ليقترب
من أذنها وهو يهمس بحب: "متخافيش، مش هقوم من جنبك لو إيه حصل." تراخت إحدى قبضتها على القميص، بينما الأخرى ما زالت بوضعها. أنه أمانها الوحيد رغم وجود هذا العدد الكبير من العائلة المحبة. *** في منزل خالة ماسة، جلست تلك الأخيرة تبكي في صمت وجوارها ابنة خالتها وصديقتها تحتضنها وتبكي على حزنها. "بعدين معاكي يا حبيبتي؟ هتفضل على الحال ده لحد إمتى؟ بصي لنفسك في المرايا، بقيتي مجرد خيال. راحت فين ضحكتك؟
كده الكل ما كانش يبطل ضحك في وجودك." خرجت كلماتها مطعمة بمرار: "حالك كده. كل حاجة راحت. مستحيل يبص لي بعد ما جدي دفن بنتهم حية واتفق مع عدوهم. جدي دمرني." شاركتها سلسبيل حزنها وهي تحتضنها: "منه لله جدك، جواه شر يكفي بلد. أنا مش مصدقة أن أبوكي ابنه، مش أنا بس، كل الناس بتقول كده." مسحت قلبها بوجع وهي تردف: "قلبي هيقف يا سلسبيل. أعمل إيه؟ كل ما أحاول أقرب خطوة، تيجي الظروف تبعدنا آلاف الخطوات."
سلسبيل بإشفاق: "ما فيش حاجة تنفع تتعمل يا ماسة، أنتِ عارفة كده. بس ندعي ربنا، لو ليكي خير معاه يقربه، وهو قادر على كل شيء. ده بيرزق النمل في حضن الحجر." *** بعد مرور أكثر من يومين، كانت استعادت عشق جزء من روحها وهدوئها النفسي. استيقظت بخوف على طرق الباب. نظرت حولها لم تجده. نادت بصراخ: "أدهم! أدهم! خرج وهو يرتدي ملابسه على عجلة: "أنا هنا يا حبيبتي، ما تخافيش."
نزلت من السرير، ارمت في حضنه برعب. احتضنها بشدة، حزن على ما وصلت إليه. رفعت عيونها: "ما تبعدش عني ثاني." نظر لها بشوق وعشق. انحنى يقبلها: "أنتِ اللي ما تبعديش عني. أنا كنت بموت في بعدك." وضعت رأسها مرة أخرى على صدره براحة، فأراحها على الفراش وطلب من الطارق الدخول. وجد أمامه بنتين يبدو عليهما الحياء والحرج. عندما رأى وجهها شعر بغضب شديد. وقف حتى يطردها، لكن قبضت أنامل عشق
على كف يده وهي تهتف بتعب: "خليهم يدخلوا، أرجوك." امتص غضبه عندما وجد على وجهها الاستحسان، كأنها تعرفها. أشار لهم: "اتفضلوا." تمتمت ماسة بخوف منه ومن نظرته: "أسفة لأن جاية من غير ميعاد، بس حبيت أطمئن عليها." عشق بطيبة: "أنتِ تشرفي في أي وقت." قام أدهم بإخراج زجاجات العصير وتحدث لعشق: "أنا هعمل مكالمة جنب الباب، لو احتجتي حاجة ناديني." عشق بإبتسامة: "حاضر."
تركهم ووقف خارج الباب وهو متضايق من وجودها معها بعد ما حدث من جدها. بينما في الغرفة هتفت سلسبيل: "حمد لله على سلامتك." ابتسمت لها عشق وهي تردف: "الله يسلمك." أجهشت ماسة في بكاء: "أنا آسفة لأن كل اللي حصل لك كان بسبب جدي." حاولت عشق عدم التفكير فيما حدث وهي تردف: "شوفي أنتِ بتقولي إيه، جدك يعني أنتِ ما لكيش ذنب، بتعيطي لي بقى."
ابتسمت وهي تمسح دموعها: "وبعدين أنا بقيت كويسة الحمد لله، آه لسه حاسة بخوف بس أدهم مش بيسيبني." ماسة وهي تتذكر هجومه عليها: "لولا تدخل فهد ونظراته القاتلة، الآن ده كان عايز يقتلني. أنا بخاف منه." عشق بإستغراب: "مين أدهم؟ هو في أحن منه في الدنيا؟ ثم سألتها: "اسمك إيه؟ "اسمي ماسة وشاورت على ابنة خالتها: "ودي سلسبيل بنت خالتي." "تشرفت بمعرفتكم يا بنات، وأنا عشق." ***
دخل فهد المستشفى. وعندما اقترب من ممر غرفة عشق، تعجب من وقوف أدهم خارج الغرفة التي لم يتركها منذ دخولها، وملامحه تحمل الغضب والضيق معاً. ضحك فهد وهتف بسخرية على حاله: "هي طردتك ولا إيه؟ غريبة أنها سابتك تخرج من الغرفة." أدهم بضيق: "أصل البنت عندها جوه." "بنت مين؟ تمتم بضيق: "اللي عرفتنا مكان عشق جوه، وأنا مش مرتاح لها، بس حسيت أن عشق مرتاحة لوجودها." سكت، تردد من مجرد ذكرها. هو لا يعرف حتى الآن حقيقة إحساسه تجاهها.
أدهم: "إيه؟ الصنارة غمزت ولا إيه؟ فهد: "صنارة إيه؟ إحنا بينا مشاكل من سنين، من قبل ما تتولد، وده السبب اللي خلى جدها يعمل كده." كلماته جذبت فضول أدهم واهتمامه، لذلك سأله: "إزاي؟
"عمي وباباها طول عمرهم أصدقاء قريبين جداً من بعض، ومامتها وماما نعمة برده أصحاب. باباها اتعرف على مامتها لما كان يجيء لعمي. المهم، عمها إنسان وحش جداً وفلاتي وبتاع ستات، وفي يوم اغتصب بنت ناس غلابة، والبنت كانت صغيرة، ماتت. وبما إن أهلها على قد حالهم ومش يقدروا ياخدوا حقهم، عمي طمنهم أنه يقف معاهم، وفعلاً اتحرك من غير ما حد يعرف وجاب تقرير المستشفى وسبب الوفاة، ورفع عليه قضية. وعمي كان محامي شاطر، اتسجن، وبعد ما قضى سنتين في السجن اتخانق مع ناس لابش وقتلوه. من يومها جدها عايز يأخد تار ابنه منا. باباها كان طيب وعكس باباه، حتى عمها الصغير، باباها سافروا علشان يبعد عن قسوة أبوه ويجنبه موضوع التار."
*** بعد مرور نصف ساعة، فتحت الباب وخرجت. وجدتهم أمامها. انخفضت عينها وتحركت بوجع جوار ابنة خالتها. ظل فهد ينظر في أثرها حتى ابتعدت عنه. *** بعد مرور أسبوعين، تحدثت عشق: "ماما نعمة، عايزاك أنتِ وطنط عواطف." نعمة: "طبعاً يا حبيبتي." "بصي يا ماما، وأنتِ يا طنط، أنا كنت عايزة... قاطعتها عواطف: "مش ممكن نعمل كده، ده إحنا كلنا نروح في داهية." "ماشي يا طنط، والله أنا آخذ رأيي جدي وهو موافق."
نعمة: "يا حبيبتي، ده أكبر من صلاحياتنا، وما نقدرش والله. أنتِ عارفة لو في حاجة في إيدينا مش هنتاخر، وأنتِ ما تعرفيش عاداتنا وإيه اللي ممكن يحصل، الدنيا تتقلب." "علشان خاطري يا ماما، أنتِ وطنط، يعني تكسروا بخاطري." فهد وهو يدلف للداخل: "ما عاش ولا كان اللي يكسر خاطر ست البنات. أنتم بتتعبوها ليه؟ عواطف بتوتر: "أبداً يا ضنايا، بس لا أنا ولا مامتك يعني نقدر ننفذ طلبها وهي مش مصدقة."
تحدث بقوة: "طلبات عشق أوامر، شوفوا عايزة إيه، واعملوه." نعمة: "يعني على ضمانتك؟ فهد: "طبعاً، أنا عايز بس حد يعترض على حاجة هي عايزها." عواطف: "خلاص، لو حد كلمني نقول دي أوامر فهد." فهد: "أه." ابتسمت عشق بحنان: "شكراً جداً يا أبيه، ما أتحرمش منك أبداً." بادلها الابتسام وتحرك للداخل دون أن يعلم ما تخطط له تلك الصغيرة، وأن ما تقوم به لا يستطيع غيرها التفكير، مجرد فكرة في خياله، وإلا تكون نهايته. ***
قامت عشق بالاتصال على أدهم، الذي رد بحب: "عمري الجميل، وحشتني." عشق بحزن: "باين، علشان كده سايبني من الصبح." "طيب، البس واستنى قدام البوابة، ثواني وأكون عندك." وارتدت ملابسها ونزلت بسرعة. "قمر، بالراحة يا بنت، هتقعي. إحنا عايزين الفرح ده يتم بقي." ابتسمت لها وهي تقبل وجنتها ثم أكملت: "هيكمل، هيكمل إن شاء الله." حميدة: "والله البيت فيه بنات، بس عشق هي اللي خلت فيه روح."
وقفت أمام البوابة، وجدت سيارة كبيرة، ولكنها صرخت بقوة وهي تقفز من الفرحة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!