نزلت عشق أمام مشفى كبير. حمل خالد الطفل وتوجه للداخل. دخل به غرفة الكشف. حاولت عشق الثبات حتى تطمئن عليه، لكنها شعرت بالإعياء. لذلك سألت عن التويلت. تحركت ببطء. وجدت خالد بجوارها. هتفت برفض: "خليك جنبه لما نطمئن عليه." قال الدكتور: "بيكشف عليه وأنا عايز أطمئن عليكي، شكلك تعبانة جداً." تحدثت بتعب: "ارجوك متسيبوش، شكله مريض قوي وأنا داخلة حمام الغرفة."
دخلت الحمام بسرعة وظلت تستفرغ حتى خارت قواها. لم تعد قدماها تحملانها، لذلك جلست على أرض الحمام. بينما تحدث الدكتور لخالد: "إزاي تسيبوه كده؟ ده عنده نزلة شعبية حادة وكان ممكن يحصله مضاعفات من ارتفاع الحرارة. لو كنت اتأخرت ساعة كمان كان حصله تشنجات؟ ردد خالد: "الحمد لله، خير. إحنا ما نعرفش هو مين." حس على وجهه بحنان: "الحمد لله إننا لحقناه."
تركه الدكتور وخرج بعد أن ركب له المحاليل. ألقى نظرة على الباب، لقد تأخرت بالحمام. طرق عليها الباب. لم تستجب. طرقه مرة أخرى وهو ينادي عليها. لم ترد. خبط الباب بكتفه بقوة. دخل بإحراج وقلق. وجدها تفترش الأرض. خالد بفزع: "عشق! عشق قومي! حملها وخرج ينادي على أحد ليسعفه. ركض إليه دكتور وممرضة وهو يسأل: "ما أصابها؟ خالد بحدة: "وأنا أعرف منين؟ بقالها ساعة بتستفرغ ولاقيتها فاقدة الوعي." الدكتور وهو يكشف عليها:
"هي متجوزة ولا آنسة؟ خالد: "لا متجوزة." نظر للممرضة: "نادي دكتورة وفاء بسرعة." رفع خالد هاتفه وطلب أدهم، الذي رد بسرعة عندما رأى رقمه: "خير يا خالد؟ خالد بتوتر: "ممكن حضرتك تيجي مستشفى ... وقف أدهم: "مالها عشق؟ خالد: "تعبت شوية وبعدين فقدت الوعي." لم يعطه فرصة للإكمال. خرج من مكتبه بسرعة. دخلت الدكتورة وطلبت منه الخروج. وقف جوار الباب. وجد أدهم يدخل ويبدو على وجهه الرعب. أدهم: "إيه ده يا خالد؟ مالها عشق؟ خالد:
"تعبت في الطريق واستفرغت. وهنا دخلت الحمام ولما اتأخرت ومش بترد عليا، لقيتها فاقدة الوعي والدكتورة معاها جوه." قام بفتح باب الغرفة بلهفة. الدكتورة بغضب: "إيه ده؟ أنت داخل كده ليه؟ مش تستأذن؟ نظر لها نظرة نارية أخرستها. توجه لعشق بلهفة: "مالك يا حبيبتي؟ إيه حصلك؟ حاسة بإيه؟ الدكتورة: "هو حضرتك جوزها؟ أدهم: "أه، أومال أخوه؟ نظرت له بحرج: "مبروك مدام عشق حامل." نظر لها بعدم تصديق، ثم نظر لعشق وهو يقبلها بحنان:
"مبروك يا قلبي." اعتدلت في جلستها بتعب: "الطفل عمل إيه؟ نظر لها بحيرة: "عن أي طفل بتتحدث؟ طفل مين؟ قص لها ما حدث. نادا خالد الذي دخل وهو يخفض عيونه. خالد: "حمد الله على سلامتك يا عشق هانم." عشق بتعب: "الله يسلمك يا خالد. الولد طلع عنده إيه؟ رد باحترام: "عنده نزلة برد حادة وقلة غذاء. ولو اتأخر في علاجه كان هيموت لأن درجة حرارته عدت الـ ٤٠." عشق: "الحمد لله. أنا عايزة أشوفه." اتسعت عين أدهم وهتف برفض:
"استنى لما أطمن عليكي ونشوف الحركة كويسة ولا غلط." عشق: "حبيبي أنا مش مسافرة، ده خطوتين. وحياتي يا أدهم، شكله صعبان عليا قوي." أخذها ودخل الغرفة. وجد ممرضين يحملوه وهو يرتدي زي المستشفى. سألتهم بخوف: "مالوا؟ رايحين بيه فين؟ الممرضة: "عملية. كل شوية ندخله تحت المياه علشان الحرارة تنزل."
اقتربت منه عشق تتحسس حرارته، ولكنها رجعت خطوة عندما تبينت ملامحه. شعرت بدوامة تسحبها داخلها بلا رحمة لتفقد الوعي. لحقها أدهم الذي حملها بين أحضانه بخوف وتملك. وذهب بها لغرفتها. قام بالاتصال على أمه التي أتت على وجه السرعة بعد مرور وقت بسيط. دخلت غادة وهي تكاد تطير من السعادة. احتضنت ابنها بسعادة شديدة وهي تقبله: "ألف مبروك يا عمري، يتربي في عزك يا رب." قال:
"الله يبارك فيكي يا أمي. بس أنا خايف على عشق، دي تاني مرة تفقد الوعي في ساعة." غادة باطمئنان: "ماتقلقش، هم أول ٣ شهور صعبين وعشق أكلها ضعيف. بس بالغذا والفيتامينات هتكون بخير." استيقظت وهي تبكي. أدهم بلهفة: "مالك يا حبيبتي؟ إيه تعبك؟ عشق: "أنا عايزة أشوف الولد." قال برفض: "لا، أنتي تعبانة ومحتاجة ترتاحي." عشق بانهيار: "أرجوك، أنا لازم أشوفه. وحياتي يا أدهم! أدهم: "قولت لا يا عشق يعني لا." غادة:
"إهدي يا حبيبتي، العياط غلط عليكي. إهدي." عشق: "أرجوكي يا ماما، لازم أشوفه. أرجوكي يا أدهم." أدهم وهو ينظر لها مستغرباً حالتها: "ماله الولد ده؟ الدكاترة معاه ليه منهارة كده؟ عشق: "أرجوكي يا أدهم، علشان خاطري." أدهم: "طيب، مش همشي. شيلني أنت؟ قال خالد: "خلاص يا حبيبي، ريحها." توجه لها: "حاضر يا أمي."
حملها وتوجه بها إلى غرفة ذلك الطفل ووقف بها أمام سريره. نزلت عشق وهي تسند على أدهم. تأملت وجهه ودموعها تسيل. ثم طلبت من أدهم أن ينظر على ظهره هل يوجد وحمة سوداء. فتح أدهم قميص المشفى وألقى نظرة، ورجع بنظره المصدوم لعشق: "كيف علمت مكانها؟ هل من الممكن؟ عشق: "في ولا لأ؟ أدهم وهو يعتدل: "آه فيه. عرفتي إزاي؟ عشق بهمس: "مش معقول يونس." اقترب منها أدهم: "بتقولي إيه؟ عشق: "يونس أخويا. ده يونس." رجع
بنظره لذلك الطفل ثم حدثها: "أنتي قولتي إنهم كلهم ماتوا في حادثة من خمس سنين أو أكتر؟ عشق: "أيوه، الظابط بلغني إن الميكروباص تصادم مع مقطورة بنزين ومافيش حد خرج منه حي. بس ده شبه بابا خالص والشامة دي هو وارثها من بابا." ****************** نزل فهد وجواره ماسة. تعجب الجد من ذهابه دون أن يخبره وسأله: "رايح فين يا فهد؟ فهد: "مسافر عند أدهم يومين يا جدي." هتفت نعمة بلهفة: "طيب ممكن أجي معاك؟ عشق وحشتني أوي."
نظر لها فهد بحيرة، فهو لا يريدها أن ترى انهيار عشق. ولو رفض سوف تحزن. فهمت تردده، أنه يريد يومين مع زوجته ولا يريد عزول. لذلك هتفت بخجل من صمته الذي طال: "خلاص، خليها مرة تانية." اتخذ قراره، فقد يخفف وجودها عن عشق الذي لا يعلم ما بها. "لا يا ماما، تعالي معانا." وافقه الجد لأنها سوف تترك المنزل لأول مرة منذ سنوات. "روحي معاهم يا نعمة، بس ما تجيش من غير عشق، أصلها وحشتني جداً." ******************
اتصل فهد بأدهم بعد سفر استمر ٤ ساعات. وصف له أدهم المكان وكان في انتظاره على بوابة المستشفى. سلم عليه وعلى نعمة التي تحدثت بخوف: "مالها عشق؟ أشار له ليتبعوه: "بخير. تعالوا نطلع." وصلوا أمام جناح. عندما دلفوا من الباب، قامت عشق وهي تركض على نعمة تبكي في حضنها. بطريقة فزعت نعمة التي هتفت بقلق: "مالك يا قلبي؟ فيكي إيه؟ ليه بتبكي كده؟ التفتت لفهد: "أبيه."
وكادت تقترب، لكن يد أدهم كانت أسرع وأقوى عندما أوقف قربها وجذبها لأحضانه. نظر لها بغيره قاتلة: "لو كنتي عملتيها كنت قتلتك يا عشق." هكذا همس لها أدهم. أما فهد فقد ابتسم على غيرته الواضحة وضوح الشمس. لكن ما يشغله الآن حالتها تلك، ليسألها: "مالك يا عشق؟ توجهت للطفل الممدد على السرير وبكت: "ده أخويا يونس." أتى دور فهد في الصدمة الذي سألها: "مين؟ أما نعمة كانت في لحظة جواره تتأمل ملامحه كأنها ترى أمامها عشقها.
حركت يدها على وجهه وتحدثت: "محمود." نظرت لها عشق: "مش كده يا ماما؟ شبه بابا." نعمة بدموع: "آه، الله يرحمه." فهد وهو يقترب: "يرى ملامحه. يا ماما، يخلق من الشبه أربعين." عشق وهي تكشف ظهره: "ودي كمان؟ نظرت نعمة: "دي كانت عند محمود، الله يرحمه." تحدث أدهم: "عشق صممت تعمل تحليل الـ DNA. ولما النتيجة تطلع نتأكد." نظرت لفهد وهي تردف: "إيه رأيك يا أبيه؟ لما تعمله أنت كمان؟ فهد: "تمام، مافيش مشكلة."
"في الطبيعي كان بيحتاج مدة كبيرة عشان يظهر ومعامل قليلة جداً اللي بتعمله. حالياً بالاجهزة الحديثة مش بيحتاج وقت كبير." **************** في منزل سناء. هتفت زينب: "ماما، أنا عايزة آخد رأيك في حاجة." سناء: "قولي يا حبيبتي، كل اللي نفسك فيه." زينب: "أنا الوقت بشتغل معاكي في المصنع. بقول لو نشوف جمعية ندخلها ونقبضها في الأول وأجيب ماكينة أعمل شغل هنا جنب المصنع لتحسين الدخل." هتفت سناء بإعجاب شديد:
"فكرة حلوة يا زينب، بس هتبقى تعب عليكي؟ زينب: "مافيش حاجة لما أتعب سنة أو اتنين وبعدين نرتاح. المبلغ اللي أنتي عيناه من الفلوس أبقى أجيب بيه خامات، نظبط أمورنا ونعمل كام قطعة كده حلوة ونعرضها عندنا. ولو اتسحبت هانتعرف وهيكون علينا طلب. وأنا وأنت نشتغل من البيت بدل الشغل عند الناس." سناء وهي تحتضنها: "وأنا موافقة يا حبيبتي، ربنا يكملك بعقلك." زينب وهي في حضنها: "هي عشق ما قالتش هتيجي امتى؟ تحدثت سناء وهي تنظر لابنتها:
"عشق، برده؟ هو أنا ما كنتش شايفه نظراتك ووشك اللي بيحمر كل ما يبص ناحيتك؟ ردت زينب بخجل: "هو ممكن الإنسان يحب حد ما شافوش غير مرتين بس ويحس أنه هو ده الشخص اللي بيتمنياه؟ زادت سناء من ضمها وهي تهتف بحنين: "ومن مرة واحدة كمان. أنا شفت باباك. مرة واحدة حسيت أن روحي اتعلقت بيه وحياتي كانت ناقصة لحد ما هو ظهر." "الحب جميل قوي يا زينب. بس الحب الطاهر البريء اللي يكمل بالجواز." تنهدت بتمني:
"يارب يا ماما، يفكر فيه أو أكون لفت نظره." سناء بحنان: "مين يقدر يقاوم واحدة في جمالك ده؟ كفاية الغمزات القمر دي." “*****************” في منزل خالد. عاد وهو يشعر بالإرهاق، فقد كان يوم صعب. وما زاد صعوبته الخوف والقلق على عشق. حالتها كانت توجع القلب. لقد اتخذها أخت ثانية مثل ندى منذ أول يوم رآها. دخل من الباب وجد أمه تجلس أمام التليفزيون تشاهد المسلسل التركي. خالد: "مساء الخير يا أمي." التفتت له وهي تخفض الصوت:
"أحضرلك العشاء يا حبيبي؟ خالد: "ياريت يا أمي، لو حاجة سريعة على ما آخد دش وأغير لأن عايز أنام." خرج وجد والدته وضعت الطعام وجلست في انتظاره. جلس جوارها وبدأ في تناول طعامه. نظر لها بابتسامة. خالد: "عشق حامل." فردوس: "يألف نهار أبيض، يا ألف نهار مبروك. طب خليني أبارك لها." خالد: "مش هينفع الوقت، لما أكون معاها لوحدنا. هخليكي تكلميها." فردوس: "عقبال ما أفرح بيك يا حبيبي وأشيل عيالك." خالد:
"ما أنا كنت عايز آخد رأيك في الموضوع ده." فردوس بسعادة: "يعني عايز تتجوز؟ خالد: "لسه بدري على الجواز. في بنت عجباني وكنت عايز أخطبها، بس صراحة مش عارف أهلها ممكن يوافقوا ولا لأ." فردوس: "ومين يرفض شاب زيك؟ ما شاء الله طول بعرض وشهامة." خالد بأسف: "الطول والعرض مش هم اللي هياكلوا بنتهم ويغطوها في البرد. مين ها يوافق أن بنتهم تعيش مع أهل جوزها وكمان وضع حياتنا ده." فردوس: "ماتقلقش، إن شاء الله هيوافقوا."
دخلت غرفتها وخرجت بعلبة صغيرة بها خاتم وسلسلة. "دول كنت شايلهم علشان اليوم ده. ورغم الظروف اللي مرينا بيها رفضت أطلعهم وقولت دول لعروستك." خالد وهو يقبل يدها: " جبتيهم منين دول؟ فردوس: "دهب أمي الله يرحمها. ثمنهم يبقوا أغلى من دهب الوقت. هات بيهم خاتم ودبلة وأنا هعمل جمعية وندهن أوضتك ونجبلك عفش جديدة." خالد بإحباط: "لو وفقوا نبقى نشوف موضوع الجمعية ده." فردوس: "يارب يا حبيبي يسعدك ويريح قلبك زي ما أنت بتريح قلوبنا."
**************** فتح عيونه بتعب وجد نفسه في مكان لا يعرفه. اعتدل في جلسته وهو ينظر حوله، وجد ناس تجلس معه في نفس الغرفة. وقفت عشق بلهفة: "يونس حبيبي، حمدالله على سلامتك." ابتعد عنها وهو يهتف: "يونس مين؟ أنا اسمي البرنس. أنا إيه جابني هنا؟ عشق وهي تقترب منه تحضنه: "أنا أختك عشق. عارفة إنك مش فاكرني لأنك كنت صغير." قفز من فوق السرير قبل أن تلمسه. نظرت له بحيرة: "أهدي يا حبيبي، أنا مش ممكن أذيك." خرجت كلماته حادة عنيفة:
"أنا محدش يقدر يأذيني." تحدثت نعمة بدموع: "تعالي يا حبيبي، أنا ماما نعمة." نظر في عينها مثل ذئب يقيم فريسته، لكنه ضعف أمام هذا الحنان في نظرتها ودموعها. تمنى أن يصدقها ويرتمي في حضنها. يبدو عليها الطيبة، لكنه يعرف طريق أمه وقسوتها التي جعلته يهرب من المنزل. توجه إلى الباب حتى يهرب. فتح الباب فجأة وظهر عليه شخص ضخم يرتدي جلباب. وقف فهد أمامه يسأله: "أنت رايح فين؟ عاد يونس بحذر، عدت خطوات للخلف وهو يهتف بعنف: "أنت مين؟
أنت كمان؟ هو أنا وقعت وسط عصابة؟ لا أنا لحمي مر وماحدش يقدر عليا." قفز على السرير الذي تقف عشق جواره وسحب مشرط ووضعه على عنق عشق. في دخول أدهم الذي رفع سلاحه دون أن يراعي طفولته وخوفه الواضح بعيونه. أدهم بغضب: "أنت بتعمل إيه؟ يلا اتشاهد على روحك؟ عشق ببكاء: "لا يا أدهم، إلا يونس. أنا ممكن أموت وراه." نظر لها أدهم بخوف شديد وهو يتخيل ماذا يحدث إذا لم يلحقها من ذلك الوحش الصغير. هتف بصدق:
"ده مش أخوكي يا عشق، ده كلب صعران مش عارف يميز بين صحبه وعدوه. لا، هو بس خايف. أنت مش عارف كان شكله إيه وهو مرمي في الشارع؟ أرجوك؟ يونس: "حبيبي، أنا أختك الكبيرة عشق. كنت فاكرة إنك ميت مع بابا وماما وأخوك حمزة. أه، شيلتك وأنا بذاكر وياما حميتك. والشامة اللي في ضهرك دي يوم ما شوفتها وأنت مولود كنت في سنك. وقولت لماما أنا عايزة واحدة زيها. يومها ضحكت وقالتلي دي مش بتتباع، دي جايه من عند ربنا زي بابا بالظبط." "بابا."
ليؤكد كلامها خلع قميصه وراني. سكن لحظة، تركها بعدها وابتعد. ركض عليها أدهم حضنها وهو ينظر بقسوة لذلك الطفل: "أوعدك لو ما طلعتش أخوها، أقتلك بإيدي علشان اللي عملته فيها." أما فهد نظر لذلك الشرس، هو يتعامل بشراسة حتى يحمي نفسه، وهذا يدل على أنه ليس لديه من يحميه. رجع يونس بظهره وجلس على الأرض في ركن من الغرفة يتأمل الجميع بحيرة وتشتت. ثم تحدث: "إزاي أنتي أختي وهي أمي؟
وأنا أصلاً هربان من أمي وأبويا لأنهم قاسيين وبييعذبوني لما يلاقوا الفلوس أقل من اللي هم عايزنها؟ سايره فهد في الكلام حتى يعلم ما عاناه: "فلوس إيه؟ أنت بتبيع حاجة؟ رد بتلقائية: "لا، بسر." عشق ونعمة بشهقة: "تسرق؟ هز رأسه وهو يكمل: "كنت بسرق من ناس ومن المحلات. هو عودني على كده. الأول ياخدني معاه ويعرفني أعمل إيه، ولما لقاني ذكي وبتعلم بسرعة سابني في المنطقة بتاعته وراح هو مكان تاني."
يستمعون له بعدم تصديق لأنه يتحدث عن الأمر كأنه شيء عادي، لا يخجل من كونه لص وسارق. طريقته في الحديث مختلفة عن عمره، كأنه شاب في العشرين. وجه له أدهم سؤال: "إيه اللي خلاك تهرب؟ ابتسم بسخرية:
"كنت بنزه نفسي وأجيب أكل نضيف أتفسح وأعطيهم الباقي. جبت لبس خبيته بعيد عن البيت. ولما لقيت الفلوس كل فترة بتقل بدأ هو ومراته يضربوني ويحبسوني من غير أكل كام يوم. مثلت عليهم إني ندمان واتعلمت من غلطي. ولما سابوني هربت بقالي ٦ شهور." كادت عشق تساله أين كان ينام عندما طرق الباب ودخل الطبيب بالتحاليل. عشق بلهفة: "خير يا دكتور؟ الدكتور: "التحاليل مطابقة بنسبة ٩٠×١٠٠." عشق: "يعني أخويا مش كده؟ الدكتور:
"آه، النسبة دي صلة دم من الدرجة الأولى." توجهت له عشق وهي تحتضنه وتبكي: "كنت عارفة." بكى في حضنها: "يعني الناس دول مش أهلي؟ عشق: "لا يا حبيبي، إحنا أهلك." الدكتور: "هو ممكن يخرج امتى؟ "هو بقاله ٣ أيام بياخد علاج. أنا شايف أن حالته محتاجة متابعة يومين كمان." **************** نادا خالد ندى بغرفتها، التي طرقت الباب ودلفت للداخل. ندى: "خير يا أبيه؟ حضرتك طلبتني؟ جذب يدها يجلسها أمامه ومرر يده على وجنتها بحنان:
"بنتي وحبيبتي، بكرة هتبقي أجمل عروسة في الكون. لحد الوقت مش مصدق أنك كبرتي وهتروحي من بيت لحياة جديدة. بس كل اللي واثق فيه أني ربيتك صح. عايزك تكوني مع أهل جوزك واجهة جميلة لينا ولبيتنا. عايز الكل يحلف بأدبك وأخلاقك."
"عارف أن أمه صعبة وهتتعبك قوي، بس معلش اتحملي علشان حبيبك. هو يستاهل أنك تتغاضي عن مساوئ أمه. مش بقولك تبقي ضعيفة أو تقبلي الإهانة. أنا عايزك تبقي حكيمة في تصرفاتك وردود أفعالك. امتصي غضبها ببسمة أو كلمة حلوة علشان حياتك تمر. لكن وقت الإهانة أو حد يحاول يمسك بسوء، هتلاقيني قدامك أحميكي من أي شر مهما كان مين. أوعي تخافي أبداً من حد طول ما أنا موجود." بكت ندى وهي ترمي بحضنه الذي استقبلها بحنان الكون.
مسد ظهرها وهي تهتف ببكاء: "مافيش واحدة تنكسر أو تضعف وهي أخوها خالد. هبقى دايماً قوية بيك يا بابا." نطقتها بإحساس شديد: "أنت أبويا وأخويا وسندي. ربنا ميحرمنيش منك أبداً." هتف باختناق وهو يحارب دموعه: "هاه، وبعدين؟ مش عايزين دموع النهارده بالذات علشان يصبح وشك زي البدر. مش عايزين الناس تقوله جايب العروسة الدبلانة دي منين؟ ابتسمت وهي تمحي دموعها:
"أوعدك يا أبيه أن أكون عند حسن ظنك بيه ودايماً أرفع راسك ويحلفوا أن مشافوش تربية أحسن من تربية خالد." ابتسم لها وهو يهتف: "عارف يا حبيبتي، أنا صراحة مكنتش عايز جواز قبل ما السنة تخلص علشان الامتحانات اللي على الأبواب. بس سيد وعدني أن هيكون عون ليكي. الشهرين الجايين، يلا قومي نامي علشان بكرة اليوم صعب وطويل." ****************
ظلوا يومين آخرين بالمستشفى في انتظار تحسن حالته، بينما استأذن خالد الغياب اليوم من أجل زفاف أخته الذي لا يستطيع تأجيله لأنه تم تحديدها يوم كتب الكتاب. تواصل فهد مع جده يخبره بتلك المفاجأة الصادمة للجميع. من يتوقع أن يظهر له حفيد آخر بعد تلك السنوات حي معافى. ذلك الخبر رد به الروح أكثر وأكثر. **************** في قاعة جميلة وقف سيد بقلب ينبض بفرحة يستقبل محبوبته التي تضع يدها بيد أخيها الذي يزفها إليه.
بينما وقفت فردوس تتابع ما يحدث بدموع الفرحة. بينما جلست سيدة تحاول رسم الفرحة من أجل ابنها، بينما داخلها بحر من الأحزان على أختها التي تخلت عنها في أكثر أيامها احتياجاً للدعم. اتسعت ابتسامة سيد عندما توقف خالد أمامه وهو ينقل يد أخته من يده يضعها بحب على يد سيد وهو يهتف: "أنا عطيتك قلبي، حافظ عليه." ثم أكمل بتهديد مرح: "أوعي تزعلها يوم، أصل أخليك تودع شبابك يا سيد وأنت عارف."
ضحك سيد على كلماته التي تخفي ما يشعر به الأن. بان أحدهم يسحب روحه من جسده. ونظر لتلك التي تتورد خجلاً. قال بخجل: "أرجوك يا نودي، لو زعلتك في يوم فكريني أن أخوكي اسمه خالد. مش عايز أودع شبابي." ثم أكمل وهو يهتف برجاء: "بلاش تفتني عليا لو في يوم اتجننت وزعلتك. أنا برده زي جوزك." ضحك جميع أصدقائهم. احتضن سيد خالد وهو يردف: "أمانتك في قلبي يا صاحبي." توقفت فردوس أمام طاولة سيدة وهتفت بإبتسامة: "إيه يا أم سيد؟
ده مش مكانك. أنت أم العريس ومكانك هناك جنب ابنك في الكوشة. يلا عايزين الولاد يفرحوا، ده يوم في العمر." نظرت لها سيدة بتشتت وألقت نظرة على ابنها وهو يتحرك على نغمات الموسيقى بعروسته، والفرحة تشع من عيونه وتصرفاته. أخذت قرارها: نعم، ابنها يحتاج وجودها وهي لن تكسر فرحته من أجل أي شخص، حتى لو كانت أختها التي محت ما بينهما بالجفاء والبعد. ومن لم يفرح بفرحة ابنها الظاهرة أمامها الأن، لن تحتاج وجوده.
في وقت أخرجها ابنها يراقصها على تلك الأنغام. ابتسمت باتساع وهي تضمه لأحضانها تشاركه فرحته. ليزيد من ضمها وهو يضحك ويقبل جبينها. بينما اقتربت منها ندي بحذر، خائفة من تعرضها للإحراج أمام كل هذا العدد. رأت سيدة نظرة الخوف بعيونها. ابتسمت في وجهها وهي تجذبها لأحضانها: "ألف مبروك يا ندي، أنت الوقت بقيتي بنتي التانية ومرات الغالي. افرحي يا حبيبتي، ربنا يهنيكم."
ابتسم سيد الأن، اكتملت فرحته بتقبل أمه حبيبته. بينما اتسعت عيون ندي من الموقف وهي في حضنها. أشار لها سيد الذي يقف خلف أمه ويرى الذهول مرتسم بكل صورة على ملامح ندي. أن تصدق ما يحدث الآن، أمه تتعامل بطبيعتها بعد أن خرجت من تأثير أختها القاسي وعادت لقواعدها سالمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!