صعدت عشق تبكي. فتحت باب الغرفة، بحثت عن حقيبة يدها، تناولتها وهي تشعر بالإهانة والقهر من هجومه عليها دون أن يفهم ما حدث. لكنها لن تبتعد قبل أن تبرر لروان ما حدث. توجهت إلى غرفتها ووقفت خلف الباب، تطرقه وهي تستعطفها: "روان، أرجوك ما تعمليش فيا كده. أنا ما صدقت ألاقي أخت تعوضني عن وحدة السنين اللي فاتت. ننام مع بعض ونتشارك اليوم كله. أنا ما خنتكيش يا حبيبتي. أنا كنت هاجي كل يوم أشوفك وأروح على النوم." تنهدت وهي تكمل:
"ما ينفعش أقعد مع أخوكي في نفس المكان وهو مش قابل وجودي. أنا كنت مضطرة الأيام اللي فاتت لأني كنت خايفة من أمير يعمل فيا حاجة. أرجوك ما تزعليش مني." لم تتلق ردًا. جلست على الأرض بجوار الباب تبكي. فتحت روان الباب، وجدت عشق تجلس على الأرض. جذبت يدها. وقفت عشق بفرحة، يحتضنوا بعضهم ببكاء. تحدثت عشق معتذرة: "أنا آسفة، مش قصدي أجرحك كده." تلك روان الخبيثة ردت ببكاء: "أنا هاسامحك بس بشرط." سألتها بلهفة: "أيه هو؟
"إنك تعيشي معايا هنا وما ترجعيش بيتك." جاء صوت من خلفهم: "وهي موافقة طبعًا. بعد ما كان عندي بنت واحدة بقوا اتنين." ضحكت الفتاتان بفرحة، غافلين عن تلك العيون التي تنظر لهم بسعادة. تركهما وصعد إلى غرفته.
في مكان بعيد جدًا، في إحدى منازل الصعيد، جلس رجل في العقد الثامن من عمره، يبدو عليه القوة والهيبة، على كرسي في مجلس الرجال، ينتظر على نار وصول ابنه وأحفاده، حتى يبشروه بعثورهم على ابنه الغالي والأقرب إلى قلبه، الذي دخل بينهم الشيطان منذ سنوات طويلة عندما تمرد الابن البار على والده وترك ابنة عمه التي أصر والده على تزويجها له وهو مازال في السنة الثانية من الجامعة دون إرادة منه، حتى لا يخطف من قبل فتيات البندر.
لكن إرادة الله فوق كل شيء، ووقع ابنه في عشق تلك الفتاة التي تشع جمالًا وخلقًا، رغم فقرها وضيق حالها بسبب فقد والدها وهي صغيرة وأمها من تكفلت بتربيتها.
أتي اليوم الذي وقع ذلك الحبيب المقرب لوالده عن باقي إخوته في غياهب العشق، وتمرد ووقف أمام والده لأول مرة مدافعًا عن حبه وتمسكه بها، مما جعل الوجه المتوحش لوالده يظهر ويقسو عليه ويهدده بالتخلص من تلك الحية التي جعلته يكسر كلمة أبيه، وقبلها كسر قلب ابنة عمه التي تعشقه منذ الطفولة.
لكن كل ذلك لم يردعه، بل زاد تمسكه بها واختفى عن عين والده سنوات. جن جنون المنشاوي الكبير وبحث عنه حتى يقتص منها بسبب خسارة ابنه، لكنه لم يعرف لهم طريقًا، حتى ظهر ابنه بعد سنوات عندما رزقه الله بطفله، وأراد وصل الحبال المقطوعة بينه وبين أبيه بجذب عاطفته عندما يرى حفيدته.
فذهب وحده لأبيه يطلب منه السماح في تركه يعود للعيش معهم بزوجته وابنته، حتى لا تترعرع بعيدًا عن أرضها وأهلها. لكن الشيطان أعمى والده، كيف له أن يكسر هيبته بين أبنائه بالموافقة على عودة ابنه العاق ورفض تواجده هو وأسرته، بل طرده أشر طرد، رغم محاولات ابنة أخيه وهي زوجة ابنه الأولى بالعدول عن قراره وأنها موافقة على تواجد زوجها و ضرتها معًا وأن هذا يعد عادي في عادتهم وهو تعدد الزوجات.
لكن المنشاوي الكبير رفض، مما جعل ابنه يعود مكسورًا وحزينًا من رفض أبيه له. ومرت سنوات أخرى ومرض الجد وأخذ منه شوقه لابنه مأخذه، وطلب من أولاده أن يبحثوا عن أخيهم الصغير والعودة به حتى يرتوي من رؤيته قبل أن يفارق الحياة. وها هو ينتظر عودتهم بما يشفي حنين قلبه الذي تعب من التعلق بأحبال دائبة، كلما عادوا دون التوصل لمكانه. عاد من بحر ذكرياته على دخول ابنه الكبير، ملامحه لا تبشر بخير، وتأكد حدثه عندما هتف الابن بحزن:
"عرفنا طريقه أخيرًا يا بوي." هتف المنشاوي بفرح وتهللت أساريره: "فين يا ولدي؟ وكيفه وكيف عياله؟ نكس الابن رأسه بوجع: "مات يا أبوي هو وعياله." صرخ الأب بغضب: "جبر يلمك ويلم لسانك العفش ده! مين ده اللي مات؟ غور من جدامي! ثم وجه كلمة لحفيده الأكبر: "جول إن أبوك بيكذب يا فهد، لأنه تعب من اللف على عمك يا ولدي. أنت الوحيد اللي حاسس بجدك ونار قلبه."
اقترب منه فهد بوجع لا يقل عن وجع جده، لأن محمود لم يكن مجرد عم بل كان صديق وحبيب. جثى أمام جده ومسك يده وهو يحاول إخراج كلماته: "اتأكدت بنفسي يا جدي. عمي مات هو ومراته وصغاره في حادثة ميكروباص من خمس سنين." لم يتحمل المنشاوي فكرة خسارة ابنه وأحفاده، ليمسك قلبه وهو يصرخ بقوة: "ولدي!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!