بعد وقت ليس بقليل صعد ادم إلى غرفته التي أعدها له عمر. فتح اللاب توب الخاص به وكان على وشك أن يبعث برسالة اعتذار لملك، ولكن كانت ملك قد سبقته وصدمته مما رأى. ظل ناظرًا لشاشة اللاب توب وتتطاير من عينيه شرارات الغضب والحسرة معًا. كان مذهولًا لما رأى، فقد رأى ملك وقد أعلنت رسميًا عن الجدول النهائي لامتحانات الميدترم، دون الرجوع إليه أو استئذانه أو حتى إعلامه بأنها ستفعل هذا. أدرك حينها أنها فعلت هذا متعمدة كي تثير غضبه.
أخذ يضرب على المكتب بعنف عدة ضربات، واثقًا بأنها ظنت أنه تعمد إحراجها وعدم حضور اجتماعهم، لذلك أرادت أن تنتقم منه بهذه الطريقة. ظل مشتعلًا لفترة، خاصة عندما رأى تعليقات الدكاترة والمعيدين على الجدول وأنه مناسب وقد أثنوا عليه كثيرًا. شعر حينها أكثر شعور لا يحبه ولا يحب أن ينتابه. شعر أنه لا قيمة له، ولا فائدة من وجوده كمندوب. شعر أن لا حاجة للدفعة له بعد الآن، فملك حلت محله ونجحت بهذا عن جدارة.
لم يشعر بوجوده أو قيمته كما يحب. لم يرَ شكر الناس وعرفانهم بجهوده كما كان دائمًا يرغب. فشخصية آدم لا تتحمل هذا الشعور أطلاقًا، فهو يحب الظهور والتواجد بالصورة دائمًا. كما أنه يعرف قيمة نفسه ويقدرها كثيرًا ويعطيها مكانة عالية، ويمكن أكثر مما تستحقها. وهذا ما يفسره البعض بالغرور والتكبر، وما هو إلا قوة ثقة بالنفس مع إيمان بقيمة ذاته.
ظل آدم ساكنًا بمكانه يفكر كيف استطاعت أن تفعل به هذا، كيف لها أن تجرؤ إثارة غضبه بهذا الشكل. وبعد لحظات أغلق حاسبه الشخصي وذهب لسريره كي ينام متهربًا من هذا الوضع غير المقبول بالنسبة له. ولكن هل استطاع النوم حقًا؟ بالطبع لا، كيف ستعرف عيونه النوم بعد ما حدث وبعد ما شعر بأنه أصبح لا قيمة له وأن مكانته قد بدأت تتلاشى رويدًا رويدًا. ولكن هل هذا فقط ما كان يؤلمه؟ لا يدري لما شعر بالألم الشديد من ملك شخصيًا.
شعر بالصدمة والخذلان معًا، فهو لم يتوقع أن تلك البريئة الرقيقة بنظره التي لا تنطق غير بأطيب الكلام وأفضل الأساليب يمكنها أن تتحول لشخص حقود وسيء لدرجة أن تؤذيه بهذه الطريقة وهي تعلم جيدًا ما تفعله وتعرف أن هذا سيرهقه نفسيًا لا محالة. شعر بالحزن الدفين بسببها وقرر قرارًا لا يعلم أهو صحيح أم أنه تسرع به. *** في الصباح، كان عمر يقوم يعد مائدة إفطار شهية للغاية، حتى رأى آدم يتجه نحوه قائلًا بحزن: "آدم: صباح الخير."
عمر ناظرًا له بحذر وحزن على حاله، فقد رأى ما فعلته ملك وعلم أن آدم سوف يحزن ويتألم كثيرًا، وقد أراد التحدث معه ليلاً بشأن ذلك الأمر ولكنه فضل أن يتركه يهدئ ويفكر أولاً قبل الحديث معه. "عمر بمرح مصطنع: صباح إيه بس الساعة ١٠. ناموسيتك كحلي هو السرير بتاعنا عجبك أوي كده؟ تحب تاخده معاك وانت رايح." وأكمل مازحًا: "بس لو خدته انسى بقى ترتب على الدفعة أو حتى تجيب تقدير لأنك مش هتحضر حاجة بالمنظر ده."
تركه آدم يثرثر وهو يعلم أنه يريد إخراجه من حزنه. ليفاجئه برده: "آدم: أنا هسافر دلوقتي يا عمر ومتشكر عالفطار بس حقيقي مليش نفس." "عمر بجدية متسائلًا: بعت رسالة لملك؟ "آدم: لا مبعتش حاجة." "عمر: ليه يا آدم؟ "آدم بعصبية وانفعال: مبقاش ليها حق عندي يا عمر، وملهاش حق حتى إني أفسرلها موقفي. هيا خلاص عملت اللي في دماغها وخدت حقها باللي عملته، من غير حتى ما تسألني ولا تستنى أفسرلها موقفي." "عمر: يا آدم... قاطعه آدم قائلاً:
"هيا عارفة كويس أنا هحس بإيه لما تعمل كده وعملته. أنا لو جرحتها فكان بدون قصد، لكن هيا جرحتني قاصدة ومتعمدة توصلي إنه خلاص مبقاليش لازمة." "عمر مهدئًا صديقه: لا يا آدم، أكيد متقصدش كده. هيا ممكن لما لقيتك محضرتش الاجتماع فكرت إنك مش فاضي أو مش فارق معاك الجدول فقالت تعمله هيا وخلاص. أكيد مفكرتش تضايقك يعني." "آدم
بانفعال أكبر: متحاولش تدافع عنها يا عمر عشان أهدى. أنا وأنت عارفين كويس أوي هيا قصدت إيه. ولو اللي انت بتقوله صح، على الأقل كانت خدت رأيي أو حتى قالتلي إنها هتنزل حاجة. لكن دي اتصرفت من دماغها ونسيت إني اللي مسؤول عن الدفعة بقالي ٣ سنين وأنا اللي بقرر كل حاجة. جت في لحظة مسحتني وتجاهلت وجودي." "عمر مغيرا الموضوع: طب ده إيه علاقته بإنك عايز تمشي؟
"آدم: أنا كده كده كنت هسافر وأسيبك تقعد مع أهلك شوية. هما شوية وجايين وباباك هيخرج بالسلامة وهتبقى عايز تقعد معاه براحتك." وأكمل: "وأنا كمان أروح ألم اللي ضاع مننا عشان لما ترجع بالسلامة أشرحهولك." "عمر بشكر: مش عارف أقولك إيه على وقفتك معايا دي." "آدم: بطل بقى الكلام اللي ملوش لازمة ده وروح أحسن حضّر أوضة والدك وظبطها كده عشان لما يخرج إن شاء الله يعرف يرتاح."
"عمر: طب عشان خاطري ناكل لقمة مع بعض. أنا مأكلتش من الصبح ومستنيك تصحى تفتح نفسي." وبعد إلحاح شديد من عمر، تناول آدم وجبة الفطور معه ثم قام بتحضير حقيبته وخرج بعد توديع عمر له متوجهًا لمحطة القطار بعد أن قام بحجز تذكرة ليلاً من الموقع الإلكتروني الخاص بالقطار المسافر للقاهرة. *** في نفس الوقت كانت عاليا تجلس مع ملك قائلة: "عاليا: غريبة إن آدم مجاش النهاردة كمان." "ملك
بعكس ما يدور بصدرها: تلاقيه بيذاكر وبيلم المنهج عشان الامتحانات خلاص فاضلها أسبوع." "عاليا: لا آدم بيحضر كل حاجة لآخر وقت، وكمان محضرش امبارح. في حاجة غريبة." كانت ملك تشعر بالقلق بالفعل بداخلها لأجله، فقد لاحظت غيابه طوال اليوم وهذا ما لم تعتده عليه. فمعروف عن آدم أنه ملتزم جدًا ولا يتخلف عن أي محاضرة مهما كان، إذا فهناك حتمًا سببًا لغيابه هذا. ولكنها نفضت تلك الأفكار من رأسها قائلة بلا مبالاة: "ملك: وإحنا مالنا؟
سيبك منه وخلينا نركز في محاضراتنا. الامتحانات قربت." *** وصل آدم لمنزله بعد طريق سفر شاق. أخذ حمامًا سريعًا كي ينعش جسده ويستفيق، ثم بدل ملابسه وخرج متوجهًا بسرعة للكلية، فهو لا يريد أن يضيع أكثر مما ضاع. دلفت ملك قاعة المحاضرات بصحبة عاليا ولا إراديًا بحثت عن آدم بعينيها مكان جلوسه رغم معرفتها بعدم وجوده. ولكنها تفاجأت بوجوده. وجدته يقوم بنقل بعض المحاضرات من زميل له بالدفعة.
لا تعرف لما شعرت بالارتياح الشديد، وقد اطمأن قلبها عندما رأته، ولكن لماذا؟ هذا ما لم تستطع تفسيره. اعتقدت أن آدم سوف يأتي ويصب عليها غضبه مما فعلته ويسمعها كلامًا كالسم حتى يريح روحه ويستعيد كرامته وكيانه. وقد استعدت حقًا لتلك المعركة المشتعلة التي سوف تحدث بينهما بعد ما فعلته. ولكنها تفاجأت بتجاهله التام، حتى أنه لم يلتفت إليها أبدًا، وحتى بعد المحاضرة غادر دون الحديث أو الالتفات لها. شعرت بشيء غريب، أهذا هو آدم؟
كيف تعامل بهذه اللامبالاة وهذا التجاهل؟ ألم يرَ ما فعلته؟ لا، فأنا واثقة أنه رأى الإعلان. إذا كيف تعامل بتلك الطريقة؟ فآدم الذي أعرفه بعد ما حدث سوف يثور ويشتعل بالنيران ويتشاحن معي ممطرني بأبشع الكلام وأسوأ الصفات. ولكنه لم يفعل كل هذا، كيف؟ كادت تجن من بروده هذا وفكرت أنه من الممكن أنه ما زال يفكر برد مناسب وأقوى مما تخيلت.
ذهبت للكافتيريا بصحبة عاليا لتجده يأكل بمفرده مع ارتسام الحزن على وجه صديقه الملازم له طوال الوقت. نظرت إليه وما إن وقعت عيناها عليه وجدته ينظر إليها نظرة هزت بدنها وأحرقت روحه. نظرة مليئة بالألم والحزن والحسرة والعتاب واللوم. حقا كانت نظرة قاسية على قلبها الرقيق الذي لا يتحمل كم الألم والحزن الدفين بعينيه. ولكنها أبعدت نظرها عنه متجاهلة إياه. حاولت إلهاء نفسها بالطعام غير مبالية به، ولكن لم تستطع.
فنظرته كانت مصوبة عليها كسهام تمزقها من الداخل. بعد الانتهاء من طعامه، لملم أشياءه استعدادًا للنهوض. ليجد ملك تقف قبالته متسائلة بانفعال: "ملك: ممكن أعرف محضرتش اجتماعنا امبارح ليه؟! نظر لها بلوم مؤلم ثم تجاهلها وتجاهل كلامها مكملاً طريقه. حين أوْقفته قائلة وقد اشتعلت أكثر من ردة فعله: "ملك بانفعال: أظن مش من الذوق تمشي وأنا بكلمك." نظر بعينيها بتحدي وسهام مشتعلة بالغضب مصوبة إليها قائلاً: "آدم بحدة: عايزة إيه؟!
"ملك: عايزة تفسير من سيادتك للي حصل امبارح. أنت اللي طلبت ننسق الجدول سوا مش أنا. ليه مجتش؟! "آدم ناظرًا بعينيها ببرود وتحدي: مليكيش عندي تفسير." "ملك مستفزة إياه كي ينطق: كنت عارفة من الأول إن مفيش سبب وإنك عملت كده قاصد عشان تضايقني وبس." "آدم وقد اغتاظ من كلامها: انتي مش عملتي اللي عايزاه وخدتي حقك وانتقمتي. مليكيش حق عندي خلاص أفسرلك أو أوضحلك أي حاجة." وأكمل بحسرة وحزن:
"أنا كنت ناوي والله أعتذرلك بعد ما أفهمك اللي حصل بس للأسف انتي مدتنيش فرصة واتسرعتي وضيعتي حقك باللي عملتيه." شعرت ملك بغصة بحلقها، لم تستطع الرد وقد تأكدت أنها ظلمته وأنه لم يرد أبدًا مضايقتها أو إهانتها مثلما اعتقدت. أرادت بشدة أن تعرف ما حدث، فقد قلقت كثيرًا عليه. إذا كان الأمر منعك من حضور المحاضرات، إذا الأمر كبير. ردت عليه بتحدي مستفزة إياه كي يبوح بما بداخله: "ملك: مش أنت مهمكش الجدول أصلًا؟
خلاص أنا قلت أريحك ومضغطش عليك أكتر وأخلصه أنا." "آدم: بجد والله؟ طب والله كتر خيرك. عن إذنك بقى." ذهب مشتعلًا من طريقتها المستفزة معه والتي لم يعتاد عليها من أي شخص كان، بل لم يسمح حتى بها. ولكن مع ملك الأمر يختلف، ولا يدري لماذا. فهي الوحيدة التي لا يقدر على إيذائها أو جرحها بالكلام. فهو يصد كل الفتيات ويعاملهن بجفاء وغلظة ولا مبالاة، أما ملك فلا يستطيع التعامل بتلك الطريقة معها، وهذا ما يغيظه ويؤلمه أكثر.
لن يقدر على أخذ حقه منها أو تفريغ غضبه بها. أما ملك، فقد شعرت بانقباض بقلبها بعد تلك المواجهة، كما انتابها القلق لحالته الغريبة تلك والتي لم تراها عليه من قبل. فآدم معروف في دفعته وبين زملائه أنه قيادي ذو شخصية قوية جدًا وعنيدة، كما أنه قاسٍ لا يرحم ولا يتهاون في حقوقه أبدا ولا يظهر ضعفه أو حزنه إلا للمقربين جدًا منه، فهو غامض إلى حد كبير. كما أنه يعرف كيف يتصدى للمشاكل والعقبات ولا ينكسر بسهولة.
إذا لما هذا الانكسار والحزن الدفين بعيونك يا آدم؟ أجرحتك لهذا الحد؟ إنه مجرد جدول لعنة نسقته لغضبي منك، لم أتوقع أبدا أن الأمر سيعني لك لتلك الدرجة. ثم نفضت كل تلك الأفكار من رأسها مذكرة نفسها بأنه هو من بدأ وأهانها وقلل منها حينما تركها تنتظره ولم يأت أو يعتذر حتى. إذا فيستحق كل ذلك وأكثر. *** في المساء، كان يجلس وحده بالمنزل يحاول تعويض ما فاته من محاضرات ويذاكر. ولكن هل سيستطيع التركيز وقلبه موجوع؟
أخذ يحاول ويحاول أن يصب تركيزه بمذاكرته وينفض أي أفكار من رأسه، ولكنه لم يستطع. ألقى بالقلم بقوة على مكتبه يائسًا، ثم أرجع رأسه للخلف ليستند على ظهر الكرسي رافعًا ذراعيه الاثنتين خلف رأسه. قائلاً بغيظ: "آدم: مش عارف أذاكر. مش عارف أركز. مش عارف حتى أنام. بجد مش فاهم في إيه! مكنش حتة جدول ده يعمل فيا كده." ثم بدأ يحدث نفسه بصدق: "آدم: هو بجد اللي مزعلك اللي عملته ملك؟
طب لو مش ملك اللي عملت كده وأي حد تاني عمل الجدول وفاجأك كنت هتضايق أوي كده برضو؟ ولا أنت مؤثر فيك الشخص نفسه؟ ليرد على نفسه: "لا طبعًا الموقف من أي حد يضايق. بس أنت مش متضايق يا آدم، أنت موجوع. أنت اللي واجعك إن ملك اللي عملت كده." "وإيا كان تفاهة الموضوع اللي مش طبيعي يخليك شارد وحزين كده، فالفكرة كلها إنك زعلان عشان حاولت تأذيك نفسيًا وتضايقك. شافت حاجة ممكن تضايقك وعملتها."
"وأنت مش متقبل إن ده يحصل منها. وده اللي واجعك مش الموقف نفسه." "السؤال بقى؟ اشمعنى ملك اللي مش قادر تتقبل أذى منها. اشمعنى هيا كمان اللي مش قادر حتى تاخد حقك منها؟ "أنت كنت تقدر تحرجها وتغير كل حاجة وتهد الدنيا فوق دماغها وتحرق دمها." "لكن أنت مفكرتش حتى تعمل أي حاجة. ولا سمعتها كلمة واحدة تضايقها. وبدل كل ده رضيت بوجع قلبك وسكت." "ليه؟!!!!!! شعر آدم بغصة بقلبه عند وصول فكره لتلك النقطة. "أتحبها يا آدم؟
أيمكن أن تكون ملكت قلبك وروحك ولهذا فهي مختلفة بالنسبة لك عن كل من حولك؟! ولكنه أنكر تلك المشاعر متجاهلاً حاله الغريب هذا معللاً لنفسه أنه لم يضعف أبدًا أمام أي فتاة حتى الآن ولا يوجد بملك ما هو مميز أو مختلف كي يجعله يضعف أمامها. فمثلها مثل بقية البنات من حوله تريد وده وتقربه منها نظراً لوسامته وشخصيته القوية وأيضًا مستواه الدراسي والمادي. حدث نفسه: "ولكن هل ملك حقًا تتودد إلي وتتمنى قربي؟
لا على العكس، فتعاملاتها معي غليظة وحادة كما أنها لا تراعي مشاعري ولا تعير وجودي أي اهتمام حتى محاولاتي للتقرب منها باءت بالفشل ودائمًا ما يحدث بيننا سوء تفاهم. إذا فهي حقًا مختلفة عنهم." "وهذا ما يرهق روحك يا آدم، كن صريحًا." "ما يرهقك حقًا أنها لا تبالي بك مثل البقية." "بل على العكس تعاديك وتتحداك في كل فرصة وهذا ما لم تعتد عليه." فكر مليًا ورد على حاله بكل غرور وتعجرف:
"آدم: إذا فلتدخلي عالمي يا ملك. فلتحبيني. لا يمكن لأي امرأة كانت أن لا تعشقني. إن كنت أتقبل منك الأذية بصمت ولا أستطيع الانتقام." "فليمنعك عشقي عن تلك الأذية. فليمنعك عن التحدي والعناد ذلك. فليجعلك تتخلين عن تلك التعامل الحاد وتطلبين ودي." "أقسم أنني سأوقعك بي. سأجعلك تتمنين قربي. ستشتاقين لكلمة واحدة مني." "ستفعلين كل ما أريده وترضخين لرغباتي عن طيب خاطر." "صبرًا أيتها العنيدة... صبرًا."
ثم ذهب إلى سريره في محاولة للنوم بعد أن يأس من التركيز بدراسته. *** في صباح اليوم التالي. كانت تسير مع صديقتها عاليا حيث كانا يتحدثان عن اقتراب موعد زفاف عاليا. "ملك: معقول يا عاليا هتتجوزي وأنتي بتدرسي؟ أنا بجد مش مستوعبة الموضوع." "عاليا: هعمل إيه يا ملك غصب عني. ربنا يقويني بقى." "ملك: يا حبيبتي الجواز ده مسؤولية من شغل بيت وأكل وخروجات ومشاوير، إزاي هتقدري على كل ده مع كلية ومذاكرة ومشاريع؟
"متزعليش مني بس ده اسمه جنان وأنا لا يمكن أشجعك عليه." "عاليا معللة: يا حبيبتي مفيش حل غير كده. أنا مبقاليش حد غير خالتي وابنها. وهما طبعًا مش موافقين أبدًا إني أقعد لوحدي." "فمضطرة أقعد معاهم. ولأن أحمد ابن خالتي وخطيبى في نفس الوقت هيرجع خلاص من أمريكا، فمش ظريفة إننا نقعد في بيت واحد من غير ما يكون بيننا حاجة شرعية." "الناس مبتسيبش حد في حاله يا ملك." "عشان كده خالتو لقت إن الحل الوحيد التعجيل بالجواز."
"دي كان نفسها نتجوز السنة اللي فاتت وتبقى خطوبة وكتب كتاب مرة واحدة بس أنا أصرت عليها نستنى الترم ده عشان يكون ترم واحد مع الجواز أهون من سنة كاملة." "ملك: طب على الأقل اعملوا كتب كتاب بس عشان تحافظوا على شكلكم. لكن متحمليش مسؤولية بيت دلوقتي." "عاليا: للأسف الناس مش بترحم، أنتي عارفة كلام الناس يا ملك. هيعدوا يقولوا كتب كتاب بس وفي بيت واحد وبيضحكوا علينا وكلام كتير مستفز. ده غير إن أعمامي عمرهم ما هيوافقوا."
"وغير إن وضعنا هيكون برضو محرج ومش هنعرف نتعامل وكمان ممكن نضعف خصوصًا إنه هيبقى جوزي." وأكملت مطمئنة إياها بعدما شعرت بقلقها الحقيقي عليها: "أنا اتكلمت مع خالته في موضوع الدراسة ده وقالتلي إننا هنوضب شقتنا وندخل فيها ونستقبل الضيوف فيها عشان محسش إني أقل من أي عروسة وبعد كده هنروح نقضي معاها باقي السنة دي عشان ميبقاش حمل كبير عليا." "وهيبقى وضعي هناك زي دلوقتي."
"ملك: ربنا يعينك يا قلبي. أنا بس خايفة على دراستك ومستقبلك. إحنا في كلية عملية يا حبيبتي ومحتاجين كل دقيقة وتركيز عالي عشان نضمن تقدير حلو وشغل محترم." "عاليا: هحاول أعمل اللي أقدر عليه والباقي على ربنا." "ملك: متقلقيش أنا هكون معاكي بإذن الله وأي حاجة تحتاجيها هجبهالك ولو فوتتي محاضرات هشرحهالك مش هحسسك أبدًا إن فيه حاجة ناقصاكي." "عاليا
بحب وامتنان: اللي وراه أخت ضهر وسند زيك ميقلقش. مش محتاجة تقولي أنا عارفة إنك هتعملي كده وأكتر. إحنا عشرة عمر 😍." "ملك: حبيبتي يا لولو ربنا يسعدك ويفرح قلبك يا حبيبتي. وغمزت بعيونها مازحة: ويحقق أمنيتنا إن نشتغل في مكان واحد." وضحكا سويا. *** عند دخول عاليا وملك قاعة المحاضرات. ألقت ببصرها مكان جلوس آدم وجدته ينظر إليها نظرة مبهمة بشرود.
تنحنحت أثر خجلها من تلك النظرة الصريحة لها ثم جلست بمكانها وكانت بين الحين والآخر تنظر تجاهه كأنها تطمئن نفسها بوجوده معها في نفس المكان. بعد المحاضرات وجدها تجلس وحيدة ليجلس بجانبها قبل أن تنهض، وبدون مقدمات سحب دفتر المحاضرات من أمامها وكتب لها رقمه. ثم نظر بعينيها نظرة مهلكة لقلبها قائلاً: "آدم: لو كان معايا رقمك يومها كنت كلمتك. عامة كتبتلك رقمي عشان يبقى بينا تواصل وتعرفي انتي تكلميني." وذهب دون أن ينتظر ردها.
تجمدت بمكانها وظلت تنظر لأثره باندهاش غير مستوعبة ما حدث للتو. أمسكت بدفتر محاضراتها تتأمل نقش كتابته عليه، دق قلبها بشدة وأخذت تشم رائحته في دفترها محتضنة إياه بدون وعي وبلمعة فرح بعينيها. تلمست موضع آدم بحنان وكأنها تتخيل أنها تلمسه. شعرت بعشقه بدأ أن يتغلغل بعروقها. ظلت على وضعها هذا حتى أتت عاليا تحثها على الذهاب. حيث تركت ملك بعد المحاضرة لجلب بعض المذكرات اللازمة لهم حين انفرد بها آدم.
"عاليا: إيه يا بنتي مالك مذهولة كده ليه؟ "ملك: ها.. لأ مفيش.. اصل كن كننن كننننت." "عاليا: لاااا ده فيه وفيه كتيييير. واضح إن الموضوع كبيييير. اعترفي فورًا إيه اللي حصل." احمرت ملك خجلاً وارتسمت على وجهها ابتسامة عشق لم تستطع إخفاءها قائلة: "طب يلا نمشي من هنا وهحكيلك في الطريق." "عاليا: يلا شكلك ميطمنش." *** بعد خروج آدم من قاعة المحاضرات أخذ نفسًا عميقًا كمن حبست أنفاسه لفترة طويلة.
فما أن جلس بجانب ملك حتى شعر بكهرباء تسري بسائر جسده، وعندما التقط دفترها ارتعدت يديه أثناء الكتابة. لم ينتابه ذلك الإحساس من قبل، ماذا يحدث لك يا آدم؟ تريد أن توقع بها ولكن يبدو أنها من أوقعت بك منذ زمن. حاول إنكار مشاعره تلك مبرهناً لحاله أنه لم يضعف أبدًا أمامها ولابد أن تقع بحبه ويذلها العشق. "آدم محدثاً نفسه: بس أنا أول عيني ما جت في عينيها قلبي ارتعش وجسمي كله اتنفض، ده يبقى اسمه إيه!
شعر بحيرة شديدة فلم يستطع الرد وفضل تجاهل الأمر وتشتيت فكره بالتحدث مع عمر عبر الهاتف في طريق عودته للمنزل. فقد اشتاقه كثيرا وافتقده في هذين اليومين، فهو معتاد على قضاء كل أوقاته معه. ولم يعتاد الإقامة بالمنزل بمفرده. جاءه صوته المرح: "عمر: آدم باشا، معقول وحشتك بالسرعة دي؟ ده أنا هزغرط من الفرحة والله." "آدم: البيت كئيب أوي من غير هزارك ونكتك البايخة. وأكمل مازحًا: مش لاقي حد يعملي شاي ماسخ ولا قهوة صايصة من بتوعك."
"عمر: والله واحشني يا آدم واحشاني رخامتك دي. فينك يابني مختفي ليه من ساعة ما سافرت؟ "آدم: والله ببقى عايز أكلمك بس بقول بلاش أشغلك اليومين اللي قاعدهم مع أهلك." "عمر: لا يا حبيبي أنت تشغلني زي ما أنت عايز." "آدم: عمو عامل إيه دلوقتي طمني؟ "عمر: الحمدلله بقى زي الفل والدكاترة طمنونا أوي وطبعًا هو متدلع من ماما آخر دلع وحاسس إني عزول في النص الصراحة." "آدم: ربنا يطمنك عليه. المهم جاي إمتى بقى؟
"عمر: حجزت السبت إن شاء الله. يعني يومين وهتلاقيني طبيت عليك زي القاضي المستعجل." "آدم: تيجي بالسلامة. أنا وصلت أهو هروح أغير وأنام بقى أحسن تعبان جدًا. سلام يا وحش." "عمر: الف سلامة يا معلم." *** "عاليا: يخربييييتك يا ملك. أنت شكلك وقعتي ولاحدش سمى عليكِ. بركاتك يا شيخ آدم." "ملك بحب: مش عارفة يا لولو. أنا بجد مستغربة نفسي أوي. منين كنت كارهه ومش طايقاه وشايفاه مغرور ورخم. وفجأة حنتله كده." "عاليا: حنتيله؟
قولي حبته. عشقتيه؟ ماهو اللي بتحكيه ده مش مجرد حنين لأ، أنتي طبيتي يا لوكا ووقعتي في الفخ خلاص." "ملك بعبوس وغيظ: وهو سي آدم ده ينفع حد يقع معاه؟ ده يطلع عينى. يابنتي ده اللي تقع مع آدم دي أمها داعية عليها." "عاليا مازحة: ما أنتي يا حبيبتي مطلعة عينينا فجالك اللي يطلع عينك." وضحكا سويا. *** مر يومي الجمعة والسبت وجاء أول يوم بالأسبوع الذي يفصلهم عن امتحانات الميدتيرم. "عاليا متحدثة
مع ملك في طريقهم للكلية: أنا كمان الجزء ده مش فاهمة فيه حاجة." "ملك: تعالي نطلع للمهندس شادي يشرحلنا آخر محاضرة دي. ثم نظرت إليها متحدثة بخجل: بصراحة أنا المحاضرة دي بالذات كان كل تركيزي مع آدم. مسمعتش حتى الدكتور بيقول إيه." "عاليا: ياسيدي يا سيدي عالحب. مش بقولك وقعتي."
"ملك: لا مش كده. أنا كنت لسة مواجهته وشدنا مع بعض. بس حسيت إنه حزين أوي ساعتها زي ما يكون مصدوم فيا. مش فاهمة على إيه كل ده. أنا شايفة الموضوع تافه ومش مستاهل." "وكنت كل شوية أبص له وأشوفه أحسن يكون بيضحك ويهزر وبيمثل عليا إني الزعلان." ثم أكملت بحزن: "بس للأسف كنت بلاقيه حزين ومكشر وساكت مبيتكلمش مع حد."
"عاليا: بالنسبة لك تافه يا ملك، لكن بالنسبة له هو حس إنك تعديتي عليه وعلى دوره ولغيتيه ولغيتي وجوده. أي حد مكانه هيزعل." "ملك: لا مش بالطريقة دي. وشخصية آدم يخليه يثور ويغضب ويسمعني كلام زي الزفت وممكن ينتقم كمان." "لكن ده هادي هدوء مرعب مش طبيعي." "عاليا: خلاص سيبك دلوقتي من كل ده وخلينا نركز في الامتحان اللي جاي ده." "ملك: آه نهاردة معاد سؤال مهندس شادي. تعالي نطلع ونخليه يشرحلنا." "عاليا: خلاص ماشي." ***
طرقت ملك باب مكتب مهندس شادي حتى أتاها إذنه بالدخول. دخلت ملك بصحبة عاليا وتفاجأت حينما رأته. وجدت عمر صديق آدم يجلس مع مهندس شادي وكأنه يسأله على شئ. دخلت قائلة: "ملك: السلام عليكم." مهندس شادي ببشاشة واعجاب: "وعليكم السلام. أهلًا يا ملك." ثم تحدث برقة مداعبة ناسياً من حوله: "شادي: يا ترى إيه سبب تشريفك ليا بمكتبي المتواضع؟ "ملك باحراج
من طريقته الحميمية تلك: بعد إذنك يا بشمهندس كنا عايزين حضرتك تشرحلنا آخر محاضرة دي عشان مش قادرين نفهمها." "شادي: أكيد طبعًا. عمر كمان كان عايزني أشرحهاله عشان محضرهاش. باباه كان تعبان في المستشفى واضطر يروحله." "ملك موجهة حديثها لعمر بقلق: إيه ده بجد؟ سلامته ألف سلامة إيه اللي حصل؟ "عمر: الله يسلمك. الحمدلله جت سليمة. كانت جلطة في المخ بس عدت الحمدلله." ثم شعر بأن فرصته قد جاءته من تلقاء نفسها لتبرئة صديقه.
دون السعي لها فأوضح أكثر: "عمر: كلموني من المستشفى. ولولا آدم كان معايا مكنتش هعرف أتصرف. سافر معايا ومسبنيش لوحدي. وروح لما أطمن على بابا." شعرت ملك بغصة بحلقها وقلبها بعد كلام عمر وقد أيقنت أنها ظلمت آدم ظلمًا كبيرًا. فهو لم يقصد أبدًا إهانتها أو التقليل منها كما ظنت. ولم يكن يستحق منها ما فعلته معه. ولكن بالرغم من غضبها الشديد من نفسها إلا أنه كبر كثيرا بنظرها وارتفع قدره عندها بعد موقفه الإنساني ذلك مع صديقه عمر.
فقد ظنت أن كل ما يهمه دراسته ومستقبله فقط، كما صدقت من يقول إنه بلا قلب وقاسٍ لا يرحم. ولكنه أثبت بفعله النبيل هذا أنه ذات قلب حنون ورجل يعتمد عليه. فهو لم يعير دراسته أي اهتمام حين رأى صديقه بمحنة. فضل الوقوف بجانبه ومساندته في شدته عن أي شيء آخر. يالك من رجل عظيم وصديق وفي يا آدم. ابتلعت ملك الغصة بحلقها وقالت بصوت مبحوح من أثر صدمتها وحزنها أيضًا: "الحمدلله ربنا يطمنكم عليه." ثم بدأ شادي في شرح المحاضرة لهم.
ولكن هل يمكن لملك الاستماع والتركيز بعد ما عرفته؟ فقد كانت حاضرة بجسدها فقط أما قلبها وعقلها كان مع آدم. كل تفكيرها به. كيف يمكنني الآن التكفير عما فعلته؟ فلقد ظلمته ولم أكتف بذلك بل صببت غضبي عليه وأسمعته أسوأ الكلام. فقد كان تعاملي فظًا حادًا جدًا. ولكن كان يجب عليه إخباري. كان لابد أن يشرح لي موقفه ولكنه لم يفعل ذلك. وحتى عندما واجهته قابل مواجهتي بالصمت. فماذا علي أن أفعل الآن؟
بعد انتهاء شادي وخروجها مع عاليا من مكتبه. "عاليا: شوفتي طلعتي ظالماه؟ حرام عليكي يا ملك ده شكله فعلاً حزين جدًا." "ملك: والنبي يا عاليا أنا مش مستحملة كلمة. ومتضايقة من نفسي فعلاً. مش ناقصة تأنبيني أكتر." ضمتها عاليا بحنان وربتت على يديها بحب قائلة وقد شعرت بالأسف لحال صديقتها: "مش مستاهلة يا لوكا تضايقي نفسك كده. اعتذري له وخلاص." نظرت إليها ملك بحيرة ولم تعرف بما ترد. ***
كانت متوجهة لبوابة الكلية تفكر بآدم وتحاول تفسير عدم إبلاغها بالظرف الذي وضع فيه. حينما رأته يخرج من الكافيتيريا. قاطعت طريقه قائلة بانفعال: "...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!