قال قصي: لقد كان لدي عمل إضافي ولن أستطيع المجيء إليك، اعذرني على تقصيري. قال سعد محاولاً تغيير مجرى الحديث: هيا تعال إلى منزلي، لقد اشتقت لك كثيراً. أجابه قصي: وأنا أيضاً، ولكنني لست في حالة جيدة. تعال أنت. ردَّ سعد: لماذا؟ هل أنت مريض؟ قال قصي بملل: ربما. ما رأيك أن نلتقي في مقهى العم خالد؟ لعلي أصحو قليلاً. قال سعد بمرح كعادته: نعم، إنها فكرة جيدة. أجابه قصي مسرعاً: إذاً سأنتظرك هناك. مع السلامة. ***
دخلت بيسان المنزل وهي متعبة ومليئة بالغبار، ودموع عينيهما لا تتوقف عن الجريان على خديه. جاءت أمهها على سماع صوت الباب قد افتتح. وعندما رأت بيسان، أمهها ارتمت بحضنه باكية. نظرت أمهها بدهشة وهي تقول: ما بك؟ ماذا هناك؟ لماذا تبكين؟ لم تجب بيسان على أمهها إلا بالبكاء الشديد، وكأنها تفرغ كل وجعها بحضن والدتها. أمسكت أمهها بيد ابنة قلبها وجلست، واضعة يداها على رأس بيسان لكي تتوقف عن البكاء وتتحدث عما حصل بها.
نظرت بيسان بعينين والدتها، وكأنها تقول لها ما حصل بلغة العيون. ثم قالت لها كل شيء حصل معها بالتفصيل، حتى توقفت عند قصي. أومأت الأم رأسها، ودموعها تجمعت في عينيها وهي تقول: أكملي، ماذا حصل؟ كيف استيقظتي؟ كيف وصلتي إلى المنزل؟ نظرت بيسان بخجل وندم وقالت: أمي، لم أشعر أنه حملني، أنا آسفة. قالت الأم متفهمة وهي تبتسم، فهي حقاً فهمت بيسان من نظرة عينيها، تلك هي الأم تفهم ابنتها حتى لو لم تتكلم.
أعلم ذلك، لا تحزني، ويجب علينا أن نتشكر هذا الشاب اللطيف. ابتسمت بيسان وأكملت لها عن قصي، وكيف ساعدها وأوصلها إلى المنزل. وعندما انتهت، ابتسمت الأم قائلة: ابنتي، لا تحزني. هناك صديقات خبيثات، لا تثقي بأي أحد، وهي فقط شعرت بالغيرة لعدم وصولها إلى ما وصلتي إليه. وافتخري بمرضك لأنه من الله، وصديقتك ستعاقب على ما قالت. قالت بيسان مسرعة: لا، لا أريد أن يصيبها ما أصابني. قالت من بين دموعها: سامحها الله وغفر لها. نظرت إليها
أمها بفخر وحب وهي تقول: بارك الله فيكِ يا ابنتي، وجعلك من أهل الجنة. ذهبت بيسان إلى غرفتها مبتسمة، وكأن كلام أمها امتص جميع حزنها. اغتسلت ثم غيرت ملابسها، وارتدت بجامة باللون الأسود، فالأسود لا يليق إلا بها. ثم فتحت النافذة وهي تنظر لغروب الشمس بابتسامتها الرائعة، بل أكثر من رائعة. فمثل تلك الابتسامة، والغمازات الملفتة، والعيون الواسعة اللامعة بوجع الأيام، ورموشها الطويلة المبللة من كثرة البكاء، لم ولن ترى.
وسبحان من صب القهوة في عينيها، فجعل كل من يراها يسبح الله ويبتسم، ولا يعلم كم هي متعبة تلك العيون. فمر تلك القهوة يجعلها تدلف دموعها كل ليلة، ولا أحد يعلم سوى الله والقمر التي تكلمه وهي تبكي. قالت للشمس وهي تضحك: هيا اذهبي، حان موعد مجيء قمري، لدي الكثير من الكلام لأقوله له. ثم استلقت على السرير وهي تنظر للنافذة بشرود، وتنتظر القمر، ولكنها ذهبت بنوم عميق. ***
كان قصي جالساً على كرسي في مقهى العم خالد، الذي يعرفه منذ سنوات ويشعر بأنه كوالده المتوفي، لكنه لم يراه اليوم في المقهى. جلس وهو في شرود عميق، بل وكأنه صنم، ولكن هذا شكله من الخارج، أما داخله كان غارقاً في بحر التساؤل وهو يقول: تُرى ما ذلك المرض اللعين الذي أصاب تلك الفتاة المسكينة؟ وهل حقاً سيدعوها تموت قريباً ولن يفعلو شيئاً لها؟ ليقاطعه تفكيره صوت يعرفه جيدا.
قال سعد وهو يمسك بالكرسي المقابل لكرسي قصي ويجلس به، ويضع هاتفه ومفتاح سيارته على الطاولة، وهو يقول بضحكة خبيثة: والله شكلك عشقان يارفيقي. قال ذلك وهو يعلم غضب قصي من ذلك الكلام، ولكنه اشتاق ليمزح معه ويرى غضبه. ولكن سرعان ما تحولت تلك الابتسامة لتعجب. قال قصي بغضب: أنت مجنون يا سعد. قال سعد: هل أنت بخير؟ لماذا كل هذا الشرود والغضب؟ هل حدث شيء؟ تكلم يا قصي، ما بك؟ أجابه قصي بحزن وتوتر: هناك شيء حدث صباحا، سأخبرك به.
وبدأ يقول له ما حدث، ولكنه توقف عندما تكلمت له عن مرضها الخطير. أكمل: ماذا بعد؟ لماذا كانت تبكي الفتاة؟ لأنها... ثم تذكر كيف قالت له أنها لا تحب أن يعلم أحدا بمرضها، وأن صديقتها خذلتها، وأنها تشعر بأنه أخاها. لم يستطع إكمال حديثه، فهو لا يريد أن يخذلها هو أيضاً. فقال مسرعاً: لا شيء يا سعد. ماذا تريد أن تشرب؟ قهوة أم شاي؟ قال سعد بحزن: هل تخفي عني أشياء ولا تريد أن تتكلم بها يا قصي؟ ألم أعد صديقك المقرب؟
ألم أعد أخاك الذي لم تلده أمك؟ ألم... قاطعه قصي: لن يتغير شيء، أنت كنت ولا زلت وستبقى كذلك يا سعد. سأتكلم لك ولكن ليس الآن، لاحقاً. ولكنني حزين جداً على تلك الفتاة، لا أعلم لماذا. تخيل لو أن أختي كانت كذلك، لا أستطيع أن أتركها من دون مساعدة. ولكن ماذا أفعل؟ نظر له سعد بحزن، فهو لم يراه بهذا الحزن منذ موت والده.
ثم قال: لا أعلم ما هو هذا الشيء، ولكن إذا كانت بحاجة إلى المساعدة، قدم لها العون ولا تتركها، ولأنني أعلم جيدا أنك لا تستطيع أن تترك أحد دون مساعدة. قال قصي بحزن: سأفعل ما بوسعي لمساعدتها. قال سعد وهو يحاول أن يغير هذا الحديث الحزين: هيا تعال، سنذهب إلى المطعم. ثم قال بمرحه المعتاد: لا تخف، أنا سأدفع. أجابه قصي بضحك: ما رح أحكي شي، بتضل صاحبي. ثم ذهبا معاً إلى مطعم متوسط الفخامة والجمال. *** وفي صباح يوم جديد.
كانت تلك الجميلة نائمة بعمق، وكأنها لم تنم منذ سنة. استيقظت بخوف وهي تسمع طرقات باب البيت بقوة. ركضت مسرعة حتى توقفت عند الأدراج بصدمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!