بدرت منى ابتسامة ماكرة. هيترا، طبعاً كنتِ موجودة هناك. أنتِ من قمتِ بطرد بريدا؟ أنتِ وحدكِ قمتِ بطردها يا يوسف، من يستعن بالله لا يحتاج شخصاً آخر ليساعده. أنا؟ نعم أنتِ. أنا لم أتدخل كما عاهدتكِ. لكنكِ يا هيترا كنتِ تنتظرين اللحظة المناسبة لتنقذيني؟ صمتت هيترا ولم ترد. الميزة الرائعة في هيترا أنها لا تكذب أبداً مثل باقي النساء. لابد أن أخبركِ أني غاضب منكِ يا هيترا، كيف تتركيني بمفردي؟
مرة أخرى أذكركِ أنكِ طلبتِ مني ألا أتدخل دون إذنكِ. أو تصدقيني؟ أجل. أنتِ ماكرة يا هيترا، لستِ سهلة. وأنتَ مغرور جداً جداً! لما لا. لقد أخرجتُ جنية من جسد سيدة. لا تفرح كثيراً، كانت راحلة على كل حال. يمكنكِ أن تقولي ذلك لتقللي من إنجازي. والآن العشاء بسرعة. باسم كل النساء المعذبات في الأرض بغسل الأواني وتنظيف الشقق وكي الملابس وإرضاع الأطفال وتلبية رغبات رجالهن، اعترض. لستُ خادمة.
مع ذلك، ومع احترامي لكل نساء العالم، ستقومين بإعداد طعام العشاء. أرفض بشدة. يمكنك أن تطلبها بطريقة أخرى. أجابت هيترا وهي تذم شفتيها وتلوّي عنقها. قلتُ كلمة واحدة، أعدي طعام العشاء وإلا! وإلا ماذا؟ أنتم لا تتوقفون عن تهديدنا؟ وإلا سأصرفكِ. افعلي ذلك. ردت هيترا بنبرة متحدية. بكل العهود السابقة والآتية، أطلب منكِ يا هيترا أن تنصرفي وألا ترجعي حتى أطلبكِ.
حسناً، أنتَ من اخترتَ ذلك. عليكَ أن تتعود أن تعد الطعام لنفسك، تملك يدين وساقين ولساناً بطول حبل غسيل. ارحلي! لا تصرخ بوجهي لو سمحت. أنا أحذركِ. وأشارت هيترا بإصبعها لوجهي. طيب، انصرفي لو سمحت. اختفت هيترا. كنت قد رغبتُ بها مزاحة، لكن بعد رفضها أصررتُ بداخلي على ذلك. تذكرت الأواني وجليها وإعداد الطعام ولُمتُ نفسي لتسرعي، لكن لن أسمح لأي أنثى كانت أن تملي علي أفعالي.
تناولتُ طعامي وركنتُ للنوم. ستظهر حتماً، إنها تعشقني ولن تقوى على فراقي، بريدا أخبرتني بذلك. غابت هيترا ولم تظهر. اللعنة على كل الفتيات المدللات بالعالم، إنهن لا يحسن صنع وجبة ويتأمرن كأنهن أميرات. بالجامعة أصبح الوضع فوضوياً ومأساوياً بالنسبة لشخص منغلق على نفسه مثلي. الكل يحاول الاقتراب مني والتودد إلي. إنها حياة مقرفة أن تصبح أملاً لشخص وأنت لا تستطيع أن تقدم شيئاً لنفسك.
عادت سمر للجامعة وعندما رأيتها تذكرت رسالة رباب وانتابني الضيق والغم. هل يمكنكِ أن تخبريني إن كان حبيبي صادقاً في حبه؟ هل سأنجح هذا العام؟ والدتي مريضة؟ هل يمكنكِ تفسير حلمي؟ هل أنتِ حقاً لديكِ القدرة على معرفة المستقبل؟ يا إلهي الرحيم، ما كل هذا الكم من الإزعاج وقلة الإيمان. هربتُ منهم، أجل فعلتُ، اختفيتُ ببساطة وقررتُ ألا أعود للجامعة على الأقل في الوقت الحالي.
كان عليَّ مرة أخرى، وليست أخيرة، أن أعد الطعام بنفسي واكتشفتُ أني فقدتُ الخبرة التي اكتسبتها قبل ظهور هيترا. كان ذلك جزاء من يعتمد على امرأة. كان هناك من يصرخ بداخلي: اطلب هيترا، اقضِ وقتاً مرحاً. لكن الرجل بداخلي رفض. سأدافع عن كبريائي بكل جهد، لن أستسلم أبداً. فتحتُ الهاتف، عشرات الرسائل منها، من يعرفني ومن حصل على رقمي. لدي رفيف لسان حلو حيث أخبرت كل نساء المنطقة بما حدث معها.
هذه عيشة لا تطاق، أنا أحتاج للهرب من أجل حريتي، لأن أعيش بمفردي بعيداً عن كل الناس. حرمتُ نفسي من عاداتي، أن لا أؤجل قراراتي الاندفاعية. حشرتُ نفسي بأول قطار نحو منزلي القديم الذي احتفظتُ به رغم إغراء السماسرة. كان المنزل غارقاً بالغبار ولم تمانع جارتي أن تقدم لي خدمات ابنتها الصغيرة لمساعدتي بحملة نظافة شاملة.
ظللنا اليوم كله ننظف المنزل. ولما كان البستاني، الجني الصغير، قد رحل بإيعاز من هيترا، وجدتُ نفسي مضطراً لتشذيب الحديقة. يجب على الإنسان أن يقضي كل شيء بنفسه بعض الوقت. تلك الليلة نمتُ نوماً عميقاً ولم أستيقظ إلا عندما كانت الشمس في كبد السماء. كان يوماً رطباً خالياً من هيترا وأم نهى وكل وسائل الإزعاج الأخرى. أعجبتني حديقتي الجميلة وحملتُ طاولة ومقعداً واحتسيتُ كوب شاي في الخلاء.
ظهرت قطة مرقطة داخل الحديقة بجوار شجرة الصنوبر. جعلتُ أتأملها وأنا أبتسم. هيترا لا تستطيع مفارقتي. قلتُ: تعالي هنا. كنتُ أكلم القطة عندما قفزت تلك الطفلة التي ساعدتني بنظافة المنزل من خلفي صارخة: كيف تتوقع من قطة أن ترد عليك؟ كانت فتاة قروية جميلة. وقلتُ لها: اجلسي، القطة ستركز نحوي حالاً. ظللتُ أدلل القطة وأمازحها، لكنها بدت متشككة وركضت بعيداً عني. ألا تعرفها؟ قلتُ: من؟ القطة.
إنها قطة الآنسة مروة، الوافدة الجديدة لقريتنا. بكيرة. بكيرة؟ أجل، اسمها بكيرة. إنها تحضر لمنزلنا أيضاً. الآنسة مروة تسمح لقطتها بالتسكع على هواها غير محتشمة بين جدران شخص عازب؟ الآنسة مروة تفعل أكثر من ذلك، تخرج بشعرها. وضعت الطفلة يدها على فمها تكتم ضحكة وترتدي شورت ضيق وقميص نصف كم. لابد أنها تبحث عنها الآن؟ لماذا لا تركضين نحو منزلها وتخبريها أن بكيرة هنا؟
مدت سوسن، الطفلة، يدها نحوي. وضعتُ يدي في جيب بنطالي ومنحتها ورقة نقدية. كيف لعالم أن يحتمل إذا كان حتى الأطفال يبتزون من أكبر منهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!