تم الضرب بقبضة من حديد على كل منازل العامة واقتياد شبابها. العامة والفقراء يتسببون بالمشاكل دومًا. ما السبب الذي قد يدفع الطبقة الأرستقراطية للتمرد والثورة والخيانه؟ لا شيء، دومًا لا شيء. لكن التمرد عادة ينطلق من قاع المجتمع، حيث الفئات الفوضوية، الحاقدة، اللئيمة، الكسولة، العالة، المتشرّدة. كانت تلك حيثيات القبض على الشباب، والتي نطق بها رسل الحاكم بكل أرجاء المدينة.
نُصبت المشانق بالساحات، وعُلقت الأجساد بالتساوي في كل الأماكن العامة بالمدينة. كانت مجزرة وحشية، قتل الجنود واغتصبوا كل الجرذان الضالة القاطنة العشوائيات. كانت موجة من العذاب لم يسلم منها آدم وباقي العبيد، الذين تعرضوا لكل أنواع التنمر والإذلال. رغم ما قام به الحاكم وأصدره من قرارات، ظل قلب التميمة مشتعلًا. وقف وحيدًا كناقوس خطر أمام كل ذلك القبح. كان على الكهنة والمشعوذين أن يجدوا مبررًا مناسبًا لطمأنة الحاكم.
اتفقوا فيما بينهم أن يختلقوا قصة. أن التميمة تشتعل كل مئة عام، لقد ذُكر ذلك بكتبهم ومخطوطاتهم. كان مبررًا مناسبًا، خاصة بعد أن تم قتل كل شباب المدينة. وهمسوا بأذن الحاكم أن الأوضاع الراهنة وما يحوط المملكة من مخاطر يستدعي فرض ضرائب جديدة. على الشعب أن يبدي تعاونه ويظهر مدى حبه وولائه لوطنه وحاكمه. إنها لحظة فارقة في تاريخ الوطن، وعلى كل الشرفاء أن يقفوا على قلب رجل واحد خلف قائدهم.
عم الحزن منازل الفقراء، وانتشرت الغربان بكثافة تلتهم جثث الأبرياء. كل من حاول أن يدفن ابنه أو قريبه تم القبض عليه وإيداعه السجن. كان قد مضى عشرة أيام على القبض على آدم، ذاق خلالها كل أنواع الذل والتعذيب. كان ينام فور دخوله زنزانة، ولا يستيقظ إلا للذهاب للعمل بالمناجم. في اليوم الحادي عشر، عندما استيقظ، وجد رسالة ملقاة بين قدميه.
فتح آدم الرسالة، والتي كانت من ابنة قاضي المدينة، تخبره خلالها أن أنتونيتا بخير ولم يصيبها أي سوء. إنها تقيم بمطبخ الحاكم، وأن عليه الصبر حتى تتمكن من إيجاد طريقة لإخراجه من السجن. شعر آدم بالسعادة، فهو وإن كان يكِد في المناجم، إلا أن أنتونيتا كانت شغله الشاغل. وحيث شعر أنها بخير، انتابته فرحة ليس لها حدود. خارج الزنزانة، كان القلق بادٍ على وجوه الحراس. أن قلب التميمة المشتعل ينذرهم بالمخاطر القادمة.
كان مئة جندي يحرسون التميمة، كل أربع ساعات يتم تبديلهم. انتاب الفضول آدم، الذي لم يكن يتذكر أي شيء عن قلب التميمة وما يعنيه ذلك. سأل أحد الحراس، والذي قام بتوبيخه وكاد أن يضربه بالسيف، لولا تدخل حارس كان يراقب آدم من بعيد. صرف الحارس زميله الغاضب وأخبره أنه سيتولى نوبة الحراسة. همس ذلك الحارس لآدم أنه من عيون ابنة القاضي، وأنه لن يسمح لمكروه أن يصيبه.
حكى لآدم قصة قلب التميمة، وكيف أنها تحمي مدينة "اللاشيء" من ممالك الجان، وأن الاحتفاظ بها يضمن سلطة الحاكم. شعر آدم أن كل ذلك لا يعنيه، وأن المهم بكل ذلك أن أنتونيتا بخير. عندما انتصف الليل، شعر آدم بحاجته أن يفرغ مثانته، وكان حمام السجن قرب التميمة. اصطحبه أحد الحراس نحو الحمام. بطريقه نحو الحمام، كلما اقترب آدم من قلب التميمة، ازدادت اشتعالًا.
لكن عندما كان على بعد عشرة أمتار منها، اشتعلت تميمته هي الأخرى، وشعر أن جسده ينجذب بلا قوة منه نحو قلب التميمة. الآن كان هناك شعاع متصل بين جسد آدم وقلب التميمة. شعاع أفزع حرس قلب التميمة ودفعهم للهرب مذعورين، يركضون لا يلوون على شيء. التصق جسد آدم بالتميمة. مد آدم يده وسحب قلب التميمة. كانت القطعة الناقصة التي تكمل التميمة.
عندما اكتملت التميمة، شعر آدم بصداع يأكل رأسه، بينما راحت كل قلاع المملكة ومبانيها تتصدع وتنهار. ركض آدم خلال النفق نحو المخرج، والقلعة تتهادى من فوقه ومن خلفه. كان عليه أن يبحث عن أنتونيتا مهما كانت النتيجة. دلف لغرف الخدم، وهناك وجد أنتونيتا تصرخ مثل غيرها. جذبها خلفه وهو يشبه ملاكًا مضيئًا. خارج القصر، حيث الساحة الكبيرة، كانت اللعنة قد انزاحت. الشعب الذي فقد ذاكرته عاد ليتذكر كل شيء.
حتى أن آدم تذكر كنيته وسبب حضوره لتلك المدينة. كان آدم يعبر الحشود التي تصرخ: الموت للظلمة، الموت للحاكم، الموت لكل قوى الشر. كان ضوء التميمة قد خبا، ووقفا معًا بين الناس يشاهدون سقوط القلعة ودمارها. فجأة، اقتربت كتيبة مجهزة بالسلاح تحوط فتاة تغطي وجهها بقناع. وقفت الفتاة بين حراسها، والتي بدأت توجه كلامها للعامه. صرخت: لقد ظهرت الحقيقة أخيرًا. هذا الشعب الذي عانى يستحق الأفضل.
انظروا كيف حلت لعنة الآلهة على الجاحدين الحقراء. بدأت الحشود تطرق لتلك المتحدثة التي تشعر بآلامهم. "الآن سأقوم أنا بتنفيذ العدالة بأولئك الظلمة." ونذعت قناعها. عمت همهمة داخل الحشود: إنها ابنة قائد العسكر، إنها مثلهم شريرة، يجب أن نقتلها. لكن سيرا كان لها أعوانها داخل الحشود، والذين عملوا على الهتاف باسمها. استغلت سيرا كل ذلك، وكانت خططت لكل حركة ستقوم بها.
أمرت الحراس أن يحضروا والدها قائد العسكر والمتهم الأول أمام الشعب. "أنا أكره الظلم، وأكره الظلمة. إن ذلك الرجل كلكم تعرفونه، إنه والدي." "لطالما حاولت بشتى الطرق أن أدفعه عن ظلم الشعب وعدم تعذيبهم، حتى ضاق بي وحبسني داخل القصر وقام بتعذيبي." ومدت يدها، وكانت بها سحجة كبيرة. "والآن عليه أن يدفع الثمن." "يا حراس! " وصرخت سيرا، "باسم كل الشباب الذي شنق ظلمًا دون سبب، أمركم بشنقه."
رفعت المشنقة، وعلقوا بها جسد الرجل، والذي تم الآن بسرعة تغطية وجهه بحيث لا يمكن لأي شخص أن يتعرف عليه. صرخ بعض الناس: سيرا العادلة، سيرا القديسة، سيرا، سيرا. أشارت لهم سيرا بالصمت، وطلبت إحضار حاكم المدينة وباقي المسؤولين. تم شنق كل الأشخاص أمام الشعب. ارتفعت الصيحات: سيرا ملكتنا، سيرا قائدتنا. العامة تتبع الصوت العالي. هنا تقدم آدم غير مصدق ليفند ويوضح كذب تلك المرأة. لكن سيرا كانت منتبهة.
عندما رأته صرخت: "وهذا أحد الخونة، اقبضوا عليه يا حراس، يجب أن يشنق الآن."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!