عدت للجامعة بعد أسبوع، وحدث ما لم أكن أتخيله. الهالة التي ظننتها اختفت ارتفعت فجأة. لم أكن أنا السبب، لا يمكن أن أعتقد ذلك. كنت جالساً على الأريكة مع أصدقائي تحت ظل شجرة كبيرة، وكانت المرة الأولى التي أغير فيها مكان جلستي. شعرت بالضيق وخيل إلي أنني سمعت كلمة "تيكن! قلت لهم: "يجب أن نرحل فوراً من هنا." سألتني لورا: "لماذا؟ قلت لها: "لا أعلم، لكني أشعر بالضيق من هذا المكان."
لم تجادلني لورا أكثر من ذلك. بعد الحادثة الماضية، كانت تنظر لي كولي أو مختار. تبعنا معظم أصدقائي وتخلفت عنا فتاتان. وصلنا درابزين كلية التجارة، وقبل أن أشعل لفافة تبغ، سمعنا صوت صراخ وجلبة. لم أتحرك من مكاني بينما ركض الآخرون تجاه صوت الصراخ.
رأيت مجموعة من أفراد الأمن تركض تجاه الصوت، حينها قررت الرحيل. لم يكن أحد بجواري. تسللت وقصدت شقتي. قبل أن أبارح حرم الجامعة، انهالت علي المكالمات. لم أرد وأكملت طريقي بعد أن أغلقت الهاتف. وصلت بعد العصر. لم تظهر هيترا، لكن روحها كانت موجودة. وجدت طعام الغداء معد والشقة نظيفة. شعرت بالفرحة لعودتها، حتى لو من بعيد. وقلت في نفسي: "ربما حان الوقت لأسمح لها بالظهور."
حضرت الشاي بنفسي، كوبي شاي حلواني، وطلبت من هيترا أن تظهر. لكن هيترا لم ترد علي. شعرت بالإحباط ونمت بمكاني على الأريكة. استيقظت على صوت طرقات على الباب. كانت الشمس قد غربت والشقة غارقة بالظلام. وجدت نهى على باب الشقة تستفسر عن سبب رحيلي دون أن أقلها معي. قلت لها: "شعرت بالتعب." قالت: "هل علمت ما حدث بالجامعة؟ أجبت: "لا." قالت: "سقطت شجرة على طالبتين، ماتت واحدة فوراً والأخرى بالمشفى." "تقصد الشجرة بجوار كلية الآداب؟
"نعم، كيف علمت؟ "توقعت ذلك، كانت مشقوقة وعلى وشك السقوط." "غريبة، أنا أمر من هناك كل يوم ولم أرَ أي شيء." "أصدقائك كانوا يبحثون عنكِ." فتحت هاتفي ووجدت عدة رسائل من لورا وغيرها، ورسالة أخرى مشفرة من رقم غريب لم أفلح بقراءتها. هاتفت لورا، وقصت لي ما حدث. قالت: "توفيت رباب، وسمر بالمشفى وطلبت أن تراك، حتى أنها طلبت من أخيها أن يهاتفك." "توفيت رباب؟ "نعم، لأنها لم تسمع كلامك."
أزعجني ردها. لم أرغب أبداً أن تتحول حياتي هكذا. عندما زرت سمر بالمشفى، راحت تشكرني. قالت: "أنت سبب إنقاذ حياتي! بعد أن تركتنا قلت في نفسي إذا كان يوسف قد شعر بالضيق، فلابد أن يكون هناك سبب، لذلك حملت حقيبتي. كنت على وشك الرحيل عندما سقطت الشجرة، لم يصبني إلا أطرافها. شكراً لك." قلت لها: "أرجوكي لا تخبري أي شخص عن ما حدث، إنها مجرد صدفة." "رباب ماتت يا يوسف." "ربنا يرحمها."
"انظر، هاتفها معي. لم أتجاسر على منحه لوالديها، قتلهما الحزن بعد سماع نبأ موتها." حملت الهاتف بين يدي وسمعت هيترا تقول: "اتصل على رقمك! فتحت الهاتف المغلق، كتبت رقمي بهاتفها واتصلت به. ظهر رقمها عندي ولم أعلم ما يعنيه ذلك. حاولت أن أتواصل مع هيترا لكنها رحلت مرة أخرى. مسحت رقمي من عند رباب، تركت الهاتف ورحلت. بطريق خروجي كان زملائي ينظرون إلي كقديس أو راهب أو وريث الخضر.
أقلتني لورا لشقتي. طوال الطريق وأنا أفكر لماذا طلبت مني هيترا ذلك. حملقت بهاتفي، رقم رباب، وفجأة أدركت المصادفة. الرسالة المجهولة التي وصلتني كانت من هاتف رباب، بعد وفاتها بأكثر من ساعة. عاودت الاتصال بهاتف سمر، سألتها إن كانت أرسلت لي رسالة من هاتف رباب. "الهاتف كان مغلقاً منذ لحظة وفاتها، أنت أول شخص لمسه يا يوسف." فتحت الرسالة مرة أخرى، استدعيت هيترا التي اعتادت الغياب. قلت لها: "أرغب بفك شفرات الرسالة المبهمة."
"لست خادمتك، لا يمكنك أن تطلب مني ذلك يا يوسف." "من فضلك، ماتت رباب وهذا أمر هام." "عاهدني أن قرأت لك الرسالة أن تسمح لي بالظهور." "أعاهدك يا هيترا." بعد دقيقة من الصمت، كنا قد وصلنا خلالها لشقتي، تحدثت هيترا وكانت لورا لا تزال معي على السلم. "من الأفضل أن لا تعلم فحوى الرسالة يا يوسف." "لماذا؟ "لا يمكنني أن أشرح لك الآن." فكرت للحظة. "أخبرني على الأقل من قام بإرسال الرسالة."
"الرسالة من هاتف رباب بعد موتها ولم يرسلها لك شخص غيرها." "ماذا تقصدين بشخص غيرها! "يوسف، ألن تسمح لي بدخول شقتك؟ "تعلمي يا لورا أنني أعيش بمفردي، أنا آسف." "لكن نهى تعيش هنا، ربما يمكنها أن تدخل معي! كانت نهى سمعت صوتي وفتحت باب شقتها. حملقت لورا بنهى وهي تقول: "نظرة واحدة، لن أمكث كثيراً." طلبت من نهى أن تحضر والدتها وصعدنا جميعاً نحو شقتي. قبل أن أفتح الباب، شممت عبق رحيق الزهور الفواح القوي.
فتحت الباب بهدوء ولم يجرؤ أحدنا أن يدلف للداخل. وقف كل منا بمكانه يحملق بنظره داخل الشقة. كانت المائدة معدة، مائدة طويلة مملوءة بأصناف مختلفة من الأطعمة. كان شكل الأطباق مختلفاً، يحمل طابعاً أرستقراطياً قديماً. دجاج، لحم، محاشي، مشويات، ورك خروف، سلطات متنوعة. وكانت الأزهار بكل مكان بالشقة. الجدران تزينت بلوحات جدارية مشهورة أعرف معظمها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما دلفت نحونا فتاة بارعة الجمال، ذات عيون زرقاء، شعر أصفر، وبشرة ببياض الثلج، ترتدي تنورة أنيقة قصيرة وضيق، وقميص أبيض ومأزر برتقالي اللون. انحنت أمامي وقالت: "أنا آسفة يا سيدي، لم أسمع طرقك على الباب." حتى لورا بكل جمالها بدت أمامها عاجزة وفقيرة، تحدق بها كأنها حورية. بدر هبط من السماء. "لم تخبرنا أن لديك خادمة! " سألتني أم نهى وكانت عيناها على الطعام. قلت لها: "نسيت، أنا آسف."
كان شغف أم نهى بالطعام أكثر من المفاجأة وحاولت استغلال ذلك. تمالكت نفسي وقلت: "هل الطعام جاهز؟ "أجل يا سيدي، كما طلبت تماماً." قلت لهم: "حاولت أن أعد مفاجأة من أجلكم." وجلست على الطاولة بجوار أم نهى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!