عاد خالد وشمس من الحديقة ويبدو على كل منهما التفكير العميق فيما تحدثا به. عندما وصلا لمدخل المنزل، قال خالد بحنان: "شمس ادخلي ارتاحي بقي انتي عديتي بيوم صعب أوي وأنا هخرج شوية." تشبثت بذراعه كالطفلة بكلتا يديها قائلة بخوف: "لا الله يخليك متمشيش؟ هتروح فين؟ وهتسيبني هنا لوحدي؟ نظر لخديها ثم نظر لوجهها وأوشك على الابتسام. أحرجت شمس وأزالت يديها سريعا: "احم.. أنا آسفة." قال خالد بفرحة يحاول أن يكتمها ولكنه يطمئنها:
"متخافيش أنا مش هتأخر وهنا محدش يقدر يأذيكي أبدا.. فاكرة صاحبي اللي حكتلك إنه قعد يقنعني إني أبات في إسكندرية قبل الجلسة؟ أومأت شمس برأسها. "أنا رايح أقابله يحيي صاحبي جدا وكمان محامي محتاج آخد رأيه في القضية." "تمام.. طب خلي بالك على نفسك." قال خالد بمرح طفولي: "حاضر يا ماما." خجلت شمس واحمر وجهها ونظرت أرضا ثم ذهبت من أمامه.
شعر خالد بالسعادة البالغة لقلقها عليه وتشبثها به عندما أحست بالخوف. تأمل ذهابها والابتسامة تعلو وجهه، ثم خرج وأغلق الباب بهدوء. عادت شمس متجهة لحجرة عمتها عندما سمعت صوت هشام من خلفها يقول: "متهيألي إنك هنا في المكان الغلط." استدارت شمس تنظر له بعدم فهم وهي تقول: "أفندم.. ليه هي مش دي أوضة عمتي؟ ضحك هشام ساخرا: "أكيد انتي فاهمة إني مقصدش الأوضة." "أمال تقصد إيه؟ "أقصد البيت كله." سكتت شمس وهي تنظر له بتساؤل:
"يعني إيه مش فاهمة؟ "بصي يا شمس أنا معنديش في حياتي أغلى من اللي في البيت ده. ممكن أكون طايش شوية، مجنون حبيتين، مش عاقل زي خالد كدة ورزين، لكن في أي حاجة تخص أهلي مبهزرش." نظرت له شمس محاولة فهم كلامه: "بمعنى؟ "أنا وانتي عارفين إن وجودك في البيت ده خطر على الناس اللي فيه."
تفاجأت شمس من كلامه ولكنها استدارت لتذهب هروبا من الصدام معه، فلم تعد أعصابها اليوم تتحمل المزيد. تمنت لو تؤجل الحديث معه للغد وكانت ستذهب له لتفهم لماذا قال ذلك، ولكنه لم يسمح لها بالذهاب فقد استدار ليقف أمامها ويحول بينها وبين طريقها قائلا بسخرية: "إيه هتسيبيني وتمشي كده ببساطة من غير ما تسأليني حتى بتقول كده ليه؟
"يا بشمهندس هشام أنا معرفش انت تعرف عني إيه ولا تعرف اللي تعرفه منين. كل اللي أقدر أقولهولك إني استحالة أفكر في أذية أي حد هنا. ولو حسيت إن ده ممكن يحصل همشي من هنا فورا. أنا أصلا كنت همشي والله بس خالد... "خاااالييد! " قالها هشام كمن وضع يده على صلب الموضوع. "أيوه قولي كده انتي لقيتي إن خالد هو السكة عشان تدخلي البيت ده، أكمنه طيب وقلبه حنين." صاحت به شمس باستنكار: "انت بتقول إيه؟ انت فاكرني إيه؟
"إيه المصيبة اللي وراكي يا بنت يونس؟ ذهلت شمس لأسلوبه فتجمعت الدموع سريعا في عينيها وقالت له: "أنا مش وحشة يا هشام. ربنا وحده اللي يعلم." "جايز بس انتي مش شبهنا ولا إحنا شبهك ولا شبه الناس اللي حواليكي. أنا هكلمك بالذوق لأول ولا آخر مرة. اخرجي من البيت ده واختفي من حياتنا زي ما جيتي. لو بجد يهمك أي حد في البيت ده." "حاضر يا هشام همشي عشان كلكم تهموني.. وانت كمان تهمني لأنك زي أخويا."
"الحمد لله إني مش أخوكي. ربنا بيحبني لأني ابن صالح مش يونس." سقطت عليها الجملة كالصاعقة. انهارت الدموع من عينيها ولكنها سرعان ما مسحت عيونها بكلتا يديها حين سمعت صابرين تنادي لها. ذهبت لعمتها وهي تحاول أن تخفي آثار البكاء. "نعم يا عمتي." "تعالي يا حبيبتي تحبي تنامي معايا هنا ولا أخليهم يحضرولك أوضة لوحدك؟ قالت شمس برجاء: "خليني معاكي يا عمتو." وضعت شمس رأسها على صدر صابرين وتركت العنان لدموعها وأحلامها للانهيار.
"شمس.. اعتبريني أمك يابنتي احكيلي وفضفضي معايا. أنا صحيح متجوزتش بعد المرحوم ومخلفتش، لكن كلكم أولادي انتي وخالد وهشام." تذكرت شمس حديث هشام القاسي عندما ذكرت عمتها اسمه، فاغمضت عينيها والعبرات تتساقط منها. سألت صابرين شمس بتردد: "شمس... مسحت شمس دموعها وانتصبت جالسة بجوار عمتها: "نعم يا عمتي." "أماني... نظرت لها شمس عند ذكر اسم أمها ونكست رأسها لتسألها: "من إمتى؟ نظرت شمس للاشيء أمامها وأجابت:
"كان عندي ٦ سنين وقتها." سقطت دمعة ساخنة من عيني صابرين: "كان قلبي حاسس. لو كانت موجودة مكنتش قعدت كل ده من غير ما تسألي عني. أصل انتي متعرفيش يا شمس إحنا كنا روحنا في بعض.. دي صاحبة عمري وأختي. ربنا يرحمك يا أماني. ربنا يجمعني بيكي في الجنة يا أغلى الناس. الحمد لله إن ربنا عوضني بيكي. انتي حتة منها يا شمس." صمتت شمس وهي تتأمل عمتها بحنان ثم عادت لحضنها وهي تهمس: "عمتو... "نعم يا قلب عمتو." "ممكن تحضنيني لحد ما أنام؟
ضمّت صابرين شمس بحنان وظلت تمسح على رأسها وهي تردد آيات الرحمن حتى نامت بعمق نوم لم تنعم به منذ ١٧ سنة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!