تحرك خالد ببطء كمن يصحو من النوم بالفعل. نظرت له بخجل وهي تقول: شكلك كنت تعبان أوي. خالد: جدا، مش بقولك مطبق ع القضية من امبارح. ثم أكمل متسائلاً في محاولة لحبك الدور: هو انتي منمتيش خالص؟ ردت وهي تشير للنافذة: كنت بتفرج ع الطريق. خالد: شكلك أول مرة تروحي القاهرة. شمس: أنا عمري ما خرجت برة اسكندرية. نظر لها بشفقة، ثم استطرد بمرح: بكرة ياستي تسافري وتتفسحي وتلفي الدنيا، هو فيه مترجم مبيسافرش؟
انتي صحيح بتترجمي لغات إيه؟ شمس: بعرف أترجم انجليزي وفرنسساوي كويس، لكن تخصصي في الكلية إيطالي، أنا أصلي طول عمري غاوية اللغات. رد بتشجيع: برافو عليكي. ردت بخجل: شكراً. خالد: تعرفي أنا كمان مبسافرش كتير، المحامي شغله دايماً بيكون مرتبط ببلده. شمس: يعني انت شغلك في اسكندرية؟ خالد: لا خالص، أنا مكتبي وشغلي كله في القاهرة. سرحت وهي تقول: غريبة، امال كنت بتعمل إيه النهاردة؟
خالد: ابدأ، دي قضية كانت بين القاهرة واسكندرية، الشاب صاحب القضية من القاهرة لكن الحادث حصل في اسكندرية، فالقضية اتحولت لمحكمة اسكندرية. شمس: سبحان الله، يعني لولا القضية دي مكناش اتقابلنا.
خالد: بالظبط، أنا هربت كتير من القضية دي وكنت هديها لواحد صاحبي، الشاب اللي مع موكلي في الحادثة ابن راجل شايف نفسه وأنا بكره النوع ده من البشر جداً، مبحاولش احتك بيهم، خصوصاً إنه حاول يرشيني في الأول عشان أبيع موكلي وأساعده عشان القضية تخلص لصالح ابنه، لكن الشاب لما جالي وحسيت إنه مستقبله هيضيع مقدرتش.. سبت كل اللي ورايا واتفرغت لقضيته، ومكنتش أعرف إن القضية دي اللي هتخليني ألاقي بنت عمي اللي بندور عليها سنين، أنا مكنتش بنزل اسكندرية غير عشان أدور عليكم.
تمتمت: سبحان الله، اللقي نصيب. لم يخفِ عنه إعجابها وهي تستمتع لحكايته. سألته بفضول: طيب وكسبت القضية؟ خالد: أيوه الحمد لله، النهاردة ربنا جبرني والقضية خلصت، وكمان لقيتك عند المحكمة، انتي مش متخيلة فرحة بابا لما يشوفك. قالت بحنين جارف: أنا متشوقة أوي إني أشوفه. خالد: مش قده، هتشوفي بنفسك فرحته بيكي. شمس: ربنا يخليهولك، شكلك بتحبه جداً. خالد: طبعاً..
ثم أضاف بمرح: ده الباشا بتاعنا، منقدرش نكسرله كلمة، يعني أنا مثلاً كان ممكن أبات في اسكندرية عشان متأخرش ع القضية، لكن عمك معندوش ولاد تبات برة البيت. قال جملته الأخيرة بضحك، وقد شاركته الضحك أيضاً. شمس: ربنا يخليكم ليا. خالد: ويخليكي انتي كمان، مانتي برضه بنته. هزت رأسها وهي مبتسمة، ثم عادت للنظر للنافذة. وصل القطار لمحطة رمسيس، ترجلا من القطار وكانت المحطة زحام شديد.
سار خالد بجوارها، ولكنها لاحظت أنه حريص على ترك مسافة بينهما، أعجبت بدماثة أخلاقه والتي لاحظتها منذ أن قابلته، فهي لم يسبق لها أن تعاملت مع شاب كهذا، كل من رأت في حياتها من الذكور على شاكلة يونس. أشار خالد لاتجاه موقف السيارات لتسير معه لهناك، فوجدته متجه بخطوات واسعة باتجاه السيارات. وقفت وسألته: هو حضرتك رايح فين؟ خالد: هجيب نجيه. نظرت له بعدم فهم وسألته: نجية؟ نجية مين؟ أشار خالد لسيارة فخمة زرقاء
اللون تصطف بين السيارات: أهي نجية.. عربيتي. شمس: هو حضرتك معاك عربية؟ خالد: الحمد لله. شمس: يعني معاك عربية ورايح اسكندرية وراجع في القطر؟ ضحك لجملتها ورد بمرح: أوامر الباشا يا ستي، مش لسة بقولك منقدرش نكسرله كلمة، بيخاف عليا أسافر سايق خصوصاً إني مبكونش نايم كويس، فحاكم عليا أسافر بالقطر، وأنا طبعاً مقدرش أزعله. سرحت شمس متذكرة يونس وقالت بحزن: للدرجة دي ممكن الأخين ميبقوش شبه بعض؟
شعر خالد بما يختلج في داخلها، كانت جملتها بمثابة طعنة بصدره، فهي بالفعل تفتقر للحب والحنان. لم يرد على جملتها الأخيرة، مغيراً الموضوع، صائحاً بمرح وهو يفتح باب السيارة الخلفي: الخطوط الأرضية للسيارة نجية ترحب بكم وتتمنى لكم رحلة ممتعة، اتفضلي يافندم. ضحكت شمس لتحوله المفاجيء، أعجبها ذكاءه، فهو بادر بفتح الباب الخلفي ليرفع عنها الحرج. نظرت له للحظة في صمت، وعلى وجهها ابتسامة جميلة.
خالد: ماتيلا يا بنت عمي، هنموت حرانين. ضحكت ودلفت للسيارة. دخل خالد للسيارة، وما أن فتح نجية حتى سمعت صوت كالرسالة الصوتية: "نجية ترحب بكم". سكتت شمس للحظات ثم انطلقت في الضحك، وهو أيضاً. شمس ببراءة: هي اسمها نجية بجد؟ خالد: أيوه، امال انتي فاكرة إيه؟ فتح خالد التكييف ووضع هاتفه بالشاحن، وما أن أضاء الهاتف حتى راح يضيء مرات عديدة وتأتي الرسائل بصورة متتالية. وضع خالد
الهاتف على أذنه وهو يقول: حبيبييييي، أنا أسف يا حاج، والله التليفون فصل. فتح خالد مكبر الصوت لتسمع شمس صوت عمها. صالح: كل ده يا خالد، حرام عليك يابني، أنا مت من القلق، وعمتك كانت شوية وهتنزل تدور عليك. خالد: حقك عليا يا حبيبي، أنا جايبلك معايا مفاجأة هتخليك تسامحني على اليوم النهاردة وعلى أيام حياتي كلها. قالها خالد وهو ينظر لشمس في مرآة السيارة، فابتسمت له على استحياء.
صالح: إيه يا واد يا خالد، جبتلي المشبك اللي بحبه؟ خالد: مشبك إيه بس يا بابا، هو أنا جاي من دمياط؟ ضحكت شمس وهي تطرق برأسها للأسفل. خالد: لااااا، مش هتخطر في بالك، لما أجيلك وجهزلي بقى مكافأة كبيرة تليق بيا وبالهدية اللي جايبها لك. صالح: ماشي يا سيدي، عمتك عاملالك النهاردة فتة الزبادي اللي انت بتحبها وممبار كمان، مرضي كده. خالد: فتة زبادي إيه يا بابا، وممبار إيه؟
بقولك مكافأة مكافأة، وبعدين فتة زبادي إيه يا حاج، انت بتكلم قطة مش كده خالص، والله كسفتنا. صالح: خلاص يا حبيبي توصل بس بالسلامة، وأنا أكافئك باللي تتمناه. أنهى خالد المكالمة وهو محرج من كلام والده، وقال بغيظ: ياريتني ما فتحت السبيكر. نظر لشمس في المرآة فوجدها تضحك وهي تخبأ وجهها، لأول مرة تضحك بهذا المرح. تمتم بهمس لا يصل إليها: ماشي يا بابا، مدام خليتها تضحك كده، هعديها المرة دي، زبادي زبادي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!