الفصل 4 | من 26 فصل

رواية انت سندي الفصل الرابع 4 - بقلم ايمان سلامة

المشاهدات
21
كلمة
3,635
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

راحت شمس تتأمل الطريق، وإن كانت لا تلمح أي شيء من الطريق الذي راح يمر أمامها. كانت ذكرياتها تمر أمامها معه. راحت تتذكر يونس والدها، الذي أتى بها لهذا العالم ولم يحنو عليها يومًا كما فعل هذا الشاب الجالس أمامها، والذي لم تجتمع معه إلا منذ ساعات قليلة. راحت شمس تتذكر والدتها، كيف كانت تغدقها حبًا وحنانًا، وكيف حرمت منها وهي في السادسة من عمرها، وكيف كان ذلك أمام عينيها البريئتين.

تذكرت حياتها مع يونس، الذي كان دائمًا عبئًا عليها وليس سندًا. فقد غرق والدها في الإدمان أكثر وأكثر بعد موت والدتها، حيث شعر بكونه سبب موتها. وبدلاً من أن يفيق ويحتوي ابنته ويصلح ما أفسده، هرب لإدمان السموم كي ينفصل عن جحيم واقعه الذي صنعه بنفسه. تذكرت جارتها العجوز الطيبة خديجة، والتي لولاها لماتت جوعًا وبردًا وحدها بعد موت أمها. حيث تركها يونس وذهب دون النظر لحال الصغيرة، ودون أن يدري أحد أين ذهب.

احتوتها خديجة وأخذتها. كانت تقدم لها اللقيمات القليلة نظرًا لفقرها المدقع، كما أرسلتها للمدرسة. فقد كانت تربطها بأماني والدة شمس علاقة جيرة وود، وتعلم كم تمنت أماني أن تكمل الصغيرة تعليمها. كانت تحتضن الصغيرة كل ليلة وتحكي لها الحواديت، كما كانت تفعل أمها. لا تعلم كيف كانت ستتجاوز صدمة وفاة أمها وهي طفلة في عمر الزهور بدون خديجة.

ظهرت بسمة صغيرة على محياها دون أن تشعر عندما تذكرت خديجة، راحت تدعو لها بالرحمة. لكنها سرعان ما عادت تعبس بوجهها عندما تذكرت عودة يونس في ليلة مظلمة شديدة المطر. فقد قرع باب العجوز بعنف. فزعت المرأة من نومها وذهبت لتجد الطارق يونس. ودون كلمة شكر واحدة للسيدة التي رعت ابنته في غيابه، قال ببرود بالغ بصوت محشرج، وكأنه يخرج من أحد الموتى: "البت فين؟

رجته خديجة أن ينتظر للصباح، ولكنه رفض. دثرتها خديجة بالأغطية وحملتها له، وهي تبسمل حرصًا على الصغيرة. مدت يدها ليونس ليحمل ابنته، ولكنها ردتها لحضنها وقالت له بقوة وثبات: "لو مش هتعرف تراعيها سيبها لي." "بلهجة ساخرة: انتي قادرة تراعي نفسك، ده انتي رجلك والقبر." "ابتلعت خديجة جملته وردت عليه بصبر: خلاص خد بنتك بس راعي ربنا فيها." حمل يونس الصغيرة بعدم اكتراث، وهي توشك على السقوط من يديه. فقد دمرت المخدرات كل عصب لديه.

"يونس... " نادته خديجة، "سيب البت تروح المدرسة." استكمل يونس طريقه للشقة المواجهة دون الالتفات، ولكنها أكملت: "دي وصية أماني." توقف يونس وكأنه تذكر زوجته وكيف قتلت بدلاً منه. وظهرت مسحة من الحزن على وجهه، ولكنه أكمل طريقه لشقته. دخل وصك الباب خلفه.

توالت الأيام بعد تلك الليلة. لم ترَ شمس حنانًا في منزل يونس إلا في الأوقات التي كان يغادر فيها. لتهرع لشقة خديجة المواجهة لهم. كانت تسرح لها شعرها الذهبي وتطعمها وتحممها وتساعدها في دروسها. خديجة العجوز التي هجرها زوجها لأنها لا تنجب، بقلبها حنان الدنيا، وكأن الله خبأه لشمس الصغيرة التي فقدت أمها، وخبأ شمس لها لتشعر بأمومتها في آخر أيامها.

ثم ماتت خديجة، الدرع الأخير لشمس. كانت تنتظر نتيجة شهادتها الابتدائية وتتمنى لو تخبرها بنجاحها أولاً. فلولاها ما كانت شمس ذهبت للمدرسة، ولا كانت على قيد الحياة أصلًا. شعرت شمس أنها فقدت أمها مرة أخرى. فقد كانت هي من تهون عليها ما يفعله يونس معها من ضرب وتعذيب، كما أنه كان يهددها طوال الوقت أن يخرجها من المدرسة. وما كان من الصغيرة سوى البكاء والصبر، كما كانت تفعل أمها.

عاد يونس ليجد ابنته نائمة أمام باب شقة خديجة وهي تبكي بحرقة. ركلها بقدمه، ففزعت. "ايه اللي منيمك هنا كده؟ قومي يابت يلا ع البيت واعمليلي لقمة أكلها." قالت في بكاء مرير: "ماما خديجة ماتت." "صاح بوجهها: أمّا يلهفك أمك منين؟ وبعدين ماهي كان لازم تموت، دي ولية حيزبون بقالها في الدنيا 100 سنة.. قومي يلا يا بت خليني أتعشى وأنام." قامت شمس من بين دموعها وهي تتلمس باب خديجة، وذهبت لشقة يونس وهي تترنح من الألم والحزن.

دخل يونس وراءها، وما أن صك الباب حتى قال بلهجة صارمة: "اسمعي يابت، انتي اللي كانت بتاكلك خلاص ماتت، واللقمة هنا يدوب على قدي. من هنا ورايح مفيش مدرسة، تنزلي تخدمي في البيوت يا اختي.. عشان تجيبي لقمة عيشك، أنا مش هعلفك كمان، وانتي خلاص بقيتي شحطة." "بكت شمس بشدة: لا الله يخليك، هخدم في البيوت، هعمل كل اللي انت عايزه بس سيبني أروح المدرسة، أنا وعدت ماما إني أكمل تعليمي."

نظر لها يونس بخواء ثم ذهب لحجرته بعدم اتزان. كانت أماني هي نقطة ضعفه، كلما تذكر كيف ماتت بسببه.

وبالفعل بدأت مرحلة أخرى في حياة شمس. كانت تساعد سيدات الجيران في المنزل بمقابل زهيد، أو تصنع الحلوى وتبيعها أمام المدرسة. كانت تكافح بكل جهد وصبر رغم سنها الصغير. كانت تضع أمها وخديجة أمامها دائمًا، وكلام أمها عن المستقبل وأن تعليمها سيكون سلاحها. كانت تحلم باليوم الذي تتخرج به من الجامعة وتعمل وتحمي نفسها ومستقبلها من يونس وبيته الموبوء.

كانت تتذكر خيالات عن عمها وزوجته، فقد كانوا يتزاورون دائمًا حين كانت صغيرة. كانت تتمنى أن تعثر عليه وتحتمي به من يونس، ولكن كيف ستبحث عنه وهي لا تعلم عنه أي شيء غير اسمه، وأنه يحيا في القاهرة الكبرى؟ ولم تكن لتجرؤ بالطبع على سؤال يونس عنه. توقف شلال ذكرياتها لتنظر لخالد بتعجب وهي تتمتم: "يا الله، كنت أتمنى دائمًا أن أتمكن من البحث عنكم، ليضعك الله أمامي في أحلك أيام حياتي وأشدها ظلمة." نظرت للسماء

من النافذة وهي تردد: "كم أنت رحيم يا رب... كم أنت رحيم يا رب." عادت شمس لذكرياتها وشريط حياتها الذي يسير أمامها مع طريق السفر، وكأنه يخبرها أن الطريق سينتقل بها لمرحلة مختلفة في حياتها. يا ترى كيف ستكون المحطة القادمة؟

مرت الأيام بشمس حتى وصلت للمرحلة الثانوية، كانت صبورة ومجتهدة. كانت تعاني من يونس أشد المعاناة، فقد أصبح يأتي بشلة الأنس للبيت، حيث أن المكان مقابل الكيف. وكانت تختبئ في غرفتها بعد أن تقوم بتجهيز جلسة الشؤم ليونس وأصدقائه قبل حضورهم. كانت تكد وتعمل وتحضر أثناء عودتها للبيت الأطعمة والتسالي المطلوبة لجلسات يونس. كانت تفعل كل ذلك ليتركها تكمل تعليمها ولا يعترض طريقها.

كان من ضمن شلة يونس رجل كريه يدعى مأمون. كانوا يداعبونه دائمًا بأنه "مُموِّن" وليس "مأمون"، فقد كان هو من يحضر المزاج. وكان كلما رآها، يحرقها بنظراته القذرة التي كانت تشعرها أنها عارية. كانت تهرب دائمًا من عينيه، ولم يخلو الأمر من كلمات مسمومة تسمعها من خلف باب حجرتها المتهالك. مثل: "تسلم إيدين القمر اللي حضر القعدة." "يا خسارتك في الكتب والكراريس يا منجاية." "ياما نفسي أريحك واستتك يا جميييل، بس انت ترضي."

بدا على وجه شمس الاشمئزاز الشديد عندما تذكرت مأمون، وراحت تهز رأسها بقوة وكأنها تريد أن تنفضها لتسقط هذا المأمون من ذكرياتها. ولم تلاحظ خالد الذي قطب جبينه وهو يتابع كل خلجة من خلجات وجهها. عادت شمس تتذكر كيف أصبحت تجمع أولاد الجيران لتذاكر لهم دروسهم، حتى ذاع صيتها وصارت تعطي الدروس للأطفال بدلًا من الخدمة في البيوت، فهي على مشارف الجامعة. كبرت ولم يعد يليق أن تذهب لبيوت الناس لتنحني للكنس والمسح.

كانت شمس عاقلة وواعية، علمتها الحياة وكبرتها ليفوق عقلها عمرها بسنين. طالما تفوقت شمس في اللغات وأحبتها. تمنت أن تدخل قسم الترجمة، وقد كان. حصلت على مجموع مكنها من اختيار ما تريد، فاختارت حلمها الذي نما داخلها يومًا بعد يوم وسقته من دموعها وجلدها وصبرها.

كانت شمس تحاول كبح زمام أمورها مع يونس، فقد بقي القليل لتصل لمبتغاها ولم يعد هناك الكثير. فعليها الصبر ويجب عليها مسايرته في كل ما يريد حتى لا يعترض طريق حلمها. استمر هذا الوضع حتى تبقى عامها الأخير بالجامعة. خطوة واحدة تفصلها عن حلمها واستقلالها وحريتها. ستخرج من هذا البيت دون عودة، وستحلق بحرية كالعصفور بعيدا عن هذا البيت الذي شهد مقتل أمها. ستسافر للقاهرة وتلتحق بأحد دور ترجمة الكتب أو المجلات أو حتى الأفلام. ولم لا؟

طموحها لا سقف له. ستبحث عن عمل وسكن وستجتمع بحياتها الضائعة، ولن تعود ليونس أبدًا. كان يومًا صيفيًا حارًا، وكانت شمس منهمكة بالمنزل تنظف وتفرز كتبها. فها قد شارفت الإجازة الصيفية على الانتهاء ويجب أن تستعد لليسانس جيدًا. لم تكن تعلم أن حياتها ستنقلب بهذا اليوم رأسًا على عقب. فتح يونس الباب فجأة وهو يقول بترحاب: "تعالي يا مأمون اتفضل." ذهلت شمس وراحت تعدل من ثيابها وتهرول لحجرتها، حتى استوقفها صوت يونس:

"تعالي يا شمس، مفيش حد غريب، تعالي سلمي على جوزك." اخترقت أذنها الكلمة الأخيرة لتتوقف عن السير في صدمة وذهول. حاولت أن تتأكد مما سمعت، ولكنها أبدًا لا تريد أن تسمع الجملة مرة أخرى، لعلها تنساها أو تكون مجرد خيال. قطع مأمون عليها صمتها: "ايه يا عروسة مكسوفة ولا إيه؟ مش قالك جوزك تعالي بقى خلينا نملي عنينا من القمر." استدارت شمس ويبدو على وجهها التساؤل، وهي مازالت في ذهولها: "انتوا بتقولوا إيه؟ جوز إيه وجوز مين؟

هو مين ده اللي جوزي؟ أجاب يونس وهو يهرب بوجهه بالنظر لمأمون وهو يربت على صدره: "مأمون يبقى جوزك خلاص.. خلصنا كل حاجة وجاي عشان ياخدك معاه البيت." "شمس بجنون: انت بتقول إيه؟ خلصت كل حاجة إزاي؟ إيه الكلام الفارغ ده وإزاي تجوزني بدون علمي؟ الجواز ده باطل." "زفر مأمون في حنق: نعم يا أستاذة، باطل؟ ده إيه ده شرع ربنا. ثم استطرد مستهزئًا: هو ده اللي بيعلموهولكم في المدارس؟ رد يونس ببرود:

"أنا أبوكي وولي أمرك ومن حقي أعمل فيكي ما بدالي." "أبويا دلوقتي؟ افتكرت إنك أبويا؟ ولما تقرر تعمل أبويا تدبحني.. تجوزني من غير ما أعرف ولمين؟ للراجل اللي بتقعد تشرب معاه وده طبعًا عشان بيجيب لك مزاجك." "وماله الراجل، ما يعيبهوش غير جيبه، والراجل شاري ويقدر يصرف على بيته، انتي إيه مزعلك بقى؟ "بدأت شمس بالانهيار وهي تصيح في وجهه: انت عايز تحكم عليا بالإعدام ومش عايزني أزعل؟ مش كفاية اللي عملته في أمي وفيا؟

انت عمرك ما كنت أب، أنا مشفتش منك غير العذاب ولسة جاي تكمل عليا دلوقتي؟ بعد ما استحملت كل ده جاي تدمر لي اللي باقي من حياتي؟ انت إيه يا أخي؟ ياريتني مت مع ماما يوم ما ماتت، ياريتك كنت مت بدالها يومها وهي عاشت، على الأقل كانت هتبقى ضهر وسند ليا، بدل ما تبيعني قصاد المزاج؟ انت مش ممكن تكون أب ولا حتى إنسان." سقطت شمس على ركبتيها على الأرض في نوبة بكاء عارمة وهي ترى أحلامها تنهار أمام عينيها.

سكت يونس وهو منكس الرأس. لم تحدثه شمس بهذا الشكل طوال حياتها معه. ورغم قسوته عليها ورغم كل ما فعله بها، لم تحدثه يومًا بتلك القسوة، لم تدعُ عليه يومًا. حاولت دائمًا أن تكون الابنة البارة رغم أنه لا يستحق، ولكنها كانت تفعل لوجه الله. فقد علمتها خديجة الصلاة وكانت تحفظها القرآن، وحافظت شمس على ذلك. بعدها تذكر يونس كيف كانت تصبر على إيذاءه وتراضيه، وأنها لم تحزنه يومًا رغم كل ما فعل بها. وخجل من نفسه.

قطع الصمت صوت مأمون: "الله الله، طب وليه النكد ده يا عروسة في ليلة مفترجة زي دي؟ قومي وروقي كده ويلا على عشانا يا جميل." رفعت شمس بصرها إليه باشمئزاز وشرعت في الكلام، ولكن يونس قاطعها موجهًا حديثه لمأمون، فهو يعلم أنها لو أخرجت ما في جوفها من غضب ستغضب مأمون. وهو يعلم غضبه جيدًا، فقد زوجها له خوفًا من غضبه هذا.

"بقولك إيه يا مأمون، سيبها الليلة دي وتعالى خدها بكرة، بلاش يا سيدي أنا هجبهالك لحد عندك بكرة، أديك شايف حالتها." ثم اقترب منه بهمس: "ماهو يعني، الحاجات دي مبتجيش كده.. ندخل عليها ونقولها جوزناكي وروحي معاه؟ كان واجب حتى نعرفها قبلها." "رد مأمون بلؤم: وهي يعني كانت هتوافق برضاها؟ "خلاص، واهي بقت مراتك، هتروح منك فين يعني؟ اتوكل على الله وبكرة من النجمة هتلاقيني عندك بيها."

"ماشي، كلامك. بكرة من صباحية ربنا هتلاقيني جاي آخد حرمنا المصون. ميصحش برضه العروسة تروح هي للعريس." وضحك ضحكة كريهة وهو يداعب شنبه الكثيف. نظرت لهم شمس بازدراء شديد وهي على وضعها جالسة في الأرض، تسند بكلتا يديها على الأرض، محطمة لا تقوى حتى على الوقوف أو الاعتراض على ما يقال. خرج مأمون وذهب. يونس لشمس الجالسة على الأرض. جلس أمامها على الأرض، وما أن شرع في الكلام حتى رفعت يدها توقفه وعيناها تذرف الدموع. فتحدث يونس

رغم ذلك بهدوء لأول مرة: "إنتي متعرفيش مأمون ده يقدر يعمل إيه. شلبي اللي موت أمك زمان ميجيش فيه حاجة.. ده كان ممكن يموتك." "نظرت له من وراء دموعها: وانت يفرق معاك موتي؟ وهو أنا كده مموتش؟ "همس بيأس: معاكي حق تقولي اللي انتي عايزاه، بس أنا مكنش في إيدي غير إني أجوزك ليه." "عشان تضمن كيفك العمر كله؟

"بالعكس، بقاله سنين عايزك، وبقالي سنين بعشمه عشان كده كان بيديني. أما عارف إن يوم ما هياخد اللي عايزه مش هيديني تاني، بالعكس ده هيذلني." "رفعت يديها وألقتها على صدره وهي تبكي وتصيح به: أمال عملت كده ليه؟ "عشان حسيت إن صبره نفذ، واللي زي ده لما بيزهق بيبقى خطر. أنا ضيعت أمك زمان، ومكنش ينفع أضيعك إنتي كمان دلوقتي." قالها ونكس رأسه بحزن، ثم أكمل:

"أنا عارف إني سبب كل البلاوي، عارف. بس نصيبي ونصيبك إنك بنتي ونصيبك تتجوزي المأمون. جايز تلاقي في بيته الراحة اللي عمرك ما دُقّتيها عندي." "وانت بتريح ضميرك بالكلام ده دلوقتي؟ "المأمون مش هيسيبك لو مطاوعتيهوش، هيبهدلنا وهيجبك إن شاء الله بالمحكمة ويطلبك في الطاعة. إنتي خلاص بقيتي مراته وده من حقه." "ردت بذهول مختلط بالغضب: هي حصلت لكده؟ هياخدني كمان غصب والقانون يبقى في صفه؟ "تهرب

من عينيها وهو يقول: اعملي حسابك إنك هتروحي على بيت جوزك الصبح."

كانت على وشك أن تهطل في وجهه أن ذلك لن يحدث إلا وهي جثة هامدة. ولكن لا تعلم لم صمتت، فقد أدركت بحدسها أنه لا داعي للمقاومة أو الجدال، فليس هناك حل سوى الهروب. لقد كانت تنوي فعل ذلك بعد انتهاء العام الدراسي، ولكن القدر أبى دون ذلك. ستغير خطتها وتهرب مبكرًا، ولكنها ستظل بالإسكندرية حتى تنهي عامها الجامعي وتختفي من عالم يونس والمأمون دون رجعة. انتظرت حتى يغفل يونس لتحضر أشياءها، فهي لا تريد أن يشعر بما تنوي عليه. ولكنه عنادًا بها ظل جالسًا على هذا المقعد اللعين الذي طالما جلس عليه على رأس المائدة ليكون مراقبًا لكافة أنحاء المنزل. ظلت تنتظر أن ينام دون جدوى. ظل جالسًا يتجرع من زجاجة الخمر وهو ينظر لها بين الحين والآخر كأنه يقرأ أفكارها.

لم تنم شمس ليلتها، وإن تظاهرت بالنوم. صلت الفجر وظلت تتابع والدها حتى غفا برأسه على يديه فوق المنضدة. تسللت شمس برعب دون أن تأخذ أي شيء، فقد يصحو في أي لحظة. كانت ستخبره أنها ستلقي القمامة أو تتفقد صوت سمعته على السلم. لكن إن أخذت أشياءها، سيعرف أنها تهرب على الفور وتُحبَط محاولاتها الأخيرة للنجاة.

خرجت شمس للشارع وهي لا تصدق. استنشقت نسمات الفجر الباردة وراحت تتلمس طريقها حتى وصلت للمحكمة، ولكنها سرعان ما اكتشفت بكور الوقت وأنها أيضًا لم تأخذ أي أوراق، حتى هاتفها الصغير تركته. لقد تركت كل ما يربطها بعالم يونس. جلست شمس على سلم المحكمة لا تعلم كم مر عليها من الوقت. راحت تنظر لساعتها وقد بدأ القلق يدب في أوصالها. وراحت تردد بداخلها:

"زمان يونس حس إنّي هربت، زمان المأمون راح ياخدني ومش هيسكت، زمانهم ابتدوا يدوروا عليا." ولكن ما طمأنها هو بعد المسافة بين منطقة المحكمة ومنطقة منزله. ظلت شمس تناجي ربها وتدعي أن لا يجدوها. عكفت تدعي الله أن يرسل لها العون والسند وأن ييسر لها الطريق وأن تجد أهلها، فهي ليس لها أحد ولم يحن عليها أحد بعد خديجة. راحت تدعو وتدعو، ولم تعلم أن الرحيم بعباده سيسوق لها العون والسند والأهل في شخص واحد.

ها هو جالس أمامها ينام في هدوء. راحت تتأمله وترقرقت دمعة من عينيها، ولكن سرعان ما مسحتها. لم تنتبه لملامحه من قبل، فهو وسيم وجذاب. راحت تنظر لأنفه وشفتيه وذقنه الحليق وشعره الناعم المصفف بعناية. خجلت شمس من نفسها وأشاحت بوجهها لتتابع الطريق، ولم ترَ الابتسامة الصغيرة التي ارتسمت على شفتيه. فهو لم يذق النوم طوال الطريق، بل كان يراقبها تمامًا. كان يشاهد انقباضات وجهها واختلاجاته وكيف كانت تبكي أحيانًا وتبتسم مرة أو مرتين. كان واثقًا أنها تسترجع حياتها، ولذلك أكمل في دوره حتى يترك لها تلك الفرصة لتختلي بنفسها دون حرج منه. أحس خالد أنه كان معها في رحلة حياتها من خلال صفحة وجهها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...