الفصل 3 | من 26 فصل

رواية انت سندي الفصل الثالث 3 - بقلم ايمان سلامة

المشاهدات
22
كلمة
1,109
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

ظلا خالد وشمس يتبادلان النظر لبعضهما، وعلى وجه كل منهما ابتسامة هادئة بريئة. كان كل منهما يتأمل الآخر في صمت، وكأنهما يستعيدان ذكريات الطفولة، وهما غير مصدقين لتلك الصدفة الغريبة. لم يرها خالد منذ أن كان عمره 9 سنوات، وكانت هي في الخامسة. خالد: ياااااه يا شمس، كل ده! وأنا أقول أنا حاسس إني أعرفك أو شفتك قبل كده. انتي عارفة إحنا دَوّرنا عليكم قد إيه؟ عارفة عمك صالح دَوّر عليكي قد إيه؟

ده مش هيصدق نفسه لما أقوله إني لقيتك. رفع خالد هاتفه وطلب رقم والده مسرعًا، ووضعه على أذنه. ولكن شمس رفعت يدها برفق أمامه تترجاه ألا يفعل، وهي تهز رأسها بالرفض والدموع في عينيها. شمس: ليه بس مش عايزة عمي يعرف إني لقيتك؟ ده أنا لغاية دلوقتي موصي ناس في كل حتة، كل ما أنزل إسكندرية يدوروا عليكي. قالت بحزن: بعد كل السنين دي، يوم ما يلاقيني يلاقيني راجعاله بكل الهم ده على كتافي. هو أكيد عنده اللي يكفيه وزيادة، ومش ناقصني.

خالد: انتي بتقولي إيه؟ ده بقاله سنين بيحلم يلاقيكي. شمس: أنا كمان كان نفسي طول عمري ألاقي أهل ليا، لكن للأسف مكنش في إيدي حاجة أعملها. خالد: خلاص، أدي إحنا فيها ولقينا بعض. قومي يالا أوديكي لعمك. شمس: لا يا أستاذ خالد، أرجوك. أنا مش مستعدة دلوقتي للمقابلة دي. وكمان يعني... أشارت لهيئتها بخجل. نظر لها خالد بتساؤل، ثم عقّب: انتي مش رايحة لحد غريب. انتي كمان مين قالك أصلاً إني ممكن أسيبك بعد اللي حكيتيه؟

انتي لحمنا ودمنا، وواجب علينا نحميكي ونقف جنبك في الظروف دي. سكتت، وبدأ الحزن على محياها وهي تتمتم: إذا كان صاحب اللحم والدم باعه. ثم نكست رأسها في ألم. سكت خالد حتى لا يضغط عليها. لم يحاول السؤال عن عمه الذي أدرك أنه سبب ما هي فيه. كان دائمًا يشعر أن والده يبحث عنها، ويتمنى أن يجدها. وكان دائمًا

يقول له: "أنا نفسي ألاقي بنت عمك وأخدها تحت جناحي". لم يكن يفهم جملته، فهو يعلم أن عمه حي يرزق، ولا يتذكر الماضي، فقد كان صغيرًا. ولكنه كان يلاحظ دائمًا مسحة اليأس والألم التي كانت تبدو على وجهه، ولم يكن يريد أن يثقل عليه بأسئلته.

هكذا هو خالد دائمًا، رحيم ومتفهم، شهم وخلوق. لا يترك من يحتاج له، مثل والده تمامًا. ورث عنه أخلاق الفرسان، وقد زادته مهنته احتكاكًا بالناس أصحاب المشاكل، فما كان منه دائمًا إلا التفاني في مساعدة غيره وتخفيف آلامه. قطعت شمس أفكاره قائلة: أستاذ خالد، أنا همشي بقي. وقفت لتستعد للرحيل. تفاجأ خالد ووقف هو الآخر، مجيبًا بلهجة حاسمة: تمشي؟ تمشي تروحي فين؟ انتي عندك مكان تروحي له؟ صمتت شمس بخجل،

ثم أكملت بصوت خافت: هشوف حد من البنات زمايلي. خالد: طب ده كلام؟ تروحي لزمايلك واحنا موجودين؟ مفيش الكلام ده. انتي هتيجي معايا والموضوع ده مفيهوش نقاش. من فضلك، إحنا هنطلع على القاهرة دلوقتي، بيت عمك مفتوحلك، خليكي حتى معانا لحد ما نعرف هنعمل إيه. قالت أخيرًا باستسلام: طيب، أمري لله. ابتسم خالد بود وهو يقول بتفاؤل: متقلقيش، كل أمر الله خير. تمتمت بخشوع: ونعم بالله. ذهب خالد ليحاسب فتي المقهي، ثم عاد وهو ينظر،

يخاطبها بحماس: يالا بينا يا بنت عمي، يادوب نلحق القطر. أنا مبعديش عني لحسن تتوهي في الزحمة، وأوعي تزوغي كده ولا كده ها. قالها خالد بضحك، فابتسمت رغم عنها لضحكته الجميلة. شمس: متقلقش، مبقاش ليا مكان أروحه غير أهلي. تحرك خالد ببطء لتتبعه وهي تتأمل هذا الخالد الذي ظهر لها من حيث لا تدري، وكأنه ملاك أرسله الله لها.

وصلا خالد وشمس لمحطة القطار. دفع خالد لهما مقعدين متواجهين، وصعدا للقطار بعد أن اشترى لها عصائر ووجبة خفيفة للطريق. سمعته يقول بمرح: طبعًا انتي النهاردة مأكلتيش حاجة خالص. أنا كمان جعت أوي الحقيقة. إحنا نركب وناكل حاجة ونديها نوم بقي لحد ما نوصل. ابتسمت وهي تهز رأسها بالموافقة. ركبا القطار وقد تناولا وجبة خفيفة. لفت نظره أنها تأكل القليل جدًا على استحياء. اعتقد أنها تخجل منه، فسكت دون أن ينظر لها حتى لا تخجل أكثر.

ارتدى خالد نظارته الشمسية لتحجب ضوء النهار عن عينه، مرددًا بمرح: بصي يا ستي، أنا هنام شوية، لحسن أنا مطبق على القضية بتاعة الصبح دي من امبارح. انتي مش غريبة بقي، القطر قطرك، خدي راحتك على الآخر. ولو احتجتي أي حاجة أو حد جه جمبك، قولي بس "خالد" هتلاقيني صحيت. حاولي ترتاحي شوية برضه، لسة الطريق طويل، وانتي من بدري في الشمس.

تعمد أن يطلب منها مناداته بدون ألقاب، حيث لاحظ أنها تخاطبه بلقب "أستاذ"، وهو يريد أن يزيل الحواجز بينهما لتهدأ نفسها وتطمئن. أومأت شمس برأسها دون أن تتكلم. أسندت ذقنها الرقيق على يدها التي وضعتها على النافذة تتابع الطريق. أسند خالد رأسه على المقعد وهدأ تمامًا، وقد بدا لها بالفعل أنه راح في نوم عميق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...