لم تغمض عيني شمس أو خالد تلك الليلة. ظلا يفكران ويستعيدان حديثهما. تارة يبتسمان حين يتذكرا حديث الليلة الماضية، وتارة تدمع عيونهما حين يتذكرا أنه قد حان الفراق. حتى بزغ الفجر، قاما للصلاة كما تعودا، وظل كل منهما يناجي ربه داعيًا أن يجمعهما بحلاله.
فرغت شمس من جلستها بعد الصلاة، وظلت تدعو وتسبح، ثم قامت رافعة سجادتها. فسمعت صوتًا خفيفًا على الباب. راحت تفتح، فوجدت خالد يقف بعيدًا عن باب الحجرة مشيرًا لها أن تتبعه. فتبعته شمس لشرفة واسعة متصلة بالبهو. شمس بقلق: خير يا خالد مالك؟ مد يده لها بعلبة هاتف صغيرة هامسًا: خدي ده تليفون وفيه خط عشان نبقى نتكلم. شمس: أيوه لكن...
خالد: مكنش. شمس أنا ماشي أصلًا على عيني وبالعافية. خليني على الأقل يبقى فيه وسيلة اتصال بيني وبينك. كفاية إننا مش هنشوف بعض. هزت شمس رأسها دون أن تجادل أكثر، فقد أحست بقلقه وأرادت أن تريحه.
خالد: شمس ياريت محدش يعرف إني اديتك التليفون ده، وخليه دايما معاكي عشان يبقى فيه اتصال بينا. أنا سجلت لك رقمي، وطبعًا فيه أرقام بابا وعمتي، هشام وبيت المنصورية عشان لو حصل أي ظروف برضه تبقى معاكي كل الأرقام. بس ياريت متتصليش بحد منه غير لو بجد مضطرة. اتفقنا؟ ابتسمت له بحب: اتفقنا يا متر. نظر لها خالد بتمعن هامسًا: خلي بالك من نفسك يا شمس. وعايزك هنا تتبسطي وتضحكي وتلعبي. وبس، ماشي؟
ابتسمت شمس ودمعت عينيها: حاضر يا خالد، أوعدك. غادر خالد مع صالح وصابرين وهشام، وتركوا شمس بالمزرعة. وقفت تودعهم دامعة من شرفة الحديقة، وفاطمة بجوارها تربت على كتفها. *** لم يتوقف مأمون ورجاله لحظة عن البحث عن شمس ويونس، ولكن دون جدوى. ولم يعد لديهم أي خيط سوى صالح وأسرته. فلم يتوانى مأمون عن مراقبة منزل صالح ومصنعه انتظارًا لعودتهم. وقد عاد صالح في الموعد المنتظر، فأسّرع رجال يونس بإخباره. سعد: الجماعة وصلوا يا كبير.
مأمون: كلهم؟ سعد: أيوه. الراجل الكبير والولية أخته وولاده الاتنين. وطبعًا لا معاهم شمس ولا يونس، مش كده؟ سعد: لا يا كبير، معهمش حد. مأمون: عينكم متغبش عنهم لحظة. وأي حد يخرج منهم أو يدخل، وراه. سعد: أمرك يا كبير. ***
مرت عدة أيام والوضع على ماهو عليه. رجال مأمون يراقبون كل حركة لصالح وعائلته. يونس يتابع علاجه. شمس تقضي وقتها في المزرعة، وقد أصبحت هي وفاطمة صديقتين، حيث جمعتهما الوحدة. خالد وشمس يتحادثان ويتراسلان باستمرار. ظل كل شيء مستقرًا حتى رفع المحامي القضية ووصل الإعلان لمأمون. جُن جنونه وثار كالأسد الجائع يريد أن يفترس كل ما يراه. أرسل في طلب سعد، وجاء له الأخير مهرولًا. سعد: أوامرك يا كبير.
صاح مأمون ثائرًا: شمس رفعت قضية يا سعد. رفعت قضية. إن عقد الجواز باطل. بترفع عليا أنا قضية بنت الشمام! سعد مهدئًا: اهدي بس يا كبير وخلينا نفكر. صاح مأمون: إحنا لسه هنفكر! كلم لي المحامي أخلص. سعد: حالا يا كبير. تحدث سعد للمحامي، وحضر على الفور، فمأمون من أهم موكليه، ودائمًا ما يغدق عليه بالأموال حتى يُبديه دائمًا على أي موكل آخر، ويذهب له فور وقوعه في أي مأزق متعلق بعمله. المحامي: خير يا مأمون، إيه اللي حصل؟
مأمون: مراتي رفعت عليا قضية. المحامي: قضية إيه بالظبط؟ مأمون: قضية إنها مش مراتي. المحامي: يعني إيه مش فاهم؟ مأمون: يعني إن العقد مضروب. المحامي: ممم، طب وهو العقد مضروب؟ مأمون: لا طبعًا، بس هي مجتش معانا يومها. المحامي: إزاي يعني؟ هو فيه حاجة اسمها كده؟ خليك صريح معايا عشان أعرف أساعدك.
مأمون: بصراحة يا متر، أنا كنت عايزها. بس هي مكنتش هترضي. قمت خدت أبوها وروحت لمأذون المنطقة. وطبعًا لأنه عارفني وعارف أنا أقدر أعمل إيه، خاف وعمل العقد. إنما العقد ماضي عليه وكيلها اللي هو أبوها و2 شهود. المحامي: بس هي كده متبقاش مراتك أصلًا. مأمون: يعني إيه؟ المحامي: يعني العقد شريعة المتعاقدين، حتى عقد الجواز. إزاي بقى يكون عقد وطرف من المتعاقدين دول محضرش التعاقد أصلًا؟
مأمون: بص أنا مش فاهمك، بس هي أبوها مضى مكانها؟ وهو ولي أمرها؟ المحامي: لا طبعًا. الكلام ده مينفعش. أبوها وليها وكل حاجة، لكن برضه العقد مينفعش من غير إمضتها شخصيًا. مأمون: طب والحل؟
المحامي: للأسف مفيش حل غير ودي. يعني لو أنت متمسك بيها، يبقى تحاول تقنعها بالجواز منك، وإنها تتنازل عن القضية. وكده كده إنتوا قدام القانون متجوزين لو هي مطعنتش في العقد. ولو مش فارقة معاك، يبقى برضه تحاول تقنعها تتنازل برضه وتتفقوا إنكم تعملوا عقد طلاق ولا من شاف ولا من دري، وبكده هي تقدر بعد 3 شهور العدة تكمل حياتها عادي. مأمون: تكمل حياتها عادي إزاي يعني؟ ومين قال إن هسيبها أصلًا؟
إنت لازم تشوفلي صرفة. أرفع قضية وأطلبهالي في بيت الطاعة. المحامي: للأسف يا مأمون مبقاش ينفع. فيه قضية مرفوعة ببطلان العقد. في القضايا اللي من النوع ده، المحكمة مش هتبعتلك بنت على البيت وهي احتمال متكونش مراتك أصلًا، وإنت مزور عقد جواز. هي هتطعن في حكم الطاعة وتقول إنها رافعة حكم بطلان الزواج. والحكم هيتأجل لحد ما يتحكم في بطلان عقد الجواز.
صاح مأمون غاضبًا: أنا مش فاهم حاجة من اللي إنت بتحكيه ده. يعني الحل إيه دلوقتي؟ المحامي: الحل دلوقتي زي ما قولتلك، إنك تقعد معاها وتحاول تقنعها. مش من مصلحتك إنها تاخد حكم ببطلان العقد ده. معناه إنك زورت في أوراق رسمية. حتى لو أبوها اللي مضى وبصم مكانها، إنت كنت شريك معاه. مأمون: أقعد معاها؟ هو أنا لاقيها أصلًا؟ المحامي: أنا كده قولتلك اللي فيها. الجلسة بعد أسبوعين. حاول تكون اتصرفت.
خرج المحامي تاركًا مأمون غاضبًا، تكاد ثورته أن تفتك بكل من يحيطونه. صاح مأمون بسعد: أكيد ابن عمها المحامي هو اللي رفع القضية دي. سعد: لا يا كبير، المحامي اسمه فريد سراج. مكتوب على الإعلان أهو. مأمون: يالا بينا على المحامي دلوقتي. ذهب مأمون وسعد على الفور لمقابلة فريد. مأمون: مساء الخير يا متر. فريد: مساء النور. السكرتير قالي إن حضرتك المدعي عليه في قضية أ/ شمس يونس، مش كده؟ نظر له مأمون شزرًا: قصدك جوزها. نظر
له فريد باشمئزاز ثم قال: خير، حضرتك يلزم خدمة؟ مأمون: لا يلزم. دا أنا حياتي كلها دلوقتي بين إيديك. وضع مأمون حزمة من الأوراق المالية أمامه على المكتب قائلًا: دول كده فتح كلام عشان نعرف ناخد وندي.
نظر فريد للمال بلا اهتمام ثم قال لمأمون محذرًا: إنت الظاهر متعرفش إنت في مكتب مين، والظاهر إنك فاكرني محامي شمال من اللي إنت بتتعامل معاهم اللي بيقبلوا قضايا موكلين زيك. شيل يا راجل إنت الفلوس دي أحسن لك، وإلا هتبقى زودت على تهمتك كمان تهمة رشوة. أعاد مأمون المال لجيبه وهو ينظر للمحامي بحذر قائلًا: خلاص يا باشا، قدر محصلش. ممكن بقى نتكلم كلمتين. فريد بثقة: أنا واثق إن مفيش حاجة نتكلم فيها.
مأمون: إزاي بس يا متر، أنا عايز أقابل الأستاذة اللي وكلتك في القضية، عشان عايز أتفاهم معاها ونوصل لحل ودي. فريد: طب ما تقابلها. هو أنا حوشتك؟ مأمون: ما هو إنت يا متر اللي هتوصلني ليها. فريد مستغربًا: ليه؟ هو أنت فاكرني شغال عندك؟ دي حاجة متخصنيش. مأمون: ما الأخر كده يا متر، هي مختفية دلوقتي قربت على شهر، وأنا مش عارف حاجة عنها. ومظهرش عنها أي خبر غير إعلان المحكمة اللي جاي عليه اسمك. قولي بقى لو إنت مكاني تعمل إيه؟
فريد: لو مكانك مش هتجوز بنت بعقد مزور، واسمح لنفسي أنا آخدها بالغصب وبالعافية. ولو كنت اتجوزتها، جوازكم كان هيبقى حرام شرعًا. بس إنت هيفرق معاك الحرام في إيه؟ صاح مأمون غاضبًا: بقولك إيه يا متر، أنا عامل لك احترام عشان إنت راجل كبير والمفروض إنك محترم. لكن تقل مني أنا مش هعمل حساب لحاجة. انطق على مكان شمس، أو اديني حتى رقم التليفون. وإلا قسما عظيمًا... صاح فريد غاضبًا مقاطعًا
مأمون: الشويتين دول تعملهم مع حد مش محامي. إحنا كل يوم بنشوف من أشكالكم كتير. وتاني هقولك إنت متعرفش أنا أبقى مين. أنا عمري ما هطلع أسرار موكليّ، ولا هديك عنوان ولا تليفون. ولو فكرت تعمل أي حاجة أكبر منك، أنا أرفع السماعة دي بس وهتلاقي مديرية الأمن كلها هنا. خد البتاع اللي معاك ده وامشي، وابقى اسأل مين هو فريد سراج. زأغ ببصر مأمون عند ذكر مديرية الأمن، فخرج مسرعًا مع سعد وهو يستشيط غضبًا. مأمون: وبعدين يعني؟
قفلت من كل حتة؟ مش هعرف أوصل لبنت الشمام دي؟ أنا مأمون اللي بتتهزله له الشنبات، حتة بت زي دي تلففني كعب داير كل المدة دي؟ سعد منبهًا مأمون: بقولك يا كبير، المحامي ده شكله كبير وتقيل وواصل. الأستاذة وصلت له إزاي؟ وجابت فلوس منين عشان توكله؟ نظر له مأمون كأنه وجد الكنز، صاح في سعد: صح يا واد يا سعد، صح. أكيد عمها أو حد من طرفه. سعد: هيكون مين غير ابن عمها المحامي يا كبير؟
مأمون: أي حد من العيلة، بس مدام فيهم واحد محامي، يبقى أكيد هو. ومرضاش يرفعها بنفسه عشان معرفش إنها عندهم. سعد: أيوه يا كبير، بس هي فعلًا مش عندهم. إحنا مغفلناش عنهم لحظة، والاستاذة مظهرتش معاهم ولا حد منهم قابلها. مأمون: أكيد مخبيينها في مكان يخصهم. بس محدش بيروحلها عشان منلاقيهاش. سعد: طب وإحنا هندور عليها إزاي يا كبير؟ إحنا منفهمش كل أملاك الناس دول. مأمون: وندور ليه يا غشيم؟
كلم لي الواد داغر النشال، يلقط لنا تليفون المحامي وخليه يركبه. أكيد هو بيكلم المحامي بتاعها وهو اللي بيتفاهم معاه. وأكيد وهو بيتكلم مع أهله ممكن يقولوا أي حاجة. وأكيد هنسمع حاجة عن مكان شمس. أكيد. أنا عايز الموضوع ده بكرة يكون خالص. سعد: أوامرك يا كبير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!