اجتمعت أسرة صالح الزهيري حول المائدة. كانت السعادة تنطق من عيني صالح وهو يطلب من شمس: "تعالي يابنتي تعالي هنا جمبي." لتجلس شمس بين صالح وصابرين، وشعرت بعينيه تتابعاها بسعادة. نظرت له حيث كان يجلس أمامها، فاستطرد خالد قائلاً: "نورتي سفرتنا يابنت عمي." ابتسمت شمس بحياء: "شكرا." أكمل خالد بمرح: "أكل عمتي بقي عالمي، هتاكلي صوابعك وراه." شمس التي استدارت لصابرين: "تسلم ايديكي يا عمتي." صابرين:
"ألف هنا يا نور عيني، انتي بس خليكي معانا وهعملك كل اللي تحبيه، تؤمريني بس." قاطع صالح: "طبعاً هتفضل معانا، أمال يعني هتروح فين؟ ربت على يدها الموضوعة على المائدة: "مش كده يا شمس؟ نظرت شمس لخالد الذي نظر إليها، ثم عاد كل منه للنظر لطبقه. صالح: "أم ياسين نادي هشام ياللا، بيعمل إيه كل ده؟ أم ياسين: "ناديته يا حاج بس هو نايم، وش الصبح وقال هيدخل الحمام ويصلي وجاي علطول." صالح: "هو برضه نام الصبح؟ صابرين:
"كان معاه موتور شغال فيه في الورشة لحد بعد الفجر." صالح: "ربنا يوفقه." هشام بمرح: "سلامو عليكوووووو يا آل الزهيري، طابخين إيه النهاردة؟ رفعت شمس بصرها باتجاه صوت الشاب القادم. هشام يشبه صالح وخالد قليلاً، ولكنه نسخة من يونس. نكست رأسها وتذكرت يونس، فقطبت جبينها. هشام: "إيه ده يا جماعة، مش تقولوا إن عندنا ضيوف؟ نظر هشام لشمس بتساؤل وهو يحييها برأسه: "أهلاً وسهل." ردت شمس بنفسها: "أهلاً بيك." صالح:
"هشام يا شمس، مهندس سيارات لكن إيه عبقري، بيشتغل في العربيات وبيعدل كمان فيها وعامل شغل عظيم رغم إنه لسه يادوب متخرج." نظرت شمس لعمها وهي تتأمل كيف يتحدث عن ابنه بفخر وزهو شديدين. تذكرت يونس الذي لا يعلم أنها متفوقة، ولا يعلم حتى ماذا تدرس. شمس بعد أن عادت من أفكارها، ابتسمت وهي تنظر لهشام: "أنا فعلاً شفت عربيتك تحت، واضح إنك موهوب فعلاً." ابتسم هشام وهو يلتهم الطعام ويبدو عليه الجوع الشديد، ثم توقف ونظر لها
بابتسامة وهو يقول بفخر: "دي بقي أهم إنجازاتي، اشتغلت عليها شغل محدش بيعمله في مصر." شمس: "ما شاء الله، ربنا يوفقك." هشام: "بس إحنا متعرفناش." ثم مال على خالد الجالس بجواره وهمس في أذنه: "عروسة جديدة عمتك جايبهالك دي ولا إيه؟ لا بس ذوقها ظبط المرة دي." دفعه خالد وهو ينظر له أن يصمت. صالح: "دي شمس بنت عمك يونس يا هشام." تحجرت الابتسامة على وجه هشام وتغيرت ملامحه، وقد قطب جبينه وهو ينظر لشمس قائلاً بطريقة
ذات مغزى كمن تدارك الأمر: "آه.. أهلاً وسهل." لاحظت شمس تغير وجهه، نظرت له بتمعن ثم هزت رأسها لتعود للنظر لطبقها المليء بالاطعمة اللذيذة. كانت تداعب الطعام بالشوكة دون أن تلمس منه شيء، حين قال عمها صالح: "عارفة يا شمس، أهو هشام لوحده سافر أكتر من مرة إسكندرية يا بنتي عشان يلاقيكم، كنت ببعته عشان كان سهل يسافر أكتر من خالد يعني بحكم مواعيد جلساته ومحكمته وكده." ثم بدأ عليه التأثر مكملاً:
"بقالي ١٧ سنة لفيت كل حتة في مصر، ولما عرفنا إنكم في إسكندرية كنت خلاص زي ما انتي شايفة، مبقتش أقدر أروح في مكان. الله يكرمهم خالد وهشام كملوا لحد ما خالد لقاكي وجابك لينا بالسلامة." ارتبكت شمس وتبادلت النظر مع خالد. صالح: "أنا كإن روحي ردتلي تاني بعد ما شوفتك يابنتي." ثم ختم كلامه مخاطباً نجله الأصغر: "شفت يا هشام ربنا مضيعش تعبنا ولقينا شمس أخيراً إزاي." أجاب هشام وهو ينظر لشمس نفس النظرة: "آه طبعاً شفت."
ثم أكمل مخاطباً شمس: "وإنتي يا شمس بتشتغلي ولا بتدرسي؟ ارتبكت شمس واهتزت الشوكة في يدها من أسلوب هشام في السؤال. "رايحة رابعة آداب ترجمة إن شاء الله." هشام بتهكم: "إن شاء الله." نظرت له شمس وقد شعرت أنه لا يتقبلها بهذا البيت، لا تدري السبب، ولكنها باتت على يقين من ذلك. باغتهم صالح بالسؤال: "قولولي يا ولاد إنتوا اتقابلتوا إزاي؟ ترك هشام الطعام ووضع يده على خده وهو ينظر لها بتحدي: "آه احكولنا بقي اتقابلتوا إزاي؟
أجاب خالد بهدوء وصدق: "أبدا يا بابا، اتقابلنا صدفة في المحكمة." صالح بفزع: "وإنتي إيه اللي وداكي المحكمة يابنتي خير؟ أسرع خالد ليتدارك الموقف وهو ينظر لشمس التي هربت الدماء من وجهها، ونظرت له باستجداء: "متقلقش يا حبيبي، كانت جاية تزور صديقة ليها محامية لسة صغيرة بتتدرب أنا أعرفها من المحكمة، كنت بسلم عليها وشمس معاها، عرفتها باسمي فشمس عرفت الاسم وعرفتني بنفسها، فقولتلها لازم تيجي معايا تشوفكم وبس."
"ياسلااااام بالبساطة دي؟ " قالها هشام بسخرية. التفت خالد له فجأة ونظر له بصرامة. سكت هشام، ثم وجه سؤاله لشمس: "وإنتي صاحبتك المحامية دي عرفتيها منين؟ إنتي مش بتقولي إنك في آداب ترجمة؟ أجابت شمس بهدوء يخفي ما يعتمل بداخلها: "أبدا، كانت زميلتي في المدرسة بس سبقاني لأنها أكبر مني، ولما روحنا الكلية بقينا نتقابل عشان إحنا عندنا كل الكليات النظرية في مكان واحد اسمه المجمع."
"ممم." همس بعا خالد، ثم شرع في سؤال آخر، ولكن خالد نظر له بحزم وكأنه يأمره أن يصمت تماماً. صالح: "نورتي بيتك يابنتي، المهم إنك هنا، بس ياترى يونس عارف إنك جاية؟ شمس بارتباك: "..اصل يا عمي.." قاطعها صالح وهو يبدو عليه التأثر، حتى أنه أوشك على البكاء: "مش عايز يشوفني كل السنين دي ومش قادر يسامحني." وضعت شمس يدها على يد عمها باشفاق: "لا يا حبيبي." "بابا ميعرفش إني جايالك، ولو يعرف كان أكيد جه معايا، ده بيحب حضرتك جداً."
لا تعلم لماذا قالت ذلك، كل ما شعرت به أنها تود أن لا يحزن هذا الرجل الطيب. ثم سرحت فيما قاله عمها: "يسامحك؟ إيه اللي ممكن يكون راجل زيك عمله لأخوه عشان يزعل منه أصلاً؟ أنا لو من يونس كنت أفضل جنبك العمر كله مهما عملت فيا." أفاقت على سؤاله لها كالطفل الصغير: "بجد يا شمس، أمال هو فين؟ "الحقيقة هو مسافر ومعرفتش أوصله عشان أديله خبر قبل ما أجي، لكن خلاص ادينا اتلاقينا ومش هنفترق تاني إن شاء الله، وأنا لما هرجع.."
استطرد خالد بدهشة: "ترجعي؟ نظرت له بأن يسايرها حتى يمر الموقف، فهي لا تريد هذا القدر من الكذب، تريد أن تخبر عمها بكل شيء، ولكنها تخشى عليه، فقد يمرض الرجل من هول ما سيسمع. فهم خالد وسكت. أكملت شمس: "قصدي يعني إننا أكيد هنيجي تاني أنا وهو." وسكتت، ولكنها شعرت بوجه صابرين الجالسة بجوارها في انتظار أن تتم جملتها. نظرت لها بأسف، فنكست صابرين رأسها وقد استوعبت "أماني لن تأتي معهم".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!