انتهت العائلة من طعامها. قام صالح وهو يخاطب شمس قائلاً: -شمس يا بنتي أنا هروح أوضتي أصلي وأرتاح شوية. -حاسيبك ترتاحي من الطريق والسفر ولينا قعدة طويييلة مع بعض أنا وانتي. أجابته وهي مبتسمة له بحنان: -حاضر يا عمي. ذهبت شمس لتغسل يدها، فاستوقفها خالد. -شمس محتاجين نتكلم. -طبعا كنت لسة هدور عليك. -طيب تعالي نخرج الجنينة. -تمام ياللا. خرجا خالد وشمس وعيون هشام تتبعهما.
-أنا آسف إني اضطريت أكذب على بابا وألف قصة صاحبتك دي. -أنا اللي آسفة إنك اضطريت تكذب بسببي. ثم أكملت بأسف: -أنا كمان مبحبش أكذب والله، بس أنا اضطريت لأني خفت عليها. -إزاي هقوله إني راجعالكم بمصيبة؟ -إزاي هقوله إن أخوه اللي مني عينه يشوفه مش أب وباع بنتها؟ -إزاي هقول لعمتي إن أمي ماتت؟ إزاي... أنهت جملتها وبكت بكاءً مريرًا.
نظر لها خالد بحزن شديد، ود لو احتضنها وربت على رأسها الصغير محاولاً تهدئتها. تمنى لو أصلح لها كل ما يعكر صفوها، تمنى أن يراها تضحك مرة أخرى مثلما ضحكت كالطفلة ونسيت همومها وهما بالسيارة. -شمس أولاً البقاء لله، أنا مكنتش أعرف إن والدتك اتوفت. -أنا أمي متوفتش يا خالد. -أنا أمي اتقتلت قصاد عيني وأنا عمري ٦ سنين بسبب أبويا. فتح خالد عينيه بجزع ونظر لها باشفاق شديد.
-فيه حاجات كتير أنت متعرفهاش عني يا خالد، وأنا آسفة إني كان لازم أقولهالك قبل ما تجيبني هنا. جايز مكنتش ساعتها هتجيبني. -انتي بتقولي إيه؟ لا طبعًا مهما حصل كنت هجيبك، ده بيتك وإحنا أهلك. ولو مكنتش نقف في ضهرك في ظروفك الصعبة مين اللي ممكن يقف في ضهرك؟ -أنا عمري ما كان ليا ضهر أو سند، وأنتم كمان مش مضطرين تقفوا جمبي. -إحنا أهلك يا شمس. -يعني إيه؟ -مش فاهم السؤال. -يعني إيه أهل؟ بيعملوا إيه الأهل؟
بيحس بإيه اللي عنده أهل؟ احكيلي يا خالد قولي أنا بجد معرفش. -انتي شايلة في قلبك كتير أوي يا شمس. -كفاية إني أقولك إني مشوفتش حنية في حياتي ولا حد رُعاني من بعد أمي اللي راحت وأنا عيلة صغيرة غير من اتنين بس. -ماما خديجة جارتنا الطيبة اللي كانت بترعاني وتاخد بالها مني لحد ما ماتت. -وانت... -أنا؟
-أيوه أنت. أنت ربنا بعتك ليا في أكتر وقت كنت فيه في حياتي يائسة وضعيفة. اللحظة اللي قابلتك فيها كانت كل حاجة قدامي سودا لحد ما أنت جيت قدامي زي شعاع النور. مين عارف لو مكنتش قابلتك النهاردة كان زماني فين وبعمل إيه؟
-أنا حياتي كلها عذاب يا خالد، لكن عمري ما يئست من رحمة ربنا. كنت بقع وأقوم وأكمل، وأضعف تاني وأقوم وأشجع نفسي وأقوي. بجري بكل قوتي عشان أوصل لحلمي وأحققه وأخلص م اللي أنا فيه. لحد امبارح حسيت إن الدنيا اسودت في وشي وكل الأبواب اتفقلت قصادي وإن كل حاجة اتدمرت خلاص. طول الليلة امبارح وأنا بفكر إيه اللي ممكن أعمله وأنا لوحدي، ماليش حد، وضعيفة. مكنتش أتخيل إني تاني يوم هكون هنا. أنا عشت على أمل إني أتخرج وأجي القاهرة أدور عليكم، ومتخيلتش إن ربنا يبعتك ليا بعد أسود ليلة في حياتي.
كان خالد يستمع لها بشفقة بالغة، كان ينظر في عينيها الغارقة في الدموع دون أن ينطق بحرف لتخرج كل ما في جوفها من ألم وغضب ادخرته لسنوات. صمتت شمس وأنفاسها تتلاحق وتبكي بصوت مكتوم. -يعني أنتي برضه كنتي عايزة تدوري علينا؟ -طبعًا. أنا لو كنت أطول كنت جيت من زمان بس مكنتش أقدر عشان كنت لسة صغيرة. بس فضلت أحلم باليوم ده إني أهرب وأجي على هنا وأدور عليكم. -طيب وعمي يونس؟ -ماله؟ -قصدي يعني ليه تهربي وتيجي لوحدك؟
هو رافض إنه يشوفنا؟ -ترددت قليلاً ثم استرسلت في الحديث وقد بدا عليها أنها نوت أن تفضي له ما في صندوق أسرارها. -عمك مدمن يا خالد. -إيه؟ مدمن إزاي يعني؟ -يعني بيشرب كل حاجة ممكن تتخيلها مخدرات وخمرة. هو أصلًا مش في وعيه ٢٤ ساعة في اليوم. أنا عمري ما اتكلمت معاه، كل علاقته بيا إني بخدمه وبشتغل وبصرف على البيت من وأنا لسة عيلة. -تشتغلي؟ وكنتي بتشتغلي إيه وإنتي طفلة؟
-كنت بساعد في البيوت وأغسل سلالم، وفي الدراسة كنت بعمل حلويات وأبيعها في المدرسة. نظر لها باشفاق ولكن لم تخلو نظرته من الإعجاب بصلابتها. -كل ده مهمنيش، كل اللي كان يهمني إنه يسيبني أكمل في المدرسة. -للدرجة دي كنتي حريصة إنك تكملي تعليمك؟
-الحاجة الوحيدة اللي فاكراها من أمي غير موتها اللي مبيغبش من قدامي، آخر حاجة قالتها لي إن إني آخد بالي من مدرستي وإني لما أكبر وآخد شهادتي هبقى قوية ومعتمدة على نفسي. ولما ماتت ماما خديجة جارتنا قالت لي إن أمي كانت قريبة منها وبتتكلم معاها إنها كانت دايما تقولها إنها كان نفسها تكمل تعليمها وإن أكتر حاجة بتتمناها إني أكمل تعليمي. -على فكرة ماما خديجة اللي قالت لي إن أهلي في القاهرة. ماما قالت لها.
-أنا كنت فاكرة بس خيالات لناس كانوا بييجوا عندنا في بيت جميل وكبير وإحنا كنا بنروح لهم وكانوا بيحبوني أوي، لكن مكنتش فاكرة أكتر من كده. -ماما خديجة الله يرحمها اللي قالت لي إن لازم أدور على أهلي وإن ماما قالت لها إن أخوات يونس في القاهرة وإن لو جرى لها هي أو يونس حاجة هم هياخدوا بالهم مني. -لكن للأسف هي مكنتش تعرف عنكم أكتر من كده. نظر خالد لها بتأثر.
-شمس أنا مش عايز أزعجك ولا أضايقك بس واضح من كلام بابا إن فيه حاجة حصلت زمان بينه وبين عمي إحنا منعرفهاش. الغريب كمان إن عمي يشغل بنته ويبهدلها كده وهو المفروض غني أو على الأقل من عيلة غنية. طيب لو أحواله المادية اتبدلت ليه ملجأش لأخوه؟ -مش عارفة يا خالد. بس أنا معتقدش إن والدك ممكن يكون عمل أي حاجة تضر يونس. هو اللي ضر نفسه وضرنا كلنا. لم يرد خالد أن يسألها عن وفاة والدتها، يبدو أن جرحها لازال ينزف رغم مرور السنين.
-دلوقتي قدرت أستوعب عمي ممكن يكون جوزك بدون علمك ليه؟ هزت شمس رأسها باستسلام. -المدمن مالوش غالي ولا عرض يخاف عليه. ممكن يعمل أي حاجة في مقابل الزفت اللي بيشربه. اللي قتل أمي كان تاجر صغير أدى ليونس بضاعة يبيعها وشربها. خاف من اللي أكبر منه وجه بيتنا عشان ياخد بضاعته أو يخلص من يونس زي ما عُرف الشغلانه بيقول. لكن للأسف... وفرت دمعة من عيونها الجميلة. -أمي ماتت بداله.
نكس خالد رأسه في الأرض، لقد علم القصة كلها بدون أن يسأل. تفهم خالد طبيعة الجو الذي نشأت فيه شمس ونظر لها، فهي تبدو كالجوهرة التي نمت وتلألأت وسط الأوحال. -طيب والراجل اللي جوزهولك ده؟ -بيسهروا سوا وبيشرب على حسابه كل ليلة. -أفهم من كده إن الراجل ده هو كمان بيشرب؟ -بيشرب وبيتاجر كمان، واللي يدور وراه مش بعيد يلاقيه قتال قتلة. -يا خبر أسود. طب أنتِ إيه معلوماتك عن الراجل ده؟ -معرفش عنه حاجة غير إن اسمه مأمون.
-تمام بس شمس الموضوع ده محتاج شغل ومعلومات وضروري نعرف نجيب ورقك من البيت. -صدقني كل ده مش شاغلني دلوقتي. أنا لو مت دلوقتي هموت راضية، كفاية الساعتين اللي قضيتهم في بيتكم وحضن باباك ليا وحضن عمتي. -إيه تموتي دي يا شمس؟ حرام عليكي بلاش الكلام ده الله يخليكي. نظرت له شمس وأحست بخوف حقيقي بكلماتها.
-أنا قصدي إن اللي يهمني دلوقتي إني شفتكم ومش عايزة منك غير إنك تشوف لي مكان بعيد عن هنا. أنا مش عايزة أجيب لكم مشاكل أنتم في غنى عنها.
-شمس أنا محامي يعني المشاكل شغلتي وأنا مش هسيبك ولا هتخلي عنك وموضوعك ده خلاص بقى قضيتي. وأصلًا موضوع إن بابا يسيبك تمشي من البيت هنا ده انسيه. اسمعي أنا عارف إنك تعبتي كتير وكان نفسك ترتاحي لكن اللي فهمته من كلامك إنك كنتي دايما قوية. أنا عايزك الفترة اللي جاية أقوى من أي وقت فات في حياتك. اتفقنا؟ وأهم حاجة تثقي فيا وتوعديني إنك متستسلمينيش مهما حصل. اتفقنا؟
-أوعدك. بس احنا لازم نفكر إزاي هقول لعمي الحقيقة. أنا مش هقدر أفضل هنا وأفضل مخبية عليه. مش هقدر. -لا طبعًا لازم يعرف كل حاجة وهيفكر معانا كمان. عمك في مقام أبوك ومن حقه يعرف المشكلة اللي أنتِ فيها. -طيب يا خالد اللي تشوفه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!