استيقظ يونس على صوت الباب فقفز من مكانه مسرعاً، لعلها تكون ابنته أو خبر عنها. هرع باتجاه الباب وفتحه ليجد أمامه أخاه الأكبر "صالح الزهيري". "صالح؟ " قالها يونس بذهول وهو محدق بأخيه. صالح بشموخ وهو يحاول أن يخفي انفعاله ورغبته الكبيرة أن يحتضن أخاه وينخرط معه في البكاء معاً: "أيوه يا يونس، صالح.. صالح زكريا الزهيري.. أخوك، ياترى لسه فاكره؟ يونس بعيون تائهة: "انت عرفت بيتي منين؟
صالح: "طب مش هتقولي اتفضل ولا هتسألني وأجاوبك هنا ع السلم؟ يونس: "لا إزاي؟ " قالها بتهكم، "اتفضل يا صالح بيه، بس معلش البيت مش قد المقام." صالح بعد أن دخل وجلس على مقعد متهالك قريب من الباب، متوكئاً على عصاه بكلتا يديه كعادته: "وايه اللي خلى يونس ابن الأكابر يسيب بيته وأهله وناسه وييجي يعيش في بيت مش قد المقام؟ يونس بغضب: "وهو أنا بقى حيلتي حاجة؟ ما كل حاجة راحت. والبركة فيك." حدق صالح بأخيه يلومه: "أنا يا يونس؟
البركة فيا أنا؟ يونس: "أيوه، لو كنت قولتلي ع اللي فيها وفوقتني من بدري ماكنتش ضيعت كل فلوسي. لكن انت يظهر استحْليت إني أخلص اللي ورايا واللي قدامي عشان أرجع بعد كده أشتغل موظف عندك." صاح صالح باستنكار: "موظف عندي؟ في شركة أبوك؟ دي ثروة أبوك وماله." صاح يونس ثائراً: "لكن كتبها باسمك." نكس صالح رأسه بندم ليكمل يونس: "١٧ سنة وأنا بسأل نفسي أبوك عمل كده ليه؟
طب صابرين، يمكن قال البنت متورثش لحسن المال يضيع ويروح للغريب، رغم إنه كان عارف حسين الله يرحمه ومربيه على إيده. لكن أنا.. ابنه اللي من صلبه واشتغلت طول عمري معاه وكنت في طوعه، عمل فيا كده ليه؟ للدرجة دي كان شايف إني فاشل وميعتمدش عليا؟ شافك انت بس اللي تقدر تشيل بعديه."
صالح بهدوء وهو يمنع نفسه أن يصارحه بكل شيء، لقد حافظ صالح على المال ودفع الثمن فراقه عن أخيه كل تلك السنين، لن يخاطر اليوم فيضيع ميراث أخيه على المخدرات، فحاول أن يبرئ ساحة والده معللاً: "وليه متقولش إنه عمل كده عشان آخد بالي منكم وأراعيكم، ولانت شايف إني كنت ممكن آكل حقكم؟ يونس: "أنا عمري في حياتي ما وثقت في حد قدك.. أحط رقبتي قدامك وأديك السكينة وأقولك خد يا أخويا، وأنا عارف إنك مش هتأذيني." أغمض صالح عينيه
بألم وهو يبتلع كلمات أخيه: "وأنا طول عمري بعتبرك ابني مش أخويا يا يونس.. انت متعرفش أنا دورت عليك قد إيه." صاح يونس بغضب: "أنا لو كنت ابنك كنت عرفتني الحقيقة من أول يوم.. كنت تقولي أقفل الشركة يا يونس واعقل عشان فلوسك لو خلصت ملكش فلوس عندي تاني عشان أبوك مسابلكش مِلك زي الحريم." صاح صالح: "ومين قالك إن كنت هقولك كده؟
عمري ما كنت هبطل أديك.. كل الموضوع إن كان فيه أزمة وقتها وانت متحملتش، لكن انت عمرك ما كنت هتجيلي تطلب وأردك يا يونس." صاح يونس: "انت عايز تديني حسنة؟ عطف وإحسان منك؟ أنا يونس الزهيري أشحت من أخويا عشان أعيش؟ أنا كان أهون عندي أموت ولا أشوف اليوم ده." صالح بعتاب: "وعشان كده جيت على هنا وغرقت في السم والقرف.. عشان تموت؟
يونس باستسلام: "أنا كنت عايز أموت بعيد عنك ولا إنك تفرح فيا.. كان نفسي أختفي خالص بس محصلش.. سنين وأنا بشرب وأسكر وأشد عشان أنسي أو أموت، بس لا مت ولا عمري نسيت." عاتبه صالح بهدوء: "يا غبي.. أنا أفرح فيك؟ يونس: "أمال انت بتدور عليا ليه يا صالح؟
صالح بحزن شديد: "عشان إحنا أخوات.. أنا أخوك مش عدوك يا يونس.. أنا سنين هتجنن عشان ألاقيك، أنا كان كل همي إني ألاقيك وآخدك في حضني وأعوضك عن كل يوم قضيته وأنت بعيد عن عز أبوك وعن أخواتك." يونس: "واديك جيت وشفتني يا أخويا.. مبسوط؟ هتقدر تاخدني في وسط ولادك وأنا واحد مدمن وشمال؟ صالح: "إحنا بني آدمين يا يونس ومفيش بني آدم مبغلطش ومبيضعفش، المهم تكون انت عايز تفوق م اللي انت فيه." يونس وقد بدأ صوته
يضعف وقد أوشك على البكاء: "أفوق.. أفوق ليه؟ ولمين؟ خلاص اللي ليا وكنت ممكن أفوق عشانها راحت.. اللي كانت بتتمنى إني أفوق خلاص مبقتش موجودة.. أنا مش عايز أفوق، أنا عايز أموت يا صالح.. عايز أموت.. أنا مش عارف الموت سايبني وناسيني ليه." كان يونس يبكي، فما كان من صالح إلا أنه احتضن أخاه بقوة، لم يحاول يونس إبعاده، بل على العكس انخرط بالبكاء داخل حضن أخيه، ثم ابتعد.
"رفقاً.. شمس ضاعت يا يونس.. شمس ضاعت أنا اللي ضيعتها.. جوزتها لواحد ميسواش.. بلطجي وشمام وبيبيع مخدرات عشان خفت منه خفت عليها قمت جوزتهاله، شفت الخيبة.. ضيعتها زي ما ضيعت أمها.. عرفت أبوك مكتبليش ورث ليه عشان عارف إني خايب.. أبوك كان عارف إني خايب يا صالح." أمسك صالح كتفي أخيه بقوة وهزه بعنف، صائحاً به: "كفاية يا يونس كفاية.. أهدي.. شمس في أمان." حدق يونس بأخيه متسائلاً: "شمس بنتي؟
أجابه صالح بهدوء: "أيوه يا يونس بنتك شمس في أمان، متخافش عليها." قام يونس بعد أن جلس على ركبتيه في الأرض منهاراً أمام مقعد أخيه، منفعلًا: "طب وديني ليها يا صالح.. وديني ليها أنا عايز أشوفها وأستسمحها على كل اللي عملته فيها." "لا يا يونس"، قالها صالح حاسماً. ليصيح يونس غاضباً: "يعني إيه؟ دي بنتي، إيه عايز تاخد مني بنتي هي كمان زي ما أخدت كل حاجة؟
صاح صالح: "يا أخي افهم، أنا مخدتش منك حاجة.. أنا هحكيلك على كل حاجة يا يونس.. بس مش للراجل اللي قاعد قدامي ده.. أنا عايز أقعد أتكلم مع يونس أخويا.. تعرف ترجعلي أخويا يا يونس؟ نظر له يونس بلا أي انفعال ثم قال: "وديني لشمس." صالح: "مش ممكن يا يونس غير لما نتكلم الأول، ثم إن بنتك في خطر، ولا انت عايز الراجل اللي جوزتهاله ده يعرف مكانها؟
يونس بخوف: "مأمون.. لا لا مش عايزه يلاقيها خلاص، ولا عايزاه يتجوزها." ثم أكمل باكيًا: "أنا غلطان، أنا هخليه يطلقها." صاح صالح: "لا طبعاً، أوعى تعمل كده.. يونس انت لازم تساعد بنتك زي ما ورطتها، وده مش هيحصل غير لما مأمون ده يفضل فاكر إنها هربانة وانت متعرفلهاش طريق، وإلا هيوصل لشمس عن طريقك." هز يونس رأسه صائحاً: "لا لا أنا مش عايزه يوصلها، ده ممكن يموتها عشان هربت. طب قولي يا أخويا أعمل إيه.. أعمل إيه عشان ألحق بنتي؟
صالح: "هتعمل زي ما هقولك بالظبط، وأهم حاجة يا يونس إن بعد ما حوار شمس يخلص هنقعد أنا وانت ونتحاسب على كل حاجة، بس تكون رجعت يونس أخويا اللي أعرفه.. قولت إيه؟ هز يونس رأسه باستسلام ثم سأل بهدوء ما بعد الثورة: "إيه المطلوب مني؟ "إنك تختفي"، قالها صالح بثقة، "مش لازم مأمون يلاقيک ولا يعرف يوصلك." سأله يونس بخوف: "هروح فين؟
صالح: "مكان جايز تتعب فيه شوية، لكن هتخرج منه يونس الزهيري اللي أنا واختك مستنيينه من سنين، واللي شمس بتتمنى تشوفه وتعرفه من يوم ما وعيت على الدنيا، وترجع لنفسك ولبنتك ولينا.. قولت إيه؟ يونس: "اللي تشوفه يا صالح، اعمل اللي تشوفه."
صالح بجدية: "بس قبل ما تمشي من هنا فيه حاجة محتاجها منك. أنا عايز بطاقة شمس وشهادة ميلادها وأي أوراق رسمية ليها هنا في البيت.. كمان عايزك تكتبلي اسم وعنوان المأذون اللي روحتله انت ومأمون عشان يكتب الكتاب." هز يونس رأسه موافقاً باستسلام، ثم قام ليحضر الأوراق التي طلبها. يونس أحضر ورقة صغيرة ليكتب عليها اسم وعنوان المأذون. أمسك صالح هاتفه واتصل بشخص ما، وما إن وضعه على أذنه حتى قال: "يلا يا جمال دلوقتي."
خرج يونس من حجرة شمس حيث كان يحضر الأوراق ليجد صالح يقف بجواره شابين قويي البنية، ويبدو عليهما الشر والعدوانية. حدق يونس بهما ثم نظر لأخيه متسائلاً: "مين دول يا صالح؟ مد صالح يديه ليأخذ الأوراق من يد أخيه ثم قال: "متقلقش، هيودوك مشوار صغير." أنهى صالح جملته ثم ما لبث أن أمسك الرجلان يونس ووضع أحدهما منديلًا على أنفه ليميل غائبًا عن الوعي، ليوشك على السقوط، فحمله جمال وطلبه.
ونظر لصالح الذي قال لهما: "زي ما اتفقنا، ماتنزلوش بيه غير بعد ما أمشي. هديكوا تليفون." أومأ جمال لصالح باحترام: "أمرك يا حاج." نزل صالح وغادر بسيارته التي كان ينتظره فيها سائقه الخاص، وبعد قليل نزلا وراءه جمال وطلبه يحملان يونس ليضعاه بالسيارة ليذهبا به سريعًا حيث أمرهما صالح باصطحابه.
اتصل صالح بولده قائلاً: "أيوه يا خالد، زي ما توقعنا.. كان فيه حد مراقب بيت عمك وأول ما اتحركنا طلع ورانا. خطتنا ماشية كده تمام، متقلقش." "لا، اوعي تيجي، أنا مأمن البيت كويس. وزي ماقولت البيت لازم يكون فاضي وفخري ظبط الدنيا هناك وأنا هطلع ع المصنع مش هروح البيت، متقلقش محدش يقدر يمس شعرة مني هناك، دول الولاد ياكلوه." "خير يا خالد، إن شاء الله. خلي بالك انت من نفسك ومن اللي معاك وسيب الباقي عليا."
أغلق خالد الهاتف مع والده وهو واقف والقلق ينهش في صدره. خرج لشرفة حجرته يستنشق القليل من الهواء، يحاول أن يتنفس ويطمئن نفسه، ولكن لا يمكنه إلا الخوف على عائلته وعلى شمس، وعلى عمه يونس الذي أصبح يعلم أنه قد نال نصيبه من العذاب أيضًا. يريد أن تنقشع تلك الغمة ليعيشوا بهدوء وسلام. قطع عبد العظيم أفكاره
وهو ينادي عليه من الحديقة: "يا أستاذ خالد، الجماعة وصلوا." أشار له خالد ونزل على الفور لمقابلته. الحرس الذين أرسلهم فخري بأوامر من والده، ٦ من الرجال أصحاب بنية قوية، منظرهم فقط يبث الرعب في القلوب. رحب بهم خالد وقد أعطاهم التعليمات ليوزعوا أنفسهم على أنحاء المنزل وأن لا يتوانوا في حراسة المنزل طوال الوقت، كما أخذهم عبد العظيم ليريهم المداخل والمخارج وتأمين كافة حدود المنزل.
انتهى خالد من أمر الحرس، فامسك هاتفه ليحادث صديقه يحيى ليخبره عن جلسة الغداء. يحيى: "خلود.. رحت فين يابني مجتش المحكمة ليه النهاردة؟ مش كان فيه شغل؟ خالد: "شغل إيه بس يا يحيى، ده أنا صاحي من الفجر على حوارات ومتورط في مليون قصة." يحيى: "حكاية بنت عمك برضه؟ خالد: "هي بقت بنت عمي بس.. دي بنت عمي وعمي وأبويا، لاااا.. ده الموضوع كبر أوي يا يحيى وفيه أحداث جديدة كتير." يحيى: "طب إيه ماتيجي شوية ونقعد في الصومعة ونحكي؟
خالد: "للأسف أنا مش في القاهرة." يحيى مندهشاً: "أمال انت فين؟ خالد: "طلعنا ع المزرعة بتاعة الفيومي." يحيى: "إيه الندالة دي، رايح تاكل بط وفطير من غيري؟ خالد: "يابني بط وفطير إيه.. بقولك أحداث جديدة وحاجات حصلت، تقولي فطير. إحنا مستخبيين هناك يابني." يحيى: "ليه عليكم تار ولا إيه؟ خالد: "يوووه.. يحيى لما أجلك أبقى أفهمك."
يحيى: "لا وتيجي ليه.. مدام في الفيوم متتعبش نفسك يا حبيبي، أجلك أنا.. بكرة من النجمة هتلاقيني عندك." خالد: "لااااء، أنا بكرة من النجمة عايزك بس في المحكمة عندي، بكرة قضية الكومي ودي جلسة حكم ولازم حد يحضرها." يحيى: "حد زي مين يعني يا خالد؟ خالد: "حد زيك يا حبيبي." يحيى باستنكار: "نعم يا خويا، وانت متجيش تحضر قضيتك ليه؟ خالد: "شمس مش راضية." يحيى: "نعم يا عينيا.. شمس إيه؟
ضحك خالد مكملاً: "يا جدع افهم، هي خايفة تقعد من غيري وكمان قلقانة عليا عشان الحوار اللي كنت حكيتلك عليه قبل كده." يحيى: "ممم، وطبعاً ملقتش غير صاحبك الغلبان الهفتان اللي بدال ما تاخده تغذيه من خير مزرعتكم تشقيه وتنزلوا يحضر جلسات." خالد محاولاً إغاظته: "لا ماهو أنا مكنتش عايز أشقيک بس شمس الحقيقة هي اللي قالتلي إنك انت اللي تنزل تحضر الجلسة." يحيى: "نعم يا خويا؟ كتم خالد ضحكته. يحيى: "وشمس هانم ملهاش أوامر تانية؟
خالد: "لا أعتقد كده خلاص. لو ليها هبقى أبلغک." يحيى نادباً: "هو إيه اللي بيحصل للرجالة؟ خالد: "إيه اللي بيحصل؟ يحيى: "مش عارف. مانا عايز أطمن.. أنا هجيلك بكرة المزرعة آكل فطير وبط وأشوف اللي بيحصل بنفسي." خالد ضاحكاً: "يخرب بيت برشطتك.. ماشي يا سيدي احضر الجلسة وخلص وتعالى على هنا وأحلى فطير وبط يتعمل لجنابك." يحيى: "أهو انت كده حبيبي يا دودو." خالد: "خدمة يا يويو."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!