الفصل 10 | من 10 فصل

رواية انذار بالحب الفصل العاشر 10 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
22
كلمة
3,634
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

سمعت “نور” عن القبض على “نيللي” و “عامر” وإلحاق التهمة بهما بجدارة من مهارة المحامي. جمعت أغراضها في حقيبة سفر صغيرة وخرجت من الغرفة لترى “سميرة” تبكي بحزن على مغادرتها. فقالت: -هتوحشيني يا نور والله. -أنتِ أكتر، ابقي تعالي زوريني. قالتها “نور” بحزن شديد على مفارقتها لهذه السيدة التي كانت أنيستها في هذا المكان. غادرت مع “زين” وهي تبحث عنه بنظرها، لكنه لم يخرج من غرفته ولم يراها للمرة الأخيرة.

أخذها “زين” بسيارته إلى منزلها، وأثناء قيادته رأى دموعها التي تكبحها بصعوبة بين جفنيها من مغادرتها، وهو يعلم جيدًا أن الحب زرع بذوره داخل قلوب هذا الثنائي، لكنهما اختارا الفراق والرحيل. تحملت كثيرًا كابحة وجعها من هذا الفراق، وهي تدهس قلبها بقسوة ومشاعرها في قرارها بمغادرته عنها بعد حصولها على الطلاق منه.

وصلت للمنزل لترى “منه” أمامها في انتظارها، وبمجرد رؤية صديقتها هرعت إليها باكية ولم تقوِ على السيطرة على وجعها أكثر من ذلك. ضمتها “منه” بإشفاق وحزن على حالة صديقتها. أخرج “زين” الحقيبة من السيارة ووقف يراقب هذا العناق الحزين وصوت بكاءها يعلو وشهقاتها تجعل جسدها ينتفض بين ذراعي “منه”. فتح باب المنزل بالمفتاح وأعطاها المفتاح بعد أن جففت دموعها وقال:

-إحنا ركبنا باب جديد مصفح وكمان باب حديد وقفلنا كل الشبابيك والبلكونة بالحديد عشان الأمان، يعني أنتِ عارفة غلاوتك يا دكتورة عندنا، ولو احتاجتي أي حاجة متتردديش لحظة في الاتصال بيا على الأقل وهتلاقيني عندك. أومأت إليه بنعم وهي تمسح أنفها في كم فستانها بحزن من بكاءها، ليغادر “زين” وهو يشير لـ “منه” بأنه سيتصل بها، فأومأت إليه بنعم. أغلقت الباب جيدًا وجلست مع “نور” التي جهشت في البكاء بانهيار وضعف. فضمّتها “منه”

بحزن على حالها وقالت: -أنا اللي غلطانة يا منه، أنا اللي حبته رغم كل عيوبه وكراكيبه، أنا كنت عارفة حقيقته وعارفة هو مين، واتنيلت وحبيته، بس دا عشان حسيت إن ليا سند بعد بابا، حسيت إن فيه حد ممكن يمسك إيدي ويطمني، هو اللي طمني وقال لي متخافيش يا منه.

أنا كنت محتاجة لسند وضهر أتسند عليه في الدنيا دي ونسيت إن سندي الأول هو ربنا، يمكن عشان كده أنا أستاهل كل الوجع اللي جوايا، أنا أستاهل الأذى ده عشان مصنتش قلبي ومختارتش له اللي يستاهله ويصونه وينفع له، ولا اللي يتقي ربنا فيه وفيا، أنا أسأت الاختيار وقلبي كان الثمن. ربتت “منه” على ظهرها بلطف مشفقة عليها وقالت بحنان:

-متستاهليش يا روحي، لكن هي قلوبنا كده مالهاش سلطان وعمر الحب ما كان اختيار ولا كان بأيدينا، إحنا بنقع في الحب مرة واحدة كده بنلاقينا اتعلقنا وحبينا البني آدم ده من غير ما نحس، مش بمزاجنا والله. ظلت تبكي وهي تضرب قلبها بقبضتها بقوة من الألم الذي تشعر به ويعتصر قلبها، فتمتمت بحزن: -أنا كنت عايزة أشوفه مرة أخيرة يا منه، سليمان قسى عليّ. مسحت “منه” دموع صديقتها بلطف وساعدتها في الهدوء والتوقف عن البكاء.

فدَلفت “نور” إلى المرحاض تأخذ حمامًا دافئًا، وبدأت “منه” تصنع الطعام لهما في المطبخ. *** مر أسبوع وهو لا يعلم كيف مر هذا الأسبوع عليه دون رؤيتها. يقتله الشوق ورغبته برؤيتها، لكن كبرياءه يغلبه أكثر وأكثر. قلبه يعتصره الألم والوجع. لم يكن مدركًا أن طبيبته الصغيرة وفتاته المدللة سكنته هكذا. جاء إليه “زين” بهدوء وجلس أمامه مشفقًا على صديقه وقال: -سليمان، كنت عايزك في موضوع. أطفأ “سليمان” السيجارة بلا مبالاة وقال: -قول.

-الشباب، فيهم اتنين بيحبوا. نظر “سليمان” ببرود له، وهو من صنع قانون "لا للحب" بمملكته وجماعته، بنفس اللحظة هو ذاته من سقط في الحب هائمًا وقد فُتن قلبه بها. تابع “زين” بجدية: -وعشان أكون صريح معاك هم ثلاثة، وعشان أكون صريح أكثر أنا الثالث يا سليمان، أنا بحب. -منه صح. قالها “سليمان” بثقة رغم نبرته الباردة ويده تترك بالقلم على المكتب. فازدرد “زين” لعابه بهدوء وقال: -آه. ابتسم “سليمان” باسمة باردة:

-كنت عارف إن الدكتورة سرقت قلبك، بس يا ترى عندها علاج ليك؟ شعر “زين” بأنه يتحدث عن نفسه وأن “نور” من سرقت قلبه وتركته مريضًا دون علاج لهذا الحب. تنحنح بلطف وقال: -أنا علاجي إني أتجوزها. ضحك “سليمان” بسخرية ووقف من مكانه مُنهكًا ثم قال بهدوء: -اللي عايز تعمله اعمله يا زين، أنا ماليش دعوة، واللي عايز يتجوز منهم خليه يتجوز.

خرج من المكان مُنهكًا ويائسًا كأنه شاخ رغم شعر رأسه الأسود، لكنه الآن أصبح كرجل عجوز على وشك الموت ومفارقة الحياة بمفارقة الحبيبة. فراق الحبيب مميت، يُسلب الروح، يخطف الأنفاس، يفلق القلب، تبكي الجفون ويفقد العقل صوابه، فكيف يفارق الخل الخليلا؟ *** ضحكت “منه” بسعادة مع “نور” يوم تخرجهما، وكلا منهما لا تصدق أنها قد حصلت على حلمها ونجاحها وأخيرًا أصبحت طبيبة رسمية وتملك شهادة بهذا الحلم.

جاء “مالك” بباقة ورود حمراء مبتسمًا وقال: -مبروك يا نور. ابتسمت “نور” بلطف إليه وقالت: -مبروك لك أنت كمان يا دكتور، محدش يقولي يا نور، أنا من النهاردة ميتقاليش غير يا دكتورة نور. ضحكوا ثلاثتهم معًا. فقال “مالك” بعفوية وسعادة: -طبعًا دكتورة وأجمل دكتورة كمان. شعرت “نور” بحرج من كلماته، وخصوصًا بعد أن جثا على ركبته أمامها وأخرج علبة صغيرة بها خاتم يتقدم لطلبها للزواج أمام الجميع وسط قاعة الاحتفال.

فتبسمت “منه” بسعادة، على عكس “نور” التي ارتجف قلبها حزنًا والصدمة ألجمتها. لكن قاطع صدمتها حديث “مالك” يقول: -أنا معجب بكِ يا نور وعايز أتزوجك. تنهدت بألم شديد في قلبها. ورغم مرور هذا الوقت وهذه السنوات، لكن قلبها ما زال عالقًا هناك مع هذا الشيطان الذي سرق قلبها كما يسرق كل شيء، كأنه مارس عمله عليها. جاء “زين” بهذه اللحظة حاملًا باقة ورود اللافندر لأجل “منه” ودُهش من هذا المشهد. و”منه” أكثر الأشخاص حماسًا لهذا العرض

الرومانسي وقالت بحماس: -وافقي يا نور، وافقي... وافقي. بدأت تصرخ بصوت عالٍ والجميع يرددون وراءها. فتنحت “نور” بحرج وقالت بتلعثم: -مالك أنت حد كويس أوي وكل البنات تتمنى واحد زيك، بس أنا معنديش حاجة أديهالك، لا قلبي ولا عقلي هعرف أديهملك، ولو وافقت هبقى بظلمك وأنا مقدرش أظلم حد. وقف أمامها بحرج.

وتوقفت “منه” عن الحديث بضيق من تصرف صديقتها التي ما زالت تتشبث بهذا الرجل الذي لم يحاول مرة واحدة حتى في رؤيتها أو التقرب إليها. وتركت يد “زين” بضيق من صديقه الذي دمر قلب صديقتها. تحدث “مالك” بجدية وبسمته ما زالت لا تفارق شفتيه بأمل: -أظلميني يا نور، أظلميني بس اديني فرصة أقرب لك، وصدقيني هخليكي تحبيني وتتقبليني، هخليكي تحبيني من حبي ليكي. ابتسمت “نور” بلطف وعفوية ثم قالت بحزن ظاهر في نبرتها: -أنا آسفة بس... عن إذنك.

أخذت شهادتها ورحلت من المكان. فتذمرت “منه” على “زين” وألقت بالورود في وجهه ليقول: -وذنب أمي أنا إيه؟ تحدثت “منه” بضيق شديد قائلة: -مش صاحبك السبب في كسرتها وحزنها؟ أخذ خطوة نحوها بدلال وقال ببسمة: -اديكي قولتي أهو صاحبي مش أنا، هتشيلني ذنبه أنا ليه بقى؟ افتراء وظلم وخلاص. خرجت من القاعة عابسة وهو يسير خلفها ببسمة تنير وجهه على عبوسها الطفولي، فقال:

-يا بنت الناس استني بس، أنا أول واحد نفسي أجيبه من قفاه وأجوزهاله تاني وربنا، انتِ متعرفيش حياته عاملة إزاي وهو بيقاوح وبيعاتد نفسه. التفتت “منه” إليه بغيظ شديد من كلماته واستدارت إليه فقالت بعناد: -ولما هو بيعاني مختار البعد ليه؟ ما يروح لها ولا هو مستني هي اللي تروح لحد عنده وبالمرة تشتري له الشبكة وتطلبه للجواز. رجالة آخر زمان. قهقه ضاحكًا بعفوية عليها وأخذ يدها في قبضته يسيران معًا ثم قال:

-سيبك من رجالة آخر زمان دي وخليكي في الرجالة اللي هنا دي، هنتجوز امتى يا بت؟ طلعتي عين اللي خلفوني. ضحكت “منه” عليه متناسية غضبها وقالت بلطف: -قولتلك مش عايزة أتجوز دلوقتي. قوس شفتيه بحدة غاضبًا من رفضها لتقول بلطف مازحة معه: -خلاص متكشرش، أبقى تعالي حدد مع بابا ميعاد الفرح. ابتسم “زين” بحماس وقال: -بليل هكون عندكم وأقول يا عمي أنا تعبت من الخطوبة اللي طولت دي وعايز أتجوز. قهقهت ضاحكة معه على مزاحه.

أوصلها إلى منزلها ثم عاد إلى المنزل ودلف إلى المطبخ، وجد “سميرة” تجهز الطعام فحمل طبقين معها وهو يحكي لها عن قرار زواجه من “منه”. رأى “سليمان” ينزل من الأعلى لتناول الطعام، فقال بخباثة: -ومش هتصدقي النهاردة في حفل التخرج حصل إيه؟ عارفة مالك اللي حكيتلك عنه زميلهم في الجامعة. طلب إيد نور للجواز.

نظرت “سميرة” له باندهاش ثم إلى “سليمان” الذي جلس على المقعد بغضب يأكله من الداخل والغيرة تقتله الآن بعد أن علم أنها ستذهب إلى غيره. فتنهدت “سميرة” بهدوء وقالت: -غير الموضوع يا زين، واقعد كل بقين. نظر إلى صديقه بخباثة وهو قد ألقى بوجهه رصاصته التي ستقتله من التفكير وربما تتمكن من تحريك هذا الوحش وتذيب الثلج الذي جمد قلبه. *** وصلت “نور” إلى منزلها بعد يوم طويل في المستشفى.

دَلفت للمنزل بجسد مُنهك وألقت بجسدها على الأريكة وهي تنزع حذاءها وحجابها مهمومة، بعد أن أخبرت “منه” أنها ستوافق على الزواج من “مالك” ربما يطيب قلبها وروحها المجروحة منه. حتى شعرت بأحد خلفها فانتفضت من مكانها بذعر. وقبل أن تصرخ وضع يديه على فمها لتتسع عينيها على مصراعيها حين رأت وجه “سليمان” هذا الوجه الذي اشتاقت لرؤيته لسنوات طويلة.

تأمل عينيها وهو يحكم فمها بيده، ورغم ذلك صرخت عينيها بهذا الشوق، العتاب والحزن ممزوج بسعادتها. تجمعت دموعها في عينيها من قسوته عليها، فقال بلطف: -لو كنتِ مراتي دلوقتي كنت خدتك في حضني ومطلعتكيش منه لحظة واحدة. ابتعدت عنه بحزن وقالت بضيق: -أنت دخلت هنا إزاي؟ أعطاها المفتاح ثم قال: -وثقتِ فيا لدرجة إنك مفكرتيش تغير قلاون الباب اللي أنا ركبته. -اطلع برا يا سليمان، أنا جايلي ضيوف ولازم أجهز.

قالتها بعناد من كبريائه حتى بعد أن جاء إليها، لكنه ما زال متكبرًا. جذبها من يدها بقوة وقال بغضب مكبوح بعد أن سمع من “زين” أن اليوم سيأتي لها “مالك” لخطبتها: -تجهزي! عايزة تتذوقي لحد غيري، ده أنا أدفنك حية قبل ما تعمليه. تذمرت من حديثه ودلفت إلى الغرفة بغيظ من بروده، خائفة من ارتباك قلبها أمامه. ومر الوقت وهو لم يغادر، فبدأت تبدل ملابسها وتستعد لاستقبال الضيوف أمامه غيظًا منه.

لفت حجابها ووقفت خلف الباب تستمع بأذنيها إذا كان بالخارج أم لا. لكنها صُدمت عندما رأته أمامها، فصرخت “نور” بذعر من ظهوره في غرفتها. وتطلعت به بعد أن دفعها في الحائط بالقوة ووضع مسدسه في منتصف رأسها. ابتلعت لعابها بقلق منه، لا تصدق أنه هنا أمامها. تمنت لو اختبئت من العالم بين ذراعيه. تمتمت بضعف وما زال قلبها عالقًا معه ولا يقبل الذهاب إلى غيره ولو مرور الكرام: -إيه اللي جابك هنا؟

تفحصها من الرأس لأخمص القدم، كانت جميلة بفستانها الوردي وحجابها الذي يحيط رأسها. لم ير عروسًا بجمال فتاته الصغيرة. تحدثت بخفوت: -أنتِ هتتجوزيه؟ ابتلعت لعابها بقلق خوفًا منه، فقالت بحزن وقلبها لا يقوى على تحمل فكرة زواجها من رجل غيره: -آه، هتجوزه يا سليمان. أنزل مسدسه بضعف، رغم أنه يتمنى قتلها للتو حتى لا تذهب إلى غيره، فقال: -أنتِ مش هتتجوزي غيري يا نور، حتى لو حكم الأمر أني أقتله وأنتِ عارفة إن القتل أسهل ما عليّ.

لم تتحمل كبرياءه، فلو نطق بكلمة حب واحدة لركضت إليه، لكن غروره يقتلها ويمزق قلبها أربًا. ضربته بقوة في صدره تبعده عنها بصراخ منفعلة: -عارفة إنك قاتل ومجرم، وده اللي واجعني، دونًا عن كل الناس يوم لما حبيت، حبيت واحد ميعرفش غير القسوة وإزاي يقتل. تأملها في صمت عن أي قسوة تتحدث، وهو لم يكن بهذا اللين إلا معها. طبيبته الخجولة ذات القلب الصغير. رغم أوجاعه من رحيلها وتركها ليده في طريقه الموحش، إلا أن قسوته لم تخلق لها.

حدق بعينيها الجميلتين عن قرب، شوقه لها يضرب أوتار قلبه وتشعل نيران ضلوعه، لا يرغب سوى بضمها حتى تخمد نيران هذا الشوق. تحدث “سليمان” بنبرة خافتة وهادئة خائفًا من رد فعلها: -سبتيني يا نور، هونتِ عليكِ. تنفس بصعوبة من قلبها الجريح. لم تكن سوى فتاة بريئة وقعت في طريق زعيم عصابة وقاتل مأجور. تمنت الهرب لكن قلبها أوقعها في شباكه. هذا القلب البريء ترك كل رجال العالم وأحب أوحشهم قسوة وخطر. تمتمت “نور” بحزن قائلة:

-أنا معنديش حاجة أديهالك يا سليمان، أنا حذرت إن طرقنا مختلفة، أنت من عالم وأنا من عالم تاني خالص، مكانش لينا اللقاء ولا حتى نمر على بعض مرور الكرام. أخذ خطوة نحوها بخوف من فقدها نهائيًا، هتف بعيني حزينتين ولهجة واهنة: -هتغير، والله يا نور عيني لأتغير عشانك، اديني فرصة بس وهثبتلك دا، استنيني بس استنيني أصفي حساباتي وهجيلك لحد عندك.

-محدش بيتغير، أنت بتكذب على نفسك يا سليمان، أنت عمرك ما هتتغير ولا هتعرف تصفي حياتك، أنت أعدائك في كل مكان واللي بيكرهوك أكثر من اللي بيحبوك، أنت ماشي تعادي في كل اللي تقابله. صرخت به بانفعال جنوني من هذا الرجل. فتحت باب الغرفة وخرجت منه. فقال بهدوء: -أنا بحبك يا نور، وحقك عليا إني وحش كده، حقك عليّ عيني يا نور. التفتت إليه بدهشة من هذه الكلمة التي سمعتها، فقالت بعناد: -امشي يا سليمان.

تنحت بحرج من كلماته وهو يتقدم نحوها بخطواته، فعادت للخلف بتوتر منه حتى ارتطم ظهرها بالحائط، فقالت بخجل: -سليمان. حاصرها بيديه في الحائط وقال بتهديد واضح: -إياك تنطقي اسمي مرة تانية، أما متلومنيش على اللي هعمله. ابتلعت لعابها بارتباك وتوردت وجنتيها خجلًا، ثم قالت: -طيب امشي. نظر في عينيها بهدوء نظرة مليئة بالعشق الذي يحمله بداخله وسألها بنبرة هائمة: -أمشي؟ تنهدت بحيرة وخوف من الرد عليها ويرحل حقًا من جديد.

ودقات قلبها تقتلها الآن بهذه اللحظة لرؤيته. فقالت: -أنت جاي ليه؟ -وحشتيني يا نور. قالها بجدية صارمة. ورغم هذه الصرامة، لكن هذه الكلمة سرقت ما تبقى من عقلها وهي لا تستوعب أنها تستمع لهذه الكلمة من هذا الوحش المتحجر. تابع حديثه بجدية: -اديني فرصة يا نور، أنا هتغير عشانك والله، مش يمكن ربنا سترها معايا في كل اللي عملته عشان أتغير بجد معاكي وليكي. تحدثت بجدية قائلة: -هتسيب كل حياتك الحرام وتنساها يا سليمان؟ أومأ

إليها بنعم ثم قال بلطف: -أنا فضيت العصابة كلها وبطلت أشتغل في المشبوه. تحدثت “نور” بنبرة حزينة وعينيها ترمقه رغم سعادتها لما تسمعه وتنازله عن الكثير لأجلها: -بس مالك حرام وبيتك من مال حرام وعربيتك، الحرام لسه موجود معاك يا سليمان. تركها وابتعد عنها يسير نحو الأريكة وقال باغتياظ شديد: -أنتِ عايزة إيه يا نور؟ أموت أحسن عشان يعجبك. سارت خلفه بضيق من كلمته. وتحدثت بحماس وعفوية:

-لا، عايزك تبدأ بالحلال ومفيش ذرة واحدة حرام، كفاية الذنوب اللي شايلها اللي محتاج تكفر عنها الباقي من عمرك. صرخ باختناق من حديثها قائلاً: -حرام إيه؟ كان فين الحلال لما الدنيا وقسوة الناس فرضوا عليا الحرام، عدل إيه اللي بتكلمي عنه يا نور؟ أنهي عدل لما طفلة مكملتش تسع سنين يغتصبوها قصاد عيني ويقتلوها بوحشية. اقتربت “نور” منه بعيون باكية على دموعه التي انهمرت من جفنيه مع حديثه عن أخته.

رفعت ذراعيها إليه تجفف دموعه بلطف وبدأت تربت على ذراعه بدلال وتهمس في أذنه قائلة: -أنا مش عايزة غيرك يا سليمان، أنا هفضل معاك وجنبك لحد ما نصلح اللي فات بس نبدأ صح، ارمي كل حاجة حرام واقفل بابه نهائي وارمي المفتاح في البحر وربنا غفور رحيم وبيقبل التوبة. ابتعد عنها بانكسار وحزن ثم أخذ وجهها بين راحتي يديه وقال: -خليكي معايا يا نور متسبينيش. أومأت إليه بنعم فتبسم بهدوء إليها.

اتصلت على “منه” تخبرها بأن هذا المقلب الذي اخترعته حتى يتحرك هذا الصنم. فضحك “سليمان” على غفلته ووقعه في الفخ منها. أغلقت الهاتف ونظرت إليه، فقال بحنان: -تطلع منك أنتِ يا ملاك، ماشي ليكي يوم، تعالي هأخدك معايا مشاوير. تعجبت من طلبه. أخذها بحليها وجمالها إلى مكتب المأذون ليعقد قرانه عليها، وهذه المرة لم تجادله أو تطول في تفكيرها. عاد معها إلى منزلها، فأخذته إلى أحد الغرف وقالت: -دي هتبقى أوضتك مؤقتًا.

سحبها من يدها بقوة لترتطم بصدره فطوقها بذراعيه بإحكام وقال بهمس: -هو أنا كتبت عليكِ عشان تقوليلي أوضتي؟ تنحت بخجل منه وقربه منها متحاشية النظر إليه وقالت: -اتلم يا سليمان إحنا اتفقنا إنك تصلح حياتك الأول وبعدين. لم يقوِ قلبه على تحمل النظر إلى وجهها البريء وابتسامتها التي تنير وجهها وتسرق قلبه وتسلبه عقله، فقاطعها بسحبه إليها للداخل رغمًا عنها وأغلق باب الغرفة بذراعيه. ***

في حديقة منزل “نور” المزينة بالورود البيضاء كان هناك بعض المعازيم والضيوف، وأولهم أهل “منه” و”سميرة”. فتح باب المنزل ليخرج “زين” أولًا يتبختر يدها في ذراعه وهي ترتدي فستان زفافها الأبيض اللؤلؤي وتلف حجابها وفوق رأسها طرحة فستانها اللؤلؤي مثله تمامًا.

خرجوا أولًا، ثم خرجت “نور” مع “سليمان” وهو يمسك يدها متشابكين الأصابع، وهي ترتدي فستان زفاف أبيض مصنوع من الحرير يليق برقة هذه الفتاة التي تشبه حورية من الجنة، وتضع فوق حجابها تاجًا فضيًا وكأنها ملكة متوجة على عرش قلبه. بدأت الترحيبات من الجميع والأغاني تعلو والثنائيان يرقصان معًا تحت زغاريط النساء والسعادة تغمر الجميع.

وقفت سيارة فان سوداء أمام المنزل وبداخلها بعض الرجال الملثمين وسائرهم يحملون الأسلحة المعبأة بالطلقات النارية القاتلة، حتى أشار الرجل الذي يجلس بجوار السائق بأن يبدأوا وقال بنبرة حادة بتهديد: -أنا عايز رأس سليمان الصياد. النهاية

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...