الفصل الثامن عشر -إزاي جالك قلب تعمل فيها كده وإنت عارف إنها بتعشقك؟ إزاي جالك قلب تعمل فيها كده وإنت عارف إنها حامل؟
هدرت بكل ما أوتيت من غضب وألم مما فعل بصديقتها، لتجحظ عين الآخر بصدمة لا يصدق ما أردفت للتو. كانت ردة فعله كمن شلت حركته وتلعثم لسانه عن الرد، كان من الخارج يمثل الصمت، ولكن من الداخل كان يثور بداخله حرب. من الصعب فهم ما يدور بخلده الآن، ولكن وبعد دقائق عديدة كانت ترمقه هي بنظرات مثل النار، وكان يرمقها هو بنظرات تائهة على عكس ما بداخله من آلام! فك لجام لسانه أخيرًا ليردف بنبرة هامسة يطغى عليها الصدمة والألم: -حامل!
رمقته بغل وكره يتطاير من عينها وهتفت بألم وغضب: -أيوة حامل يا "يونس" بيه، قول... قول إنك متعرفش دي كمان! ثم استرسلت بنبرة يطغى عليها الصدمة والألم: -أنا بس نفسي أعرف... إنت إزاي قدرت تشك فيها حتى؟ إزاي قدرت تتخيلها تعمل كده وهي اللي كانت مستعدة تفديك بروحها! عادت تكمل بغضب وهي تشير بأناملها على "ساهر" الذي كان يطالعها بغضب:
-إزاي تعمل فيها كده وسايب ده يعيش معاك وهو أهم حاجة عنده إزاي يقدر يهدك ويقتلك، واللي أنا واثقة فيه ثقة عمياء إن "ساهر" اللي عمل كده وخلاك تشك فيها بالطريقة الـ"" دي، يلا خليه جنبك يمكن ينفعك، و"نور" صدقني بس تقوم بالسلامة وإنت لا هتلمح طيفها تاني ولا هتقدر تنول سماحها المرة دي بعد ما قتلتها للمرة الثانية على إيدك يا "يونس" بيه!
كان يطالعها بحالة من الصدمة، يرمق "ساهر" الذي تغيرت محياه إلى الذعر والخوف مما أردفت، لاحظ تغير معالم وجهه، وكيف ازدرد ريقه بصعوبة بعد ما أردفت! بينما الأخرى رمقته مرة أخيرة بحسرة وهتفت بألم: -يا خسارة، ويا ألف خسارة افتكرتك تستحقها وإنت أصلًا متستحقش تنول ضفرها حتى، أتفوه!
بصقت بوجهه في الأخير بغضب حارق لتوليه ظهرها وتذهب من أمامه صافعة الباب خلفها بعنف، بينما هو احتدمت ملامحه وهو يرمق طيفها. وقف من جلسته بساقين ترتجف مثل رجفة قلبه بداخله إثر ما هتفت، يترجل الدرج دالفًا إلى غرفته مغلقًا الباب خلفه، وكانت محياه هادئة وكأنه هدوء مقبل العاصفة، لم تتردد في أذنه غير أنها حامل. حلمًا كان يتمناه باليوم ألف مرة، وعندما ينوله تتغير حياته إلى الأسوأ وتظلم بظلام كاحل يعترف أن ذلك الظلام لن يستنير إلا بدونها هي فقط، ولكن كيف يمكنه أن يغفر لها ما فعلت؟
كيف بأن يغفر لقلبه ما أخطأ؟ هي خائنة هي مثلها...
كان هذا ما يحاول به إقناع نفسه. ينظر حوله بتلك الغرفة التي تشعره جدرانها بالاختناق، ففي كل ركن داخلها يحمل لهم ذكرى غير الأخرى، تتوالى الذكريات كشريط أو مسلسل يتم عرضه كبث مباشر أمام عينه، هنا ضحكت وهنا حاولت مساندته وهنا كانت تدعمه بكل شيء، كانت تمثل حياته من جميع الجهات، كم هذه الحياة فارغة عتمة من دونها كأنها كانت بمثابة قمر ينير لياليه الكاحلة بالظلم والحزن والألم، كيف لعقلك يصور لك بأنها يمكنها أن تفعل شيئًا كهذا؟
هي الآن تحارب الموت بينما أنت تخضع بين تلك الذكريات التي تأكل روحك تدريجيًا، يكفي هذا فإذا كان هذا عذاب أتمنى بأن ينتهي أو حتى أن أموت! • • • • • • صعدت إلى سيارة أجرة مرة أخرى تبكي عينها بانهيار، فهو لم يرف له جفن ولم يهتز له شعرة حتى، لأي درجة من قسوة قد تخطى هذا وكأنه لم يعد يبالي إلى الألم لم يعد كما كان! وكأن لهفته للحياة قد انتهت، أو لم يعد بداخله روح ليبالي من الأساس!
صدح رنين هاتفها بينما هي ترمق الطريق من تلك النافذة الصغيرة وعينها ما زالت تذرف تلك الدمعات المقهورة المتألمة، لا تستطيع بأن تحيا بتلك الحياة القاسية بدون "نور" فهي ليست بمثابة صديقة فقط فهي عائلتها بالكامل. صدح رنين هاتفها مرة أخرى... لتنتبه هذه المرة مسحت على وجنتيها تمحو تلك العبرات التي شوشت رؤيتها على الأخير، لتجد المتصل "مروان" تنهدت بعمق واضعة الهاتف على أذنيها وهتفت بصوت مبحوح إثر البكاء: -ألو يا "مروان"!
-"سارة" إنت فين بقالي أكتر من ساعة بتصل عليكي، إنت فين! هتف بخوف شديد ونبرة قلقة من نبرة صوتها المبحوح، لتتنهد هي وتهتف بهدوء: -أنا في طريقي للمستشفى جاية أهو! -تعالي بسرعة مستنيكي وفي، خبر تاني حلو أوي مستنيكي! هتف بهدوء وابتسامة هادئة تملأ ثغره، لتقطب حاجبيها بتعجب وتهتف: -خبر إيه ده! -"نور" فاقت! هتف بابتسامة تملأها السعادة، لتشق ثغرها ابتسامة مليئة بالفرحة وهتفت بصدمة: -إيه، إنت بتتكلم بجد يا "مروان"!
-اممم يلا بسرعة أنا مش عايز أدخلها غير لما تيجي مستنيكي! غمغم بهدوء، لتتنهد هي براحة كبيرة تمسح عبراتها بأناملها وتهتف بفرحة كبيرة بنبرة مليئة بالحمد والشكر للخالق على استماعه لدعواتها وأن صديقتها عادت بخير: -ااااه الحمد لله يا رب العالمين، الحمد لله... بسرعة ونبي يا أسطى! هتفت آخر كلماتها بسعادة وهي تهاتف السائق، ليسرع الرجل بسيارته! • • • • •
تركتها الممرضة بعد أن ضمدت لها جروح وجهها، ودلفت خارج الغرفة، بينما هي لم يصدر منها آهة واحدة فقط وكان وجهها خاليًا من الحياة، كانت تجلس تنظر إلى نقطة ما بالفراغ، لا تصدق ما حدث معها رغم سكونها إلا أن عينها تذرف دمعات مقهورة بحسرة، لا تليها إلا تلك الذكرى الأبشع على قلبها!
والتي تهز قلبها بعنف شديد، وألم يحاوط قلبها جسدها روحها وحياتها المظلمة، بقهر وألم وحسرة وإلى آخره، تقسم بأن جسدها يحيا بلا روح الآن، فتح باب الغرفة المغلق لتدلف منها "سارة" الراكضة إليها بدموع تملأ عينها بفرحة لم تصدق كم الفرحة بداخلها وكم الخوف الذي تلاشى بخبر إفاقتها من تلك الغفوة الطويلة! تهتف بفرحة شديدة وهي تقترب منها: -نور حبيبتي!
جلست بجوارها بلهفة ليدلف خلفها "مروان" الذي كان يطالعها ببعض نظرات الحزن والشفقة، يرى عينها المعلقة على نفس النقطة الفارغة وكأنها ما زالت نائمة لم يرف لها جفن حتى ولم تلهف برؤية صديقتها كعادتها لم تحتضنها ولم تصرخ لم تبكي، فقط يحاوط المكان الصمت ولا يعلو صوت فوق صوت "سارة" التي كانت تردد من بين دمعاتها المليئة بالفرحة:
-مش قادرة أصدق إنك بقيتي كويسة وأخيرًا، مش قادرة أصدق يا نور، عيوني وروحي صحبتي وأختي ودنيتي بحالها! قامت باحتضانها بعمق بينما الأخرى كما هي لم تتحرك إنشًا واحدًا فقط، ابتعدت عنها تقبلها بلهفة وحب كبير تقبل يدها بلهفة وعشق، وجفنيها ووجنتيها كانت تنهال عليها بقبلات كأم مشتاقة لصغيرها، ثم ابتعدت عنها تحاوط وجنتيها وتردف بخوف من هيئاتها التي تنهش القلوب: -نور حبيبتي... مالك مبتتكلميش ليه!
نور إنت سامعاني شايفاني قولي أي حاجة أرجوكي متسكتيش وتحرقيلي قلبي عليكي أكتر من كده، نور أرجوكي! بينما هي ترجوها بأن تفوه بكلمة واحدة فقط، كانت عينها تذرف دمعات خائفة متلهفة عليها وعلى سكونها الغريب! بالنسبة لها تنظر لنفس النقطة الفارغة تذرف عينها نفس الدمعات... ابتعدت عنها "سارة" بخوف وهي تنظر إلى "مروان" الذي كان يتفهم وضعها جيدًا، تذرف عينه نفس الدمعات لتردف بخوف شديد: -مروان!
نور مش بترد عليا ليه هي مالها، ها رد عليا مروان... نور مالها! أخذت تبكي بحرقة على صديقتها التي كانت حالتها تقهر القلوب، لا تتحرك إنشًا ولا يرف لها جفن وكأنها فاقدة للحياة، فكانت صدمتها هذه المرة كبيرة جدًا طال وقتها وساءت حالتها للأسوأ، تستمع لصوت قلبها الذي ينهمش بداخلها إلى أشلاء صعب تجميعها، ماذا فعلت ليحدث بي كل هذا لماذا يحدث لي من الأساس!
لماذا لا أرى يومًا جميلًا بحياتي هل أنا أستحق كل ذاك العذاب، لماذا يا "يونس" لماذا في كل مرة تذبحني بسكين بارد وكأنك لم تفعل شيئًا، لماذا تفضل قتلي أنا في كل مرة، آآه، هذا ذنبي أم ذنب ذلك القلب الذي جعلته أسفل قدمك كمداس تدعس عليه بكل ما أوتيت من قوة وغل وغضب تحرق به روحي، فكرة عدم وجوده أمامها الآن وهي بتلك الحالة المذرية كانت تصيب قلبها بالانهيار لألف مرة بداخلها، روحها تغادرها بينما هي تنهار داخليًا ولكن ساكنة خارجيًا، حتى أنها لم تستمع لأي كلمة أردفت بها "سارة" التي تنهار أمامها الآن بخوف شديد وألم يغزو قلبها المسكين، تركت "مروان" لتقترب منها
بخطوات هادئة وتردف بألم: -نور، حبيبتي إنت سمعاني أنا جنبك هنا أهو، طب... إنت شايفاني قولي أي حاجة أرجوكي أنا معاكي يا نور... مسحت عبراتها بقوة لترتسم ابتسامة زائفة على محياها وهتفت من بين عبراتها وهي تضع يدها على معدتها بهدوء وحب وتردف: -طب تعرفي إن في خبر جميل أوي لازم تعرفيه، نور إنت حامل!
وأخيرًا تحركت عيناها الدامعة تجحظ عينها بصدمة وهي تنظر لها ترمق يدها المحاوطة معدتها لتتغلغل الدموع أكثر داخل مقلتاها وتعود تنظر إلى "سارة" التي ترمقها بنظرات هادئة تملأها الحزن، وأخيرًا أخذت أنفاسها اللاهثة لتبكي بألم وفك لجام لسانها الذي أردف بتلعثم: -حا... حامل! -أنا حامل! -اااه، اااه حامل يا نور عيوني!
هتفت بصوتها المهزوز، وعينها تمتلئ بدموع الألم والفرحة المختلطة مع بعضها البعض، وبحسرة على ألم صديقتها. أغمضت نور عينها بألم، ترجع برأسها للخلف، تذرف عينها دمعات صامتة بحسرة وألم. حاوطت سارة وجنتيها بهدوء وهتفت: -يا نور يا حبيبة قلبي، أتكلمي يا نور أنا هنا جنبك وسمعاكِ! -عايزة أمشي من هنا، مش عايزة أفُضل ثانية واحدة! هتفت بهدوء، ورغم عينها الثابتة في عينها، رفت عينها عدة مرات بعدم فهم. ليهتف مروان بهدوء:
-بس يا نور أنتِ لسه فايقة من الغيبوبة، واحتمال كبير أن ممكن يحصلك حاجة، لازم نسأل الدكتور وحالتك تستقر الأول! -طلعوني من هنا! أردفت بجمود وبطء، لتطالعها سارة بخوف وحزن، تقف من جوارها وتهتف بهدوء: -حاضر يا نور، اللي أنتِ عايزاه هيحصل! عادت كما كانت تنظر للنقطة الفارغة، تبكي بألم وتحاوط معدتها بيدها. دلفت سارة ومروان خارج الغرفة، لتتأفف بضيق وتبكي من جديد وتهتف:
-حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب، كل اللي فيها ده بسببه، ربنا ياخده ويخلصنا منه! -إهدي يا سارة... متخليش لحظات غضب تندمك أنتِ كمان، دي حالة طبيعية جدًا، نور بتمر بحالة صدمة وأكيد لازم تبقى عاملة كده، نور موجوعة يا سارة ولازم تفهمي كده، صدمتها كبيرة المرة دي وأوي! هتف مروان بهدوء، لتتهمد الأخرى بضيق وتهتف بألم:
-المشكلة أنها صعبانة عليا أوي، وهو قاعد في بيته، تصدق أنه ما اترفلو جفن يا مروان لما قولته أنها حامل، وكأنه مش هو نفس يونس اللي إحنا عارفينه، شكله أتغير وقاسي، تحس أنه وحش قدامك مش بني آدم طبيعي! -دي برضه حاجة طبيعية، إحنا التلاتة واقعين في فخ بلعبة وسخة، ولازم نكشفها ونكشف براءتها قدام يونس، يونس لازم يعرف كل حاجة النهاردة قبل بكرة، لازم يعرف أن هي بريئة، وأن أنا بريء وأن هو حاوي في بيته أكتر اتنين عايزين يدمرُه!
هتفت بضيق شديد، لتتنهد الأخرى وتهتف بغضب: -يولعوا في بعض، أنا عن نفسي دلوقتي مش هيهمني غير نور وبس، وأنها تكون كويسة هي واللي بطنها، أنا خايفة عليها وقلبي واجعني أوي! هتفت آخر كلماتها بخوف وألم شديد، ليرمقها مروان بحزن. تنهد بهدوء وهتف بابتسامة هادئة تملأ ثغره: -أنا بجد مبسوط منك جدًا يا سارة، بجد أنتِ تستاهلي كل خير والحمد لله على الأقل في جزء حلو، نور فاقت وبقيت كويسة، هنعوز تاني إيه!
تنهدت بعمق لترجع خصلاتها الشاردة إلى الخلف، تأففت بضيق، ثم ترمقه بهدوء وتهتف بامتنان: -أنا بجد بشكرك جدًا يا دكتور مروان، مش عارفة أقولك إيه، لولا أنك كنت جنبي كل الفترة اللي فاتت دي كان زماني! كانت ستكمل إلا أنه قاطعها بهدوء وابتسامة هادئة يملأها الحب:
-مش عايز أسمع أي شكر دلوقتي، إحنا دلوقتي نحمد ربنا على أن نور بقيت بخير وبس، غير كده ده أنا بشكر القدر اللي جمعني بيكي من تاني وخلاني أفضل جنبك كل المدة دي، وقدام عيونك الحلوين! كانت تطالعه بخجل، لتزداد ريقها بخجل وتشتعل وجنتيها بصدمة مما يفوه، للحظة تذكرت نور لتفر هاربة من أمامه ومن أمام عينه التي تتأكلها بعشق لحظته منذ وقت طويل، أردفت بتلعثم وخجل: -أنا... هروح أجيب الدكتور عشان يطمنا عليها!
ذهبت من أمامه سريعًا، لينظر هو إلى طيفها بابتسامة جميلة ويهتف بهدوء ومكر: -اهربي اهربي، بكرة هتبقي معايا يا سارة ومش هسيبك تاني أبدًا!
بعد قليل من الوقت كانت تقف هي وسارة ومروان أمام المشفى بعد أن أذن لها الطبيب بالخروج. ترجلت السيارة، وبجانبها سارة التي تشتعل خجلًا من نظرات مروان الصريحة لها والغير خجولة حتى، تنهدت بعمق ورمقت صديقتها الشاردة في آلامها وغير واعية بالعالم من حولها، ما زالت عينها تذرف دمعات مقهورة، صعب فهم ما يدور بذهنها الآن، فتقسم بأن داخلها حربًا بين قلبها وعقلها، وبين روحها التي تسلب منها تدريجيًا. كيف ظن بي ذلك الظن؟
كيف تخلى عني ولم يفهم كم هذا شيء يقهر القلوب؟ كان قلبها مقهور لدرجة أنها كانت تشتهي الموت، لا تريد حياة قاسية تسلب منها كل ما تحب بدون شفقة ورحمة، هدمت روحها واكتفت من ذلك العذاب، لقد غفت لوقت طويل به كانت ترى الموت بأم عينها، كانت تشهده بكل ليلة ولا أحد يستمع لها ولا لآه قلبها المتألم بحرقة! توقفت سيارته أمام بيت صديقتها سارة، ترجلت من السيارة. كانت تنظر للبيت من الخارج، تتذكر آخر مرة كانت بها هنا!
كانت المرة الأولى التي قتلت على يده بانتهاكه عذريتها، وها هي الآن تقف هنا وللمرة الثانية بعد انتهاكه براءتها وتحطيمه لقلبها البريء للمرة الثانية! ازدردت ريقها ودلفت إلى داخل المنزل بهدوء بمساعدة سارة ومروان، وقفوا في منتصف البيت لتهتف بهدوء ومحياها منكمش إلى الضيق والحزن: -أنا هدخل أنام أنا! -هحضر لكِ حاجة تأكليها! هتفت بهدوء لتقطعها نور بضيق وتهتف بهدوء: -لا أنا عايزة أنام... أنام بس!
نظرت سارة إلى طيفها بهدوء وتغلغلت الدموع مقلتيها من جديد بألم. التفتت لهذا الماكث خلفها وهتفت بحزن: -يعني هي هتفضل كده لحد إمتى؟ أنا حاسة أنها مش نور صحبتي اللي أنا عارفاها! حاسة أنها مطفية ما فيهاش روح! تنهد مروان بهدوء واقترب منها رافعًا أنامله يمسح تلك العبرات الهابطة على وجنتيها بحنان وهتف بهدوء: -الموضوع مش محتاج كل العياط ده، أنا عارف أنك موجوعة عليها بس ما ينفعش تبينيلها أنك زعلانة عليها عشان ما تتعبش أكتر!
مسك كفها الصغير بيده بهدوء رافعه إلى شفتيه وطبع قبلة عميقة على باطن يدها يستنشق بها رائحتها الجميلة مثلها، لتزداد هي ريقها بصدمة وخجل، سحبت يدها من يده بخجل شديد، ليبتسم هو بهدوء واقترب منها يحتضنها بعمق وهتف في أذنها: -مش عايز أشوف دموعك أبدًا، أصلك ما تعرفيش كل دمعة بتنزل من عيونك غالية عندي قد إيه!
أغمضت عينها بقوة وهي تستشعر قربه الآن، قريب منها يحتضنها بهذا الدفء ولأول مرة منذ زمان طويل لم تشعر بكل ذلك الدفء أبدًا، وهذا الأمان فكانت كلمته تربت على قلبها الصغير الخائف وليس فقط على روحها الخائفة. تنهدت بعمق وابتعدت عنه بخجل لكنه كان تأه بها، حاولت الابتعاد ولكنها وجدته يشدد على ظهرها بحنو، ازدردت ريقها بتوتر وخجل شديد ولكن رغم هذا لا تشعر بالخوف أبدًا من قربه الشديد لها، تلعثم لسانها وأردفت بخجل شديد
من قبضته المحاوطاها بقوة: -دكتور مروان! استفاق بصدمة مما يفعل بعد أن شعر على نفسه، فلا يريد إخفائها فقد يريد اطمئنانها، ابتعد عنها بهدوء وهو يزداد ريقه ينظر إلى محياها الخجلة بشدة، ليبتسم بحب ويهتف بتوتر وخجل من نفسه الضعيفة أمام تلك العيون العسلية: -أنا آسف ما حسيتش بنفسي و... كان سيكمل إلا أنها قاطعته بخجل وهدوء وهتفت: -أبدًا ولا يهمك، تحب تشرب معايا الشاي! ابتسم بحب ورمقها بهدوء وهتف: -أوي أوي! • • • •
-هي فعلًا البت دي طلعت حامل! هتفت مديحة بحقد وغضب لساهر الذي كان يليها ظهره يشعر بالخوف الشديد من نظرات يونس الغريبة له! قطب حاجبيه بضيق والتفت لها لتجحظ عينه من ذلك الجرح العميق على وجنتيها، ليركض عليها بخوف ويهتف بصدمة: -إيه ده مين عمل فيكِ كده! لمحت الخوف داخل عينه فمهما حدث لا يستطيع أن يخفي عشقه لها أبدًا. تنهدت بهدوء وهتفت بجمود: -أبدًا اتخبطت في الإزاز بتاع التسريحة قمت اتعورت كده! -التسريحة!
أنتِ كنتِ فين كل ده بقالك شهر بحاله مش باينة بعد عملتك السودة اللي عملتيها! هتفت بجمود وهو يرمقها بغضب واشمئزاز، لتتنهد هي بعمق وتأففت بضيق وهتفت: -على ما أظن أنك مالكش دعوة، أنا بقولك الكلام اللي قالته البت بتاعت الصبح دي حقيقي، الزفتة دي طلعت حامل!
-آه يا مديحة، طلعت حامل، ينفع تقوليلي هتعملي إيه ندمتِ صح، على اللي عملتيه كان زمانك دلوقتي عايشة تحت السقف ده وهيجيلك حفيد جديد ينسيكِ انتقامك وكل الغل والحقد اللي في قلبك ده! هتفت بنبرة ساخرة يملأها الجمود والغضب، لتقطب هي حاجبيها بتعجب وهتفت بفحيح وحقد وغضب: -أندم إيه! وأنسى إيه! الولد ده لازم ينزال. أنا لما عملت كده كنت مستنية يونس ذات نفسه يموت عشان أخلص بقى من القرف ده!
جحظت عينه بصدمة واشمئزاز. "هذه ليست أم أبدًا". لم يرف جفنها حتى وهي تفوه بتلك الكلمات الحقيرة الغاضبة الحاقدة مثلها. "قاسية، حاقدة، عاهرة". اقترب منها بخطوات بطيئة، تجحظ عينه بصدمة ينظر داخل تلك العيون التي طالما شهدت على براءتها، الآن يشهد على قسوتها، هاتفًا بغضب وفحيح: -أنتِ إيه؟ جايبة جبروتك ده منين؟ إزاي تفكري في حاجة زي دي؟ ده ابنك!
ده أنا اللي هو أنا أبوه ولسه عارف، مقدرتش أكمل. اتنازلت عن سنين عمري اللي راحت وقررت أشتغل تحت رجله خدام، بحاول أعوضه وأنتِ كل اللي همك إزاي تدمريه؟ أنتِ إيه؟ -أنا مديحة يا ساهر. مديحة البنت الطيبة اللي ضحكت عليها وسبتها وبعتها، بعد ما أنت كمان سبتني وبعتني ومشيت، مبقتش أنا. لو كنت فضلت جنبي وما اتلخبطش زيه وكرهتني زي ما هو كرهني، مكنش حصل كده. أنت السبب يا ساهر، أنت السبب في القسوة دي مش حد تاني، أنت!
هدرت بكل ما أوتيت من غضب وحرقة، قبل أن توليه ظهرها دالفة خارج غرفته على الأخير. نظر إلى طيفها بحسرة وقهر، يالها من قاسية. يجب أن ينهي هذه اللعبة التي طالت ولو كلفه الأمر روحه. ماذا إن علم يونس بأنه ولده ليقتلهم ويقتل نفسه! ***
وعند "نور" كانت تجلس في غرفتها تبكي كما هي بألم. داخلها حسرة وألم واشتياق شديد إلى أحضانه الدافئة التي كانت تحتويها بدفء لم تشهده إلا بين أحضان ولدها فقط وكانت كفيلة لتنسيها آلامها حتى وإن كان هو السبب الرئيسي بها! أين هو الآن لا تعلم، ماذا يحدث به هذا ما يهمها هي! تعرف بأن ذلك الأمر مدبر على أيديهم الحقيرة على الأكيد هم من فعلوها!
استفاقت من شرودها وآلامها على طرقات باب الغرفة، فُتح الباب دلفت بعدها سارة وهي تهتف بهدوء وخوف وهي تنظر إلى محياها الباهت وعينها الدامعة: -نور حبيبتي أنتِ بخير؟ مسحت عبراتها بقوة واكتفت بهز رأسها بهدوء، لتتنهد سارة بحزن شديد على صمتها الذي يذيب قلبها بألم شديد وهتفت: -طب في واحدة بتسأل عليكِ بره، وعايزة تكلمك! -مش قادرة أشوف حد! هتفت بألم وإرهاق شديد، ليفتح الباب من خلف سارة ويدلف الطارق، رمقتها "نور"
بتعجب وقطبت حاجبها وهتفت: -روح! دلفت روح إلى الداخل لترحب بها سارة ونور بهدوء، فركت روح أناملها بتوتر شديد وهي تجلس جوارها على ذاك الفراش وهتفت: -ألف حمد لله على سلامتك يا ست هانم! -الله يسلمك يا روح، متشكرة قوي إنك جيتي. بس أنا الحمد لله بخير مكنش ليه لزوم "يونس" بيه يبعتك عشان يطمن إني موت! هتفت بهدوء ونبرة ملئ بالألم، لتجحظ عين الأخرى وتلعثم لسانها عن الرد، ازدردت ريقها بتوتر وهتفت:
-هو الصراحة يا نور هانم محدش بعتني ليكِ. أنا أصلًا مبقتش أشتغل في القصر من ساعة اللي حصل! -بجد! هتفت بتعجب، لتهز الأخرى رأسها وتهتف بتوتر شديد: -آه... هو الصراحة يا ست هانم أنا جاية هنا عشان حاجة تانية! قطبت "نور" حاجبيها بتعجب وأردفت: -حاجة تانية! إيه هي الحاجة دي! تغلغلت الدموع داخل مقلتها في لحظة، وفركت أناملها بتوتر شديد وألم عما فعلت بها، لتقطب سارة حاجبيها وهتفت بنظرات شك: -هو أنتِ بتعيطي ليه في إيه؟ -صراحة...
صراحة يا ست هانم، أنا عارفة مين السبب في كل اللي أنتِ فيه دلوقتي، ومعايا دليل اللي يقدر يبرئك قدام يونس بيه!
هتفت بتلعثم وتوتر شديد من بين عبراتها المتألمة بحسرة عما فعلت بها خصوصًا بعد أن رأت محياها الباهت على غير العادة، لتقطب نور حاجبيها، تعرفها وعن ظهر قلب تعرف من تسبب لها بكل هذا الألم وكل هذا الانهيار، السؤال الذي يدور بخلدها الآن ما علاقة "روح" بذلك ولما هي متوترة وخائفة لهذه الدرجة. شعرت بغصة قوية في قلبها إثر ما خطر بذهنها وألم شديد حاوطها وهي ترمق نظراتها الندم بعينها عما فعلت لتنفي نور بألم من رأسها وتسقط عبراتها
بألم شديد وصدمة هاتف: -لاء... أوعي تقوليها أ... أنتِ يا روح! اشتد بكاؤها بحسرة عما فعلت لتقترب منها في لحظة تمسك كفيها وتنهار في البكاء الغزير: -أرجوكِ يا نور هانم سامحيني، أنا مبدوقش النوم، كنت مضطرة أعمل كده بنتي كانت هتموت مني، لو مكونتش ساعدتها، مكونتش قدرت أجيب الفلوس دي كلها لعملية بنتي والله العظيم! وقفت سارة من جلستها وهي تنكمش محياها الغضب والجنون والصدمة مما تُرِدِّف لتُبعِدها عنها بقوة وتهتف بصدمة:
-يعني إيه الكلام ده؟ أنتِ قصدك على مين؟ -مـ... مديحة. مديحة الزفت هي اللي طلبت مني أعمل فيكِ كده، قصاد مبلغ مادي عشان أقدر أعالج بنتي والله كنت مضطرة البت كانت بتموت قدام عنيا! هتفت بتلعثم وألم شديد وخوف شديد من بين عبراتها، لتشهق نور بصدمة لا تستطيع الفهم ما يحدث، لتهدر بغضب شديد وهي تعتدل في جلستها: -أنا مش فاهمة حاجة اقعدي هنا كده واحكي لي أنتِ قصدك إيه، وإلا والله العظيم لأخليكِ تدفعي التمن من روحك! انطقي!
ازدردت ريقها وهبطت عبراتها وهزت رأسها بهدوء لتجلس فوق الفراش وخلفها سارة التي تحدق بها وتنتظر ما تفوه بغضب شديد. رمقتهم هي بتوتر وأخذت تقص عليهم كل شيء أمرت به مديحة وماذا خططت وكيف فعلت كل هذا وكيف أقنعته بأنها تقوم بخيانته، مع صديقه المقرب خصوصًا عندما أمسكت بهاتفها ووجدت خطتهم في التخلص منها ومن "ساهر" لتنعم هي ويونس بحياة أفضل خالية منهم ومن شرهم العين ذاك. انتهى بهم الحال وهي تشهق ببكاء وتهتف بألم: -وبس كده...
ده كل اللي حصل يا "نور" هانم، أنا كان لازم أقولك عشان أنا عملت ذنب كبير، أنا بس مش عايزة حاجة منك غير إنك تسامحيني على اللي عملته، عارفة إني أستحق إني أموت وأبشع موتة بس راعيني يا ست هانم كان قلبي محروق على ضنايه وخايفة عليها والله... والله يا نور هانم! مسحت عبراتها بقوة واقتربت منها وهي تهتف بتلعثم إثر بكائها: -أنا...
أنا معايا الدليل اللي يبرئك منها وكمان يخلصك منها كمان أنا مسجللها كل حاجة هنا في التليفون كل حاجة كانت بتأمرني بيها وكمان تسجيلات الكاميرا اللي في الجناح اللي هي مسحتها أنا خدتها كلها تقدري تظهري براءتك وبراءة "مروان" بيه!
تراجعت للخلف بألم شديد غصة قوية حاوطت قلبها لتبكي بحرقة وألم شديد لا تصدق ما يحدث معها، فرقت روحها جسدها بفارقة عنها وعن ما فعلوه معها، لا تصدق أبدًا بأن من أحسنت له كان السبب الأول في هدم قلبها وروحها وحياتها، لم تجد نفسها غير وهي تردف بدون وعي وألم: -ليه...
ليه تعملي فيا كده أنا كنت معتبراكِ في مسابة أخت ليا هونت عليكِ، هونت عليكِ تعملي فيا كده، تهدمي حياتي بقى أنتِ تعملي كده أنا مصدرش مني ليكِ أي حاجة وحشة أنا كنت بعزك والله! أخذت تبكي بألم مرة أخرى قلبها يؤلمها روحها حياتها تدمرت بمخططات تلك العين. مديحة... اقتربت منها بخطوات هادئة وهتفت: -أنا مش بس معايا دليل براءتك أنا عارفة حاجات أكتر بكتير عنها هي وساهر... اسمحي لي أساعدك المرة دي ندمرهم...
يمكن أقدر أغفر عن ذنب حاسة إنه مش هيخلص..! رمقتها بحسرة وألم، لتتنهد الأخرى بألم وهتف بأسف: -أنا آسفة قوي والله وربنا مكونتش أقصد أذيكِ كده أنا قلبي مرتاحش من ساعة اللي حصل أرجوكِ سامحيني يا "نور" هانم أحب على إيدك! رمقتها سارة بغضب وهتفت بحدة: -على ما أظن إنه ملوش لزوم اعتذارك قولي اللي عندك! -يونس بيه... مش ابن النصراوي!
أردفت بهدوء من بين عبراتها، لتجحظ عين نور بصدمة ربط لسانها عن الحديث وشلت حركتها فقط عينها جاحظة لا تصدق ما حدث ولا تصدق ما تفوه، فك لجام لسانها بعد وقت طويل وهتفت بصدمة: -إيه! -يونس بيه يبقى ابن "ساهر الأسيوطي"!
هتفت بنفس النبرة، لتشهق سارة بصدمة وهي تضع يدها على شفتيها، بينما نور فكان الخبر كمن حُدِف من فوقه جردال من الماء البارد الذي أرعش بدنها بصدمة لم تتوقعها ولو فكرت لألف سنة. كانت تعرف بأنهم حقراء ولكن ليس لهذه الدرجة، كانت تعرف بأنهم حقودين ولكن ليس لهذه الدرجة. شُلت عن الحركة وعالت أنفاسها غص قلبها بألم ولم يأتي بذهنها غيره هو وكم سيكون متألم عندما يعلم بشيء كهذا على الأكيد سيقتلهم ولن يكتفي بهذا فقط وسيقتل نفسه أيضًا. أردفت سارة بصدمة وهي تنفي برأسها تبكي بألم على هذه الأم الذي يمتلكها هو وكم هي قاسية بلا قلب ولا رحمة ولا شفقة لتفعل شيئًا
كهذا به: -أنا مش قادرة أصدق نفسي، إزاي في أم كده دي؟ دي مستحيل تكون أم، ولا إنسانة أصلًا. لا أنتِ ولا حتى هو خليتيه من بين إيديها إزاي قادرة تعيش وهي جواها كل الوحشية دي دي مستحيل تبقى أم لاء... لاء أبدًا! أغمضت نور عينها بحسرة لا تصدق ما تستمع له، يجب أن تنتقم منهم ومن أفعالهم القذرة تلك. لا يمكن أن تتركه بين يدها على الأكيد، إن تركته أكثر من ذلك لن تنتظر لحظة لقتله هي أو حتى ذاك الحقير الذي يدعى ساهر!
ازدردت ريقها بغصة قوية دالِفةً إلى معدتها مثل الجمر الذي يحرقها، ومسحت عبراتها بألم وهتفت بقوة عكس ما بداخلها: -ابعتيلي كل حاجة تعرفيها... ودليل براءتي... والحاجة اللي ثبتت إن "يونس" ابن "ساهر" مش ابن النصراوي! ازدردت ريقها وهزت رأسها بنعم ولكن هتفت بتوتر: -أنا... أنا صحيح معايا دليل براءتك بس أنا مش معايا الدليل اللي يثبت إن "يونس" مش ابن النصراوي، لإن هو في القصر! قطبت حاجبيها بتعجب وهتفت بحِدة:
-أمال أنتِ عرفتي إزاي إن "ساهر" أبو يونس! ازدردت ريقها بتوتر وهي ترمق نظراتها الحادة، لتردف: -في يوم كنت بروّق الأوضة اللي جنب أوضة الزفت اللي اسمه ساهر... عديت من جنبها والباب ساعتها كان موارب، سمعت ساهر ومديحة الزفت بيتخانقوا مع بعض، وهي بتقوله إن "يونس" ابنه مش ابن "يوسف النصراوي"... وهو قالها إن هو هيطلقها لإنه ما يقدرش يعيش مع واحدة خانت ثقته وخبّت عليه سر زي ده! -هو كان متجوزها! أردفت بصدمة، لتهز الأخرى
رأسها بهدوء وتهتف بتوتر: -آآآه... مراتَه بس هو طلقها، أصل من ساعة اللي حصل وأنا كنت براقبهم في السر... وفي حاجة كمان! -حاجة إيه انجزي! هتفت نور بحِدة، لتهتف روح بهدوء: -الدليل الوحيد اللي يثبت إن "يونس" ابن ساهر هي التحاليل الـ... الـ -الـ DNA! هتفت سارة بسرعة، لتهز الأخرى رأسها وتهتف بنبرة مهتزة: -أيوه... أيوه يا ست هانم هي دي! رفعت نور رأسها تنظر أمامها بحسرة ودموع معلقة بمقلتيها ثم أردفت بجمود:
-اتفضلي قومي امشي لحد ما أشوف أنا هعمل إيه! -طيب... طيب يا "نور" هانم! أردفت بنبرة مهتزة مليئة بالألم، وهي تهز رأسها بالموافقة ووقفت من جلستها، ولكن قبل أن تدلف خارج الغرفة هتفت بحزن وألم: -بس بالله عليكي يا ست هانم تسامحيني، والله العظيم أنا عملت كده بس عشان بنتي! تنهدت نور بعمق وألم وهي تنظر داخل مقلتيها المليئة بالرجاء والأسف، تنهدت بضيق وهتفت بهدوء عكس ما بداخلها:
-اللي بيسامح العباد ربنا، روحي اطلبي منه العفو يمكن يسامحك! أنزلت رأسها بألم فهي لها كل الحق بأن تقتلها، لتوليها ظهرها دالفة خارج المنزل بأكمله، لتجلس "نور" على الفراش تبكي بألم وبحرقة ولكن ذهبت لها سارة التي أخذتها بين أحضانها تربت على خصلاتها بحنو وهتفت بهدوء وألم على ألمها وحزنًا على حزنها وتهتف من بين عبراتها: -خلاص يا نور اهدي يا حبيبتي، أرجوكي اهدي...
ما بقاش مهم وما بقاش فارق يعرف براءتك ولا لأ، كفاية ربنا عارف، وسيبهم يتصرفوا في بعض، إن شاء الله يولعوا في بعض، أنا مش مستعدة أخسرك أبدًا عشان هو يرتاح! -لأ يا سارة... لو سبتهم هيقتلوه... مش هيسيبوه عايش لو يونس ما عرفش هما عملوا إيه هيقتله مش هيرحمه! هتفت من بين نحيب بكائها المرير، لتكمل بألم: -يونس ما كانش في وعيه لما عمل فيا كده، يونس موجوع أكتر مني وأنا مش هقدر أسيبه!
ابتعدت عنها سارة بصدمة وهي ترمقها وهتفت بغضب منها ومن حديثها عنه وكأنه لم يوشك على قتلها هذه المرة: -أنا مش فاهمة أنتِ إيه، إزاي قدرتي تدافعي عنه بعد اللي عمله فيكي، ده كان هيقتلك، وربنا ده لو كان حصلك حاجة ما كانش هيكفيني روحه فيكي يا نور، أنتِ ومروان بتقولوا نفس الكلام وإنكم مسامحينه، طيب إزاي، ده كان هيقتلك، ده ما افتكرش ليكوا حاجة واحدة حلوة بس عشان يقدر يفهم ويستوعب بيها إنها خطة وسخة مش أمه! تنهدت "نور"
بألم وهتفت من بين عبراتها: -أيوه مسامحة يا "سارة"، لازم الاتنين دول يتحاسبوا، أنتِ ما تعرفيش يونس كان بيعيش أيامه بسببها، أنا لو هساعده عشان بس يخلص منهم وبعد كده هشوف أنا هعمل إيه معاه! -ما فيش فايدة فيكي، هتفضلي زي ما أنتِ، آخر مرة أخد منك شرفك والمرة دي شك فيكي، يا عالم هيعمل إيه فيكي المرة الجاية! هتفت بحسرة وألم، لتجحظ عين "نور" عما أردفت بدون قصد ولكنه ذبح روحها، ووقفت من جلستها وهي ترمقها بألم وهتفت:
-مش قادرة أصدق إن أنتِ كمان شكرًا أوي يا صحبتي على الكلام اللي بيدبح ده! رمقتها "سارة" بصدمة للحظة استفاقت من غضبها وهي تجدها تبتعد عنها دالفة خارج الغرفة بألم يملأ محياها ومقلتيها مما أردفت لتهتف سارة بحزن على ما بدر منها: -نور أنا... قطعتها نور بوضع كفها بوجهها وهتفت بحسرة: -ما لوش لزوم أنتِ قلتي اللي عندك خلاص أنتِ عندك حق!
هتفت آخر كلمتها لتنظر سارة إلى طيفها بألم، فهي ذبحتها بتلك الكلمات البسيطة، بكونها عديمة الكرامة بذلك العشق الذي أعمى بصيرتها عن التخلي عنه رغم كل تلك الآلام اللي سببها لها بدون أدنى رحمة ولا شفقة منه، هبطت عبراتها وأزاحت خصلاتها إلى الخلف بعنف وغضب من نفسها لتجلس وتدفن وجهها بين كفي يدها تبكي بألم عما فعلت! • • • • •
مرت الأيام وكل منهم يشعر بعذاب ويشتاق للآخر ويتعذب في بعد الآخر، وكم عذاب اشتياق المشتاق لحبيبه مؤلم، كان كل منهم لم يتذوق طعم النوم ولا حتى الراحة حتى وكأن الحياة قد توقفت ولا تدور بهم وكأنهم في بقعة سوداء لا ولن تستنير أبدًا إلا بوجود كل منهم بحياة الآخر!
كان يتسطح فوق فراشه بوضع الجنين، يبكي كطفل صغير مستفاق من كابوس أسود يرجف قلبه البريء، فهذه المرة بالذات مذاق الفراق مر ومؤلم بشكل لا يوصف، وللمرة الألف يستفيق من غفوته الذي حاول بها جاهدًا... بأن لا يراها وبكل مرة تأتي له بالمنام ليزداد عذابه واشتياقه المميت لها! كم بعدك مؤلم وقربك أيضًا!
ابتعدتِ وتركتِ لقلبي العذاب، أين أنتِ يا حبيبتي فقلبي مشتاق عاشق ولهان، أخذتِ روحي ورحلتي وأخذتِ قلبي ورحلتي ألا تشفقي على حال ذاك المسكين الذي يطعن قلبه بفراقك سكين، سكين بارد يلهب روحي، اشتقت وتعذبت وتعلمت، ألَن يصبح هذا كابوس وأستفيق منه ألا يكون فراقك مجرد وهم وأستفيق من لهوته!
كان ينام وهو ممسك بصورتها التي احتفظ بها منذ أن رآها أول مرة، يبكي بألم وهو يتأمل محياها البريء بابتسامتها الخلابة التي تعلو شفتيها الحمراء المكتنزة كالأطفال، يقارن بين تلك الصورة وبين آخر مرة رآها بها كانت تنازع الموت بين يديه ولكن هو لم يرحمها، غص قلبه بألم شديد لم يعرف سببه أبدًا رغم إنه يراها خائنة، تنهد بعمق وازدرد ريقه المتحجر ما زال ينظر إلى تلك العيون الوزية التي سلبت له عقله وقلبه كيف سأستفيق من وهم وأنا أصبحت متيم به، فإذا كانت حياتي بوجودك مجرد وهم فأتمنى بأن يطول ولا ينتهي أبدًا يا صغيرتي، قرب الصورة من شفتيه يطبع قبلة عميقة عليها اختلطت بعباراته الهابطة مثل الشلال على وجنتيه هاتفًا
بألم شديد: -وحشتيني أوي يا نور خلاص مش قادر أعيش أكتر من كده من غيرك، لازم حياتي تنتهي لازم أفوق من الوهم ده!
اعتدل في نومته ليجذب من الكومود بجانبه شريط أبيض اللون يحتوي على عقاقير سامة للإنسان جذبها خصيصًا ليقتل نفسه لن يستطيع العيش أكثر من ذلك يحب أن يرحل من تلك الحياة القاسية المؤلمة الذي لم يشهد بها على يوم جميل أبدًا إلا بين أحضانها وهي الآن لن تعود أبدًا فإذا سامحه على ما فعل لن يستطيع قلبه الغفران لها عما فعلت، أفرغ حبة بيده وهو يفكر شاردًا أمامها مترددًا وتائهًا، وفي لحظة كان يفرغ الشريط بأكمله فقد اتخذ القرار، يخاف بأن يلتحق به أحد هذه المرة ولا يموت!
اختلطت تلك العقاقير مع عبراته المتألمة يمسك بصورتها أمامه ينفي برأسه ويبكي بحرقة وألم يقهر القلوب وهتف من بين عبراته بنبرة مليئة بالألم وفقدان الشغف للعيش أكثر من ذلك:
-هكون كداب لو قلت إني كرهتك، هكون كداب لو قلت إني مش بحبك وبعشقك لحد دلوقتي يا نور بس من الظاهر كده إن اللي زيي مش مسموح له يفرح، ولو فرح لازم فرحه ما يكملش، أنتِ كنتِ أول فرحة في حياتي، كنتِ الروح اللي بتديني الأمل النور اللي بينورلي طريقي كل ما أفقد الشغف، كنتِ الإيد اللي بتطبطب على جروحي وتشفيها بوجودك، ودلوقتي أنتِ مش موجودة، ولا شكلك هتكوني موجودة بعد كده!
أنا عايز أقولك إني بعشقك يا نور، بعشقك وما قدرتش أنساكي ولا شكلي كده هقدر فعشان كده حابب أقولك الوداع... الوداع صحيح مش هقدر أشوفك بس خلاص كده حياتي وقفت أشوفك في الآخرة يا حتة من قلبي!
هتف آخر كلمته وهو يبكي بحرقة أكبر مع كل كلمة يردف بها اختلطت عبراته المتألمة مع تلك العقاقير بين يديه أخذ كوبًا من الماء بيده الأخرى، وبعينيه كان ينظر لتلك الصورة الصغيرة أمامه وهو يبتسم بألم نابع من صميم قلبه، كان على وشك أن يرميها بفمه إلا تلك اليد التي أزاحتها بسرعة وقوة تلقيها على الأرض بعنف، لتجحظ عيناه بصدمة وتعلقت الدموع في مقلتيه وهو ينظر إلى الأرض بصدمة كان بينه وبين الموت خطوة فقط، رفع أنظاره الغاضبة
والمحترقة لهذا الذي لم يشتهِ له حتى الموت، لتتحول محياه من الغضب إلى الصدمة التي حلت عينيه ينظر لتلك الماكثة أمامه صدرها يعلو ويهبط بخوف شديد يظهر على محياها الرعب بفقدانه بينما هو رمقها بصدمة ليفك لجام لسانه وأخيرًا بعد عدة دقائق مردفًا
بصدمة: -نور!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!