دخل عليها خالد في محبسها لتهب إليه وتمسكه. "سايبني هنا ليه؟ عملتلك إيه؟ أنا ما أعرفش حاجة عن الفلوس دي. أنت ما أمنتّش على الشحنة؟ أنت عملت فيا كده ليه؟ دفعها بعيدًا وهتف: "مش عارفة ليه؟ عشان تتربي يا بنت عمي." نظرت إليه برعب: "يعني يا خالد أنت اللي عملت فيا كده؟ ضحك: "إيه رأيك؟ مش أستاذ؟ عشان تبقي تفضلي البيه عليا، عشان تعرفي إني رجعتك جربوعة تاني. وفوق كده هحبسك تنذلي لخلق الله."
نظرت إليه غير مصدقة: "أنا بنت عمك، لحمك ودمك أنا يا خالد! ليه حرام عليك تخرب بيتي وتحبسني؟ هتف: "عشان ماحدش يرفض خالد الرميسي يا بنت عمي. إيه كنت فاكرة إني أهبل؟ تيجي جربوعة ونجدناكي من واحد بيذلك وخدتي فلوس وبقيتي هانم، وأنت كنتي بتشحتي أهو؟ هتتسجني وتشحتي تاني." هتفت: "ليه الغل ده؟ ليه تحبسني؟
ضحك: "ودلوقتي تمضي على أصول الشركات، ماهي هتتعرض في المزاد، أنا أولى. أنت عليكِ عشرة مليون، هنجدك من خمسة مقابل الأصول وتنحبسي بخمسة، يبقى أنا كده خدت الشركات من سكات وأنت اتحبستي بالباقي. أصول الشركة بتتباع والمحاسبة اتباعت، وعليكي لسه ديون. شوفي بقى هتجيبي خمسة مليون منين يا بنت عمي." هتفت: "ده كله عشان ما رضيتش أتجوزك." ضحك: "وانتِ فاكرة إنك لو وافقتي دلوقتي هخرجك؟
لااا، أنتِ كده بالنسبالي انتهيتي. أنتِ كده هتتنشي سنين في السجن وتطلعي تترمي في الشارع، وأه مالكيش حاجة عندي. ما تفكريش تجيلي الفيلا، والولية سعيدة طردتها، يعني نضفت البيت. يلا بقى أشوفك بعد سبع تمن سنين كده، أبقى طمنيني عليكي." ليخرج الملفات ويهتف: "امضي."
سالت دموعها بشدة، اقتربت بقهر وتمضي على التنازل عن أصول شركاتها له، ليخرج ضاحكًا. وانهارت هي من البكاء، فلم يعد لها أحد، ولم يعد معها ما تملكه. ليمر عليها شهر محبوسة بلا سند ولا أحد يسأل عليها.
عند يونس، كان قد سافر بعد أن قابل نيران ليهرب من نفسه، أن لا يعود ويطاردها مرة أخرى، فهي قد جرحت كرامته بشكل قاسٍ. أراد أن يبتعد، يهدئ نفسه، ويعود يسترضيها بعد أن يكون قد عالج جرح كرامته. فمهما فعلت، لن يتركها. مكث في الخارج شهرًا كاملاً، ليعود أخيرًا هو وابن عمه يمارس عمله في شركته. دخل عليه بدر صديقه. هتف: "حمد الله ع السلامة يا كبير." هتف يونس: "الله يسلمك. إيه الأخبار؟ الشغل ماشي كويس؟
هتف بدر: "ماشي يا سيدي. اتسحلت عشان سيادتك تأجز وتبعد عن الدنيا. نفسي أعرف إيه اللي طفشك مرة واحدة." هتف يونس بوجع: "مفيش يا بدر، مفيش." هتف بدر: "اسكت! شفت اللي جرا لطليقتك؟ قطب يونس جبينه: "طلقـ... نيران إيه اللي جرالها؟ هتف بدر: "مش محبوسة بقالها شهر، وعليها شيكات والدنيا قايمة عليها." هب يونس صارخًا: "انت بتقول إيه؟ نيران مراتي محبوسة؟
هتف: "أيوه يا سيدي، عليها شيكات بخمسة مليون ومحبوسة عشان كده، وخالد ابن عمها تقريبًا فكسلها، ما حدش راضي يدفع لها." صرخ يونس: "وما أعرفش نيران تتحبس؟ وما أعرفش؟ قلبي محبوس ومتبهدل. يا نصيبتك يا يونس! رفع التليفون وصرخ في المحامي: "ليأتِ له. ما إن دخل عليه حتى هتف: اسمع، نيران تخرج انهارده، فاهم؟ تندفع الفلوس وتخرج انهارده." بهت بدر: "هتدفع خمسة مليون يا يونس؟ أنت إيه علاقتك بيها؟ هتف: "وادفع عمري كله!
اسمع يا متر، انهارده فاهم؟ انهارده تطلع. وما تعرفش إني أنا اللي دافع الفلوس." هتف بدر: "ومتعرفش ليه؟ هو فيه إيه؟ أنت هتخبي خمسة مليون؟ هتف: "أيوه هخبي خالص عشان ما تحسش بذل أو وجع إني شمتان أو بتجب عليها. لازم أختفي لحد ما تخرج وأروح لها. والله ما هسيبها دقيقة بعد ما تخرج. شالله أخطفها، إنما ما تعرفش إني دفعت مليم. اسمع اللي بقوله، نيران تخرج معززة مكرمة وترجع لشركتها تشتغل وتكمل عادي، وتجبولها شغل كمان، أنت فاهم؟
"كلم الشركات اللي نعرفهم يودولها شغل لشركة المحاسبة بتاعتها، فاهم؟ استمع بدر، ولم يكن يونس يعلم أن الشركات قد أخذها خالد مقابل بعض الشيكات التي ورطها فيها. جلس يونس والقهر يأكله: "شهر يا قلبي وأنا ما أعرفش؟ شهر متبهدلة من غيري؟ شهر يا عمري محبوسة؟ غلبت أحذرك من التعبان ده، بس أقول إيه؟
أنت اللي عملتي في روحك كده. يا رب تتعلمي وتبعدي عنه بقى وتحرسي على بقية شركتك. نفسي أجري آخدك في حضني، بس أنت وجعتيني قوي. يا رب هون قربها ليا." عند نيران، استدعاها وكيل النيابة ليخبرها أنها قد تم التنازل عن الشيكات. فقد دفعت لها، لتستغرب وتسأل، ولكنها لم تعرف. فكرت من يكون قد فعل لها هذا؟ دق قلبها، لتتذكر يونس. لكنها أزاحت الفكرة من رأسها، فهو ليس في البلد.
كان يونس ينتظرها بالخارج، ويقف يتأملها ويطمئن عليها أنها خرجت. تمنى أن يذهب إليها، ولكنه خاف أن تنهره، فهي في حالة ضعف. خاف أن يشعرها بالحرج. كانت تقف مع المحامي ليدير عربته وينوي أن يذهب إليها ويأخذها عنوة. أفرج عنها أخيرًا، لتخرج إلى الشارع لا تعلم أين تذهب. ليس لها أحد وليس معها مال. ظلت تهيم في الشارع لا تعلم أين تذهب. ظلت تدور وتدور. جلست على أحد المقاعد وحيدة لا تعلم ماذا تفعل. "طب أروح فين؟
خالد قالي ما أشوفش وشك، ودادة سعيدة ما أعرفش بلدها، وماعيش تليفوني. طب أعمل إيه يا رب؟ أروح فين؟ ماليش حد." لتقوم وتدور، تبحث عن عمل. ظلت تهيم ولا يوجد هناك أي فرصة لها. أتى الليل وتستكين تحت أحد الأشجار وحيدة ودموعها تسيل. ماذا تفعل؟ لتنام من تعبها. لأول مرة في الشارع. رجعت نيران مرة أخرى وحيدة بلا سند ولا أحد يراعيها. كأنها خلقت لـ تتعذب، مرعوبة بمفردها.
أتى الصباح. كان بيدها خاتم لتذهب وتبيعه، فكان معها القليل من المال لتعيش عليه أيام وهي تبيت في الشارع بلا مأوى. ذهب إلى أحد المساجد تستنجد بشيخ المسجد. حاول أن يبيتها في حديقة المسجد رغم أنه ممنوع، وبحث لها عن عمل. وجد لها عملًا أخيرًا، عاملة نظافة في أحد المصانع، لترضى بها على الفور.
بدأ في العمل، وقد وفر لها المبيت في أحد حجرات تابعة لأحد البيوت القديمة. كانت حجرة على السطح، ولكنها تفي بالغرض بدلًا من أن تنام في الشارع. وقد وفر لها شيخ المسجد بعض الفرش من أهل الله، لتقفل أخيرًا على نفسها ولا تتعرض لأي إساءة من متشردي الشوارع.
مرت عليها الأيام رتيبة، تعمل في المصنع، تنظف وتمسح وترتب في المخازن مع بقية العاملات، وتعود إلى حجرتها وحيدة متهالكة. كانت تقريبًا لا تأكل لأنها كانت تلم أموالًا لدفع أجرة السكن، فنقص وزنها كثيرًا. كانت تعيش على الكفاف. كانت تنام تتذكر سلسالها، عليها تتلمس مكانها وتحس باسم يونس على قلبها وتمنت أن تكون معها. كانت تنام لتعتاد على تلك العيشة. كانت عيشة صعبة.
لكن في كل مكان يوجد السيء والجيد. وكما وجد في الدنيا من ساعدها على وجود المأوى لها كشيخ الجامع، بدأ أحد رؤساء العمال التودد لها والتحرش بها، وكان يعلم أنها وحيدة بلا مأوى. هنا بدأت معاناة أخرى. كان السواد قد حل على حياتها، لتصده بكل السبل، ليبدأ في التنغيص عليها وإثقال متاعب العمل، فيزيد عليها عن بقية العاملات، وهي تتحمل وتتحمل لأن ليس لها خيار آخر. لتمر أيام وأسابيع وهي في تلك الحالة المريعة.
مر يومان بعد أن خرجت، وأحس يونس بقلبه ينبض، فحبيبته قد عادت آمنة. عند يونس، كان بدر قد عاد إليه بمفاجأة فجعته. دخل عليه بدر. هتف يونس: "ها؟ إيه الأخبار؟ كلمت الشركات تحول شغلها لشركة نيران؟ هتف بدر: "أيوه يا سيدي، والرد جالنا عجيب إن الشركة ما عادتش بتاعة نيران." قطب يونس: "ما عادتش بتاعة نيران؟ أمال بتاعة مين؟ هتف: "الشركة بقت بتاعة خالد الريميسي. خد الشركة من ضمن الرد على الشيكات، وهي مضت عليهم لما كانت محبوسة."
هب يونس: "إزاي؟ أمال هي بتعمل إيه دلوقتي؟ إيه قاعدة عند خالد؟ هتف: "بدر والله ما أعرف، ده اللي عرفته." قام مسرعًا: "لا أنا لازم أشوفها وأطمن عليها. هيا قاعدة معاه إزاي بعد اللي عمله فيها؟ إيه هيذل فيها؟ والله أنهش قلبه. حبيبي لازم أرجعه لحضني، وإياك تجيب سيرة إني دفعت فلوس. لازم تحس نفسها معززة مكرمة، أمال حاجتها راحت إزاي بس." ليقوم مسرعًا ويذهب إلى فيلا الريميسي ليقابله خالد. ليهتف: "إيه النور ده؟
يونس باشا مشرفني، خير يا رب." نظر إليه يونس: "أنا مش جاي لك يا خالد، أنا عايز أشوف نيران." انفجر خالد ضاحكًا، ليهتف: "ما تشوفها! أنا مال أهلي؟ قطب يونس جبينه: "نعم.. طب ناديها يا بيه." هتف خالد: "أناديها منين؟ أنت مخبول؟ دانت غلبان أوي." صرخ يونس: "بقولك إيه؟ أنا على أخري. ناديها من فوق." هتف خالد: "والله صعبان عليا.. تدفع خمسة مليون لواحدة، وجاي تدور عليها؟ ماتلاقيهاش. بجد قلبي واجعني عليك." بهت يونس: "ما ألاقيهاش؟
أنت بتقول إيه؟ فين نيران؟ انطق." هتف بشماتة: "رجعت للشارع اللي خدناها منه، رجعت للذل تاني. مش إحنا خدناها مذلولة؟ نضفناها أهو، رميناها تاني تنذل في الشارع." هوى قلب يونس ليهجم عليه: "أنت بتقول إيه يا وسخ؟ نيران فين؟ تجمع الحرس وبعدوه عنه، ليهتف خالد: "نيران أنا رجعتها جربوعة في الشارع. خرجت من السجن مالهاش حد، بقالها شهر في الشارع مع كلاب السكك، عشان تبقي تقفي لخالد الريميسي." صرخ يونس: "آه يا وسخ! بنت عمك يا وسخ!
ترميها في الشارع؟ صرخ خالد: "أيوه عشان تبقي تفضلك عني وترميلي دبلتي وتقولي هرجعله عشان فكرت تسيبني وترجعلك، بس أنا خلاص خدت حقي منها. اللي ترمي خالد الريميسي تستحق كل ده." بهت يونس: "نيران كانت هترجعلي؟ نيران رمتلك الدبلة؟ هاج وحاول أن يهجم عليه: "آه يا وسخ! طب والله ما أبقى راجل إن ما خربت بيتك. يونس بيقولك هيعيش عمره عشان يخرب بيتك. أنت عارف مين هو يونس؟
يونس هيخليك شحات وهيمشيك في الشوارع مذلول. نيران ما يتعملش فيها كده. واسكت، نيران أنا هاخد تارها منك وأحسرك على مالك ودنيتك يا أوسخ خلق الله. أنا ماشي، بس من هنا ورايح خاف على نفسك. يونس مش هيسيبك." ليدفع الحرس ويخرج كالمجنون. ذهب إلى بيته كان مهتاجا، ليستدعي الحرس ويصرخ فيه أن يبحثوا عنها بكافة الطرق. دخلت عليه تاليا ابنة عمه لتهتف: "إيه فيه؟ مالك مجنون كده؟ إيه؟
صرخ: "حاسس إني بندبح، حاسس إني هيجيلي ذبحة. مراتي في الشارع لوحدها. خرجت من السجن عالشارع لوحدها." أنا سبت مراتي في الشارع ليه مارحتلهاش وقلتلها أنا اللي دفعت الفلوس وخدتها في حضني. ليه إيه الكبر ده؟ عشان قالتلي "مانتش راجل"؟ أزعل أوي؟ مانا ذلتها أيام وأسابيع، ذلتها وماكنتش راجل. إيه عايزها تتراضي من سكات؟ تقعد تحب زي الروايات وتتراضي وخلاص؟ إيه الكبر ده؟ مالهاش تزعل على حالها؟ مالهاش تنقهر؟
أيوه مش راجل. الراجل مايبعدش سنة ومراته بعيد، حتى لو عملت إيه... إيه؟ بأراقبها من بعيد وجاي أخاف؟ لأ، دانا كنت قعدتلها عافية. تشتم وتهين ومانطقش. هانتني ميت مرة. أرجع عادي براحتها. مانا شتمت وهنت وهي مانطقتش. أعمل إيه؟ هتجنن، هتجنن. عقلي هيروح وقلبي هينخلع. أعمل إيه؟ مراتي في الشارع. أجيبها إزاي؟ يا ترى فين؟ نايمة في أنهي شارع؟ بتاكل إيه؟ حد عمل فيها حاجة؟
دا حبيبي رقيق، مابيعرفش يأذي قطة. هموت يا تاليا، هموت عليها. ماكنتش عايز أخليها تعرف إني دفعت، بس غبي، غبي. كنت رحت وخدتها، إن شاء الله أحبسها. حبيبي فين؟ هموت. لتحاول أن تهدئه... "إيه يا يونس؟ إنت مالك؟ ماهي هانتك وإنت سافرت ونسيت؟ صرخ: "مانسيتش، ومابنساش. أنا بعشقها. هي في دمي، روحي. إنت بتقولي إيه؟ أنا سافرت عشان أتهان بزيادة، عشان أحاول أهدي وأرجع تاني. أنذل ألف مرة زي ماقالت؟ هتفضل طول عمرك تحت رجلي؟ ليوه...
هفضل أنا تعبان. روحي مش معايا. نيران مراتي مش معايا... هموت يا رب. إيه ده؟ أنا عايش ليه؟ يتعمل فيا كده ليه؟ ماشوفش فرح؟ ولا حبيبي يشوف؟ أروح فين؟ هو ذنب ناظم مرة، وخالد مرة، وإحنا متقطعين بينهم؟ ظل يخبط على رأسه. "مارحتلهاش ليه؟ ليه يا سوادك يا يونس؟ مراتك فين؟ "والله لأحرق قلبك يا أنجس خلق الله. حبيبي كان جايلي، حبيبي كان جاي وأنا بره. طفشان؟ مني لله. أنا أستاهل، بس هي لأ، هي لأ. عملت إيه في دنيتها تستحق كده؟
قلبي بيتمزع." نظرت إليه تاليا بضيق: "طب أهدي، هنلاقيها وكل حاجة هتبقى كويسة. أهدي، ماتعملش في نفسك كده." صرخ: "أعمل في نفسي إيه؟ دانا هموت. دانا مش عارف أتنفس. البت اللي هموت عليها ما أعرفلهاش طريق. من غير مليم في الشارع، من غير بيت، معهاش حتى قرش تصرفه. يا رب ردها لي، يا رب رجعهالي... ظل جالس بقهر، يشعر بالحنين، لا يعلم أين حبيبته التي خلعت قلبه.
مرت الأيام والأسابيع والشهور، والحال كما هو. نيران ترى العذاب ألوانًا من ذلك الحقير الذي يصب عليها حقده لأنها لا تمتثل إليه، ويونس يعيش جحيمًا لا يعرف أين حبيبته التي هلكت قلبه في بعدها. ليقوده ذلك إلى الجنون، فهو لم يعد يحتمل، فكان يتهيأ أبشع القصص التي تكون قد مرت بها. لبس سلسلتها، وهي لا تفارق قلبه، وقلبه يأن من الوجع والقهر. لتمر أيام لا يعلمها إلا الله، كيف سيتلاقي الشتيتين بعد أن تفرقا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!