ابتسم جاسم ثم قال: اعرفكم بريم جمال الديب، مراتى. انصدم الجميع بشدة، أما سعاد فاتجهت إليه وقالت بعصبية: يعني إيه؟ إزاي تدخل الـ... دي هنا بيتي؟ دي مجرمة زي أبوها، مجرمين كلهم. وكادت أن تضربها إلى أن أوقفها جاسم الذي رجع ريم خلفه وقال بصرامة: اهدّي يا جدتي عشان صحتك، وهي متستاهلش حاجة. ولا يحصلك حاجة بسبب واحدة زي دي. هي هتدفع تمن، وأبوها القاتل ده هيجي راكع هنا عشان أرحمه هو وبنته.
ظلت سعاد ترمقها بنظرات الكره والاحتقار، فأبوها السبب بموت والدها بعد أن كان أعز أصدقائه، وضحك عليه وأخذ جميع فلوسه، فمات مقهورًا بسببه. وقالت بحدة هي الأخرى: وأنا مش عاوزة البنت دي تقعد في بيتنا، دي غدارة زي أبوها، وأنا مضمنش هتعمل فينا إيه. قطعها جاسم قائلًا بقسوة:
مش هتعمل حاجة، متقدرش أصلًا. بس هي حاجة أساسية عشان أبوها الكلب يجي، وأصلًا هي مش هتكون أكتر أو أقل من خدامة عندنا. وأظن إني عارف كويس وقادر أجيب حقي وحق أبويا الله يرحمه. ثم أكمل بصرامة: وليه أمر يا جدتي، سيبيني براحتي. أنا هرجع حقنا بطريقتي. نظرت له سعاد بحدة وغضب، وظلت ترمق ريم الواقفة خلف جاسم تبكي، لا تفهم شيئًا، ولكن نظرات سعاد لها كانت غامضة زادت خوفها أكثر. أما ماجدة فرمقتها بكره شديد جدًا، ثم قالت لجاسم:
براحتك يا جاسم، أنت كبير وواعي كويس وعارف إنك هتعمل إيه. ثم أشارت إلى ريم باحتقار وتقليل وقالت: بس البنت دي استحالة تبات معانا، تدخل الأوضة اللي في الجنينة تنام فيها. ثم تركتهم وخرجت. أما شذى فصعدت إلى غرفتها دون أن تتفوه بكلمة واحدة. التفت جاسم إلى ريم التي كان منظرها مثير للشفقة، ثم قالت بصوت مهزوز ضعيف: أنا مش فاهمة حاجة، وبابا مين؟ ومين اللي قاتل؟ نظر لها جاسم نظرة سخرية وتقليل، ثم قال: بقا مش عارفة اللي حصل؟
ولا بتستعبطي؟ بس هقولك، جمال الديب كان صاحب بابا الله يرحمه، وتخيلي بقى إن صاحب عمره ده يضحك عليه وياخد فلوسك ويرمينا في الشارع. راح أبويا مستحملش وتوفى. أما بقى الـ... خد ابن أخوه وهرب. كانت ريم تحدق به ببلاهة وفمها مفتوح، لم تستطع أن تفهم شيئًا، لتقول متسائلة بعدم فهم وبراءة: طب وأنا مالي برضه بكل اللي بتقوله ده؟ أنا أصلًا معرفش حاجة ولا ليا دخل بكل اللي بتقوله ده. رد جاسم عليها بجمود وسخرية قائلًا:
يا سلام، بقا مش عارفة؟ فعلاً طالعة خبيثة لأبوكي. هو أنت اسمك إيه؟ قالت ريم ببراءة: اسمي ريم، والله حتى معايا البطاقة بتاعتي لو عاوز تشوفها وتتأكد منها. قطعها جاسم وقال بحدة ونفاذ صبر: عارف إنك متنيلة اسمك ريم، بس أنت ناسياها أو بتستعبطي، يعني اسمك ريم جمال الديب. استوعبت ريم ما يقوله، ثم قالت: آه فهمت دلوقتي، تقصد إن والدي هو هو صاحب والدك اللي نصب عليه، صح؟ نظر لها جاسم وهز رأسه، لتكمل هي وتقول بتساؤل:
طب برضه أنا مالي؟ أنا أصلًا معرفش أبويا ده ولا شفته، ده طلق ماما الله يرحمها من وهي حامل فيا. أظن إنك كده مش هتستفيد حاجة ولا حقك هيرجع، أنا أصلًا مش ناقصة. اقترب جاسم منها ثم قال: آه، وأنا المفروض أصدق الفيلم اللي بتعمليه؟ أنا عارف إنك زي أبوكي، وهنفذ اللي في دماغي، وأنت هنا هتشتغلي خدامة. ما هو أنا مش هصرف عليكي، أنا هخليكي تكرهي اليوم اللي اتولدتي فيه. ثم جلس على الأريكة وقال ببرود: ادخلي اعمليلي فنجان قهوة.
ظلت ريم تنظر له وهي تقسم بداخلها أنه غبي بشدة، فهو لماذا لم يصدق ما تقوله؟ ثم قالت بانفعال: هو أنت مش بتفهم أصلًا؟ بقولك أنا مليش دعوة بيكوا انتوا الاتنين. لو سمحت اقطع الورقة اللي معاك دي وخلاص. اقترب جاسم منها بشدة حتى اختلطت أنفاسهم، ثم قال أمام شفتيها: أنا لغاية دلوقتي مش عاوز أتعصب عليكي، وبكلمك بالذوق. أنت هنا مش هتكوني أكتر ولا أقل من خدامة في البيت ده. هعمل اللي عاوزه. ثم ابتعد عنها وقال بأمر:
يلا، غوري اعمليلي القهوة. هزت ريم رأسها بضعف وهي تدعي ربها بداخلها أن ينقذها، ثم قالت متسائلة بارتجاف: هـ.. هو فـ.. فين المطبخ؟ عشان أدخل. نده جاسم على زينب رئيسة الخدم بالبيت، ثم قال لها بأمر: زينب، خديها معاكي المطبخ، دي الخدامة الجديدة هنا. أخذتها زينب من يدها واتجهت إلى المطبخ، وقامت بإعطائها طقم من أطقم الخدم، ثم قالت لها بحنان: روحي يا بنتي، غيري هدومك دي في أوضتي أنا، تعالي أوديها لك.
أخذتها معها، وقامت ريم بلبس تلك الثياب التي أعطتها لها، ثم اتجهت إلى المطبخ وبدأت تعد له القهوة وهي تبكي. وقامت بجلبها له، ثم قالت له: أهي القهوة، أنا عملت اللي انت عاوزه. أنا بقى عاوزة أفهم أنا هنا بعمل إيه؟ والله أنا تعبانة وفيّا اللي مكفيني، مليش دخل باللي ما بينك انت وأبويا ده... أنا أصلًا معرفهوش ولا شوفته حتى في عمري كله. رد جاسم عليها وقال:
لا، ليكي دخل، أو بمعنى أصح، أنت الدخل كله. ومش عاوز أسئلة كتير، أنت هنا هتشتغلي خدامة، وبعد ما أخلص هرميكي وأطلقك. وقام يأخذ القهوة ثم صعد، تاركًا إياها متجهًا إلى غرفة جدته. أول ما دخل وجد ملامحها توحي بالضيق الشديد، فقال متسائلًا: في إيه يا جدتي؟ عشان خاطري، اوثقي فيا. أنا كل اللي بعمله لمصلحتنا في الآخر. اسمعي كلامي يا جدتي. نظرت له سعاد ثم قالت بانفعال:
أنت مش فاهم حاجة يا جاسم، دي حية زي أبوها، أكيد فضل يلف حوالين أبوك لغاية ما موته. وأنت جاي بكل سهولة تقول مراتك؟ طب إزاي مراتك؟ إزاي تخلي واحدة زي دي تاخد اسم عيلتي؟ رد جاسم عليها وقال: لا طبعًا يا جدتي، هي فترة مؤقتة. بصي، أنا ناوي أعمل حفلة لجوازنا وكل الناس تعرف عشان هو كمان مهما كان موجود يعرف ده. أولًا، ثانيًا بقى، إحنا مش هنعتبرها أكتر أو أقل من خدامة. قالت سعاد بتهكم وعدم معرفة:
حفلة جواز وكل الناس تعرف إزاي يا جاسم؟ أنا مبقتش فاهمة، أنت ناوي على إيه بالظبط؟ مسك جاسم يديها ثم قال بحنان وحب: متخافيش يا جدتي، أنا فاهم أنا بعمل إيه، ومش هسمح بأي حاجة تضركوا أو يقرب منكم. وقام بتقبيل رأسها. ابتسمت سعاد له. أما هو فنزل يبحث عنها ليجدها واقفة في المطبخ تبكي، وزينب واقفة بجانبها ترتب على كتفها وتقول لها بحنان: خلاص يا بنتي، اهدّي بقى، كفاية عياط، هتحصلك حاجة والله بسبب العياط.
احتضنتها ريم بقوة شديدة وظلت مستمرة بالبكاء، وزينب ترتب على ظهرها بحنان شديد، إلى أن قطعهم صوت جاسم الذي قال: إيه؟ مش كفاية بقى أحضان؟ وأنت يا ست ريم، مش عاوز عياط، لسة معملتلكيش حاجة أصلًا. فاتحة حضانة أنا؟ ثم رمقها بنظرة غريبة لا تستطيع هي تفسيرها أبدًا، وقبل أن يخرج التفت إليها مرة أخرى وقال: آه صحيح، اجهزي عشان بعد يومين بالظبط حفلة جوازك وكتب كتابك يا عروسة. وتركها وخرج كأنه لم يقل شيئًا. التفتت هي إلى
زينب وقالت بتساؤل وبلاهة: هو قال إيه يا مدام زينب؟ عشان مش فاهمة حاجة. ربتت زينب على كتفها وقالت بهدوء وعدم معرفة هي الأخرى: والله يا بنتي، أنا أصلًا معرفش، بس بيقولك إن بعد يومين حفلة كتب كتابك وجوازك. خرجت ريم سريعًا تجري خلف جاسم وقالت بغضب: هو إيه اللي بتقوله ده؟ أنت بتهزر صح؟ جواز مين؟ هو عشان ساكتالك عمال تتمادى وتذل فيا؟ وأنت أصلًا فاهم الموضوع كله غلط ومش راضي تفهم وتقتنع، أعمل إيه أنا بقى؟ ظل جاسم ينظر لها
ثم تحدث ببرود كعادته وقال: اعملي اللي تقدري عليه. ثم أكمل بقسوة: وأنت فاكرة إنك تقدري أصلًا تعملي حاجة؟ بتضحكيني على فكرة. أنا من رأيي تدخلي المطبخ تقفي تشتغلي ومن غير عياط وأنت ساكتة وعاقلة، ده عشان أنا طبعًا متعصبش عليكي. بتعامل على أساس إنه أول يوم. ثم تركها ودخل غرفة المكتب. أما هي فتأففت بفيظ شديد، ثم اتجهت إلى المطبخ كما قال لها، وهي تحاول كبت دموعها.
بعد مرور يومين، كان الجميع منشغل بالحفلة التي رتب جاسم لها، رغم اعتراض الجميع، إلا أنه صمم كي توصل الأخبار إلى جمال. وكانت ريم تجلس مع أكبر ميكب أرتست يجهزونها باحترافية ومهارة، رغم إعجابهن الشديد بنقاء وصفاء بشرتها التي تشبه بشرة الأطفال، ومن النادر تكرار تلك البشرة، مع فستانها الرقيق بشدة المصمم بدقة واحتراف شديد. لتقول واحدة من البنات بإعجاب بعد ما انتهوا:
كده تمام أوي يا مدام ريم، مبروك، وحقيقي أنت من أجمل البنات اللي ممكن تكون عدت علينا. ابتسمت لهم ريم رغم ما تشعر به من ألم في قلبها، تمنت لو أن والدتها تكون بجانبها وتبكي داخل أحضانها، ولكنها وحيدة، لا تعلم ما تفعله أمام ابتزاز جاسم لها، سوى أنها توافقه. ليقطع تفكيرها دخول جاسم إلى الغرفة، ظل يتأملها بجمالها تلك، ولكن فاق وقال بجمود: يلا عشان ننزل، وابقي أشوفك عملتي حاجة تبوظ الحفلة...
الحفلة دي من أكبر الحفلات، هتتذاع في كل البلاد الداخلية والخارجية. ثم تابع بقسوة: طبعًا مكنتش أتمنى إن واحدة خدامة زيك هي اللي تقعد جنبي في يوم زي ده، بس متضطر بقى، أعمل إيه؟ كانت كلماته قاسية مهينة لها بشدة، شعرت كأن نصل حاد يغرس في قلبها، فلو كان هو حجر لكان شعر بها، لكنه لم يشعر بها، لم يفعل شيئًا سوى أن يجرحها ويجلدها بكلماته تلك. نزلت معه بدون أن تنطق حرفًا واحدًا.
دخل سيف الحفلة رغم اعتراضه بشدة على تصرفات جاسم، ولكن ماذا يفعل؟ فمهما عمل لم يستطع تغيير ما في رأس جاسم، ولكن ما إن دخل وكانت عيناه تبحث عن حبيبته ومعشوقته التي حرم منها، سرعان ما يجدها تقف بجانب جدتها ووالدتها، ويظهر على ملامحها الضيق، فهي غير راضية عن كل ما يحدث. ليتجه إليهم ثم سلم على جدته وقام بتقبيل رأسها وقال بحب واشتياق حقيقي: إزيك يا جدتي عاملة إيه؟ ابتسمت سعاد ثم قالت بعدم رضا: يعني هكون عاملة إيه؟
ولا حاجة، اديك شايف جاسم بيعمل اللي في دماغه من غير ما ياخد رأي حد، ومخلي حية زيها هتقعد معانا، حتى لو خدامة، أهي موجودة في البيت، ما ممكن تعمل حاجة لحد فينا، بس هو بقى مصمم، فاكر إنه كده هيجيب حقنا. قال سيف بتعاطف وهدوء: اهدّي بس يا جدتي، بس البت على فكرة طيبة، وأنت فاهمة غلط. البت أصلًا متعرفش أبوها، بس جاسم واخدها عشان يجيب أبوها، متخافيش، وراحة على صحتك.
أومأت له سعاد، أما هو فالتفت إلى شذى ليجدها كانت جميلة بشدة بفستانها التي كانت ترتديه. حاول التحكم في مشاعره بصعوبة، وقال بهدوء رغم ما بداخله: إزيك يا شذى، عاملة إيه؟ ابتسمت شذى بشدة وقالت بمرح كعادتها: يعني هكون عاملة إيه يا أخويا، اديني واقفة، ده غير إن امبارح جاسم اداني شوية شغل يموتوا الواحد. اسكت والنبي، يا بختك، جاسم مبيديكش شغل كتير زيي. يضحك سيف على طريقتها ثم قال: معلش، بس أنت أصلًا مبتاخديش شغل كتير.
ثم التفت إلى ماجدة وقال بضيق حاول أن يخفيه: أهلًا يا ماجدة هانم. أجابته ماجدة بعدم اكتراث: الحمد لله، كويسة. تركهم سيف كي يشهد على عقد زواج ريم وجاسم الذي يمتلأ بالعديد من الصحفيين والصحفيات.
عند ندى، كانت جالسة شاردة، تفتقد صديقتها بشدة، فهما دائمًا منذ صغرهما مع بعضهما في كل شيء، ولكنها أثناء مشاهدتها التلفاز لتجد حفل الزفاف، جلست تشاهده وهي ترى ملامح صديقتها التي تدل على أنها تريد أن تبكي، لتقعد تشتم في جاسم بشدة على ما يفعله. بعد انتهاء الحفل، بدلت ريم الفستان، ثم اتجهت إلى غرفتها التي توجد في الحديقة تبكي على حالها. عند جاسم، كان الجميع العائلة مجتمعة. ماجدة بتساؤل: ها يا جاسم، قولت إيه؟
تنهد جاسم وقال: موافق يا ماجدة هانم، موافق. قالت شذى بتساؤل وفضول: هو إيه ده يا جاسم اللي وافقت عليه؟ قال جاسم بعدم اهتمام: هخطب، بس مش هنعلن غير لما أخلص من موضوع ريم وأبوها ده. هخطب تيا كامل اللي معانا في الصفقة الجديدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!