تاني يوم قامت ريم أدّت فرضها، ثم اتجهت لغرفة والدتها كي توقظها، لكنها لم تجد أي رد فعل منها. توجّهت سريعًا لشقة صديقتها وقامت بالخبط عليها. خرجت ندى فزعة، وقالت متسائلة بقلق: "إيه يا روما مالك؟ أول مرة تطلعي بدري كده. في حاجة؟ بكت ريم، وقالت بصوت متقطع: "ما... ماما... ماما يا ندى... ماما... مش راضية ترد...
نزلت ندى سريعًا معها، وعلى وجهها معالم الفزع الشديد. بدأت ريم صوتها يعلو وبكاؤها، مما جعل جيرانهم يأتون إليهم. ثم وقعت مغشيًا عليها. أما ندى فكانت واقفة لا تعلم ماذا تفعل، لكنها قامت بالاتصال على الإسعاف كي تأتي. أول ما رأت ريم واقعة في الأرض اتجهت إليها سريعًا، وقامت هي وبعض الجيران بحملها وأدخلوها إلى غرفتها منتظرين الطبيب. قال الطبيب إنها لديها صدمة عصبية، أما والدتها فتوفت بالفعل.
بعد مرور شهر على تلك الأحداث، كانت ريم قد تجاوزت صدمتها، لكنها ما زالت حزينة لا تستطيع أن تبتسم. كانت جالسة في غرفتها تبكي بشدة وتدعو ربها، فهي مشتاقة بشدة لوالدتها. دخلت عليها ندى، وقالت بحزن ولكنها محاولة أن تخرجها من حالتها تلك: "إيه يا روما يا قلبي؟ كفاية عياط بقا وادعيلها عشان خاطرها. مش هي على طول كانت بتقولك أنا مش بحب أشوف دموعك دي نازلة على خدودك القمر دول."
ثم داعبت وجنتيها بلطف. ابتسمت ريم، وقامت بمسح دموعها بظهر يديها كالاطفال، وقالت: "فعلاً معاكي حق يا ندى. أنا المفروض مش أفضل أعيط كده كل شوية." ثم أكملت ببراءة وطفولة: "بس أعمل إيه؟ بتوحشني أوي يا ندي... أنا مش هقدر أعيش من غيرها. دي هي كل حياتي." ربّتت ندى على ظهرها بحنان، وقالت: "معلش يا روما، بس هي هتزعل عشان انتي عاملة في نفسك كده. انتي عارفاها طول عمرها بتحب تشوفك بتضحكي وانتي قمرية كده، فمتزعليهاش."
أومأت له ريم، ثم قامت وخرجت من غرفتها. دخلوا إلى المطبخ مع بعضهما وفطروا. قالت ريم بضعف إلى ندى: "هنزل أتمشى شوية يا ندى." نظرت لها ندى بقلق، وقالت: "طب أجي معاكي؟ اصبري هطلع ألبس." هزت ريم رأسها بالنفي، وقالت بهدوء كعادتها: "لا خليكي انتي يا ندى. أنا عاوزة أروح أتمشى لوحدي شوية." أومأت لها ندى، وقالت: "طب خلي بالك من نفسك يا قلبي، ولو في أي حاجة اتصلي بيا." هزت لها ريم رأسها بالإيجاب، ثم نزلت. ***
في الشركة، كان جميع الموظفين يتهامسون بخوف وقلق. قطعهم صوت سيف، الذي قال لهم متسائلاً: "إيه مالكم؟ كل واحد بيكلم التاني ليه؟ نظر له أحد الموظفين، وقال بتوجس: "بصراحة كده يا أستاذ سيف، شركة جمال الديب كسبت صفقة مهمة، وانت عارف الأستاذ جاسم بقا." استغرب سيف بشدة، وقال بتساؤل: "وإنتوا عرفتوا منين؟ إذا كنت أنا اللي المفروض بتابعهم، لسه معرفتش حاجة أصلاً." أجابه الموظف قائلاً: "أصل طلع في التليفزيون."
نظر له سيف وهو يهز رأسه بتوجس هو الآخر، فهو لا يعلم ما سوف يفعله جاسم عندما يعلم. لكنه قال لهم بصرامة: "طب اتفضلوا، كل واحد على شغله، ومتشغلوش بالكم. انتوا أهم حاجة، كله يشتغل بدون تقصير." أومأ الجميع بالموافقة، ثم اتجه كل واحد إلى مكتبه. أما سيف، فتوجه إلى مكتب جاسم، لكن أول ما دخل وجد المكتب مكسورًا بأكمله وجاسم غير موجود به. فخرج، وسأل السكرتيرة قائلاً لها: "مها، أمال فين جاسم؟ مش موجود في المكتب ليه؟
نظرت له مها بارتباك، وقالت: "والله ما أعرف يا سيف بيه، بس جاسم بيه جه الصبح ومرة واحدة لقيته اتعصب وقعد يكسر في المكتب وخرج. بس قالي ألغِ جميع المواعيد." نظر سيف بتوجس، ثم خرج متجهاً إلى الفيلا. أول ما وصل، بعدما اتصل عليه عدة مرات، قابلته ماجدة، التي قالت له متسائلة بضيق شديد واضح على ملامحها وفي كلامها: "خير يا سيف؟ جاي ليه؟ في حاجة مهمة يعني؟ نظر لها سيف بتجاهل، ثم اتجه إلى جدته وقال: "إزيكم يا جدتي؟ مشوفتيش جاسم؟
هزت له سعاد رأسها بالنفي، وقالت بعتاب: "يعني هو ده اللي جايبك يا سيف؟ جاي عشان جاسم؟ وأنا اللي قولت إن وحشتك وجاي تشوفني؟ بس لا، طلعت غلطانة. انت أصلًا مش معتبر إن ليك جدة هنا تسأل عليك." نظر لها سيف، وقال بأسف: "معلش يا جدتي، بس والله مشغول." ثم أكمل بسخرية: "وغير كده، انتي عارفة ماجدة هانم وموضوع زمان بقا. مش عاوزين نفتح موضوع اتقفل خلاص بقا." نظرت له سعاد بتفهم، وقالت بتساؤل مغيرة الموضوع:
"صحيح يا ابني، كنت عاوز جاسم في إيه عشان جيت لغاية هنا بنفسك كده؟ بان على ملامحه سيف الفزع، فقد نسي تمامًا أمر جاسم، ثم قال مسرعًا: "مفيش، بس جمال الديب كسب صفقة، وانت عارف جاسم بقا." تحولت ملامح سعاد إلى الضيق الشديد، ثم قالت: "بس يا ابني، متجبش سيرة الراجل الـ*** ده تاني هنا. روح الحق جاسم، شوفه فين." هز سيف رأسه، ثم مشى وقام وبدأ يبحث عنه، لكنه لم يجده. وفجأة، وجد موبايله ينير باسم جاسم. رد مسرعًا عليه،
وقال بلهفة وتساؤل: "ألو يا جاسم، انت فين يا ابني؟ أنا قالب عليك الدنيا ومش عارف ألاقي... قطعه جاسم بصرامة وحدة: "تعالى يا سيف، أنا قاعد في مطعم... ومتطولش عشان منفجرش فيك." هز سيف رأسه وهو يبلع ريقه بتوتر، وقال: "حاضر يا جاسم، حاضر. مسافة السكة بس وهكون عندك." ثم أغلق، وتوجه سريعًا إلى ذلك المطعم الذي قال لها. أول ما دخل، رأى جاسم جالس شارد، ولكن ملامحه هادئة جدًا. فحَمِد ربه في داخله، ثم اتجه إليه وقام بالنداء عليه.
لكن جاسم كان شاردًا، غير منتبه له. فقام بهز كتفه جامدًا، وقال: "إيه يا عم سرحان في إيه كل ده؟ نظر له جاسم، وقال بحدة: "مفيش، بس افتكرت أيام بابا الله يرحمه. انت عارف كنت متعلق بيه إزاي." أومأ له سيف بحزن، وقال: "ربنا يرحمه." فجأة جاسم بسؤاله قائلاً بحدة شديدة وغضب أكبر: "جمال كسب الصفقة إزاي؟ إزاي شغال من بره البلد واحنا كل ده مش عارفين نحدد مكانه؟ إزاي ها؟ رد عليا. هو أنا مش قايلك تراقب وتدور؟ المهم أعرف مكانه إزاي؟
بكل بساطة يكسب صفقة كبيرة زي دي؟ رد عليا يا سيف، ومتعصبنيش بسكوتك ده." بان على ملامح سيف التوجس وعدم المعرفة، فهو لا يعلم كيف كسب جمال تلك الصفقة. ثم قال بتوتر: "وأنا أعرف منين يا جاسم؟ بس انت عارف هو ذكي أوي، وكمان ابن أخوه على ده دماغه سم بجد." نظر له جاسم بحدة، وقال بعصبية: "آه فعلاً، هو ذكي واحنا أغبيا صح؟ ولا أقولك، مش قادرين نجيب حقنا من واحد زي ده؟
بس أنا غلطان إن اعتمدت عليك. بعد كده أنا اللي هتابعه بنفسي وهعرف أوصله." توتر سيف بشدة، ثم قال له محاولًا تهدئته: "اهدى بس يا جاسم، الناس بتبص علينا. وانت عارف كويس إن أنا دورت بجد وفعلاً مش عارف أوصل لأي حاجة." نظر له جاسم بحدة، وقال: "امشي دلوقتي يا سيف، امشي عشان متزعلش من اللي هقوله. وأنا هتصرف في موضوع جمال. اتفضل." مشى سيف، أما جاسم فصمم أن يعلم هو بنفسه ويبحث عنه، لأنه أقسم أنه لن يترك حقه أبدًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!