وصل أحمد إلى الصعيد، كان في استقباله الحاج زهران. "مرحباً به... يا مراحب بالغالي ولد الغالي، اتفضل يا باشمهندس." أحمد بود: "أهلاً يا حج، كيفكم وكيف الجماعة؟ زهران وهو يبادله الود: "في فضل ونعمة يا ولدي، اتفضل." دخل أحمد مع الحاج زهران بداخل البيت الكبير، الشبيه بالفيلا، فهو مكون من عدة طوابق. بعد التحية والسلام من الجميع، أحمد: "من فضلك يا حج، تستعجلها عشان عاوز أمشي." الحاج زهران معترضاً: "كيف ده يا ولدي؟
دي تيجي يعني تيجي وتمشي في نفس اليوم؟ تعب عليك." أحمد: "معلش يا حج، أنا سايب الشغل فوق دماغ خطيب أختي، والمفروض إنه بيتجهز عشان جوازه، ما فضلش عليها غير أيام بسيطة." الحاج زهران لائماً له: "ودي تيجي يعني؟ أنت كدا بتشتمنا." أحمد: "لا أبداً يا حج، والله ما أقصد، أنا بس مش فاضي." الحاج زهران: "طيب يا ولدي، أنت تتغدى في الأول وتريح شوية، وعلي الفجر اتوكل على الله." أحمد بنفاذ صبر: "ماشي يا حج، اللي تشوفه."
صاح الحاج مهران في الجمع: "هموا يلا حضروا الأكل على ما الباشمهندس يغير هدومه ويريح له ساعة." توجه بالكلام لأحمد وقال: "تعالى يا ولدي، لما أوريك أوضتك، وغير واقعد ريح فيها لحد ما يجهز الأكل." أحمد: "تمام يا حج." وصعد أحمد بعدها لغرفته، وتحمم وبدل ملابسه بجلباب صعيدي أحضره له الحاج زهران. وفي أقل من ساعتين كان كل شيء جاهز، فصعد له الحاج زهران ليجلبه للغداء.
نزل أحمد وتناول الطعام مع الرجال، ثم ذهب معهم إلى قاعة يشربون الشاي ويأكلون الحلوى. وبعد العشاء، استأذن لينام. وهم ليصعد الدرج حتى فوجئ بفتاة تندفع في النزول، وكانت ستقع من قوة الاصطدام به، ولكنه أحكم يده على خصرها. فبعدت عنه بالتدريج حتى ثبتت قدماها على درجة من درجات السلم. فقال بقلق: "انتي كويسة يا آنسة؟ مهجة: بخجل من نفسها لم ترد. وكرر سؤاله: "انتي بخير يا آنسة؟ تنحنحت هي وقالت: "أيوه بخير، متشكرة." وفرت هاربة.
وتلاها ذلك الصبي الذي كان يهرول خلفها ووجهه وملابسه ملطخة بالألوان وهو يقول بصوت هادر: "والله ما أنا مهملك، لازما أوريك." ابتسم أحمد على تلك المجنون التي تهرول من صبي في العاشرة من عمره تقريباً. في الصعيد، في مبيت سليم. دخل هو وألقى السلام عليها. سليم: "عاملة إيه النهاردة؟ سلمي: "الحمد لله أحسن بكتير، كتر خيرك والله." قالتها وهي تجفف يدها. سليم وهو يتنحنح: "لا أبداً، أنا ما عملتش حاجة عشان تشكريني عليها."
سلمي بامتنان: "كيف ده؟ دا أنت عملت معايا جميلة كبيرة جوي، ربنا يخليك ويعلي مراتبك يا رب." سليم وهو يبدو عليه الحزن: "سلمي، ممكن تيجي وتقعدي؟ عاوزك في كلمتين." سلمي: "طيب، أحضر لك لقمة تاكلها في الأول؟ سليم: "لا، تعالي الأول، الموضوع ضروري." وجلس هو. "اتفضل، إني سامعاك." قالتها وهي تجلس على الأريكة التي أمامه. سليم بصوت متحشرج حزين: "سلمي، أنا سألت على حسان وفعلاً كان شغال في إسكندرية."
كانت تومئ رأسها كي يكمل كلامه، أما هو فسكت قليلاً ثم تابع: "أنا مش عارف أقول إيه، بس إنتي لازم تعرفي." سلمي وهي تنظر لوجهه الذي يبدو عليه الحزن، بقلق: "جول، أنا سامعاك. حصل حاجة لأبويا؟ سليم: "لا." سلمي: "اومال إيه؟ سليم: "حسان... تعيشي أنتِ." سلمي وهي تنظر له وكأنها لم تسمعه: "انت جولت... حضرتك جولت إيه؟ سليم وهو يقترب
منها ويربت على كتفها: "سلمي، حسان مات في حادثة في إسكندرية من 3 أسابيع، من ساعة ما الفون بتاعه اتقفل." عنها، فكانت تريد أن تسكته. "حسان حبيبي لم يمت، لا، لن يتركني. ماذا أفعل بدونه؟ ووفاجئتها تلك الغمامة السوداء التي نزلت على عينيها، ولم ترَ أو تسمع شيئاً بعدها. سقطت هي فاقدة الوعي بين أضلعه. حاول إفاقتها ولكن لم تفق، فحملها إلى الغرفة ووضعها على الفراش، واتصل بالطبيب صديقه.
وما هي إلا ربع ساعة وكان الطبيب يقوم بالكشف عليها. بعد ما علم ما حدث لها من سليم، وأعطاها حقنة مهدئة، وطمأنه عليها وانصرف. مسح سليم على وجهه وهو يفكر ماذا سيفعل معها، وهل سيتركها أم سيرجعها لأهلها، فهو لم يتبق له على سفره إلا أسبوعان. في فجر اليوم التالي، كان أحمد في صحن الدار يسلم على الحاج زهران وبعض الرجال. الحاج زهران: "كنت عاوزك تقعد معانا يومين يا باشمهندس، بس نقول إيه بس."
أحمد بود: "معلش مرة تانية، إن شاء الله أبقى أقعد معاكم كام يوم." الحاج زهران: "إن شاء الله يا ولدي." أحمد: "ممكن حضرتك تستعجلها؟ إحنا لسه قدامنا طريق طويل." الحاج زهران: "حاضر يا ولدي، حاضر." وذهب بنفسه إلى مهجة. التي استأذن قبل أن يفتح باب الغرفة قائلاً: "خلصتي يا بتي؟ مهجة بحزن على فراقه: "أيوه يا خال، خلصت." الحاج
زهران وهو يربت على كتفها: "معلش يا بتي، هناك أفضل لك عشان تعرفي تركزي في مذاكرتك، وإن شاء الله تبقي باشمهندسة قد الدنيا." مهجة وهي تجفف دموعها: "إن شاء الله." الحاج زهران بحنو: "عاوز بتي تشرفني وترفع راسي، زي ما هي معوداني." مهجة بابتسامة حزينة: "حاضر يا خال، أوعدك." قبل أعلى جبينها وقال: "أنا هسبق على تحت، ماتتأخريش، لا الباشمهندس مستعجل." ثم حمل حقيبتها ونزل ليأخذها منه أحد الرجال ويضعها في سيارة أحمد.
بعد دقائق، نزلت مهجة، وسلمت على أولاد خالها بحفاوة. أما عن زوجة خالها فمدت يدها فقط وقالت: "أشوف وشكم بخير." تقدمت منهم، وإذا بالحاج مهران يضع ذراعه على كتفها. "تعالي يا مهجة يا بتي، دا ولد عمك الباشمهندس أحمد، ولد عمك، سلمي عليه يا بتي." مدت كفها ومد أحمد أيضاً كفه لها وهو يقول في نفسه: "دي البت المجنونة بتاعة امبارح." خرج من شروده على صوت الحاج زهران وهو يقول: "مش عاوز أوصيك عليها يا ولدي."
تنحنح أحمد وقال: "متقلقش يا حج، في عينينا." ثم قال لها: "يلا يا آنسة." ليضحك الحاج زهران ويقول: "اسمها مهجة يا ولدي، دي كيف أختك الصغيرة." ابتسم أحمد في حبور وقال: "ماشي يا حج، يلا بينا يا مهجة." وركب السيارة منطلقين إلى الإسكندرية. كان طوال الطريق ساكتاً، لم يتكلم. أما هي فكانت تتصفح هاتفها وتتكلم مع صديقاتها على الواتساب. لاحظ أحمد اندماجها وابتسامتها أحياناً وحزنها أحياناً آخر.
تنحنح هو وقال: "تحبي تنزلي تشربي حاجة؟ لم تتكلم، فهي لم تنتبه عليه. نظر إليها مرة أخرى وخطف منها الهاتف وقال: "انتي بتكلمي مين؟ مهجة بغيظ: "إيه قلة الذوق دي؟ أحمد بغيظ: "أنا قليل الذوق؟ إنتي بت قليلة أدب." مهجة: "أنا مش قليلة أدب، أنا ما اسمحلكش." أحمد: "اومال تفسري إيه طناشك ليا وإنتي عمالة تتكلمي؟ والله أعلم بتتكلمي مع مين." مهجة: "وانت مالك؟ أكلم مين؟ شيء ما يخصكش." توقف أحمد مرة واحدة واقترب منها بغضب
وهو يمسكها من ساعدها وهدر: "إنتي، إنتي تحترمي نفسك، إنتي سامعة؟ كلمة مالهاش لازمة ماتتنطقش، وإلا هتندمي. ساااامعة؟ هزت هي رأسها بخوف وانكمشت على نفسها من صوته الهادر. ثم أكمل: "كنت بتكلمي مين؟ مهجة بعيون دامعة: "بكلم صحباتي، بودعهم عشان يمكن ما أشوفهمش تاني."
أحمد: "بصي بقى عشان نبقى على نور، الصعيد غير إسكندرية، هناك دنيا تانية خالص. يعني مفيش صحبات، مفيش خروج إلا بإذني أو بإذن عمك شريف. وعلى فكرة الكلام ده على أخواتي في البيت، مش هيكون عليكي إنتي وبس، لأني ما بسامحش في الغلط. إنتي أمانة عندنا، سامعة؟ أومأت هي برأسها ولم تتكلم. فهدر بصوت عالي: "بقول ساااامعة؟ مهجة بفزع منه: "أيوه، أيوه سامعة يا أحمد." أحمد بغضب: "إيه أحمد دي؟ بلعب معاكي أنا؟
اسمي باشمهندس أحمد. أنا أختي في نفس سنك وبتقولي أبيه." مهجة بملامح ممتعضة: "إيه أبيه دي؟ زمجر أحمد وهو ينظر لها بنظرة أرعبتها. مهجة: "حاضر يا باشمهندس أحمد." ترك يدها واعتدل في مكانه وانطلق بالسيارة. أما عنها فكانت تقول في نفسها: "بايننا داخلين على أيام سواد. منك لله يا نجيه، زي ما حوجتيني للاشك ده." وبعد ساعتين تقريباً كانت نائمة. فأوقف السيارة وخلع جاكيته ووضعه على كتفها وظل يتأمل وجهها الطفولي البريء.
بعد لحظات، انطلق بالسيارة مجدداً. صباح اليوم التالي. كانت الأصوات الصاخبة تعم المكان في تلك الصالة المخصصة لإقامة المباريات بنادي سموحة بالإسكندرية. كان آدم يتجهز لخوض المباراة الأخيرة التي ستحدد من هو بطل الجمهورية. وكان كل من ملك وفهد وسديل وأدهم وعز وعد، وأيضاً رحمة وجنى وعمر، وحتى شريف ومي، فهم لم يفوتهم أي مناسبة إلا وتشاطروها مع عائلة فهد. كانوا يجلسون جميعاً في المدرجات بترقب.
صفر الحكم لإسكات الجمهور وبدأت المباراة. كان آدم يلعب بحرفية وخفة شديد، فهو بطل الجمهورية لأكثر من عام. نعم، غريمه لم يكن بالشخص الهين، ولكن كانت الغلبة لآدم. بعد عدة جولات، فاز آدم بالمباراة وأعلن الحكم فوز آدم. انتفضوا جميعاً من الفرحة وظلوا يهللون ويصفقون مع صفير الشباب. كانت الساعة الثانية عشر بعد الظهر. وصل أحمد بسيارته إلى الإسكندرية.
اتصل عليهم لأنه كان على علم ببطولة آدم واطمأن عليه، وأخبرهم بأنه سيذهب للبيت أولاً حتى يستحم ويبدل ملابسه. "كانت تتململ هي من نومها وقالت: "إحنا وصلنا لفين؟ "آه، وصلنا خلاص. هنروح على الفيلا نغير ونروح النادي لأن العيلة كلها هناك." قالها وهو منطلق نحو الفيلا. وما هي دقائق إلا وكانت سيارته تعبر البوابة الكبيرة ليدخل بالسيارة ويقف أمام باب الفيلا. اقترب منه أحد الأفراد المكلف بالأمن وفتح له الباب. أعطاه المفتاح وهو
يحدفه في الهواء وهو يقول: "طلع الشنط اللي في العربية فوق." ثم تذكر مهجة التي لم تنزل من السيارة بعد. رجع لها وقال وهو يفتح الباب: "انتي هتفضلي عندي؟ ما تنزلي يلا." مهجة بتلجلج: "حاضر، حاضر نازلة أه." أحمد وهو يزفر: "اديني الصبر يا رب." مهجة وهي تهرول وراءه: "بتجول حاجة يا باشمهندس؟ لم يعطها اهتمام وصعد الدرج وهو يقول: "اخلصي غيري هدومك بسرعة، مش عاوز أتعطل بسببك." مهجة بطاعة: "حاضر، بس...
وقف أحمد أعلى الدرج وقال: "بس إيه؟ مهجة بخجل: "أنا بس كنت عاوزة أعرف أوضتي فين." أحمد: "تعالي، ادخلي أي أوضة عندك، الأوض كتير." دلا على غرفة فارغة وقال: "دي مش بتاعة حد، ادخلي هنا واخلصي عشان مستعجل." مهجة: "حاضر، أنا مش بغيب في اللبس." لم يرد عليها ولكنه تركها وغادر لغرفته ليتحمم وليبدل ملابسه. أما هي فكانت تنظر للغرفة المرتبة
بانبهار وقالت في نفسها: "كان نفسي يا نجيه تشوفي العظمة اللي بقيت فيها عشان تنقهري وتطق وتموتي." وما هي إلا نصف الساعة وكانت قد أخذت حمامها وتجهزت وخرجت. كانت تسير في الطرقة حتى فتح أحمد الباب. فوقفت بانبهار من أناقته ووسامته ورائحة عطره النفاذة التي تذهب بالعقل. أحمد وهو يرتدي ساعته: "هااا، خلصتي؟ لم تتكلم ولكنها كانت تنظر له كالبلهاء. هدر أحمد بها وقال: "انتي ي بت مجنونة؟ واقفة زي العبيطة ومتنحة؟ بقول خلصتي؟
مهجة بارتباك: "هااا، أيوه، أنا خلصت." شملها بنظرة متفحصة وقال: "يلا بينا." في النادي كانت العائلة كلها مجتمعة. فاستأذنت منهم سيلا لتذهب للحمام وكانت معها وعد. كان يبدو عليها الضيق فسألتها وعد: "مالك يا بنتي؟ مبوزة ليه؟ سيلا: "بتصل على سليم مش بيرد عليا، أنا قلقانة عليه أوي." وعد مطمئنة لها: "لا يا حبيبتي، اطمني، تلاقيه مشغول ولا حاجة." سيلا: "ربنا يستر، هحاول تاني." وعد: "طيب، أنا هدخل الحمام على ما تخلصي."
سيلا: "أوكي." وعاودت الاتصال مرة أخرى ولكن فونها قد فصل شحن، فزفرت بضيق. فأتت عليها وعد وقالت: "هااا، عملتي إيه؟ رد عليكي؟ سيلا بضيق: "لا، الفون فصل مني وأنا نسيت الشاحن في البيت." وعد: "تعالي نجيب الباور بانك من العربية بره." وتوجهوا للخارج. كان يراقبهم مجموعة من الشباب. وعندما وجدوهم بمفردهم اقتربوا منهم. وقال أحدهم بسماجة: "الجميل زعلان ليه؟ لم يعيروهم أي اهتمام وابتعدوا عنهم وذهبوا للسيارة.
وهم في طريق العودة لدخول النادي، لحقوا بهما أحد الشباب. "ماتردي علينا يا قمر، ولا انتي تقلانة علينا؟ إحنا في الخدمة." ومد يده ليمسك سيلا من ذراعها. وجد من يقبض على ذراعه ويلفها خلف ظهره، فصرخ الشاب بألم. فأداره له وضربه بمقدمة رأسه على أنفه وهو يهدر به ويقول: "في الخدمة ياروح أمك." وقع على الأرض بعد أن ترنح من قوة الضربة. ولكن وجد نفسه مرفوع مرة أخرى من ياقته وهو يتلقى بعض اللكمات التي لم يفهم إلى الآن من أين تأتيه.
كل ما كان يفعله هو الصراخ، الصراخ فقط. انتبهت سيلا عليه التي برقت عيناها وهدرت بصرااااخ: "سلللللللللييييييم! هجم عليه الشابين الآخرين للدفاع عن صديقهم. فما كان من سليم إلا أن ضرب الآخر بمقدمة قدمه في منطقة خطرة (تحت الحزام) ، فانخفض الشاب متألماً فأطاح به وهو يضربه بقدمه على رأسه، فوقع على الأرض والدماء تخرج من فمه.
أما الثاني فتح عليه سلاح أبيض، فهجم على سليم كي يصيبه، إلا أنه تفادى الضربة ولوي ذراعه بقوة ونزل عليه بكوعه وهو يخبطه بقوة على رأسه، فوقع الآخر خائر القوة. هرولت وعد كي تنادي عز وإخوته بصراخ. وما أن سمعوها إلا وهرولوا إليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!