كانت تجلس على الأرضية الباردة تشعر بحزن كبير وغضب أكبر. حزن بسبب ما قالته وما صنعته، وغضب من نفسها، ليس من مراد. فهي تعلم أنه لم يخطئ في شيء، بل هي دائمًا المخطئة. ولكن أكثر ما أشعرها أنها بلا قيمة هو أن الجميع اتفق عليها دون أن يخبروها بتلك اللعبة. حتى لو كان يخشى عليها، كان يجب عليه أن يخبرها لكي لا يجرحها أو يجعلها تشعر أنها بلا قيمة.
كانت تبكي بانهيار ومرارة، ولكن قطع ذلك البكاء المتواصل صوت هاتفها يعلن عن اتصال من أخيها. نظرت إلى الهاتف بطرف عينيها. كانت تريد ألا تجيب على ذلك الاتصال، ولكن ليس لها أحد سواه، وأيضًا لأنها تشعر أنها مجروحة منه. تفضل العتاب على أن تترك ذلك الخلاف أكبر. ردت عليه بضيق وهي تقول: خير، خير يا أخويا. خير، اللي كذبت عليّ؟ بقى أنت يا أحمد تعمل كده؟ أنت اللي تعمل اللعبة دي؟ طب حتى ما فكرتش إنك تقول لي. يتحدث أحمد باستغراب:
وهو مين أصلًا اللي قال لك؟ وبعدين أقول لك إيه؟ الموضوع كان هيبقى في خطر كبير عليكي. وبعدين الست مش سهلة، وإنتي طيبة. إزاي عايزاني أدخلك في حوار أكبر منك. تحدثت ريم بغضب وهي تقول: مش أنت اللي تعرف أكتر مني ولا لأ؟ وبعدين أنا مش غبية. وبعدين حتى لو كنت خايف عليّ، المفروض كنت تقولي بدل ما أنا كرامتي ومشاعري مجروحة. تحدث أحمد بهدوء وهو يقول: طب قولي لي كده يا ريم، عملتي إيه لما جوزك قال لك؟
أصل الصراحة أنا متوقع حاجة وعايز أعرف هل فعلًا أنا كان معي حق في توقعي ولا لأ. تحدثت ريم بسخرية وهي تقول: توقعت إيه بقى؟ إن شاء الله. أحمد بهدوء: توقعت إنك قلبتي الدنيا يا ريم. ما فكرتيش لعقلك، وبرضه بتخسري. مع إن المرة اللي فاتت قلت إنك ندمتي، قلت إنك ندمانة على اللي عملتيه، وبرضه المرة دي اتصرفتي من غير ما تفكري. مسحت ريم على رأسها بغضب وهي تقول: مالك؟ كنت عايزني أعمل إيه؟ كنت أستسلم للأمر الواقع؟ أحمد بسخرية:
دايمًا تفكيرك محدود. هو انتي ليه ما بتبصيش إنك كل مرة بتخسري؟
يعني على ما أعتقد إنك ما كسبتيش في مرة. دايمًا بتتسرعي وتندمي يا ريم. مراد لما حاول يخبي عنك الموضوع عمل كده عشان خاطرك، عمل كده عشان خاطر يحافظ عليكي، مش عشان أي حاجة تانية. وده لو يدل يدل إن هو فعلًا بيحبك. وإنتي واجب عليكي إنك تقبلي الموضوع ده بسعادة وصدر رحب، مش تقلبي الطرابيزة وتعملي نفسك متضايقة ومظلومة. وبعدين انتي مش مظلومة، لو حد مظلوم يبقى هو الإنسان الغلبان اللي كل مرة بينخدع في اللي حوليه. بصي هاقول لك حاجة واحدة بس، انتي بتخسري أكتر حد بيحبك.
قال ذلك وأغلق الهاتف دون أن ينتظر أي رد. فهو يرى أن أخته كان يجب عليها أن تتعلم ذلك الدرس جيدًا. يجب عليها أن تعلم ماذا عليها أن تفعل الشيء الصواب لكي تقرر مصيره، فإن ذلك المصير ليس به أي رجعة.
أما عند مها، كانت تجلس في غرفتها والدموع تنهمر من أعينها. فقد أصبحت تخشى الأماكن الفارغة والخلية من البشر. كانت تجلس على فراشها وبجانبها أمها التي كانت نائمة في ثبات عميق. كانت بين كل ثانية والأخرى تنظر إلى السقف تخشى أن يقع عليها جمجمة مثل المرة السابقة. بدأت تشعر بالطمأنينة تسير داخل قلبها. فالساعة الآن الواحدة ولم يراودها أي شعور من الذي كان يراودها وهي في بيت عمها. اطمأن قلبها ونامت في ثبات عميق، لا تعلم تلك المكائد التي تدور حولها من أقرب الناس إليها.
كيد يجلس أحمد في غرفته يقرأ في كتاب الله الحكيم لكي يزيل تلك الأعباء التي تحيط قلبه. فهو يشعر بضيق كبير بسبب تلك الأفعال الصبيانية التي تصنعها ريم. ولكن هو يقسم أنه لن يتراجع عن ما في رأسه، فهو قد قرر ما يجب عليه وسوف يصنعه دون تردد. ولكن قطعوا دخول ريم التي تنظر إلى الأرض بخجل، حيث كانت ترتدي فستانًا من اللون الأسود وتفرد شعرها. شعر مراد بالغضب الكبير عندما رآها بذلك المنظر. تتحدث بغضب:
إزاي تخرجي من أوضتك بالمنظر ده؟ ولا انتي متعرفيش إن في رجالة في البيت؟ فركت ريم يدها بتوتر وهي تقول: أنا آسفة، بس أنا كنت جاية أعتذر لك على اللي أنا قلته، على اللي عملته. أنا عارفة إن أنا غلط بجد، ما كنتش أقصد. أنا آسفة. نظر لها مراد بسخرية وهو يقول: آسفة على إيه؟ وبعدين هو انتي مش كنتي خايفة إنك تقعدي معي؟ حتى كنت خايفة تكلميني؟ الأحسن أكون بدبر لك مكيدة زي ما كنت بدبر لمها، أو حتى أجننك. نظرت ريم
إلى الأرض بدموع وهي تقول: أنا آسفة بجد على اللي قلته. ما كنتش أقصد. وبعدين أنا باعتذر لك وجاية لحد عندك. مراد بجدية: أنا آسف، أنا ندمت على اللي أنا قلته. نظر لها مراد بغضب وهو يقول:
اعتذرك مش مقبول، وأسفك مش مرغوب فيه. لأن أسفك بالنسبة لي ملوش أي أهمية. انتي واحدة أكتر واحدة شكيت فيّ، مع إن أنا كنت باحبك وما كنتش عايز حاجة في الدنيا دي غير إنك تكوني معي. بس طبعًا انتي كبريائك بيمنعك من أي حاجة. انتي كل شوية بتخليني أندم على اللي أنا باعمله معاك. ريم بحزن: ما كنتش أقصد. أنا مش عارفة أنا قلت كده إزاي. نظر لها مراد بقرف وهو يقول: مش مهم، مش مهم انتي قلتي إيه. عشان كده يا ريم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!