قالتها بصدمة ليلتفت ينظر إليها بنظراته العابثة وعلى ثغره ابتسامة جانبية جذابة. لكنه لم يجيب على ندائها. أقتربت خطوتان وقالت بتردد: -باشمهندس أدهم، حضرتك بتعمل إيه هنا؟ تجاهل سؤالها وقال بمشاغبة: -الغفير اللي شغال معايا في الشركة.. أنتِ جاية ورايا لحد البيت يا شقية.. وأنا اللي كنت فاكرك مؤدبة. تراجعت خطواتها إلى الخلف والصدمة والخوف يرتسمان على ملامحها. لكنه أكمل كلماته المازحة:
-عرفتي عنواني منين يا شقية.. ده أنا مقولتش على المكان ده لأي حد. ظلت صامتة تنظر إليه بنفس النظرات وهو ظل ينظر إليها بنظراته العابثة.. التي، ويا للصدمة، جذابة وخاطفة لدقات قلبها وجعلت رجفة قوية تسري في عروقها. لكن ما زاد صدمتها وهي تراه يرفع يده التي تضم بين أصابعها سيجارة ليست بريئة إلى فمه وهو يغمز لها بشقاوة. ثم فتح باب شقته ودخل وأغلقه خلفه دون أن ينظر إليها مرة أخرى. لكن وقبل أن تستوعب ما حدث، فتح الباب
من جديد وقال لها بتحذير: -مش عايز حد يعرف المكان ده غيرك يا قطة.. علشان لو حد عرف.. لم يكمل حديثه ولكنه أشار إلى عنقه بحركة موحية لتشعر بالخوف حقًا. ليس من تحذيره الواهي ولا تلك الحركة التي يقوم بها كل الأبطال الأشرار في الأفلام العربي القديمة.
ولكن من تحول ذلك الرجل من النقيض إلى النقيض.. هل من كان يقف أمامها الآن بهيئته العابثة وبفمه سيجارة محشوة هو نفسه ذلك الرجل الذي تعمل معه ومعروف عنه الاستقامة ورأته أكثر من مرة يصلي في مكتبه؟ ما هذا الجنون؟ ومن هذا الرجل؟ لم تتحمل كل هذا.. وبدلًا من الدخول إلى بيتها وإغلاق الباب، فتحت باب المصعد وقررت حسم الأمر. وقفت أمام حارس العقار العم عبدالواحد تسأله بترقب:
-بقولك يا عم عبدالواحد، هو مين اللي أجر شقة الأستاذ إحسان؟ ابتسم الرجل بسماجة وهو يقول بتوضيح: -مأجرهاش، ده اشتراها.. أصل أستاذ إحسان مش ناوي يرجع هنا تاني وطلب مني أبيع له الشقة والمحامي بتاعه أخد الفلوس وبعتهالهم. أمالت هي وكل هذه التفاصيل التي لا تعنيها.. لتقول بابتسامة صفراء: -أيوه يعني مين اللي اشتراها ده اسمه إيه؟ اسمه أدهم؟ -لا أدهم إيه.. اسمه الأستاذ ثامر بس مش فاكر اسم أبوه.
أجابها بفخر وكأنه يخبرها أن من اشترى الشقة هو أحد ملوك العالم. لكنها كانت بعيدة تمامًا عن تفاخره وحديثه السمج. وظلت تفكر من ثامر هذا.. هل لأدهم أخ توأم واسمه ثامر؟ هل تسأله حين تراه في الشركة؟ أم تصمت وتدعي عدم انتباهها للأمر. تنهدت بضيق وهي تعود إلى المصعد، تاركة خلفها ذلك الرجل الثرثار ينظر في أثرها بنظرات غير بريئة أبدًا. ~~~~~~
بعد رحيل أدهم وعبدالله، ظل الثلاث على نفس جلستهم يغلف الأجواء صمت رهيب لا يقطعه سوى شهقات ظلال من وقت لآخر. كل منهم يفكر في كلمات عبدالله والجميع يشعر بالصدمة. حتى قالت شكران بإقرار: -كنت حاسة إنه مش كويس.. اللي حصل معاه من يوم وفاة حسام ما كانش سهل.. أدهم الحنين المسالم فجأة يترمي في بحر الشغل وسط حيتان وقروش.. وناس ما بيحرموش شغلهم كله غدر والمصلحة هي اللي بتحكم.. كان لازم يتعب وينخ ويقع.
زاد بكاء ظلال.. وزادت صرخة عدنان، لكن هذه المرة موجهة إلى جدته. "ألا تشعرين بي أنا أيضًا.. أنا أيضًا مريض.. أنا أيضًا أحتاج إلى الدعم والمواساة.. بعض من الشفقة." لكنه قال بحزن على نفسه وعلى ابن عمه: -كلنا حواليه.. ومن دلوقتي لازم ناخد بالنا منه ونراعي ظروفه.. ونهتم بيه أكتر.. وإن شاء الله نقدر نسيطر على الوضع.. أدهم قدها وعمره ما هينخ ولا يقع. لم يعقب أي منهم على حديثه، فهذا ما سيفعلونه بالفعل.
لكن الخوف من المجهول شيء صعب.. كيف سيتعاملون مع شخصية أخرى لأدهم؟ وكيف ستكون طباع تلك الشخصية؟ ماذا فعل وهو بتلك الشخصية؟ وأي أخطاء ارتكبها؟ ومن جديد عاد الصمت يغلف جلستهم حتى قطعه صوت رنين هاتف ظلال. أجابت سريعًا حين قرأت اسم مراد: -أيوه يا مراد. صمتت قليلًا تستمع لكلماته المتلهفة: -ظلال، أنتِ كويسة؟ مال صوتك؟ أنتِ معيطة؟ لتقول بعد أن مسحت دموعها من فوق وجنتها: -فعلًا كنت بعيط.. أصل حصلت حاجة كده زعلتني قوي.
صمتت مرة أخرى لعدة ثوان تستمع لكلماته الرقيقة: -مفيش حاجة في الدنيا تستاهل دموعك يا ظلال.. لو عايزة تحكي مع صديق، مستعد أسمعك للأبد أنا جاهز ونفسي.. ولو مش قادرة خلاص، بس اعرفي إني موجود ديما جنبك.. المهم دلوقتي بطلي عياط. لتبتسم رغم حزنها ثم قالت: -ميرسي يا مراد.. بس هو ينفع تقدم الحلقة بكرة من غيري؟ ليبتسم حين وصله رد مراد العصبي الرافض:
-لا طبعًا مينفعش.. وبعدين الشغل ينسيكي شوية اللي مضايقك.. ويهون عليكي.. كمان أنا لازم أشوفك بكرة علشان أطمن عليكي بنفسي.. هتكوني موجودة بكرة، أوك؟ عادت تمسح دموعها من جديد وهي تقول: -خلاص هكون موجودة إن شاء الله.. شكرًا يا مراد بجد.. أنت مش عارف كلامك ده فوق معايا قد إيه. لم يتحمل أكثر من ذلك.. كل هذا فوق احتماله وطاقته. وقف وتحرك في اتجاه الباب ليغادر الغرفة. لتقول له شكران بشك يشوبه الضيق: -أنت خارج؟!
نظر لها بعد أن خطف نظرة سريعة لتلك التي تبتسم كالبلهاء وقال بضيق: -لا.. هقعد في الجنينة بره.. محتاج شوية هوا نضيف علشان أقدر أفكر.. محتاج أبقى لوحدي يا جدتي. أومأت شكران بنعم لتتسابق ساقيه حتى يخرج سريعًا فلا يستمع لباقي الحديث المستفز الذي يحرق قلبه بنيران الغيرة والحسرة. وها هو منذ أكثر من ساعتين يجلس هنا في مكانه المميز.. ينتظرها تأتي إليه ككل مرة.. أو يلمح طيفها يراقبه من خلف نافذتها.
لكنها لم تأت.. ولم يلمح طيفها. هل ذهب حبها له أدراج الرياح خلال شهر واحد دخل فيه مراد بينهم؟ إنه يريدها.. يغار عليها رغم أنه يعلم جيدًا أن لا مجال لهما سويًا. هو قد انتهى.. لقد أصبح شخصًا في عداد الموتى مثله كمثل المفقودين أسفل الأنقاض. فماذا يريد منها؟ أن تظل تتعذب بحبه؟ لا.. لا والف لا. لتجد من يحبها.. يدللها.. يسعدها. هي ظلال قلبه وسعادتها تكفيهما سويًا حتى وكل منهم في مكان ويفصل بينهما بحار ومحيطات وعوالم.
أغمض عينيه باستسلام ليغرق في النوم ويسلم له رافعًا رايته البيضاء راجيًا بعض الراحة والسلام النفسي. وكانت هي تقف خلف تلك الشجرة الكبيرة.. تنظر إليه سعيدة.. ويا لحالها الميؤس منها.. فكونه لم يكلم إحدى عشيقاته ولم يرسم جرحًا جديدًا فوق قلبها البائس المعلق بحبال هواه دون أمل.. تشعر بالسعادة. وكان هذا وقت إيجاد إجابة لذلك السؤال.. إلى متى؟ ~~~~~~ دخلت غرفتها مباشرة بعدما صعدت من الأسفل وحديثها مع عبدالواحد.
ومباشرة إلى الشرفة.. تريد أن تتأكد أنها لم تكن تتخيل. لكنها بالفعل رأت أدهم.. بشخصيته العابثة التي قابلتها أكثر من مرة خلال عملها بمؤسسة الخشاب. لكن من ثامر هذا؟ وماذا عليها أن تفعل الآن؟ عيونها تتابعه من فتحات الأرابيسك وهو يجلس على مقعده الوثير يمدد قدمه على المقعد الآخر وبين يده سيجارة جديدة.. وكوب قهوة. قهوة.. رددتها بصوت هامس والاندهاش يعتلي ملامحها.
كيف هذا.. وكان يبدو منذ لحظات غير متزن وتفوح منه رائحة بشعة تدل على أنه كان يتناول مشروبًا محرمًا. فكيف يشرب الآن القهوة بهدوء ووداعة؟ انتبهت من أفكارها على صوته وهو يغني: "حيرت قلبي معاك.. وأنا بداري واخبي قول لي أعمل إيه وياك.. ولا أعمل إيه ويا قلبي بدي أشكي لك من نار حبي.. بدي أحكي لك ع اللي في قلبي وأقول لك ع اللي سهرني.. وأقول لك ع اللي بكاني وأصور لك ضنا روحي.. وعزة نفسي منعاني
يا قاسي بص في عيني.. وشوف إيه اتكتب فيا دي نظرة شوق وحنية.. ودي دمعة بداريها وده خيال بين الأجفان.. فضل معايا الليل كله سهرني بين فكر وأشجان.. وفات لي جوه العين ظله وبين شوقي وحرماني.. وحيرتي ويا كتماني بدي أشكي لك من نار حبي بدي أحكي لك ع اللي في قلبي وأقول لك ع اللي سهرني.. وأقول لك ع اللي بكاني وأصور لك ضنا روحي.. وعزة نفسي منعاني" كانت تستند إلى الحائط تستمع لصوته الغريب.. الذي يلمس قلبها وروحها.
رغم أنه ليس بالصوت الجيد إلا أنه مميز وأذنها تحبه. لكن بعد صمته عادت الأفكار تضرب عقلها بلا رحمة. اتسعت عيناها بشدة حين تذكرت ذلك الموقف.. حينما كاد أدهم أن يسقط في المكتب وتحولت نظراته لأول مرة لتلك النظرات العابثة التي تجعلها تشعر بالخجل.. ودخول ذلك الطبيب الذي طلب منها الرحيل وأنه سيبقى معه وسيحل الأمر. وعرفها بنفسه أنه طبيب أدهم الخاص. وحينها أعطاه بطاقة عمله طالبًا منها إذا تكرر الأمر أن تتواصل معه وتخبره.
هل تتصل به وتسأله؟ وتطلب منه الحضور بنفسه لرؤية صديقه المجنون؟ أم الأفضل أن تنتظر للصباح وترى ماذا سيقول أدهم بنفسه عن ما حدث؟ لكنها لن تستطيع الانتظار. عادت إلى غرفتها سريعًا وبدأت في البحث داخل حقيبتها عن تلك البطاقة.. لكنها لم تجدها. جلست أرضًا وأفرغت محتويات الحقيبة بالكامل أرضًا وبدأت في البحث من جديد.. لترتسم ابتسامة واسعة على وجهها حين وجدتها.
تركت كل شيء على حاله ووقفت تبحث عن هاتفها.. جلست على السرير وبين يدها الهاتف تكتب أرقام الطبيب بسرعة.. ورفعته لأذنها بلهفة رغم إحساسها القاتل بالخجل.. لكن الفضول أقوى من أي شيء. ~~~~~~ يجلس في غرفته بعد أن تناول وجبة العشاء مع عائلته وقضى معهم وقتًا كان يفتقده بشدة.
لقد اشتاق لتلك الجلسات الذي يستمع فيها لضحكات ابنته.. ومزاح ابنه وابتسامة زوجته التي يعشقها ويعلم كم تتحمل من مسؤوليات هو بعيد عنها تمامًا وهي بكل طاقتها وقوتها لا تترك شيئًا يأخره عن عملها. انتبه من أفكاره على رنين هاتفه.. ظل ينظر إلى الرقم غير المسجل بتفكير. هل يجيب ويقطع إجازته الذي اقتطعها بصعوبة حتى يجلس مع عائلته؟ أم يتجاهل؟ لكن صوت زوجته التي غادرت الحمام الآن أعادته من أفكاره وهي تقول: -تليفونك يا عبدالله.
نظر لها بتشتت لتقول بابتسامة رقيقة: -رد. قبل الاتصال قائلًا: -السلام عليكم. صمت لثوانٍ ثم قال بابتسامة راحة: -أهلًا بيكِ آنسة سليمة اتفضلي. صمت يستمع إلى كلماتها لينتفض واقفًا وهو يقول بصدمة: -أنتِ متأكدة إنه أدهم؟! ما يمكن شخص شبهه.. أو أنتِ.. لم يكمل كلماته حين قاطعته قائلة بتأكيد:
-يا دكتور، أنا شفت الشخصية دي في المكتب أكتر من مرة.. نظراته الجريئة.. كلامه اللي فيه وقاحة.. مزاجه المتقلب وخصوصًا إنه كان بيطلب مني حاجات وينسى إنه طلبها.. أو قالها أصلًا.. كمان هو اتعرف عليا وعارف إني أنا سكرتيرته.. أنا متأكدة إنه أدهم. لم تنتبه لنفسها حين قالت اسمه دون ألقاب. لكن عبدالله انتبه.. وانتبه أيضًا لخوفها وصدق لهفتها. لذلك قال:
-أنا محتاج العنوان ومحتاج أقعد معاكي نتكلم علشان تفهمي الموضوع لأني هحتاج مساعدتك. أخبرته بعنوان بيتها.. وحددوا موعدًا في الغد حتى يوضح لها الأمر بالكامل. حين أغلق الهاتف رفع عينيه إلى زوجته التي تقف على مسافة منه تستمع لمحادثته بهدوء ظاهري.. لكن من داخلها أصبحت تشعر بالوحدة وفقدان الصبر. عبدالله لا يشغله سوى عمله.. مرضاه.. هي وأولاده في نهاية قائمة اهتماماته.
لذلك حين تحرك خطوة ليقترب منها.. تحركت هي في الاتجاه المعاكس وخلعت مأزرها وصعدت إلى السرير وهي تقول: -روح شوف مرضاك يا عبدالله.. وابقى اطفي النور وأنت خارج. وتمددت وأخفت جسدها تحت مفرش السرير. ظل هو على وقفته ينظر إلى جسدها المتكوم أسفل المفرش وهو يفكر بضيق. إنها فرصة لمقابلة الشخصية الثانية لأدهم.. وفي نفس الوقت كيف يتركها حزينة ويرحل؟
لكن أدهم بحاجته.. لذلك تحرك سريعًا يبدل ملابسه وحين انتهى اقترب منها وانحنى يقبل رأسها وهو يعتذر بشدة ثم رحل. ليتحول بكاؤها الصامت إلى نشيج عالٍ لكن كعادتها كتمته في وسادتها حتى لا يصل إلى أولادها. لكنها اكتفت وانتهى الأمر. ~~~~~~ عادت سليمة إلى الشرفة تتابعه من خلف الأرابيسك فوجدته كما هو يجلس على أحد الكراسي.. ويمد قدميه على الآخر باسترخاء.. رأسه مستريحة إلى الخلف.. وعيونه معلقة بالنجوم. لتهتف لنفسها: -إيه حكايتك؟
وأنت مين؟ أدهم ولا ثامر؟ أنت الشخص المحترم المعروف في السوق بقوتك وشغلك المميز؟ ولا أنت الشخص المستهتر العابث؟ لتنتبه من أفكارها على صوته وهي يغني.. وكأنه سمع أسئلتها وصوت عقلها: "سألت نفسي كتير ما رسيتش يوم على بر.. أنا اللي فيا الخير ولا اللي فيا الشر مليان عيوب ولا خالي من الذنوب.. ولا ولا أنا جوايا ومش داري الاتنين في بعضو.. 500 حاجة ومالهمش دعوة ببعض أنا مين وفين.. أنا إيه.. مفروش طريقي بورد؟
ولا الزمان ده أنا فيه أضعف واحد ع الأرض؟ ولا أنا جوايا ومش داري.. الاتنين في بعضو 500 حاجة ومالهمش دعوة ببعض" لتعود إلى غرفتها وهي تضع يدها على خافقها بخوف. هل كان صوتها عالي؟ هل همست بأسئلتها بصوت عالي؟ لكنها انتبهت على صوت حركة لتعود إلى الشرفة تنظر منها لما يحدث.. لكنها لم تجده. لتركض خارج غرفتها وهي تفكر.. هل حضر إليه الطبيب؟ نظرت من باب غرفتها لتتأكد هل والدها بالخارج أو والدتها؟ لكنها لم تجدهم.
فتحتك نحو باب البيت ونظرت عبر "العين السحرية" لتجد شخصًا يقف أمام باب أدهم. ظلت تراقب الموقف خاصة حين فتح أدهم الباب ونظر إلى الواقف أمامه بهدوء يصل إلى البرود. لكنها لم تكن تستمع لما يقال بينهما وذلك جعلها تشعر برغبة قوية في فتح الباب وتقف جوارهم لتسمع ما يقال كله وتجد إجابة لكل أسئلتها. ~~~~~~ يقف عبدالله أمام الباب يطرقه وهو يشعر بالترقب.
فمقابلة الشخصية الثانية لأدهم أمر هام بالنسبة له.. وسوف يساعده في علاجه.. ولكنه يخشى رد الفعل. فهل أدهم حين يقابله بالشخصية الثانية.. خاصة وقد حدث قبل ذلك لكنها بمجرد حضوره اختفت تلك الشخصية وعاد أدهم إلى طبيعته سريعًا؟ وفي الأساس لم يكن هو مدركًا لحاله صديقه بالكامل. فكل ما كان يشغل عقله وقتها أو يتوقعه هو أن صديقه يعاني بعض الأرق أو يكاد يصاب بانهيار عصبي بسبب ضغط العمل.
لكن أن يكون الأمر بهذا التعقيد لم يخطر له هذا الأمر أبدًا. حين فُتح الباب تلاقت العيون.. عيون يملؤها الفضول مختلط بالخوف والقلق. وعيون عابثة ساخرة.. تنظر لمن يقف أمامه باستفهام. ليقول عبدالله ببعض المراوغة: -بعتذر.. لكن أنا عربيتي عطلت ومنتظر الميكانيكي.. ولما سألت البواب عن شاب يكون ساكن هنا لوحده.. لآني اتحرجت أخبط على أي شقة.. ودلني عليك. ظل أدهم صامتًا ينظر إليه ببرود ثم أشار له بالدخول وهو يقول:
-وأنا أقدر أفيدك بإيه؟ ليبتسم له عبدالله وهو يجلس على الأريكة وكأنه يجلس على أريكة منزله براحة واعتياد: -في الحقيقة ولا حاجة.. غير إنك تقبل تشربني فنجان قهوة على ما الميكانيكي يخلص تصليح العربية. رفع أدهم حاجبه بشر وقال ببعض الفظاظة: -هو أنا مش فاهم بصراحة موقفك.. وشايف إنك تنزل تقف جنب الميكانيكي على ما يخلص تصليح عربيتك وتمشي من هنا.
شخصية جريئة وقحة.. لا يبالي بأحد.. ولا يهتم لمشاعر الآخرين.. يقول كل ما يريده.. دون أن يفكر به.. أو يفكر في تأثيره على الآخرين.. عكس أدهم تمامًا. كل هذا كان يفكر به عبدالله وهو صامت ينظر إليه بابتسامة غريبة لم يستطع الآخر تفسيرها. وزاد الأمر غرابة حين أراح عبدالله ظهره على الأريكة وهو يقول ببعض المرح:
-باين كده إنك إنسان صريح واللي في قلبك على لسانك.. هو طبعًا كلامك صح بس أنا عندي مشكلة في ركبتي ومش بقدر أقف كتير.. علشان كده أنا قهوتي مظبوطة. ظل أدهم على وقفته ينظر إلى الآخر بتفحص وضيق ثم تحرك في اتجاه المطبخ دون أن يقول أي شيء. ظل عبدالله يتأمل تفاصيل الصالة الخالية من أي شيء سوى تلك الأريكة التي مازالت تحمل فوقها كيسًا يدل على شرائها حديثًا.. جدًا وعدم استخدامها أيضًا.
ولاحظ باب الشرفة المفتوح ليتوجه إليها يتفحص محتوياتها المميزة وتصميمها الذي يميزها من الأرابيسك. إن أدهم يحقق مع شخصيته الأخرى كل ما يحلم به.. ويتمنى.. حياة بسيطة.. هدوء يغلفه الخصوصية.. قوة غاشمة وقدرة على قول وفعل ما يريد دون الاهتمام لرأي الآخرين. انتبه من أفكاره على صوت حركة فعاد إلى مكانه والابتسامة الهادئة المستفزة ترتسم على ملامحه خاصة لعيون أدهم.. أو ثامر إن صح التعبير. أخذ عبدالله القهوة من يده وهو يقول:
-شكرًا يا أستاذ ثامر.. تسلم إيدك.. تعبتك. -عرفت اسمي منين؟ سأله ثامر بشك ثم قال بإدراك: -من البواب.. المهم اتفضل خلص قهوتك وانزل شوف عربيتك.. علشان أنا عايز أنام. أخذ عبدالله رشفة من القهوة ليشعر أن بها شيئًا مختلفًا.. خاصة مع ابتسامة ثامر الجانبية والتي تحمل بعض الشر. ليأخذ رشفة أخرى وإحساسه يزداد أن تلك القهوة بها شيء مميز.. يزيدها جمالًا. وأكد له حديث ثامر حدثه: -أتمنى قهوتي تكون عجبتك.. أصلها توليفة خاصة بي.
يتناول عبدالله رشفة أخرى ثم قال: -مميزة فعلًا.. حسيت كده من أول ما دقتها.. بس إيه بقا التوليفة دي. ليضحك ثامر بصوت عالٍ وهو يقول: -كمان عايز تعرف توليفة قهوتي.. بس أنا هقولك.. علشان إنت هتحتاج تبقى عارف.. ما هو اللي يتعود عليها ميقدرش يبطلها. شعر عبدالله بالقلق.. لكنه الآن يشعر بالخوف خاصة حين أكمل ثامر حديثه بهدوء: -ده بن يمني.. مخلوط بشوية ماريجوانا. تتسع عينا عبدالله بصدمة.. ليكمل ثامر بهدوء:
-مالك قلقت ليه.. متخافش كده.. دي أعراض توقف شربها خفيف خالص.. المهم إنها بتعلي المزاج. واقترب بوجهه من عبدالله وأكمل وكأنه يقول له سر خطير: -أنا بخلطهم بنسبة 70% بن و 30% ماريجوانا.. أصل لو النسبة زادت عن كده مش هتحس بطعم القهوة. وتلفت حوله وكأنه يتأكد من عدم وجود من يتلصص عليه ويسمع ما سيقال:
-السر بقا ورا إني بخلطها بالقهوة هو إحساس البهجة اللي بحس بيه بعدها ومش بعنف زي تأثير الحشيش لو دخنته أو أكلته.. يعني حاجة في الهادي يا زبادي. كاد عبدالله أن يصاب بذبحة صدرية مما يسمعه.. من ذلك الجالس أمامه جسد صديقه الذي يعرفه منذ سنوات.. ولكن بعقل وأسلوب وحياة أخرى.. حياة يملؤها الخطر. ترك القهوة فوق الأريكة فلا توجد طاولة ووقف وهو يقول: -شكرًا على الضيافة.. وأسف على الإزعاج.. هنزل أشوف الميكانيكي خلص ولا لأ.
ليبتسم ثامر بسخرية وهو يقول: -شرفت.. وأهو عرفت العنوان.. شرفني كل ما نفسك اشتاقت لقهوتي. ليغادر عبدالله وهو يفتح هاتفه يبحث عن "الماريجوانا" وأضرارها.. ليشعر بالخوف أكثر وهو يقرأ بصوت مسموع:
"للماريجوانا تأثيرات عقلية وجسدية، مثل شعور النشوة، تغير الحالة الذهنية والشعور بالوقت، صعوبة التركيز، تحسين المزاج، ضعف الذاكرة قصيرة المدى، جفاف الفم والحلق، تغير الشعور في الحواس، ضعف حركة الجسم، احمرار العينين، استرخاء، وزيادة الشهية. التأثيرات تصبح محسوسة في غضون دقائق بعد التدخين، وبعد حوالي 90 دقيقة عند التناول بالفم. تستمر الآثار لمدة ساعتين إلى ست ساعات. عند الجرعات العالية، يمكن أن تشمل الآثار العقلية القلق
المفرط، مشاعر ارتيابية، الهلوسة، فرط الهلع. قد تشمل الآثار الجانبية طويلة الأجل الإدمان، وانخفاض القدرة العقلية لدى أولئك الذين بدأوا في الاستخدام المنتظم في سن المراهقة، السعال المزمن، القابلية للإصابة بعدوى الجهاز التنفسي، ومتلازمة فرط التقيؤ للماريجوانا."
ليرفع يده يمسد بها جبينه وهو يقول بخوف يصل حد الرعب: -هتوصل لفين يا أدهم.. والمفروض أبدأ معاك منين وإزاي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!