الفصل 5 | من 34 فصل

رواية أو أشد قسوة الفصل الخامس 5 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
29
كلمة
2,577
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

استيقظ من نومه يشعر أن جسده يؤلمه بشدة وكأنه كان يتصارع مع شخص ما طوال الليل، أن ألم وهو يعتدل جالسًا. ودلك جبينه بأصبعيه عله يهدأ من ذلك الصداع القوي الذي يضرب رأسه دون رحمة. أراح رأسه على ظهر السرير وأغمض عينيه. لم يستطع أن يفتحها حين سمع طرق خفيف على الباب، ثم صوته وهو يفتح. يعلم من بالباب، يحفظ طريقتها. ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يجاهد نفسه ويفتح عينيه ليجدها تقف أمامه تنظر إليه بقلق مصاحب لسؤالها المختصر

والذي يختصر الكثير: "مالك يا أدهم؟ أحنى رأسه قليلًا ثم قال: "مصدع شوية." وغير مجرى الحديث سائلًا: "هي الساعة كام؟ ظلت شُكران صامتة تنظر إليه بتفحص وقلق، ثم قالت بهدوء: "سبعة ونص، مش ناوي تطمن قلبي وتقولي مالك؟ رفع الغطاء عن جسده وأنزل قدميه أرضًا وأستقام واقفًا. ثم اقترب منها وهو يقول: "ضغط شغل ومسؤوليات يا جدتي، المؤسسة شغلها كتير وبقيت مش ملاحق وساعات ما بلاقيش وقت حتى أشرب فنجان قهوة."

كانت تنظر إليه بشفقة، وقلبها يتألم على حفيدها البكري الذي كبر قبل أوانه. تحمل حمل المؤسسة والعائلة، ونسي نفسه حتى أنه لم يستطع الحزن على والده. فقالت بشفقة: "أنا كلمت عدنان علشان ينزل معاك، ومن النهاردة هخليه يواظب على الشغل على الأقل يشيل معاك الحمل وتلاقي وقت تشرب قهوة." ابتسم لحديثها الذي يحمل معنى مختلف تمامًا وبعيد تمامًا عن شرب القهوة. فأقترب يقبل رأسها، وأنحنى يقبل يدها وهو يقول:

"للأسف صلاة الفجر فاتتني، هصلي وأحصل حضرتك علشان نفطر سوا." هزت رأسها بنعم وتحركت تستند على عكازها حتى تغادر. لكن سؤاله أوقفها من جديد حين قال: "ظلال راحت شغلها؟ ابتسمت حين تذكرت حماس ظلال وتوترها قبل مغادرتها المنزل وشجارهم الذي لم يطل طويلًا حين علمت أن هناك سائق سيتولى توصيلها كل يوم وأن هذا قرار أدهم ولا رجعة فيه. خرجت من أفكارها وأجابته بابتسامة صغيرة:

"أيوه راحت، وكانت زعلانة علشان موضوع السواق، لكن أنت عارفها تطلع تطلع وتنزل على مافيش. وطمنتني كمان أنها وصلت، وأكدت عليا نفتح الراديو الساعة ٨ علشان نسمعها." ابتسم بسعادة، أخته الصغيرة كبرت، وستصبح مذيعة راديو، حلمها الذي كان رفيقها منذ صغره. نظر إلى شُكران وقال بحنين: "فاكرة لما كانت وهي صغيرة طلبت من بابا يجبلها ميكرفون وكانت طول اليوم تعمل معانا لقاءات، وتمثل أنها مذيعة في الراديو وتشغل أغاني. وطول اليوم مصدع."

ضحكت شُكران بسعادة لتذكرها تلك الذكرى البعيدة وقالت بحزن: "وكان حسام الله يرحمه طول الوقت يشجعها، ويقولها هتبقى أكبر مذيعة في مصر." أخذ أدهم نفس عميق وقال بألم: "الله يرحمه." تحركت لتغادر الغرفة وأغلقت الباب خلفها. ظل ينظر إلى الباب المغلق لعدة لحظات، ثم دلف إلى الحمام. على طاولة الطعام كان أدهم يجلس جوار شُكران وأمامه عدنان بوجه لا يفسر. والراديو يصدر عنه بعض النغمات لأغنية مميزة لذلك المطرب المشهور.

ينتظرون جميعهم صوت الصغيرة يطل عليهم عبر الأثير. لكن شُكران وأدهم لم تكن سعادتهما فقط بسبب تحقيق حلم ظلال، ولكن لقدرتها على كسر ذلك الرابط الخفي الذي كان يربطها بعدنان. سعادة بسبب قدرتها على رد صفعة التجاهل، علها تتسبب في عودة عقله لرأسه.

وبداخل أستديو "في السكة" كانت ظلال تقف أمام مراد وهي تفرك يديها ببعض التوتر. كان يشعر بها، ويعلم بما تشعر به. يراها من خلف الأوراق التي يراجع ما كتبه الإعداد بها، ولكن بداخله صوت يصرخ به أن يتحدث إليها. ترك الأوراق من يده وقال بهدوء: "إيه التوتر ده كله، متقلقيش. أنا عايز ظلال اللي كانت قاعدة قدامي امبارح بمنتهى الثقة والمرح اللي لفتت نظري من أول كلمة قالتها." ابتسمت وهي تقول بقلق:

"مقابلتك امبارح كانت صحيح حاجة كبيرة أوي، لكن الحماس وإحساسي إني محتاجة أقنعك بيا كان بيحركني. لكن دلوقتي أنا مش بفكر في إعجاب شخص واحد، لا ده أنا لازم أعجب كل معجبين مراد منير." اعتدل في وقفته وأستراح بكتفه على الحائط وهو يقول بتأكيد: "أنتِ مش محتاجة تعجبي جمهور ومعجبين مراد منير، أنتِ هتلفتي الانتباه وبعدين هيبقى عندك معجبينك ومتابعينك، وهتبقى منافسة قوية جدًا ليا ويتخاف منك على فكرة." ابتسمت وقبل أن تقول أي شيء

سمعوا صوت المخرج وهو يقول: "دقيقة ونبقى على الهواء." ليشير لها مراد أن تجلس وأخذ مكانه خلف الميكروفون. نظر لها ليجدها تمارس بعض تمارين التنفس، ليغمز لها بشقاوة وقال حين أشار له المخرج بالحديث: "صباح الخير والسعادة على جميع مستمعين قناة في السكة. النهاردة معايا عضو جديد انضم للبرنامج وأعتقد إنها هتكون إضافة مميزة. معانا على الهواء ظلال، أهلًا بيكي ظلال."

"أهلاً بيك مراد وأهلاً بكل مستمعينا الكرام. النهاردة الموضوع حماسي جدًا وعايزين نسمع كل الآراء، خصوصًا وأن الموضوع جدالي جدًا من قديم الأزل." قالت ظلال بثقة وثبات أبهرت الجالس بجانبها والذي راهن عليها بالأمس. حين اجتمع بكل مساعديه والمخرج ليخرج من أفكاره سريعًا وقال بمرح: "طبعاً ظلال منذ بدء الخليقة والجدال اللي يخص الرجل والمرأة موجود وقائم، لكن جدالنا النهاردة عن فكرة سي السيد ويا ترى مين اللي خلق شخصية سي السيد؟

الست بطبعها المطيع والخانع ولا الرجل بجبرته وظلمه." قاطعته ظلال قائلة بمرح وتحدي، ليضحك مراد بصوت عالي وهو يقول: "وبدأنا الحلقة وأعتقد أن النقاش هيكون حامي جدًا ومش سهل. نسمع مع بعض أغنية "مش ملاحظ حاجة" لرامي جمال وناريمان ونرجع لكم." صدح صوت الأغنية ليقول مراد بابتسامة واسعة: "مش قولتلك إنك هتسرقي مني الأضواء، شكلي هطردك." لتضحك ظلال بسعادة وراحة.

في نفس الوقت في قصر الخشاب كانت ابتسامة أدهم وهو يستمع لصوت أخته وظهر الفخر على وجهه حين جادلت وناطحت مراد بالحديث بثقة وقوة. وفي وسط كل ذلك سرق نظره لعدنان الذي كان يرتسم على وجهه ابتسامة بلهاء. لتقول شُكران بسعادة وفخر: "ما شاء الله روحها الحلوة باينة في صوتها. كمان اللي اسمه مراد ده بيديها مساحتها وسايبها تتكلم براحتها." خطف أدهم نظرة لعدنان الذي ارتسم القلق على وجهه وقال:

"حقيقي هو شخص احترافي جدًا وشاف في ظلال شيء مميز علشان كده اختارها من وسط كل البنات اللي كانت مقدمة على الوظيفة." اعتدل في جلسته وتلاقت نظراته بنظرات عدنان وأكمل كلماته:

"يوم مقابلة الشغل كلمتني تحكيلي اللي حصل، وحرصها على أنها متجيبش سيرة لقب العيلة علشان متبقاش واسطة بالنسبة ليها. وتفهم مراد ليها. حتى أنها لما قالتلي أن المساعد كان مصدوم ومكنتش فاهمه ليه، قولتلها أن مراد أعجب بيها وعلشان كده اتعامل معاها بشكل مختلف. وقبل ما يتصلوا بيها قولتلها إنها هتاخد الوظيفة." ثم قال بطريقة ذات مغزى: "حبيبتي ظلال تستاهل إنها تتقدر، وتستاهل اللي يشوفها بجد ويشوف هي قد إيه تستحق الأفضل."

صمت حين انتهت الأغنية وعاد صوت مراد يقول: "مستنين رسايلكم واتصالاتكم علشان نتناقش في موضوع النهاردة، وخليني أسأل ظلال رأيها إيه؟ ضحكت ظلال وهي تقول بمرح: "أنا رأيي أن الموضوع مشترك يعني ست ضعيفة وقعت تحت إيد راجل مفتري، فظهرت شخصية سي السيد. لكن في الحقيقة، ربنا لما خلقنا، خلقنا متساويين في كل حاجة، يعني في الطاعات وفي الموانع وفي الحساب ودخول الجنة والنار. مين بقى اللي خلى الستات درجة تانية؟

صحيح ربنا جعل الرجال قوامون على النساء ولكن بما أنفقوا. ربنا عارف إننا بطبعنا عاطفيين ومشاعرنا بتحركنا علشان كده خلى الراجل بما أنه المفروض شخص ذو عقل حكيم وحكمة في التفكير وعنده بعد نظر وبيوزن كل الأمور بعقله مش بعاطفته، فوضع في إيده بعض الأمور زي قرار الطلاق مثلاً. كمان فكرة القوامة تعني أنه يقوم بخدمة المرأة يعني يوفر ليها كل حاجة، هو اللي يشتغل ويتعب وهي تبقى مسؤلة منه." ليضحك مراد وهو يقول بعدم تصديق:

"متوقعتش كلامك الحقيقة يا ظلال واللي بيدل على ثقافتك وتدينك. طيب ما في ستات كتير بيطالبوا بالمساواة اللي بيتقال عليهم فيمنست." ليكون الدور على ظلال في الضحك وهي تقول: "في مقولة بتقول خدعوك ف قالوا دول مش عارفين ولا فاهمين أن ربنا كرمهم ورفع شأنهم بيناطحوا الرجالة على حاجات مش بتاعتهم أصلاً." ليعود مراد ويضحك من جديد وهو يقول بمرح: "هيقلبوا عليكي، لكن أنا بأيد رأيك وشايف إنك معاكي حق."

توالت الاتصالات على البرنامج والمناقشات والأغاني المميزة التي كانت تناسب الحلقة بشدة. كل هذا وعدنان يغلي من الغضب كلما استمع لصوت ضحكات مراد على كلمات ظلال أو مزاحه معها. وكان كل من أدهم وشُكران يلاحظان حالته ويتعمدون التعليق على ما يستمعون إليه من ظلال ومراد حتى يضعوه أمام حقيقته. وللأسف كانوا يضغطون بكل ما لديهم من قوة على جرح كرامته ورجولته.

وبالأستديو أشار المخرج لمراد أن يختم الحلقة التي امتدت لمدة نصف ساعة بعد موعدها الأصلي بسبب الحماس القوي بين مراد وظلال وكثرة الاتصالات. ليقول مراد بمرح: "رغم حماسنا الشديد لاستمرار مناقشتنا النهاردة لكن للأسف حلقتنا خلصت ومعادنا بكرة يتجدد معاكم." "وكل يوم عندنا موضوع جديد نتناقش فيه، زي النهاردة كده." أكملت ظلال كلمات مراد الذي قال بمرح:

"ظلال نويا تخلص علينا جميعًا، وأنا سعيد جدًا بحماسها ده وأحب أسألها، تحبي نختم حلقتنا بإيه؟ صمتت ظلال لثواني ثم قالت بحماس: "خلينا نختم حلقتنا بأغنية رومانسية مميزة علشان نأكد على مبدأ الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ف نسمع أغنية من أول دقيقة لسعد المجرد وإليسا." "واو اختيار ممتاز ظلال، نسمع مع بعض أغنية من أول دقيقة، على موعد بلقانا غداً، سلااام." أشار لهم المخرج بإبهامه بسعادة لينظر مراد إلى ظلال وقال:

"ناوية تطيريني من هنا ولا إيه؟ احمرت وجنتا ظلال وقالت بخوف: "هو أنا عملت حاجة غلط؟ اقترب منها قليلًا وقال: "بالعكس كنتِ ممتازة، وفوق الممتازة كمان، وهيبقى ليكي مستقبل باهر." تركها وغادر الغرفة لتقفز بسعادة وغادرت خلفه حتى يتناقشوا في موضوع الغد. وصل إلى الشركة بعد انتهاء البرنامج، واتصاله بأخته ليهنئها ويطمئن عليها.

كان بداخله إحساس مختلف، أنه يهفو للوصول إلى مكتبه في أسرع وقت. يريد أن يراها. لقد اشتاق لأسلوبها، ابتسامتها، مزاحها المحبب. اليوم هو اليوم الأول لها بمفردها. رحلت رجاء. وصل أمام المكتب ليجدها ترتب بعض الأوراق وهي تعطيه ظهرها. يشعر بها متوترة وكأن هناك شيء ضائع منها وهي تبحث عنه. أقترب بخطوات ثابتة قوية كعادته، ليصلها صوت خطواته على الأرض المثقلة لتعتدل تنظر إليه ببعض التوتر والقلق. ليضيق عينيه

ينظر إليها بتفحص وهو يقول: "صباح الخير يا سليمة هانم، أخبارك إيه النهاردة؟ شعرت بالاندهاش وهي تتذكر ما حصل بالأمس، النظرات، الكلمات، ولمسة اليد العفوية. هل يراها الآن فتاة رخيصة بسبب محاولتها مساعدته؟ وقبل أن تقول شيء قال هو بقلق: "فيه إيه يا سليمة أنتِ كويسة؟ فيه حاجة حصلت مزعلاكي ولا أنتِ عيانة ولا إيه؟ ازداد إحساسها بالاندهاش، لكنها قالت بصوت ضعيف: "أنا كويسة بس منمتش امبارح كويس." أومأ بنعم وهو يقول بصدق:

"اطلبي قهوة هتساعدك شوية على الفوقان ومتقلقيش هراعي تعبك مش هعمل فيكي زي ما عملتي فيا امبارح، من اجتماع لاجتماع." لتبتسم وهي تتذكر جملته "متقوليش أن فيه مواعيد تانية، هو أنتِ إيه معندكيش مديرين ورق ربنا ما يحكمك على مديرين غلابة زي تاني." ليقول هو بمرح ووجه طفولي مشاغب: "شفتي أنتِ شريرة إزاي، وأنا مدير طيب وغلبان." لتضحك بصوت عالي، ليقطب جبينه ورسم الجدية على ملامحه وهو يقول: "يلا يا آنسة ورانا شغل إحنا جايين نهزر."

وغمز لها وهو يمر بجانبها متوجهًا إلى مكتبه، لتتلون وجنتيها بخجل وهي تمسك بمفكرتها وتدلف خلفه. غادر عدنان القصر بأكمله فهو لم يعد يحتمل تلميحات جدته ولا كلمات أدهم الموحية. ويهرب من مواجهة ظلال بعد عودتها من الأستديو.

وصل إلى ذلك الجبل العالي وأوقف السيارة بالقرب من الحافة. وبسبب الشمس لم يغادر السيارة فهو لا يتحمل حرارة الشمس. لكنه ظل بداخلها ينظر إلى المدينة العتيقة وهو يفكر. يتألم حتى أن هناك دمعة حزينة غادرت عينيه والذي لم ولن يراها أحد. الكل يرى عدنان ذلك الشخص العابث المستهتر كثير العلاقات، لكن لا أحد يعرف حقيقته. حقيقته التي اكتشفها في ذلك اليوم والتي صدمته وجعلته يدرك نتيجة تعديه لحدود الله. أغمض عينيه وهو يتذكر حين كان خارج البلاد لخوض أحد المنافسات الذي أصيب فيها بكسر في أحد ضلوعه. وحينها قام الطبيب بعمل فحص شامل له وكانت الصدمة حين ظهر في التحاليل ما جعل الطبيب يعيد التحاليل ثلاث مرات وفي كل مرة نفس النتيجة "عدنان الخشاب" مصاب بـ "HIV".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...