تقف داخل مكتبها ترتب الأوراق حتى يكون كل شيء جاهز للأجتماع. إنها لا تفهم سبب طلب حضورها هذا الإجتماع، لكن كيف تعترض؟ أن حاله غريب جدًا اليوم، منذ حضوره كانت الإبتسامة تزين وجهه وأخبرها أنه سعيد بسبب نجاح أخته في أولى حلقاتها في الإذاعة. لكن من بعدها وأصبح عصبي، حتى أنه أكثر من مرة صرخ في وجهها ودون سبب واضح. وفي أحد تلك المرات كادت أن تبكي. ولكن ما يقلقها أكثر تلك النظرات الغريبة الذي يوجهها لها.
أنتبهت لحضور الضيوف المنتظرة لتتحرك وبين ذراعيها الأوراق. طرقت على الباب ودخلت وهي تقول: -الضيوف وصلوا يا باشمهندس. ليقف يغلق أزرار حلته السوداء وهو يقترب من الباب يرحب بهم بعملية شديدة وأشار لهم على طاولة الإجتماعات. تحركت خلفهم وجلست على الكرسي الفارغ الذي جواره بعد أن وضعت كل الأوراق أمامه.
فتحت مفكرتها وبدأت في تسجيل كل ما يقال في شكل نقاط مختصرة. وكان هو من وقت لآخر يلقى نظرة خاطفه لها ويعود بكامل تركيزه إلى ضيوفه. إنتهى الإجتماع وغادر الضيوف على موعد بلقاء آخر لتوقيع العقود. جمعت الأوراق من جديد وكادت أن تغادر حين قال بصوت غريب: -قوليلى يا سليمة أيه هي وجهة نظرك أو فكرتك عن السكرتيرة؟ نظرت إليه باندهاش أن هذا السؤال لن يطرحه عليها وقت المقابلة، لماذا يطرحه الأن؟ لكنها أجابت بهدوء:
-هي المسؤله عن مكتب المدير وتحديد مواعيده وترتيب دخول الموظفين أو العملاء ليه. كمان بيكون عندها معلومات عن كل مشاريع الشركة وملفاتها علشان تقدر توفر كل الأوراق المطلوبه. أبتسم إبتسامة جانبيه لأول مرة تراها على وجهه وهو يقول: -نسيتي أهم حاجة. ظهر الإهتمام على ملامحها. ليقترب وقال بصوت عابس: -أهم حاجة راحة المدير. وأن دي بتكون أهم أولويات السكرتيرة. توحشت نظراتها ومقصده الوقح يصل لها لتقول بغضب:
-أنا بقوم بعملي على أكمل وجه وده المفروض أنه يريح مديري. عن إذنك. وغادرت رافضه أن تعطيه فرصة للحديث، أو التبرير. فكم هي ساذجة، فهو أبداً لم يكن يريد التبرير، هو كان يريد التمادي. *** كانت الأفكار تتدافع داخل عقله، والذكريات أمام عينيه تمر وكأنها شريط سينما. حين وقف الطبيب أمامه بوجهه البارد يقول ببرود ثلجي وبلغته الأم:
-سيد عدنان لقد أجرينا لك التحاليل ثلاث مرات. وكل مرة تكون النتيجة نفسها. لذلك وجب علينا إخبارك بمرضك بكل صراحة ووضوح. ليتحفز جسد عدنان. هل لديه مشكلة كبيرة لتلك الدرجة؟ حتى يقوم بعمل التحاليل ثلاث مرات. لينتبه لحديث الطبيب وهو يقول: -في الحقيقة حين قرأت اسمك وعلمت إنك مسلم إندهشت كثيراً أن تكون هذه التحاليل خاصة بك. لذلك كررتها حتى أتأكد من النتيجة. -ماذا تقصد وما علاقة ديانتي بمرضي؟ ليبعد الطبيب
نظارته عن عينيه وقال: -أنت مصاب ب HIV وأنت تعلم هذا المرض كيف يصاب به المرء. ومن تاريخك المرضي لم يتم نقل دم لك من قبل. لذلك شعرت بالإندهاش. كل هذا لم يعد يسمعه. توقف الزمن على صوت الطبيب وهو يقول "أنت مصاب HIV". هل أنتهت حياته الأن؟ سوف يدفع ثمن عبثه وعلاقاته المحرمة المتعددة. لكن الأن عليه أن يفكر ماذا سيفعل؟ وكيف سيتعامل مع عائلته؟ ويقلق من أجل مستقبله الرياضي؟
أنحدرت دموعه دون توقف. ليغادر الطبيب. لكن صوت صرخات عدنان أعادته إلى الغرفة وبعض الممرضين وحقنة مهدئة للسيطرة على حالة الهياج التي أصابته. وبعد أن أستيقظ لم يكن أحسن حال. لكن كان قادر على الإستماع لكلمات الطبيب التي لا تزيده إلا شعور بالقهر والخزي من نفسه ومن كل ما كان يقوم به. لكن الطبيب أستطاع أن يجيب عن جميع تساؤلاته:
-دعنا نتحدث بوضوح كابتن عدنان. هذا المرض ينتقل عن طريق السوائل. الدم أو السائل المنوي أو السوائل المهبلية أو حليب الأم. لكن لا ينتقل عن طريق القُبلات أو العناق أو حتى تشارك الطعام. وهذا يوضح لك ببساطة كيفية التعامل مع الآخرين. في الحياة العادية لا يوجد مشكلة أو خطر على الآخرين منك. لكن إذا أردت الزواج فهناك الكثير والكثير من المحاذير. وبالطبع تستطيع أن تتوقع إنك لا تستطيع الإنجاب. عاد من أفكاره وهو يبتسم بسخرية:
-كيف سينجب وممنوع عليه لمس امرأة. حتى لا ينقل لها المرض. ومن كان يتمنى أن تكون زوجته. لا يستطيع أن يؤذيها بتلك الطريقة البشعة.
ومنذ عاد إلى الوطن بعد بقائه في الخارج بحجج واهية لعائلته حتى تمر الفترة الأولى وأعراض المرض مثل "الصداع، والحمى، الطفح الجلدي، التهاب الحلق، وأحيانًا كان يحدث معه إسهال، وسعال، وفقد الكثير من وزنه". ومع التزامه بكل ما قاله الطبيب. توقف عن ممارسة الرذيلة. أهتم بالرياضة وأخذ المضادات الفيروسية. ها هو يبدو بشكل طبيعي. لكن الأمور ليست بخير، فنهاية هذا المرض معروفة.
أخذ نفس عميق. لقد أخذ قراره سابقًا بأن يبعدها عنه بأصعب الطرق. وعليه الأن أن يذهب إلى الشركة حتى يقف جوار أدهم عله يترك بعض من الأشياء الجيدة يتذكرونه به. أدار محرك السيارة وأنطلق في طريق الشركة. *** تجلس في غرفتها بعد أن أطعمت والدها. تريد أن تغفو قليلاً لكن الأفكار تعصف بها.
بالأمس قام خميس الملقب بالجوكر بوضعها في موقف محرج. حين اقتحم غرفتها ومعه أحد الرجال التي لمحته يجلس في الصالة. شعرت بالتخبط والخوف. لكنها لم تستطع أن ترفض تواجدهم داخل غرفتها. ورغم خوفها من تلك الحركة كانت تشعر بالخوف من رد فعل بيبرس. ظلت واقفة في مكانها والجوكر يعرفهم ببعضهم بعضًا: -بهجت باشا معجب بيكي أوي يا زيزي وكان عايز يتعرف عليكي. ده غير أنه جايبلك هدية.
أخرج بهجت من جيب معطفه الجلدي علبة مخملية وبها قلادة ذهبية بها قلب كبير لتلمع عيونها بإعجاب. ليخرج بهجت القلادة من مكانها وأقترب منها وهو يبتسم بأعجاب شديد يحاوط بها عنقها وهمس جوار أذنها: -هتبسط أوي لو شوفتها على رقبتك وأنتِ بترقصي.
وبالفعل غادروا لتستعد هي. وحين صعدت إلى المسرح الذي يتوسط الصالة وعلت الموسيقى لتتمايل بدلالها الأنثوي المميز الذي يجعل عقول جميع من بالمكان أسفل قدميها. يتساقطون من السعادة حين تلقي لهم نظرة، أو تبتسم لهم بدلال. وكان هو يتابع جسدها المغوي وهو يتمايل يمينًا ويسارًا وقلادته تطوق عنقها. كأنها سلسلة من حديد أولها حول رقبته وآخرها بين أصابعه. يحركها كما يشاء ويتحكم بها كما يشاء.
وكان هو يقف في مكانه المعتاد يتابعها وهي ترقص. تتمتع عينيه قليلاً، ويحترق قلبه كثيراً. لكن لا مجال للرجوع الأن. فقد سقطا سويًا في تلك النار ولا سبيل للنجاة. *** تفاجأ أدهم بوقوف عدنان أمامه. شعر بالخوف. لكن ابتسامة عدنان المرتسمة على وجهه جعلته يهدأ ويقول بمشاغبة: -الشركة نورت والله. أخيرًا قررت تشرفنا. إقترب عدنان من مكتب أدهم وهو يقول بمرح: -اه شوفت. لأ وكمان قررت أتعطف عليك وأشتغل معاك. ليضحك أدهم بصوت
عالي وقال ببعض السخرية: -ده كرم كبير أوي منك. بس إيه إللي غير رأيك؟ فاكر لما طلبت منك وكل مرة كنت تقولي أنا راجل رياضي ومليش أنا في شغل المكاتب والشركات وحرقة الدم دي. ف أيه بقى السبب إللي خلاك تغير رأيك؟ جلس عدنان على أحد الكرسيين الموجودين أمام مكتب أدهم ووضع ساق فوق ساق قائلاً بغرور: -صعبت عليا فقولت أرفع عن كاهلك شوية من الحمل التقيل. -كتر خيرك. وشرفت مكانك يا أستاذ عدنان. قال أدهم كلماته وهو يرفع الهاتف
وبعد لحظة واحدة قال: -تعاليلي شوية. أغلق الهاتف حين قال عدنان بمشاغبة: -بس قولي أيه الطفلة إللي بره دي. كانت بتعيط وأنا داخل. أنت شديد أوي مع الموظفين بتوعك يا سيد بيه. كان يقول كلماته وهو يغمز له بمرح. لكن أدهم شعر بالضيق. ما سبب بكائها؟ لكن قطع كل هذا طرقاتها على الباب لحقها دخولها الذي يُدخل السرور إلى قلبه خاصة بابتسامتها الرقيقة والبريئة. لكن الأن هناك تقطيبه حاجبين والإبتسامة مختفية. ماذا حدث لها؟
ولماذا كانت تبكي؟ لكن أجل كل هذا الأن وقال بهدوء: -أنسة سليمة لو سمحتي تجهزي المكتب إللي جمب مكتبي على طول علشان هيبقي مكتب أستاذ عدنان من دلوقتي. -حاضر يا باشمهندس. أي أوامر تانيه؟ -شكرًا. أجابها ببعض الضيق لتغادر هي سريعاً. ليقول عدنان ببعض السخرية: -مالك يا سيد بيه. الآنسة مشيت خلاص. أنت بتبص على إيه؟ نظر إليه أدهم بضيق وقال ببعض القرف: -منور المؤسسة يا عدنان. ليضحك عدنان بصوت عالي وهو يقول: -بيحبني أوي. ***
حين وصلت إلى قصر الخشاب كانت سعيدة والإبتسامة تزين وجهها. ف ما حدث بالحلقة، وما قاله لها مراد من كلمات مدح وتشجيع، واحترامه لرأيها حين اعترضت على فكرة حلقة الغد، وموافقته على اقتراحها جعلها تشعر بقيمتها التي كان عدنان يبخثها كل يوم.
عدنان حبها الكبير وجرحها الأكبر. لا تعرف كيف تتصرف الأن معه وبأي طريق عليها أن تسير حتى تصل إلى قلبه التي تعرفه جيداً قادر على التلون كما يريد صاحبه. هزت رأسها يمينًا ويسارًا علها تخرجه من رأسها وتتوقف عن التفكير فيه. وقبل أن تبحث عن شيء آخر تفكر فيه كانت تقف أمام جدتها التي تفتح لها ذراعيها وإبتسامة سعادة تزين ثغرها ونظرة فخر تلمع داخل عيونه. لترتمي بين ذراعيها حين قالت شكران: -مبارك يا ظلال. مبارك يا حبيبتي.
أبتعدت ظلال قليلاً عن حضن جدتها وقالت بابتسامة واسعة: -الحلقة كانت حلوة بجد يا نناه؟ -الحلقة كانت حلوة وموضوعها مميز وأنتِ كنت ممتازة يا ظلال. حضور مميز وأسلوب راقي في الحديث حتى ضحكتك كانت تخطف القلب. أجابتها شكران بتوضيح وتفسير لتتلون وجنتيها بألوان السعادة والخجل. لكن قلبها الخائن كان يبحث عنه. يريد أن يرى نجاحها داخل عينيه. لتقول شكران بلوم:
-خرج بعد الحلقة ما خلصت وقال عنده معاد مع صديقة وبعدين هيروح على المؤسسة. إبتلعت تلك الغصة المؤلمة وهي تقول بابتسامة مجروحة: -وأخيرًا قرر يروح الشركة. كويس والله. ثم اعتدلت واقفة وهي تقول بهدوء قدر استطاعتها وبتحكم كبير في دموعها التي توخز عيونها: -هطلع أنام شوية لأني منمتش من إمبارح بسبب التوتر والقلق. أومأت شكران بنعم لتغادر ظلال سريعاً قبل أن تخونها دموعها. لتتنهد شكران بحزن. لكن لا تعلم ماذا عليها أن تفعل؟
أو كيف تريح قلب صغيرتها؟ *** لم يستطع التحمل أكثر من ذلك. ف بعد ذهاب عدنان إلى مكتبه حاول أن يشغل عقله عن كلمات عدنان كونها كانت تبكي. لكن ألم قلبه لم يعد يحتمل. غادر مكتبه ليجدها تجلس خلف مكتبها تعمل بتركيز كامل وهي تكتب بعض الأشياء على الكمبيوتر. ظل واقف عند باب مكتبه يتابعها بتركيز حتى رفعت عيونها إليه ليقول مباشرة: -بلاش تقربي أوي من شاشة الكمبيوتر كده علشان عينيكي.
لترتبك قليلاً وهي ترى نظرة عينيه التي تعرفها جيداً منذ أول لحظة لها في ذلك العمل. وكذلك شعرت ببعض الخجل بسبب اهتمامه بها. إقترب من مكتبها وهو يقول: -في حاجة مزعلاكي أو مضيقاكي يا سليمة هانم؟ زاد توترها وهي تقف أمامه وشعرت أن لسانها قد عقد ولم تعد تستطيع الرد أمام تحولاته الغريبة. وزاد هو الأمر وجعله أصعب حين قال بابتسامة حانية: -أوعي أكون أنا سبب زعلك. صحيح أنا مدير صعب شوية لكن أكيد ميهونش عليا زعلك ودموعك.
-هو أنت عرفت منين إني كنت بعيط؟ قالت باندهاش وقلق ليقرب وجهه من وجهها وقال بصوت هامس: -أصلي مخاوي. لتتراجع إلى الخلف بخوف وقالت بهمس سمعه بوضوح ورسم القلق على وجهه مختلط بضيق: -علشان كده بيتحول. يبقي إللي لابسه ساعات بيتحكم فيه. بسم الله. إنصرف. لم يعلق على كلماتها. لكنه تركها وعاد إلى غرفته بحال غير الحال. إن حالته أصبحت واضحة حتى أن سكرتيرته الخاصة لاحظتها. وماذا بعد؟ هل سينتظر حتى يعرف الجميع؟ مؤكد لا.
أخذ سترته وغادر المكتب دون كلمة أخرى متوجهًا لعيادة عبد الله عله يجد الحل. *** بداخل شقة مراد التي تطل على النيل مباشرة. رغم أنه لا يجلس في الشرفة أبداً بسبب أنه مصاب برهاب الأدوار المرتفعة. ورغم ذلك حين اشترى تلك الشقة كان لديه إصرار رهيب على أن تكون في دور مرتفع وكأنه يريد أن يعذب نفسه. دلف إلى غرفته بعد أن تناول شطيرة صغيرة وكوب قهوة داخل المطبخ. وغسل الصحن والكوب.
بدأ في تبديل ملابسه ووضعها بأكملها في سلة الغسيل. فهو لا يستطيع ارتداء نفس الملابس مرتين. لابد أن تغسل وتكوى جيداً وتعقم أيضاً. دلف إلى الحمام غسل يديه ووجهه وأسنانه وتوجه مباشرة إلى السرير بعد أن أعاد ترتيب الحمام وكل الأشياء التي استخدمها. ومن عادته أنه حين يضع رأسه على الوسادة يغمض عينيه وفي ثواني قليلة يكون قد استسلم لسلطان النوم. لكن اليوم.
ضحكتها ومرحها يشغلون عقله. لذلك لم يستطع النوم بشكل سريع. لكن الإرهاق وقلة النوم التي أصبحت تصيبه كثيراً ليلاً جعلت جفنيه يثقلان. ولكن قبل أن يستلسم للنوم همس لنفسه بأسمها: -ظلال. *** عادت سليمة إلى البيت والحيرة تحرق قلبها وعقلها. ماذا يحدث معه؟ كيف يتبدل حاله بتلك الطريقة؟ هل هو حقاً "ملبوس" أو كما قال "مخاوي"؟ أم هذا طبعه الحقيقي؟ شخص عابث ويتخفى خلف وقار زائف. وهدوء غادر.
كيف هذا هو في معظم أوقاته هادي الطباع، لين الحديث، وقور ويضع حدود في التعامل؟ أن هذا الرجل به شيء غريب. تشعر بالخوف والفضول. ولكنها لا تعرف ماذا عليها أن تفعل الأن؟ هل تترك العمل وترحل؟ ولكنها لا تريد. وتلك الإجابة وكونها لا تريد تزيد من خوفها وتوترها. أقتربت من والدها وجلست بجانبه ليقول والدها دون أن ينظر إليها: -قولي كل إللي بتفكري فيه زي ما أنتِ حاسه بيه.
أقتربت منه أكثر وبدأت تقص عليه كل ما حدث معها. وكل أفكارها. وكان هو يستمع إليها بتركيز شديد ثم قال: -وأنتِ عايزة إيه؟ -أنا خايفة. لكن مش عايزة أبعد. عايزة أعرف. لكن قلقانة من المعرفة دي. أجابت والدها بصدق ليقول هو بعد أن تلاقت نظراتهم: -خلي بالك الفضول قتل القطة. لكن كمان الجهل بالحقايق ظلم ليكِ وليه. صمت لثواني ثم قال بإقرار:
-إستمري في شغلك. لكن كمان خلي بالك وخليكي حريصة في كل تصرف. وكمان عرفيني كل حاجة بتحصل معاكي أول بأول. أومأت بنعم. ليربت على كتفها بتشجيع. حين دلفت والدتها وهي تقول ببعض العصبية: -إنتوا في بينكم أسرار أنا معرفهاش. أبوكي بس هو إللي تحكيله. لكن أنا لأ صح؟ لتقترب منها سليمة وهي تقول بمهادنة: -أنتِ الخير والبركة يا ست الكل. هو إحنا نقدر يكون في بينا أسرار من غيرك. -جايلك عريس؟
سألتها والدتها بترقب لتهز سليمة رأسها بلا وقالت بتوضيح بسيط يرضي والدتها ولا يكشف شيء مما تعانيه: -مديري صعب شوية. وكنت بفضفض لبابا. -لو مش مريحك سيبي الشغل. راحتك أهم. قالت والدتها بصدق لتقبل سليمة يدها وهي تقول بحب صادق: -أنا مرتاحة. بس لسه محتاجه أتعود على طبعه. ونظرت لوالدها وقالت بابتسامة صغيرة: -هدخل أنام بقى.
وتوجهت إلى غرفتها ومباشرة إلى الشرفة تنظر إلى الشرفة المجاورة. لكن للأسف وجدتها مغلقة ولا يوجد أثر لصاحبها. *** وصل أدهم إلى عيادة دكتور عبد الله. وحين وصل أدخلته الممرضة مباشرة. فقد كان لديها تعليمات بذلك. جلس أمامه شارد يفكر في كل شيء وكل ما يحدث معه ويسترجع المواقف الغريبة التي يتذكرها ولكنها ضبابية بعض الشيء. قال عبد الله بهدوء اكتسبه من عمله كطبيب نفسي لسنوات:
-أتكلم يا أدهم. قول كل إللي بتفكر فيه. أحكيلي كل التفاصيل إللي أنت فاكرها. رفع أدهم عينيه إلى صديقه وقال ببعض الحزن:
-بعد وفاة بابا حسيت إن دنيتي كلها أنقلبت وبقيت لوحدي. أنا صحيح كنت بشتغل معاه وعارف كل التفاصيل. لكن إني أكون المسؤل الأول وأني لازم أقف قدام المنافسين كان صعب. والحكاية بدأت بعد وفاته على طول. أترميت في النار. حاربت كتير جداً وناس كتير. وكتير وقعت وحسيت أني ضعيف. ضعيف لدرجة أني سهل أي حد يأذيني. وفجأة كل الأمور دي أتحلت. الناس إللي عايزة تأذيني وقعت واحد ورى الثاني. وإشاعات كتير عن أني أنا السبب ورا كل ده. لكن أنا مكنش ليا دخل. أنا معملتش حاجة. لكن مكدبتش الموضوع. قولت خليهم يخافوا مني وأهو السيطرة ولا الغنى. ومن وقتها والكل بقا يعملي حساب ويخاف مني وده أداني قوة وخلاني أقدر أستمر لحد دلوقتي.
صمت لثواني وكان عبد الله يسجل خلفه بعض المعلومات رغم أن هناك جهاز تسجيل يسجل كل ما يقال. أكمل أدهم حديثه: -ومن وقتها بدأت حاجات كتير تحصل معايا. حاجات شبه الحلم كده. بحس أني عملت حاجة لكن أيه هي معرفش. زي مثلًا العلامات إللي كانت على رقبتي. ومن كام يوم عدنان قالي إني شارب وإني كنت في حالة مش طبيعية وهو بيكلمني. والنهاردة السكرتيرة قالتلي إني بتحول. رفع عينيه إلى صديقه وقال بألم: -عبد الله أنا أيه إللي بيحصلي ده؟
إيه إللي بيحصل؟ أنا تعبت. ترك عبد الله القلم وأخذ نفس عميق وقال بهدوء قدر استطاعته: -بص يا أدهم التشخيص الأولي بعد إللي أنت حكيته. وبعد ملاحظتي أنا ليك من فترة. ف أنت مصاب بما يسمى "إضطراب الهوية التفارُقي dissociative identity disorder". إللي كان بيسموه قبل كده إضطراب الشخصية المتعدِّدة. يعني بيبقى فيه إتنين أو أكثر من الهويَّات والشخصيات بالتناوب داخل الشخص نفسه كل واحدة فيهم بتسيطر عليك لفترة.
ممكن للهويات دي أنماط كلامية، ومزاجية، وسلوكية مختلفة عن شخصيتك الحقيقية. وده مثلا يفسر إللي الناس قالته عن كونك أنت إللي أذيت منافسينك. كمان ممكن أنت متقدرش تفتكر المعلومات بسهولة. يعني زي الأحداث مثلًا اليومية أو المعلومات الشخصية المهمة أو الأحداث المؤلمة. ولا تفتكر إللي حصل معاك وقت وجود الشخصية التانية. أتسعت عيني أدهم بصدمة وهو يقول: -أنا عندي إضطراب هوية. أنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!