تقود سيارتها عائدة إلى قصر الخشاب بسعادة والإبتسامة تنير ملامحها الرقيقة. فها هو حلم مستحيل يتحقق. تذكرت ما حدث معها في إذاعة "في السكة".
حين وصلت هناك، كانت سوما تنتظرها عند البوابة الكبيرة. وما لاحظته وأشعرها بالتوتر والقلق، العدد الكبير المتقدم لتلك الوظيفة التي بالنسبة لها ليست مجرد وظيفة، أنها حلم، أو حياة، أو بوابة عبور حتى تصبح شخصية أخرى غير تلك الشخصية التي تدور في فلك عدنان فقط. حتى تستطيع أن تثبت له أنها لم تعد تلك الفتاة الصغيرة التي تتعثر في خطواتها وتمسك بيده حتى لا تسقط، لكنها قد نضجت.
كما قالت لها جدتها من قبل: "أنتِ طوال الوقت قدام عينيه.. شاف شوقك ولهفتك.. عارف إنك مستنياه.. وطول ما أنتِ سهلة ومتاحه وموجودة ديماً.. هيعمل مجهود علشانك ليه". لذلك، وبعد ذلك الألم القوي التي شعرت به وهو يتحدث مع تلك الفتاة، كانت قد أخذت قرارها التي تعلم جيدًا أنها لن تنفذه. لكن القدر أراد أن يعطيها فرصة جديدة. بتلك الوظيفة، عادت إبتسامتها وهي تتذكر تلك المقابلة.
طرقت الباب ودخلت وهي ترفع رأسها بشموخ وإبتسامة ثقة ترتسم على ثغرها، رغم أن جسدها ينتفض بقلق وتوتر وهي ترى أمامها "مراد منير" صاحب الصوت الأشهر بالإذاعة يجلس خلف مكتبه وأمامه أحد مساعديه. أشار لها أن تجلس، لتقترب وتجلس على الكرسي بظهر معتدل وأنف شامخة. نظر إلى الورق أمامه وقال بهدوء: "اسمك ظلال". أومأت بنعم مع إبتسامة رقيقة ليقول من جديد: "ظلال حسام". أومأت من جديد بنعم، ليقول بابتسامة:
"وباقي اسمك فين.. مكتوب الاسم رباعي". خفضت عيونها أرضًا للحظات ثم رفعتها له وقالت بهدوء: "هقول لحضرتك اسمي رباعي بس في آخر كلامنا علشان الاسم ميأثرش على المقابلة لا بالسلب ولا بالإيجاب". اندهش مراد من حديثها، لكنه قال بعد أن حرك رأسه: "مفيش مشكلة.. قوليلي يا ظلال ليه عايزة تشتغلي مذيعة راديو.. أنا شايف أن ملامحك وهيئتك مميزة جدًا وأعتقد إنك على الشاشة هتكوني مميزة جدًا". ابتسمت بسعادة حقيقية وقالت بصدق:
"أنا من صغري بسمع راديو مع جدتي.. واتعلقت بكل تفاصيل الراديو.. عشقت الأصوات وبقيت أقدر أميزها.. إحساس أن حواسي كلها بتتجمع في وداني وأنا بسمع الراديو إحساس عجيب لكن مميز.. وقدرة المذيع أنه يوصل المشاعر بصوته بس للناس دي إمكانيات مقدرش أوصفها.. لكن عارفه إني أملكها". أعجب بإجابتها رغم أنها لم تكن تلك الإجابة النموذجية المتعارف عليها، لكنها لاقت قبول بداخله. فقال بمشاغبة: "حلمك توصلي لفين؟
"أبقى أشهر مذيعة راديو.. ويكون عندي برنامج باسمي.. معاده ثابت والكل بيستناه.. وكمان". صمتت لعدة ثواني ليقول مراد باستفهام: "كمان إيه؟ "لا ده حلم كبير هيفضل جوايا لحد ما أحقق أحلامي الصغيرة". أجابته بابتسامة طفولية، شاركها فيها مراد. وكان المساعد يشعر بالاندهاش من تلك المقابلة، فهي لم تسير كسابقتها. ومراد الذي كان مقطب الجبين جاد الملامح مع كل من سبقوا تلك الفتاة، الآن يبتسم ويشاغب. انتبه المساعد من أفكاره حين قال
مراد ببعض الشر المصطنع: "يعني أحلامك الصغيرة إنك تكوني مكاني؟ "لا يا أستاذ مراد مفيش حد ممكن ياخد مكانك.. أنا عايزة يكون ليا مكان خاص بيا.. مكان لظلال محدش كان فيه قبلي ومحدش ياخده بعدي". أومأ مراد بنعم وإجابتها لمست روحه المحاربة التي ساعدته منذ بدء طريقه حتى أصبح الآن مراد منير أيقونة الراديو المعروفة. عاد مراد ينظر إلى الأوراق وقال بمرح: "طيب يا ظلال المقابلة انتهت.. ممكن أعرف اسمك رباعي بقى".
ظلت تنظر إليه بعيون متوسلة كالأطفال، لكنه ظل ينظر إليها بإصرار. لتقترب بجذعها من المكتب وقالت بهمس: "توعدني أنك لما تعرف اسمي ده ميأثرش في قرارك؟ قطب جبينه بقلق، لكنه رفع أحد حاجبيه وهو يقول: "إنتِ بنت خُط الصعيد ولا إيه؟! لتبتسم وهي تقول برقة: "لأ.. أنا ظلال حسام مصطفى الخشاب". لتجحظ عيون المساعد وهو يحرك عينيه بين مراد وظلال، لكن مراد ابتسم وهو يقول بهدوء متجاهلاً التعقيب عن اسمها:
"تمام يا ظلال حسام هنتصل بيكي نعرفك نتيجة المقابلة". ابتسمت ووقفت وعيونها ثابتة على مراد الذي كان يشبه أبطال الروايات بجسده الرياضي ولحيته التي اختلط سوادها ببعض الشعيرات الفضية كخصلات شعره، و بداخلها يردد: "أربعيني خالط الشيب شعره". لكنها قالت بهدوء وثقة: "أكيد.. أتشرفت بمقابلتك أستاذ مراد والمقابلة دي في حد ذاتها نجاح بالنسبة ليا". وقف مراد ومد يده لها وهو يقول: "الشرف ليا يا أستاذة ظلال حسام".
تأكيده على نطق اسمها واسم والدها فقط متجاهلاً لقب العائلة أسعدها بشدة، لتضع يدها داخل يده في سلام عملي وغادرت وبداخلها طاقة من السعادة لا تستطيع أن تصفها. أخذت صديقتها وأوصلتها إلى منزلها وها هي على وشك الوصول إلى قصر الخشاب. وقبل البوابة بعدة أمتار سمعت صوت هاتفها لتخرجه من حقيبتها. تنظر إلى الرقم غير المسجل ثم أجابت ليصلها صوت رجل يقول:
"آنسة ظلال أستاذ مراد بيبلغ حضرتك إنك أتقبلتي وبكرة تكوني موجودة في الإذاعة الساعة ٦ صباحًا". لتطلق صيحة سعادة وهي تعود لتشغيل سيارتها وتعبر بوابة القصر وإبتسامة واسعة ترتسم على وجهها الجميل. أوقفت السيارة في مكانها وهي تفكر في رد فعل عائلتها على هذا الخبر، خاصة هو. *** طوال الطريق وهي تفكر فيما حدث.
حين كاد مديرها أن يسقط أرضًا، وشعوره بالدوار، ولا تعلم من ذلك الشخص الذي دلف إلى المكتب وأخرجها منه بالأمر بأسلوب فظ وغريب. وكيف سمح أدهم بذلك؟ أدهم.. منذ متى تنطق اسمه دون ألقاب؟ وماذا كانت تنتظر منه بالتحديد؟ أخذت نفس عميق وأخرجته بهدوء تحاول أن تمحي صورة ابتسامته من خيالها، وتلك اللحظة التي لمست فيها يده حتى تدعم وقفته ولا يسقط أرضًا. همست لنفسها بتوبيخ: "إيه إللي جرالك يا سليمة؟
إيه الأفكار الغريبة إللي إنتِ بتفكري فيها دي.. ده بدل ما تستغفري على لمسك لراجل لا يحل ليكي". نظرت إلى النافذة وبدأت في الاستغفار بصوت هامس. حين وصلت إلى البيت، كان عقلها مازال يكرر عليها آخر ما حدث وكيف شعرت بالخوف عليه، وركضت حتى تمسك به قبل سقوطه. لم تدخل لوالدتها بالمطبخ كعادتها ولكن توجهت مباشرة إلى والدها الذي استقبلها بابتسامته الحنونة وهو يقول: "جيتي في وقتك.. أمك عاملة لينا عشا ملوكي النهاردة".
لم تتجاوب مع مزاح والدها وهي تجلس بجانبه ليسأل بقلق: "مالك يا سليمة؟ رفعت عيونها إليه ودون أن يسأل من جديد أخبرته بكل شيء وإحساسها بالذنب من لمسها له، وحديث ذلك الشخص التي لم تعرف من هو، ونظراته التي أشعرتها بالدونية. وحين انتهت كانت عيونها معلقة بوالدها تنتظر كلماته بخوف وترقب. ورغم شعوره بالضيق إلا أنه قال:
"طبعًا لازم تستغفري كتير.. صحيح إنتِ كان قصدك خير لكن.. إنتِ عارفه أنه يحرم على المرأة أن تصافح الرجال الأجانب، بدليل حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ) علشان كده لازم تستغفري كتير وتوبي عن الذنب ده ومتكرريهوش تاني".
أومأت بنعم والحزن يرتسم على ملامحها الرقيقة ليقول والدها ببعض المرح حتى يخرجها من تلك الحالة: "يلا قومي غيري هدومك بسرعة وصلي المغرب.. علشان تلحقي العشا الملوكي". أومأت بنعم ووقفت حتى تتوجه إلى غرفتها ولكنها وقفت في منتصف الطريق وقالت له: "هو أنت زعلان مني؟ هز رأسه بلا وإبتسامة صغيرة تزين شفتيه لتبتسم بخجل وهي تقول بصدق: "شكرًا يا بابا".
دخلت غرفتها وأغلقت الباب ليأخذ نفس عميق وهو يدعوا الله لها بالصلاح والهداية وراحة البال. *** يجلس في مطبخ شقته يتناول شطيرة من البيض والجبن، وكوب قهوة ذات رائحة مميزة، وبين يديه سيجارة لكنها من نوع خاص جدًا. سيجارة يحرقها كما يحرق أيامه وليالي عمره دون هدف أو حلم أو سبب وجيه، هو حي فقط.
يعيش يومه كما يحلو له، يخرج، يجلس على المقهى، يقابل صديقاته المتنوعات يعبث معهم قليلًا، ثم يعود إلى شقته الخالية تقريبًا إلا من غرفة نوم، وذلك المطبخ المتكامل، والشرفة التي اهتم بها أكثر من اهتمامه بباقي الشقة.
انتهى من تناول طعامه، وقف يضع الصحن وكوب القهوة في المغسلة، ثم أخرج زجاجة خضراء اللون من الثلاجة وتوجه إلى مكانه المفضل، الشرفة. نستطيع أن نقول أنها خلوته الخاصة، خاصة وهي مغلقة بخشب الأرابيسك فتوفر له بعض الخصوصية وهذا أكثر شيء لفت انتباهه بالشقة حين قام باستئجارها.
جلس على أحد الكراسي ومدد قدمه على الآخر رافعًا رأسه إلى السماء يتأمل نجومها اللامعة، وبين شفتيه سيجارته المميزة وبيده تلك الزجاجة وبدأ في الغناء بصوت منخفض. لفت نظر تلك التي تقف في شرفتها تفكر في كل ما حدث معها خلال الأيام الماضية. ابتسمت برقة فصوته ليس جيد لكنه له نبرة مميزة، ويعلم اللحن جيدًا فكل ما يصدر منه مقبول.
أطلت برأسها عبر الحائط الفاصل بينهم لكنها لم تتمكن من رؤية شيء بسبب ذلك الشباك الذي يحاوط سور الشرفة، لكنها كانت تحاول أن تتذكر متى سكن هذا الشخص هنا؟ هي لم تراه أو تصادفه على السلم يومًا، وهذه المرة الأولى التي تصادف أن تراه في شرفة شقته، لكن صوته حقًا سيء، لكن ويالا الغرابة لا تريده أن يتوقف عن الغناء.
انتهى هو من سيجارته وألقاها بإهمال على الأرض وعيونه معلقة بالسماء. أخذ رشفة من الزجاجة ثم عاد ليغني باستمتاع. رسم البسمة على وجهها وأنسها ما كان يحيرها. ***
ظل يضرب كيس الملاكمة بقوة وعنف بداخل صالة الألعاب الذي أنشأها أدهم منذ سنوات داخل قصر الخشاب حتى توفر لهم جميعًا الخصوصية والراحة وزودها بكل شيء، الآلات الرياضية وأثقال، ومسبح كبير وبها أيضًا مكان لألعاب الفيديو الحديثة ومزودة بنظام موسيقى عالي الجودة. واعتاد هو اللعب فيها كل يوم حتى يحافظ على لياقته ومستواه الرياضي، لكن اليوم مختلف، فبداخله غضب لا يفهم سببه ويريد أن يخرج كل هذا الغضب في شيء ما، لكن هو لا يفهم سبب غضبه. فهل أصبح لديه من الغرور ما يجعله يحزن حين تتجاهله ظلال؟
أليس هذا ما كان يسعى إليه؟ كان يقوم بكل ما يجرح كبرياءها، ويعذبها حتى تبتعد عنه، تترك حبال حبه الذائبة وتلتفت إلى نفسها وحياتها؟ لما الآن يشعر بالغضب؟ لما يشعر بنيران حارقة تلتهم أحشائه؟ ولما يشعر بهذا الألم داخل قلبه؟ ضرب الكيس لمرة أخيرة ووقف يلهث بقوة، لم يعد لديه القوة ليظل واقفًا فتمدد أرضًا وأغلق عينيه بقوة. والسؤال الأهم يطرق رأسه ويزيد ألم قلبه، ماذا سيحدث إذا قُوبلت ظلال في ذلك العمل؟ وكيف سيتحمل هو ذلك؟
وصل إليه صوت البوابة الإلكترونية وهي تفتح، وصوت سيارتها تقترب من الجراج القريب من صالة الألعاب. اعتدل جالسًا وبداخله قد انقسم إلى نصفين، نصف يريد الركض إليها ومعرفة ما حدث، والنصف الثاني يكابر ويرفض التحرك من مكانه، لكن قلبه كان في مكان آخر بعيد عن كلا النصفين، كان يريد أن يركض إليها يضمها إليه، يخبئها بداخله، يغلق عليها عظام صدره فلا يراها سواه.
وتغلب قلبه على عقله ونصفه المغرور وتحرك يغادر صالة الألعاب غير عابئ بمظهره غير المرتب، وشعره المشعث ولا حتى قطرات العرق التي تكسو جسده. دخل إلى القصر ليجدها تجلس هناك أمام الجدة شكران تقص عليها كل ما حدث معها بسعادة كبيرة. وحين وقعت عيونها عليه، أهدته أجمل ابتسامة قد تراها عينيه. ولم تكن بخيلة معه بل اقتربت منه وهي تقول بسعادة طفل قرر والده أن يجعله يلعب ويعبث في كل شيء دون قيود:
"تخيل يا عدنان من بكرة هشتغل مع مراد منير في الراديو.. من بكرة هبدأ أحقق حلمي". لم يستطع قول شيء. مراد منير، ذلك المذيع صاحب الصوت المميز، والهيئة الأكثر تميزًا، سوف تعمل معه ظلال.. كيف يتحمل؟ لكنها لم تهتم لصمته، وعادت إلى مكان جلوس شكران وقالت: "أحلى حاجة يا نانا أن اسم الخشاب مكنش له علاقة نهائي.. أنا قولته بس أن اسمي ظلال حسام". وقفزت في الهواء وهي تقول بمرح وانطلاق: "هبقى مذيعة راديو.. هبقى مذيعة راديو".
"بس أنا مش موافق". قالها عدنان بغضب، لتقف ظلال مكانها تنظر إليه بصدمة، واختفت الابتسامة من فوق وجه شكران التي كانت تتابع حركات ظلال بسعادة. اقترب بضع خطوات وقال من جديد: "أنا مش موافق على شغلك ده.. وخصوصًا مع إللي اسمه مراد منير ده". شعرت شكران بالغضب من عدنان والخوف من تراجع ظلال، لكنها ابتسمت حين سمعتها تقول: "وأنت مالك أصلًا توافق أو ترفض بصفة إيه؟ أخويا وموافق وجدتي كمان.. أنت بقى علاقتك إيه بالموضوع؟
برزت عروق عنقه من شدة غضبه، وقال بصوت عالي: "أنا ابن عمك.. وأكيد ليا رأي في موضوع شغلك.. وأنا شايف أنه مش مناسب خالص". ظلت واقفة في مكانها أمام جدتها لكنها عقدت ذراعيها حول صدرها وقالت بهدوء زاد من اشتعال غضبه: "صحيح ابن عمي، لكن مش ولي أمري، يعني رأيك مش شرط ناخد بيه.. أبيه أدهم موافق وبيشجعني ونانا كمان.. يبقى رأيك مش مهم بالنسبة ليا".
ثم نظرت إلى شكران وقالت بابتسامة حلوة خطفت أنفاس ذلك المغرور الذي يلتهم كل أنثى بعينيه رغم غضبه وأعصابه التي على وشك الانفلات: "هطلع أنام بقى علشان هصحى بدري.. المفروض أكون في الإذاعة الساعة ٦". وقبلت وجنة جدتها وركضت إلى الأعلى وهي تردد: "هبقى مذيعة راديو.. هبقى مذيعة راديو".
لينظر عدنان لوجه جدته التي تنظر إليه بلوم، فشعر بنار تشتعل من جديد بداخل قلبه ليغادر القصر عائدًا إلى صالة الألعاب حتى يلكم ذلك الكيس عله يهدأ. *** يسير بغضب متوجهًا لصالة الألعاب لكنه توقف في مكانه بصدمة وهو يرى أدهم يجلس داخل سيارته يستند برأسه على المقود. شعر بالخوف وركض في اتجاهه، عينيه تحمل الكثير من القلق. فتح باب السيارة ليزداد خوفه، فأدهم لم يتحرك أو ينظر إليه.
ربت على كتفه برفق وهو ينادي باسمه لكنه لم يجيب. دفع جسده برفق إلى الخلف ليجد أدهم ينظر إليه بابتسامة عابثة لم يراها من قبل ترتسم على وجه ابن عمه الأكبر فقال بقلق: "مالك يا أدهم؟ أنت تعبان؟ ظل أدهم ينظر إليه بنفس الإبتسامة لعدة ثواني ثم قال: "عايز أخرج من العربية". اعتدل عدنان سريعًا وأمسك بيد أدهم الذي ظل جالسًا في مكانه ولم يتحرك ليقول عدنان ببعض الضيق: "نزل رجلك يا أدهم". "رجل؟ ردد خلفه باندهاش ثم ضحك وهو يقول:
"أيوه صح إزاي نسيت". ثم أخرج ساقه من السيارة ولحقها بالأخرى، لكنه ظل جالسًا ليترك عدنان يده وهو يقول بغضب حقيقي: "إنت شارب يا أدهم؟ رفع أدهم عينيه إلى عين ابن عمه الذي شعر أنه ينظر إلى شخص آخر، شخص عابث تفوح منه رائحة الخمر، وتنتشر فوق عنقه علامات تدل على كونه كان مع أحد الفتيات العابثات. من هذا؟ ومتى كان أدهم بتلك الأخلاق؟ لكن أدهم اعتدل واقفًا أمام عدنان وقال بجدية عكس ما كان يتحدث به منذ لحظات:
"في إيه يا عدنان واقف كده ليه؟ أنت كويس يا ابني؟ تراجع عدنان للخلف وهو يقول باندهاش: "أنا.. أنت إللي كويس يا أدهم؟ ومن أمتى وأنت بتشرب؟ "أشرب.. أنا عمري ما شربت وأنت عارف كده كويس". قال أدهم ببعض العصبية، ليقول عدنان بعصبية مشابهة: "ريحتك فايحة.. وبعدين إيه العلامات إللي على رقبتك دي؟ رفع أدهم يديه يتحسس عنقه وقال بصدق: "مش عارف.. صحيت الصبح لقيتها موجودة".
شعر عدنان بالاندهاش من كلام ابن عمه لكنه لم يعلق، لكن ظل السؤال يدور برأسه. ماذا يحدث مع أدهم؟ أنه لا يفهم لكنه رأى حالة أدهم منذ قليل بنفسه، فكيف يتجاهل كل هذا؟ لكن أدهم تحرك من أمامه متوجهًا إلى باب القصر الداخلي ليوقفه عدنان من جديد وهو يقول: "إنت صحيح موافق على شغل ظلال مع مراد منير في الإذاعة؟ نظر له أدهم بهدوء وقال باستفهام: "هو أنت معترض؟! أجاب عدنان بعصبية وغضب كبير: "طبعًا.. إزاي توافق يا أدهم؟
ده مجال صعب ومنعرفش مراد ده إيه أخلاقه إيه؟ قاطعه أدهم وهو يقول بصرامة: "أيًا كانت أخلاقه إيه إحنا عارفين أخلاق ظلال كويس.. وبعدين ده المجال إللي نفسها تشتغل فيه وحلمها من صغرها.. إزاي أقتل الحلم ده وهو ممكن يتحقق دلوقتي". وتحرك خطوة واحدة مبتعدًا لكنه وقف من جديد وقال ببعض اللؤم:
"وبصراحة دي فرصة عشان ظلال تخرج من الشرنقة إللي كانت حابسة نفسها فيها ومعناك حارس للشرنقة دي.. أهو أنت تتحرر منها وتعيش بحريتك وهي كمان تتفطم منك وتشوف حياة تانية بعيد عنك ومع حد غيرك". ابتسم وهو يرفع له يده بتحية وغادر تاركًا خلفه رجل صفع على وجه، صفع بنفس الصفعة التي كان يصفعها لها كل ليلة وهو يراها تتلصص لكي تراه وهو يؤلمها بحديثه مع غيرها. ***
حين أغلق الباب حمد الله أنه استطاع أن يصل إلى غرفته قبل أن يقابل جدته، فهناك رائحة كريهة تفوح من جسده بالفعل، ولا يعرف مصدرها. أغلق باب الغرفة بالمفتاح وتوجه مباشرة إلى الحمام خلع عنه ملابسه ووقف تحت المياه يحاول تذكر ما حدث، وكيف وصل إلى هنا. آخر ما يذكره حديثه مع سليمة قبل أن يغادر المكتب، لكن ما حدث بعد ذلك لا يتذكره ولا يعرف سبب تلك الرائحة وكيف وصل إلى القصر من الأساس.
خرج من الحمام يحيط جسده بمنشفة كبيرة. عقله لا يعي ما يحدث معه. انتبه لصوت هاتفه ليجده عبد الله. أجابه ببعض الضيق: "أيوه يا عبد الله". "إنت كويس يا أدهم؟ إنت فين؟ سأله عبد الله بلهفة وقلق واضح، ليقطب أدهم حاجبيه وهو يقول: "أيوه.. إيه إللي حصل لكل القلق ده؟ نفخ عبد الله الهواء ببعض الراحة ثم قال بعصبية: "إنت لازم تجيلي يا أدهم.. لازم يا أدهم إللي بيحصل ده خطر ومينفعش نتأخر.. حياتك في خطر".
سمع كلمات صديقه وطبيبه وعقله يضرب بقوة، صداع قوي وألم لا يحتمل، ليسقط الهاتف من يده، وترنح هو في مكانه ثم سقط مغشي عليه. *** ارتدت ملابسها وفوقها العباءة، ومرت على غرفة والدها وألقت عليه نظرة سريعة عليه لتتأكد من أنه نائم ثم أغلقت باب غرفته ومباشرة غادرت المنزل. لكن سقط قلبها أسفل قدميها حين قابلت حنان أمام باب البيت تبتسم لها بسماجة وهي تقول: "إيه ده أنتِ رايحة فين دلوقتي يا زيزي؟! ده أنا كنت جاية أسهر معاكي شوية".
تلونت وجنتا زيزي بجميع ألوان الطيف حيث شحب وجهها وتحول إلى الأصفر، ثم إلى الأحمر وهي تقول بصوت مرتعش: "معلش يا حنان أصل الحقنة بتاعة أبويا خلصت ولازم ياخدها والصيدلية هنا قفلت ف لازم أطلع للصيدلية إللي في أول الشارع الحق أجيبها قبل ما يقفلوا هما كمان". لوت حنان فمها بامتعاض وقالت من بين أسنانها: "ومالو يا حبيبتي أبقى أجيلك في وقت تاني".
وغادرت دون كلمة أخرى. ظلت زيزي تتابعها بعيونها حتى تأكدت من دخولها إلى بيتها وإغلاقها للبوابة لتركض في اتجاه الطريق الطويل الذي يصل إلى خارج الحارة حيث ينتظرها بيبرس. قلبها يكاد يغادر جسدها بسبب دقاته المتلاحقة من كثرة الخوف حتى صعدت إلى السيارة وجلست وهي تضع يدها فوق خافقها وأنفاسها تكاد يسمعها المارين بالشارع بسبب سرعتها وعلوها ليقول باستفهام: "مالك يا ست زيزي؟!
لتقص عليه ما حدث، ليقطب جبينه بضيق ولم يعقب. ولم تنتظر هي رد على كلماتها، كانت تعلم أنها تغامر بكل شيء حين قررت العمل كراقصة. أغمضت عينيها حين تحرك بالسيارة وانحدرت دموعها مختلطة بكحل عينيها ليشوه وجهها الجميل. *** انتهت من زينتها حين دلف ترتر إلى الغرفة يقول بطريقته الخاصة في الحديث: "الجوكر عايزك يا ست الكل قبل ما تطلعي على الاستيدج". قطبت جبينها بخوف وحيرة، وقالت بصوت مرتعش: "هو سي بيبرس فين؟
اقترب ترتر من مكان جلوسها، وجلس على إحدى ركبتيه وقال: "إنسي بيبرس.. وركزي مع الجوكر هو مفتاح النجاح.. بإشارة من إيده يطلعك السما وبإشارة تلاقي نفسك في الشارع وأنتِ عارفه بقى واحدة زيك يا ست الكل لو بقت في الشارع إيه إللي ممكن يحصلها".
قال آخر كلماته بتحذير، وبطريقة جعلت جسدها يرتعش خوفًا من التخيل فقط، وبأقدام من هلام وقفت ليقف هو الآخر وتحرك يتمايل بخصره حتى يفتح لها الباب لتسير بخطوات متعثرة ليحثها على التحرك قائلًا: "يلا يا ست الكل معاد فقرتك قرب". تحركت بخطوات خالية من الروح، خوف يلاحقه خوف، تنازل يليه تنازل، صوت صرخات متتالية داخلها تطلب منها بل تتوسلها أن تركض خارج هذا المكان وأن لا تعود من جديد، لكن كيف؟ وإلى أين؟ لا مفر.
طرقت على باب غرفة الجوكر ثم فتحت الباب بيد مرتعشة، وبدل من أن تتقدم إلى داخل الغرفة رجعت إلى الخلف حين قال هو بترحيب: "آهلًا آهلًا بنجمتنا المتألقة.. أهلًا باللي أبواب السما انفتحت قدامها وبتقولها خطي". ظلت صامتة تنظر إليه بعيون مرتعشة وجسد متجمد، لكنه لم يرحمها وأقترب منها وهو يكمل كلماته:
"الناس كلها هتتجنن عليكي.. الجمال الرباني ده.. والخجل المرسوم على ملامحك مجنن الكل.. وأنا بحب نظام شوق ولا تدوق.. لأنه بيخرج كل الفلوس إللي في جيوبهم". لم تعلق على كلماته لكنها استجابت ليده التي تسحبها إلى داخل الغرفة وعينيه تتجرأ على مفاتنها بنظرات خبير ويده التي بدأت ترسم جسدها دون أن يلمسها مصاحبة لكلماته الجريئة: "جسمك زي الكرباج.. ومفاتنك قتالة.. وعيونك دباحة.. يبقى إزاي مش عايزاهم يتجننوا عليكي". أخيرًا وجدت
صوتها لتقول بنبره مرتعشة: "هو أنت كنت عايزني في إيه؟! ليرفع أصبعه أمام وجهها وكأنه قد تذكر السبب الحقيقي في طلب حضورها له. تحرك في اتجاه مكتبه وأمسك رزمه ماليه ومد يده في اتجاهها وهو يقول: "ده حقك في النقطة بتاعة امبارح.. أنتِ خلصتي فقرتك وروحتي جري ملحقتش أديكي نصيبك". نظرت إلى المال بين يديه غير مصدقة هل كسبت هذا المبلغ الكبير في ليلة واحدة؟
إن تلك الأوراق المالية الكثيرة ومن فئة العملة الكبيرة، جزء من حقها في نصف ساعة فقط. رفعت يدها تمسك بالمال ليتركه لها وهو يتابع لمعان عيونها، وصدمتها، ولعابها الذي سال على المال، ليقول بلؤم: "من النهاردة هتعملي ثلاث فقرات.. وشوفي بقى هتكسبي قد إيه؟! رفعت عيونها إليه بابتسامة بلهاء وأومأت بنعم ليشير هو إلى ترتر وقال: "شوف شغلك". ليقترب منها ترتر وهو يقول بدلال مستفز: "يلا يا ست الناس عندنا شغل".
تومأ مرة أخرى بنعم وسارت خلفه، وهي لا تعرف أن أول خطوات سقوطها كانت دخولها هذا المكان، ولن تتوقف عن السقوط أبدًا. يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!