"تليفونك لية يا ظلال؟! كانت تجلس أمامه بكبريائها الذي هو جزء من شخصيتها، تضع قدم فوق الأخرى، تنظر إليه بثقة وقوة. ابتسمت بدلال حين سألها ذلك السؤال بلهفة وقلق واضح. "كنت عايزاك تاخد قرارك بهدوء ومن غير... "من غير إيه وقرار إيه أصلًا يا ظلال؟! قاطعها بعصبية واضحة، ثم اقترب منها قليلًا وقال بصدق: "انا مش مستعد اخسرك يا ظلال، ولو في المقابل اني ارمي كل تاريخي ورا ظهري… مستعد أسيب البرنامج كله ليكي و…" رفعت يدها حتى
تسكت كلماته وقالت باندهاش: "ايه اللي أنت بتقوله ده؟ انا مش فاهمة حاجة يا مراد… ليه بتقول كده؟ ومين قالك اني لو حتى سيبت البرنامج في يوم إنك هتخسرني كفانز ليك او كصديقة حتى؟ "بجد يا ظلال بجد؟ "عمري ما هخسرك؟ أومأت بنعم ليكمل كلماته برجاء واضح: "حتى لو قولتلك إني بحبك…"
تختفي ابتسامتها تدريجيًا، وظهرت الصدمة على ملامحها. صحيح هي ترى اهتمامه بها، تشعر أن هناك شعور ما بداخله لها، لكن في أقصى خيالها لم تتصور أن يقولها لها بتلك الطريقة. ظلت صامتة تنظر له بعدم استيعاب، ليهمس باسمها راجيًا: "ظلال…"
رمشت عدة مرات، ولكن قبل أن تقول أي شيء، وجدت أدهم يركض من باب القصر في اتجاه سيارته وهو ينادي بصوت عالٍ على أمن البوابة أن يفتحها. لتركض إليه بخوف وخلفها مراد، لكن قبل أن تصل له كان انطلق بالسيارة بسرعة جنونية. لتنظر إلى شُكران التي تقف عند الباب تبكي بقهر. التفتت إلى مراد الذي قال لها بأمر وهو يشير إلى سيارته: "اركبى خلينا نلحقه…"
لتصعد إلى جواره، قلبها يضرب بقوة داخل صدرها من الخوف. كان مراد يشعر بها، لذلك ضغط على مبدل السرعة بكل قوته لتتحرك السيارة بسرعة مغادرة القصر حتى يلحق بأدهم. -كان الجميع ينظر إلى جسدها الممدد أرضًا، وذلك الوحش الضخم الجاثي بجانبها يحاول إفاقتها بخوف وهلع لا يفهمه أي من الواقفين. لكنها وكأنها ترفض تمامًا العودة إلى الحياة. أغلقت عينيها ترفض أن تفتحها من جديد. نظر إلى تجمع الناس من حوله وقال بصوت عالٍ:
"حد يجيب ماية ولا برفان ولا أي حاجة علشان أفوقها…" اقتربت إحدى النساء وبين يدها بصلة، تنظر إليه بنصف عين وتلوي فمها بعدم رضا. وضعت على أنف زيزي، لا لم تقربها، بل وضعتها بقوة على أنفها حتى كادت أن تضعها داخل أنفها بالقوة. لتشهق زيزي بقوة وظلت تسعل، ليضمها بييرس إلى صدره ببعض الراحة، وحتى يبعدها عن يد تلك السيدة.
حين فتحت عيونها، عاد لها خوفها من جديد، وارتعش جسدها في انتظار لحظة الرجم. كان لا يفهم ماذا أصابها، لكنه يدرك أن ما يحدث حولهم هو ما كانت تخشاه أن يلاحظ الناس علاقتهما. قطع أفكاره حين قال أحد رجال الحي بصوت قوي: "أنت وهي جاين منين كده؟! احنا عايزين نفهم إيه علاقتك بيها…"
شعر بيبرس بالغضب من السؤال، ومن الأسلوب، وشعر أن هناك شيئًا ما هو لا يفهمه. وخوفه عليها جعل عقله لا يعمل بشكل سليم، لكن من أجلها سيكون قوي كما اعتاد، لا يهمه أحد. ساعد زيزي على النهوض، وجعلها تستند على مقدمة السيارة بعد أن ربت على كتفها بدعم، وأومأ لها بعينيه أن تطمئن. ثم اعتدل في وقفته أمام الرجل الذي تحدث وقال:
"رغم إن سؤالك مش عاجبني… ووقفتك دي كمان مش نازلة لي من زور… لكن هقولك، وده مش عشان أرضيك لا، ده عشانها هي وبس…" وأشار بيده في اتجاه زيزي، وأكمل بهدوء رغم نظراته القوية: "الست زيزي تعبت امبارح… وأنا ساعدتها تروح المستشفى وعملت عملية المصران الأعور، ولسة راجعين من المستشفى دلوقتي…" لتلتفت الجميع إلى حنان التي بهتت ملامحها وانسحب اللون من وجهها، وتحولت لدمية من شمع، لونها أصفر من كثرة الخوف.
خيم الصمت لثوانٍ على الجميع. لكن حاولت حنان أن تتحدث أكثر من مرة حتى وجدت صوتها أخيرًا، فقالت بكلمات متقطعة: "أنت كداب، أنا شفتك امبارح بليل وأنت داخل البيت عندها تتسحب زي الحرامية…" اعتدل بيبرس في اتجاهها، وخطى خطوة واحدة وهو يحرك رقبته يمينًا ويسارًا وهي تصدر ذلك الصوت الذي يجعل الجميع يرتعش خوفًا، حتى أنها كادت أن تفر هاربة من أمامه، لكن قدميها لم تطيعها. لوى فمه إلى الجانب في حركة سريعة، ثم قال من بين أسنانه:
"الأستاذ حليم كان لوحده في الشقة والراجل مريض وبنته في المستشفى طول النهار، جيت بليل أكلته واديت له الدوا ورجعت تاني المستشفى، فضلت قاعد قدام أوضتها لحد ما الدكتور سمح لها بالخروج، وأهو جاين قدامكم…" والتفت ينظر إلى باقي أهل الحي وقال بصوت جهوري: "اللي مش مصدق عنده مستشفى (…)
يروح يسأل فيها ويتأكد… لكن وديني اللي حصل ده ما هيعدي بالساهل يا حارة، عشان مش الست زيزي بت الأستاذ حليم اللي يتشك في أخلاقها وتصرفاتها… ولا أنا الراجل اللي يقف وقفة اللي عامل عاملة دي، وكل واحد قال كلمة هيتحاسب عليها…" وتحرك في اتجاه زيزي حتى يساعدها في الصعود إلى منزلها. لتوقفه إحدى النساء بعد أن لمت شفاهها بتلك الحركة الشعبية الشهيرة، قائلة:
"عنك يا أخويا، ميصحش تطلع معاها فوق… إحنا هنطلعها ونطمن عليها ونساعدها كمان عشان الجرح…" ليرفع بيبرس حاجبه بشر وقال بصوت عالٍ: "وماله، كله بثمنه… ووقت الحساب قرب…" وقبل أن يتحرك أي منهم، دوى صوت طلق ناري. وفي لحظة واحدة كان جسد بيبرس ممددًا أرضًا أسفل قدمي زيزي التي تشعر بالصدمة والخوف، حتى أن عيونها الجاحظة قد تحجرت. لكن شهقات الجميع تصل إليها،
وبعض الكلمات: "اتصلوا بالإسعاف… حد يتصل بالبوليس… شوفوا مين اللي جري ده…" لتنتبه لما هي فيه. الحقيبة.. هاتف بيبرس.. عليها أن تحمي نفسها بما حصل عليه بيبرس، وإلا يقع أي من هذا بين يدي الشرطة أو أهل الحارة. فأقتربت من جسد بيبرس وكأنها تريد أن تطمئن عليه، لكنها وبدون أن ينتبه أحد، مدت يدها داخل جيب سترته وأخذت الهاتف. وعادت تقف جوار السيارة، بعد أن حملت الحقيبة الصغيرة التي تخفي العقود والأموال.
الجميع في حالة صدمة وعدم تصديق. كيف يحدث كل هذا؟ لكن ما حدث كان فرصة جيدة لحنان حتى تهرب من ذلك الموقف المُشين التي وضعت نفسها فيه بسبب رغبتها في كسر أنف زيزي. ها هي من أصبحت الملامة والمخطئة. حضرت سيارة الإسعاف وحملت بيبرس الذي غاب عن الوعي. كانت تود أن تذهب معه، لكن حالتها الصحية.. والأشياء التي بحوزتها ووالدها.. وموقف أهل الحي، كل هذا يمنعها من الذهاب.
حين تحركت سيارة الإسعاف تحمل بيبرس وأحد رجال الحي، ولحقوا بها بعض الشباب والرجال. سمحت لقدميها بالتحرك إلى داخل البيت بصحبة بعض النسوة، الذين لم يتوقفوا عن الثرثرة بكل ما قالته حنان. لكنها كانت في وادٍ آخر، قلقة على بيبرس والخوف الأكبر ممن فعل هذا. مؤكد دورها هو التالي. لم تتحمل الثرثرة، فقالت بهدوء قدر استطاعتها: "البيت بيتكم… لكن أنا بجد تعبانة جدًا ومحتاج إني أرتاح. الجرح شَدّت عليا أوي…"
لتلوي النساء فمها وغادرن الواحدة تلو الأخرى. لتغلق أخيرًا الباب خلفهم وتنفست الصعداء. كل ما تعرفه الآن أن مصدر أمانها قد غُدر به، ومن وقف أمامهم لن يتركه يعيش لحظة وينعم بحياته. وعليها هي الأخرى أن تستعد لتلك اللحظة التي ستكون فيها هي الجسد الممدد أرضًا وقد فارقت الحياة جسدها. لتنحدر الدموع من عيونها دون توقف وهي تقول: "مش مكتوب لك توبة يا زيزي.. خلاص الوحل بقى نصيبك وقدرك…"
-انقلبت السيارة عدة مرات، ومع كل مرة كان يصرخ بصوت عالٍ بكلمة لم تكن واضحة، لكن صدى تلك الكلمة كان يتردد في أركان المكان حتى وصلت لعنان السماء، واستمع لها الطير فوق الأشجار ليترك أعشاشه في فزع وخوف. حين استقرت السيارة أخيرًا، بدأ الناس في التجمع حول السيارة ومحاولة فتحها وإخراجه منها. لكنه وبكل ما يملك من قدرة صرخ بهم: "محدش يلمسني… محدش يلمسني…" ليقول أحد الرجال بشفقة:
"اهدأ يا ابني.. إحنا بس خايفين للعربية تنفجر، خلينا نطلعك…" "محدش يلمسني… أنا كلي بنزف… محدش يلمسني…" عاود عدنان الصراخ رغم ألمه وجروحه المنتشرة، لكن خوفه من أن يصاب أحدهم بذلك المرض اللعين كانت تخيفه لدرجة تجعله يتجاهل آلامه غير المحتملة. سمع صوت سيارة الإسعاف، ليبتعد الناس عن سيارته. وحين اقترب المسعف منه قال عدنان بصوت ضعيف: "أنا عندي الإيدز… محدش يلمسني… محدش يلمسني…"
لتلتقف يد المسعف في الهواء، وتبادل هو وزميله النظرات المشفقة على ذلك الشاب. ثم بدأوا في إخراجه من السيارة. ليردد عدنان بألم: "سيبوني أموت، مش عايز حد يتعدي مني…" ليقول المسعف موضحًا: "متقلقش، إحنا لابسين جوانتي… والكمامات كمان وعارفين إحنا بنعمل إيه، اهدأ…"
وحمله على السرير النقال ووضعه بالسيارة. وظل أحدهم جوار السيارة حتى لا يقترب أي شخص منها، وحتى يخبر الشرطة بالأمر. فلابد من تحذير الجميع حتى لا يتعامل أي شخص مع دماء المصاب دون حذر وتنتقل له العدوى.
كان مغمض العينين يشعر بما يقوم به المسعف، لكن عقله لا يفكر سوى في كون سره قد انكشف. ها هي الفضيحة قادمة لا محالة. عدنان الخشاب، ابن عائلة الخشاب الشهيرة، بطل الملاكمة، الدنجوان الذي لا يهتم لأحد، حبيب الفتيات مريض بالإيدز. يعلم جيدًا إذا انتشر الخبر ما سيقال عنه، سوف يفضح أمره.
ليردد قلبه بلا توقف: "اللهم استرني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك". يعلم ما يحدث معه هو ثمن ما قام به من كبائر، ويعلم أن عقاب الدنيا لا يساوي شيئًا أمام عقاب الآخرة. حين وصل إلى المستشفى، كان المسعف يمنع أي شخص من الاقتراب منه متحتجًا بكونه به الكثير من الكسور. ورغم أن هذا سلوك غريب، إلا أن الجميع انصاع له.
حتى وصل إلى الغرفة المخصصة للكشف والمعاينة. همس للطبيب بسر عدنان ليشعر بالصدمة والحيرة، لكنه طلب من جميع من في الغرفة الخروج إلا واحدة فقط من الممرضات. طلب منها التعقيم جيدًا وارتداء القفازات وأيضًا قناع الوجه، وبدأ في معاينة عدنان الذي غاب عن الوعي بعد أن شعر أنه بين يدٍ أمينة.
وفي مكان الحادث، لم يتوقف رنين هاتف عدنان ولو لحظة. ليجيب المسعف عليه عن طريق مكبر الصوت. أخبر من يلح في الاتصال أن صاحب الهاتف أصيب في حادث ونقل إلى مستشفى (…) -وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى وتم أخذ بيبرس مباشرة إلى غرفة العمليات وسط قلق الجميع. لكن وكأنها كانت فرصة لرجال الحي حتى يتأكدوا من حديث بيبرس. ويا خوفهم إذًا كان حقيقيًا. والخوف الأكبر من انتقام بيبرس وما سيقوم به ذلك الضخم فيهم ردًا على اتهامهم.
ذهبوا جميعًا إلى استقبال المستشفى، لكن تقدم أحدهم حتى وقف أمام موظفة الاستقبال وألقى السلام باحترام وقال باستفهام: "لو سمحت كنت عايز أسأل عن واحدة اسمها زيزي حليم. هي جت عملت عملية هنا امبارح…" نظرت إليه الفتاة بشك، ليقول بسرعة موضحًا: "هي في أوضة نمرة كام؟ إحنا قرايبها وجيرانها عايزين نزورها ونطمن عليها…" نظرت الفتاة في الدفتر أمامها ثم قالت بإقرار: "هي خرجت يا فندم بناءً على طلب المرافق ليها…"
أومأ الرجل بنعم والتفت ينظر إلى باقي الرجال خلفه بتوتر. ليعرف الجميع أنه لم يكن يكذب. وعليهم الآن الاستعداد لما سيفعله بهم بيبرس بعد خروجه من هنا. وعليهم أيضًا أن يجهزوا اعتذارات ملائمة، لعله يغفر لهم خطأهم. -جلست على السرير تبكي بخوف بعد أن اطمأنت على والدها وأطعمته وأعطته دوائه. تفكير.. تفكير في كل ما حصل. هذا كابوسها كان على وشك الحدوث. فضيحة مدوية كادت أن تحدث لها بين أهل الحي. ولكن الله أراد لها فرصة جديدة.
لكن ماذا ستفعل مع من حاول قتل بيبرس؟ هل هي المقصودة بذلك الفعل وتلك رسالة موجهة لها هي؟ يريدون إخبارها بضعفها كونها أضعف من أن تقف أمامهم. وبحركة إصبع ها هو مصدر أمانك قد سقط أسفل قدميك غارقًا في دمائه. فماذا ستفعل بكِ أنتِ؟ هل عليها الآن الاختباء؟ أم عليها العودة لذلك المكان؟
إنها حتى لم تعرف بعد ماذا فعل مع الجوكر حتى وافق على رحيلها بتلك السهولة. كل ما قاله لها أن بداخل هاتفه ما يدين الجوكر ويجعله غير قادر على الوقوف أمامه. بيد مرتعشة أمسكت الهاتف وفتحته. لا تعلم عن ماذا تبحث، لكن هنا يختبئ مصدر الأمان الوحيد لها الآن. وحين وصلت إلى ملف الصور، بدأت تضرب وجنتيها وهي تقول بنواح: "يا نهار أسود يا نهار أسود…. انتهيتي يا زيزي انتهيتي…"
-أوقف السيارة في موقف المستشفى كيفما اتفق وركض إلى الداخل يسأل عن ابن عمه وأخيه. الخوف ينخر بروحه دون هوادة. رحمة أنه أحد الشخص الوحيد الذي يثق به ويطمئن لوجوده جوار أخته وجدته خاصة في لحظات غيابه وحضور شخصية ثانية. وقف أمام موظف الاستقبال وقال بصوت مرتعش من الركض: "في شخص وصل في حادثة…" "في غرفة المعاينة…"
أجابه الموظف وهو يشير إلى أحد الأبواب المغلقة. ليتوجه إلى هناك في نفس اللحظة التي دخل فيها مراد وظلال إلى المستشفى يلحقون خطوات أدهم. فتح أدهم الباب ودخل مسرعًا لتوقفه الممرضة بإشارة من يدها وهي تقول: "مينفعش كده يا أستاذ، اطلع برة…" لم يهتم لحديثها وكلماتها وأقترب من عدنان وهو ينادي باسمه بخوف. ليقف الطبيب أمامه وقال ببعض الغضب: "أنت مين؟ وإزاي تدخل هنا؟ "عايز أطمن على أخويا…" قالها أدهم بصدق وخوف حقيقي. ليقول
الطبيب في محاولة لطمأنته: "إحنا هنقوم باللازم، متقلقش… بس من فضلك اطلع برة…" لكن همسة عدنان باسم أدهم جعل الأخير يتجاهل الطبيب ويقترب من ابن عمه. رفع يده حتى يمسك بيده ليصرخ به عدنان بخوف رغم الوهن والألم: "متلمسنيش… أبعد عني يا أدهم أبعد…" ظل أدهم يتأمل جسد ابن عمه والدماء التي تغطي بعض من ملامحه وملابسه وقال بخوف صادق: "أنا جنبك يا عدنان مش…" "قولت لك ابعد، مش عايزك تتعدي… ابعد عني…" صرخ عدنان بصوت عالٍ
ليقترب الطبيب وقال بأمر: "لو سمحت مينفعش تلمسه، مش بس عشان الكسور اللي عنده، كمان لأنه مريض HIV… أكيد مش عايز تتعدي…" اتسعت عينا أدهم بصدمة. ونظر إلى عدنان الذي قال بصوت ضعيف: "ابعد عني يا أدهم، ابعدوا كلكم سيبوني أموت. اللي زي لازم يموت.. أحسن من الفضايح أو يكون سبب في نقل عدوى لأقرب الناس له… سيبوني أموت…" بانهيار ودموع تملأ عينيه قال أدهم:
"اخرس، أوعى تقول كده.. أنت هتخف وبعدين العلم كل يوم بيتطور وأكيد هنلاقي علاج…" ونظر للطبيب حتى يؤكد حديثه، لكن الطبيب أخفض رأسه دون رد. ليقول عدنان بضعف: "ملوش علاج يا أدهم… الموضوع مش جديد، أنا مريض من سنين…" صدمة.. ما يسمعه الآن هو صدمة. كيف هذا؟ وكيف لم يعرف؟ وكيف استطاع إخفاء الأمر عنهم؟
الكثير والكثير من الأسئلة. لكنه أغمض عينيه لثوانٍ وعاد إلى وعيه وهو ينظر إلى الطبيب وقال بأمر وكبرياء عائلة الخشاب وغرور غير معتاد عليه.. وشر كبير يظهر في عينيه التي تنظر إلى الطبيب والممرضة: "انقذ ابن عمي، ولو حد عرف قول على نفسك ومستقبلك يا رحمن يا رحيم أنت فاهم…" رغم ارتعاش ذلك العرق النابض بعنقه، إلا أنه قال بهدوء: "أنا أقسمت على الحفاظ على أسرار المرضى يا أستاذ، متقلقش… ممكن بقا تسيبنا نخلص شغلنا…"
أومأ أدهم بنعم وابتعد عدة خطوات إلى الخلف. لكن عينيه كانت ثابتة على عدنان الذي غاب عن الوعي. لتنحدر تلك الدمعة من عينيه بقهر وخوف. ولكنه تحرك في اتجاه الباب. وقبل أن يفتحه سمع الطبيب يقول للممرضة: "جهزي أوضة العمليات ومش عايز حد معانا غير دكتور البنج…" يغمض أدهم عينيه وهو يقول: "اللهم إني أستودعك أخي وابن عمي يا من لا تضيع لديه الودائع…" وفتح الباب ليصدم بوجود ظلال ومراد أمامه. ليحاول التماسك قدر إمكانه. اقتربت
ظلال منه وقالت بقلق: "إيه يا آبي؟ مين اللي جوه؟ "عدنان…" أجابها بحزن. لتشهق بصدمة واضعة يدها على فمها. ليسأل مراد بقلق حقيقي: "إيه اللي حصله؟ "حادثة…" أجاب بأقتضاب وابتعد خطوة. ليجيب اتصال شُكران التي انهارت في البكاء حين علمت بما حدث لعدنان. فماذا سيحدث لها حين تعرف عن مرضه الخطير؟ مؤكد سيتوقف قلبها حزنًا.
التفت والهاتف على أذنه حين فتح باب غرفة المعاينة، وخرج الطبيب والممرضة يدفعون السرير النقال. ليغلق الهاتف وأقترب سريعًا من ظلال يضمها إلى صدره حتى لا تقترب من عدنان وتقوم بلمسه في لحظة ضعفها وحزنها على ما حدث له. لتخبئ وجهها في صدر أخيها وهي تقول: "عدنان يا آبي… عدنان…"
ليضمها بقوة إلى صدره يحميها ويطمئنها ببعض الكلمات كون عدنان قوي البنية وأنه سوف يعود لهم أقوى من ذي قبل. لكنه في الحقيقة هو من يريد هذه الضمة حتى يشعر ببعض الأمل. فهو الآن يضم أخته الذي ينبض قلبها ودقاته بحب عدنان. -يجلس في مكتبه في حالة ترقب وانتظار. لقد أرسل من سينتقم له من ذلك القذر بيبرس، ويخلصه منه. حتى تصبح زيزي بمفردها لا سند لها ولا داعم، ويعود من جديد قادرًا على إحكام يده حول عنقها.
لكنه لم يعد حتى الآن. هل أخفق في مهمته؟ أم وقع وتم القبض عليه؟ إذا حدث هذا فقد ضاع للأبد. كان على وشك مغادرة الغرفة للبحث عن ترتر، لكن الأخير اقتحم الغرفة وهو يقول: "جساس برة يا جوكر.. ونفذ اللي انت عايزه…" ليبتسم الجوكر بسعادة حين دخل الجساس من الباب ينظر إلى الجوكر بفخر: "كله تمام يا جوكر.. بيبرس في المستشفى بين الحياة والموت…"
ليعود الجوكر يجلس على الكرسي وهو يبتسم بتشفٍ وسعادة. سوف يضرب الحديد وهو ساخن. أمسك هاتفه واتصل بها. ظل الرنين حتى كاد أن ينتهي الاتصال. لكن صوتها الواهن وصله ليقول بغرور: "مفيش حد يقف قدام الجوكر.. واللي يفكر أنا بعرف إزاي أدوسه بجزمتي…" لم تجب على حديثه سوى بشهقة بكاء مكتومة. ليضحك بصوت عالٍ، وأكمل بتجبر:
"تخفي يا مزة.. وتنزلي الشغل.. والا انت عارفة ممكن يحصلك إيه.. وعرفتي أنا ممكن أعمل فيكي إيه أو أعمل إيه في أي حد يقف قدام رغباتي…" أغلق الهاتف وبدأ في الضحك بصوت عالٍ. ليقول ترتر بمدح بتلك الطريقة المائعة: "جوكر.. يا جوكر.. وديما الجوكر بيكسب…" أراح رأسه على الكرسي وأغمض عينيه وهو يقول: "بيبرس ده حمار.. لو مكنش قلبه رهيف كان بقى أحسن من الجساس وكان بقى إيدي اليمين وبقى معاه فلوس ميحلمش بيها…" في تلك اللحظة
اقترب جساس وهو يقول: "طيب اديني حقي بقا يا جوكر.. عشان أنا لازم أختفي…" لينظر له الجوكر بجانب عينيه وقال بلهجة غير قابلة للنقاش: "لما أسمع خبر موت بيبرس.. لأني لو مسمعتوش أنت مش هتلحق تسمع حاجة أصلًا…" ظل الجساس واقفًا في مكانه ينظر إلى الجوكر بنظرات باردة، لكن أسفلها الكثير من الغضب والكراهية والحقد. لكنه أومأ بنعم وغادر بصمت. ليقترب ترتر من الجوكر بعد أن شيّع بنظراته الجساس وقال بصوته المائع:
"الجساس يتخاف منه يا جوكر…" لينظر إليه الجوكر بنظرة طويلة. ثم قال بأمر متجاهلاً حديثه: "اطلع برة.. ومش عايز حد يدخل عليا.. والنهاردة في البروجرام إن زيزي مسافرة وهترجع بعد أسبوع…" "أوامرك يا جوكر…" وغادر وهو يتمايل يمينًا ويسارًا. وحين أغلق الباب. أمسك الجوكر هاتفه واتصل بالباشا يطمئنه ويطلب منه لقاء قريب، فقد اشتاق إليه بشدة. -ظل واقف أمام غرفة العمليات يشعر بالحيرة والخوف. لا يعلم ماذا عليه أن يفعل؟
لقد علم بالأمر منذ ساعة ولا يتحمل كتمانه. فيكف تحمل عدنان؟ كيف صمت كل هذا الوقت؟ ألـهذا ابتعد عن ظلال؟ ألـهذا أصبح أهدأ؟ واقترب منه وحاول حمل عبء الشركة معهما؟ ماذا عليه أن يفعل الآن؟ في تلك اللحظة فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب ينظر إلى أدهم بنظرات فهمها أدهم جيدًا. لينظر إلى ظلال ومراد ثم قال: "طمني يا دكتور…" ابتلع الطبيب ريقه وقال بعملية:
"أستاذ عدنان عنده كسور في ثلاث ضلوع وكسر في رجله اليمين ودراعه الشمال وشرخ في دراعه اليمين.. وجرح قطعي في الرأس مع ارتجاج…" كل كلمة يقولها الطبيب كانت ظلال تشهق بصدمة. ليضمها مراد إلى صدره بحنان دون أن يشعر. وهي بسبب حالتها لم تشعر بنفسها وهي تخبئ وجهها في صدره. لم يلاحظ أدهم ما حدث حيث تنحى جانبًا بالطبيب يسأله عن ما يخفونه عن الجميع. ليقول الطبيب له موضحًا:
"المرض ممكن يتنقل عن طريق العلاقات الجنسية لو أي طرف منهم مصاب.. نقل دم كان يحمل المرض.. أو تلامس الجرح أو أخذ إبر بين شخص سليم وشخص مصاب.. يعني الأسباب كثيرة لكن فيه وسائل وقاية كثيرة تخلي الإنسان المصاب يعيش حياته بشكل طبيعي نسبيًا…" أغمض أدهم عينيه بصدمة. ليقول الطبيب بإقرار: "أنا هتابع حالته بنفسي.. لكن من الأفضل أنه يكون في مكان معزول عشان العدوى.. لأنه لو فضل هنا الموضوع هيتعرف…" ليظهر التفكير على ملامح
أدهم الذي قال باستفهام: "محتاج يفضل في العناية قد إيه؟ "لحد ما يفوق ونطمن على تأثير الارتجاج…" أجابه الطبيب بتوضيح. ليقول أدهم بشرود: "تمام وأنا هرتب كل حاجة…" يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!