الفصل 7 | من 34 فصل

رواية أو أشد قسوة الفصل السابع 7 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
21
كلمة
4,075
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

عاد عدنان إلى البيت بعد أن أنهى بعض الأعمال التي كلفه بها أدهم، وساعده أحد الموظفين القدامى بالشركة. لكنه لم يستطع الصعود إلى غرفته أو الدخول من الأساس إلى القصر. لم يكن مستعدًا لمواجهة ظلال، ولا لأي حديث من جدته. ففضل الجلوس في مكانه المفضل بحديقة القصر.

في الأساس، عقله ما زال داخل دوامات التفكير وجلد الذات. فكم كان يشعر بالفخر وهو يجلس في مكتب والده رحمه الله، يقوم بعمله كما كان يفعل هو. ولكن هناك فرق كبير بينه وبين والده، الرجل المحترم الذي حج بيت الله أكثر من مرة، الملتزم في صلاته، الذي ظل وفيًا لزوجته بعد موتها لسنوات وسنوات حتى ذهب إليها. أين هو من والده؟ وهل سيليق يومًا بذلك الكرسي؟

تنهد بصوت عالٍ. لقد شعر فجأة أن الدنيا تصفعه بقوة، صفعات متتالية. لكن صفعاتها تركت أثرًا لا يمحى على وجهه وجسده. ليس فقط ليتعلم ويتغير، لا. إنها صفعات بها إنهاء حياة وموت. فما الحكمة من إدراكه لخطئه وهو لا يستطيع تصليحه أو العودة إلى طريق الصواب؟ هو الآن مدنس بخطاياه ولا توبة لها. غمض عينيه وهو يقول: "أدفع ثمن استهتاري… أتوجع زي ما وجعت… أخسر زي ما خسرت… أدخل جحيمك برجلك زي ما خرجت من نعيمك برجلك يا عدنان."

"ليه يائس كده من رحمة ربنا… مين المرادي اللي سابتك… توتو ولا سوسو؟ فتح عينيه بصدمة حين وصله صوتها. ونظر لها بخوف لعدة لحظات، ثم عادت عيناه إلى ثلجيتها التي اعتاد عليها، لتبتسم ببعض السخرية حين اعتدل في جلسته وقال باستخفاف: "لا توتو ولا سوسو ولا حتى ريري يقدروا يسيبوني. أنا اللي بسيب… وأنا اللي بقرب بمزاجي وببعد بمزاجي."

شعرت بنار حارقة تلتهم قلبها الخائن الذي ما زال متعلقًا به. رغم خيانته لها، رغم قسوة قلبه وقطعتي الثلج الساكنين في محجر عينيه. لكنها ابتسمت بألم وقالت بصدق: "صحيح أنت اللي بتقرب وأنت كمان اللي بتبعد… وأنت اللي قادر تفرح وقادر كمان تجرح… بس خلي بالك يا عدنان، جرح القلوب مش سهل عند ربنا ولا هين. واللي كسرت قلبه لو قال يارب بس يبقى يا ويلك يا ابن عمي."

غادرت سريعًا قبل أن تخونها دموعها وتتساقط أمامه، فما عاد هناك مكان لجرح جديد لكرامته. لكن الدموع تلك المرة كانت من نصيبه هو. غير مبالٍ إن رآه أحد. فقلبه لم يعد يحتمل أنه يموت دون أن يشعر به أحد. حلمه الوحيد أمام عينيه وحُرم عليه تحقيقه. ومع كل هذا، كُتب عليه أن يعيش كل هذا الألم وفوقه ألمه. أي عذاب هذا وأي عقاب؟ وجد نفسه ينظر إلى السماء ويصرخ: "ياااااااارب…. ياااااااارب."

ظل يبكي، لا يعرف كم مر عليه، لكنه يشعر بإنهاك شديد. يريد أن يرتاح جسده، يئن من الألم وروحه تصرخ تطلب الخلاص. صعد إلى غرفته وأغلق بابها بالمفتاح. وبدون أن يبدل ملابسه حتى، لم يخلع حذائه. ألقى بنفسه فوق السرير وأغمض عينيه، يتوسل بعض الراحة في أحلامه. عاد أدهم إلى القصر، عقله شارد في ما قاله له عبدالله. "اسمعني يا أدهم، الموضوع بجد مينفعش معاه أي استهتار. لازم نبدأ علاج وفورًا."

الزهول والصدمة المرتسمة على ملامح وجهه جعلت عبدالله يتجاهل كونه طبيبًا ويتحدث كصديق. "أدهم، اللي حصل معاك هو ضغط نفسي شديد. حصل بسببه اضطراب في شخصيتك. كنت محتاج تبقى قوي، قلبك ميت، كنت محتاج تنسى مبادئك وكل الحاجات اللي اتربيت عليها. ولأنك كنت رافض ده كله حصل اضطراب الهوية. عقلك الباطن خلق شخصية عكسك تمامًا، شخص مستهتر قادر على الأذية. والشخصية دي أكيد هنكتشفها مع المراقبة." "مراقبة؟!!!

ردد أدهم بغضب وأكمل كلماته حين وقف فجأة. "مين اللي هيراقبني؟ وقف عبدالله أمامه وقال بقوة وتحدي: "عيلتك لازم تعرف يا أدهم علشان يلاحظوا تصرفاتك. ونقدر نقابل الشخصية التانية ونتواصل معاها. علشان أقدر أعالجك." كان الرفض يرتسم على ملامح أدهم، وكاد أن يرفض. لكن عبدالله قطع الطريق عليه وقال بشكل حاسم:

"القرار في إيدك. أنا أكيد مش هقدر أجبرك إنك تقولهم. بس ده معناه عالم مجهول أنت بتعيشه بكل تفاصيله وبترجع منه لا فاكر أنت عملت إيه ولا حصل ليك إيه. ممكن ترتكب جريمة… كبيرة من الكبائر… تكون مثلًا متجوز ومخلف، أي حاجة. أنت متخيل حجم الكوارث اللي ممكن تعملها وأنت مش واعي ولا فاكر؟ كان الخوف يرتسم في عيني أدهم، لكن عبدالله لم يتوقف. استدار عائدًا إلى الكرسي الخاص به خلف المكتب وقال بتوضيح:

"كلامي اللي فات ده كان كلام صديقك. لكن لو اتكلمت بشخصية الطبيب هقول أنت المفروض تتحجز في المصحة لفترة علشان تكون تحت الملاحظة." لينظر له أدهم بصدمة. لكن عبدالله ظل ينظر إليه بتحدٍ وثبات. ليأخذ أدهم أغراضه من على المكتب وغادر دون أن يقول أي شيء. ظل يدور في شوارع العاصمة دون وجهة محددة. حتى وجد نفسه يعود إلى القصر. وها هو منذ الكثير من الوقت جالس في السيارة، لا يعلم ماذا عليه أن يفعل.

ظلت تفكر في سبب غياب جارها المجهول. صوته يثير بداخلها إحساسًا لا تفهمه. وكأنها تريد أن تظل تستمع إليه طوال حياتها. لكن أيضًا هناك شعور آخر يجعلها تريد الابتعاد عنه. وكان السؤال الذي يشغل عقلها: متى استأجر تلك الشقة؟ وكيف؟ فصاحبها غير موجود في البلد، إنه يعمل في إحدى الدول الأوروبية منذ سنوات. هل يكون هو صاحب الشقة وقد عاد من السفر؟ لوت فمها بضيق وهي تقول لنفسها:

"هفضل أقول إزاي ومين وليه وامتى ومش هوصل لإجابة. وأخاف أسأل ماما تشك فيا… أعمل إيه بس؟ الفضول هيموتني! أغلقت النور المجاور للسرير ووضعت الوسادة فوق رأسها وهي تقول بصوت مختنق: "يارب أنام." فوق ذلك المسرح، كانت تتمايل بدلالها الذي بدأ يخطف الأنظار. وصيتها الذي ذاع في كل مكان، وأصبح الجميع يريد رؤية الوجه الجديد الذي يتحدث عنه الجميع.

وفي وسط وصلتها الراقصة، صعد أحد الرجال جوارها. بدأ في الرقص جوارها وهو يلقي فوق رأسها الكثير من الأوراق المالية. لكن ذلك الغاضب الذي يقف قرب الباب يتابع ما يحدث بغضب، وهناك نيران وشرار داخل عينيه. أقترب خطوتين، لكنه توقف مكانه حين عاد هذا الرجل لمكانه. لكن ذلك جعل المزيد من الرجال يريدون الصعود. والاسم أنهم يلقون عليها "النقطة". والغرض الأساسي هو الاقتراب منها وسرقة نظرة أو لمسة.

فلم يعد يتحمل، وكاد أن يصعد إلى المسرح يأتي بهذا السمج من ملابسه. لكنه وقف خميس أمامه وقال: "على فين؟ نظر له بيبرس بغضب وقال بضيق: "هو أنت مش شايف اللي بيحصل ده؟ هوقفهم عند حدهم." ابتسم الجوكر ابتسامة جانبية وقال ببعض السخرية: "محصلش حاجة. الناس معجبين بيها وبينقطوها. يعني مصلحة ليها وللمحل." أقترب خطوة من بيبرس وهمس جانب أذنه:

"لو غيران عليها مكنتش جبتها من الأول تشتغل رقاصة. ولو ندمان يا حلو، ادفع الشرط الجزائي وخدها وامشي." ثم نظر إلى عينيه وأكمل بنفس الفحيح: "ولو مش معاك بقى، يبقى تسكت وترجع تقف مكانك وتسيب الزباين ينبسطوا." أغلقت الدماء في عروقه. لعن نفسه وتفكيره. وتلك اللحظة التي وافق فيها على طلبها. لينظر إليها بعجز. لينفض الجوكر عن بدلته غبارًا وهميًا وهو يقول: "مكانك عند الباب…. روح شوف شغلك."

تركه وتحرك عائدًا إلى مكتبه. ظل بيبرس واقفًا في مكانه، لا يعرف حقًا ماذا عليه أن يفعل؟ هل يضرب كل شيء عرض الحائط ويسحبها من يدها ويعود بها إلى البيت؟ رافضًا كل ما يحدث ولتكن العواقب كما تكون، أم يحتكم للعقل الذي يأمره أن يعود إلى مكانه ولا يخسر وظيفته ويبحث عن حل آخر؟

وكانت هي في عالم آخر. سعيدة بكل تلك الأوراق المالية التي ألقيت عليها وتغطي الأرض أسفل قدميها، وتفكر في نصيبها وما قررت فعله بكل تلك الأموال التي تحصل عليها. ترتب المواعيد كما أمرها. وتجري بعض الاتصالات حتى تخبر أصحابها وتؤكد عليهم. حين اتصل بها يطلب دخولها له لتأخذ مفكرتها ودخلت إليه. لتجده يبحث عن شيء ما، ومن الواضح عليه العصبية الشديدة. أقتربت خطوتين من مكتبه وقالت بأستفهام: "حضرتك بدور على حاجة؟

رفع عينيه إليها والغضب واضح بشكل كبير داخلهما، وبصوت عالٍ قال: "أيوة بدور على أوراق صفقة "... " ومش لاقية. ما هو لو أنتِ سكرتيرة محترمة كل حاجة تكون في مكانها ولاقي الحاجة أصلًا من قبل ما أفكر فيها." ظلت صامتة تنظر إليه بصدمة من هجومه المباغت عليها. إنها المرة الأولى الذي يصرخ فيها بتلك الطريقة. لكنها قالت بهدوء وعملية: "الملف حضرتك طلبت مني أبعته لأستاذ عدنان يراجعه ويتولى هو الموضوع."

رفع حاجبه بصدمة. هو لا يتذكر ذلك الأمر، لكن غروره وعنجهيته رفضن أن يظهراه أمامها بتلك الصورة، فقال بصوت عالٍ: "المكتب كله متبهدل. ومفيش حاجة في مكانها. وأنتِ شاطرة بس قعدالي ورا الكمبيوتر. مش عارف سكرتيرة إيه دي اللي شبه الغفر وكمان مش عارفة شغلها كويس."

كانت تنظر إليه وعيونها تمتلئ بالدموع، لكن عقلها يحاول تحليل ما يحدث. هذا الشخص مؤكد مجنون أو ممسوس كما أخبرها سابقًا. فما يقوم به ضرب من الجنون. كيف يأمرها بعمل شيء ما وفي اليوم التالي يتهمها بالإهمال والتقصير؟ والأغرب أنها تشعر أن من يقف أمامها شخص آخر غير ذلك المدير التي تعمل معه. صحيح ليست المرة الأولى الذي يحدث فيها موقف كهذا، لكن هذه المرة قال لها كلمات جارحة لا تستطيع تحملها. انتبهت من أفكارها

على صوته الصارخ وهو يقول: "أنتِ لسه واقفة؟ هو لازم أعيد كلامي مرتين علشان دماغك تستوعب أوامري." لتلقي المفكرة من يدها أمامه على مكتبه وقالت بغضب: "أنا مسمحلكش إنك تهين كرامتي أو تتكلم معايا بقلة احترام. أنا بشتغل معاك هنا في الشركة مش جايبني أسقيلك الشقة." "تسيقي الشقة!!!

ردد خلفها الكلمة باندهاش وصدمة. لكن حين أراد أن يرد عليها كانت قد غادرت، صافعة الباب خلفها. ليضرب سطح المكتب بيده وهو يتوعدها بأن يسقيها المرار ألوان. كانت عائدة في طريقها إلى البيت بعد انتهاء الحلقة. كم كانت حلقة حماسية بشكل كبير. فالجميع كان ينتظر موضوع الحلقة ونقاشاتها مع مراد، والمرح الذي يغلف حديثهم. خاصة تعليقاتها التي يلحقها مراد مرددًا بأنه سوف يطردها.

وصلتهم الكثير من الرسائل والاتصالات التي تمدح أسلوبهم الراقي في المناقشة، ومرحهم وكم يوجد بينهم انسجام كبير. وما زاد سعادتها هو ما ظهر لها في نظرات إعجاب مراد بعملها. حين أشار لهم المخرج بأن الحلقة قد انتهت، نظر لها وهو يقول بابتسامته التي تخطف الأنفاس: "أنتِ بجد يتخاف منكِ. ممتازة يا ظلال. هيكون ليكي مستقبل باهر." ابتسمت له وهي تقول بحماس: "شكرًا بجد يا مراد. بنتعلم منك." "بكاشة." قالها وهو يجمع أوراقه.

وحين وقف قال: "إيه رأيك نفطر مع بعض النهاردة؟ نظرت إلى ساعتها وقالت ببعض التوتر: "جدتي هتعلقني لو اتأخرت. لكن ممكن أستأذنها ونفطر بكرة مع بعض." أومأ بنعم وغادر الاستديو وهو يقول للأعداد بصوت عالٍ: "جهز يا ابني حلقة بكرة وابعتلي الاسكربت." لتبتسم. فمراد يذكرها بالأطفال. متذمر، مرح، جاد بعض الأحيان.

لكن ما لاحظته ولفت انتباهها أنه شديد الترتيب. فكل مرة حين تضع ورقة خارج ترتيبها، يمد يده ويعيدها في مكانها حتى وهم على الهواء. وكل شيء في مكانه غير مقبول أن يتغير. وذلك أثار فضولها أكثر. في الحقيقة، مراد منير شخصية مثيرة للاهتمام، وهناك الكثير من الأسئلة داخل رأسها.

وكان هو يشعر بسعادة كبيرة. فقد عاد برنامجه يتصدر محركات البحث. واسمه رغم اقترانه بظلال، لكنه عاد ليصبح الترند الأول. ها هو مراد يعود وبقوة. هو لا يسقط أبدًا. هو قادر على التجديد ومواكبة العصر. وضع أوراقه على سطح المكتب وهو يتذكر ابتسامتها، ورقتها، حركات يدها وهي تتحدث. وحين تغطي فمها وهي تضحك. نظرات عيونها الممتلئة بشقاوة بريئة محببة. قادرة على إغواء أعتى الرجال دون مجهود يذكر. جلس على الكرسي خلف المكتب

وهو يهمس لنفسه بتفكير: "إيه يا مراد. بقى الطفلة دي هتغير رأيك ومبدأك ولا إيه؟ أخذ نفسًا عميقًا وأكمل قائلًا: "طلعتيلي منين يا ظلال." وردد اسمها أكثر من مرة ودون شعور منه، وجد نفسه يقول: "ظل عينيك يسحرني… ورمشك يأثرني." "ظلي ومظلتي… أنتِ سحري وبرائتي." "ظل في ليلي يختفي… وفي نهاري يسطع." "ظلال اسمكِ… وفي حياتي أنتِ مظلتي."

وقفت تجمع أغراضها. هي لن تظل في هذا المكان أكثر من ذلك. كرامتها أهم من أي شيء ولن تتنازل عنها. وتسمح أن يقوم ذلك المدير المتعجرف بإهانتها. لكنها انتفضت بخوف وهي تستمع لصوت صراخه بأسمها. كانت تريد بكل عند وإصرار أن تتجاهل ندائه وترحل، لكن قدميها خانتاها وتوجهتا إلى مكتبه. وقفت تنظر إليه بتحدٍ. وحين تقابلت العيون، ظل ينظر إليها لعدة ثوانٍ وكأنه تفاجأ بوجودها أو لم يكن يتوقع أنها ما زالت موجودة. أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:

"ألغِ كل مواعيدي النهاردة. أنا ماشي." وتحرك ليغادر المكتب. لتقول هي بسرعة: "أنا مش هكمل شغل وهقدم استقالتي. وبما إن حضرتك ماشي دلوقتي فـ أنا هكتبها وهسيبها لحضرتك على المكتب وبكرة حضرتك توقعها." ظل واقفًا في مكانه دون أن ينظر إليها. ومرت الثواني عليهم حتى التفت إليها وقال من بين أسنانه: "استقالتك مرفوضة. وبكرة الصبح لو مكنتش على مكتبك أوعدك إني هعمل حاجات لا يمكن دماغك العنيدة دي تتخيلها."

كان يقول كلماته ومع كل كلمة يقترب منها خطوة، حتى أصبح لا يوجد أي مسافة بينهم. ومع آخر كلمة تحولت نظراته الغاضبة إلى نظرات جريئة. وأكمل قائلًا: "وبعدين يا سليمة، بلاش يبقى مخك قافل كده. خليكي معايا على نفس الخط علشان متزعليش مني." ثم غمز لها بشقاوة وغادر. وظلت هي واقفة في مكانها تشعر بالخوف، والصدمة، والجنون. هذا هو الوصف الحقيقي لما يحدث معها. ذلك الرجل مجنون وسيصيبها بالجنون أو سوف يقتلها بتصرفاته الغريبة.

عادت إلى مكتبها وبدأت في إجراء اتصالاتها حتى تلغي كل مواعيده. وحين انتهت أخذت حقيبتها وغادرت. فهي تشعر بالإجهاد وعقلها يدور في دوائر الحيرة والخوف. بعد مرور أكثر من شهر. لم تستطع النوم. منذ عودتها من الملهى الليلي وهي تجلس في غرفتها. حتى لم تبدل ملابسها. تنظر إلى المبلغ المالي الكبير الذي حصلت عليه للمرة التي لم تعد تعرف عددها. وبداخلها صراع لا يهدأ.

جزء منها يلومها والجزء الآخر يشجعها. لكن أكثر ما كان يشغل بالها هو ما حدث بعد وصلتها الأولى. حين عادت إلى غرفتها. وقبل أن تبدل ملابسها سمعت طرقات على باب الغرفة ودخول ترتر وهو يقول بأسلوبه الأنثوي: "كنتي شمعة يا روحي. الكل كان هيتجنن عليكِ." وأقترب منها أكثر وهمس: "الجابري بيه طالب إنك تأنسيه شوية على ترابيزته وباعتلك الهدية دي." وفتح أمامها علبة مخملية حمراء وداخلها خاتم بفص أبيض كبير.

اتسعت عيونها بإعجاب شديد. رفعت يدها حتى تمسك به، لكنها منعت حين مسكها أحدهم بقوة. رفعت عيونها لصاحب اليد لتجده بيبرس ينظر إليها بغضب شديد. غضب يزيد كل يوم عن اليوم الذي يسبقه. وقد جائته الفرصة. ظلت نظراتهم معلقة ببعضها لعدة ثوانٍ، لكنه قطع هذا التواصل حين نظر إلى ترتر وقال بغضب مكتوم: "اخرج لي." يغادر ترتر سريعًا، ولكن قال قبل أن يغلق الباب: "أنا مش هقول للجوكر. أنت عارف زعله وحش."

وأغلق الباب بعد أن اشتعلت عيون بيبرس بغضب يعرفه ترتر جيدًا. ليعود بيبرس بنظراته إلى زيزي وقال من بين أسنانه: "أنتِ ناوية على إيه؟ أنتِ فاهمة معنى الهدية دي إيه؟ وفاهمة معنى إنك تنزلي تقعدي مع الزباين في الصالة؟ لم تجب على أسئلته التي لم تكن تحتاج إلى إجابة من الأساس. ليكمل كلماته وهو يدفعها إلى الخلف: "أنا مش ناوي أبقى قرني يا ست زيزي."

لتُعيد له كلماته ذكرى تلك الليلة التي قالت له فيها تلك الكلمة حين كان يقف على باب المحل ينتظرها حتى تنتهي من تبديل ملابسها ليعيدها إلى البيت كما اتفق معها منذ أتى بها إلى ذلك المكان لتعمل به. خرجت تلف جسدها بجاكت ثقيل والإرهاق واضح بشكل كبير على ملامحها. حين وقعت عيناه عليها تقترب منه. تحرك إلى السيارة السوداء الموجودة أمام باب المحل وفتح لها الباب الخلفي لتجلس بصمت. وصعد هو خلف المقود وتحرك وهو يقول:

"الجوكر معجب جدًا بيكي وراضي أوي عنك. وسمعت تراتيش كلام إنه ناوي يكافئك." لم تعلق على كلماته وأغمضت عينيها وهي تبتسم بتهكم. وتقول لنفسها: "معلوماتك بايته يا بيبرس. ده بيكافئني من تاني يوم… والفلوس نازلة عليا زي المطر." لكنه لم يتوقف عن الحديث وقال: "بدلتك النهاردة كانت مجننة الكل. أكمنها كانت ماشية بمبدأ شوق ولا تذوق." لتفتح عينيها وتقول بصوتها الناعس:

"واضح إن أنت كمان البدلة عملت معاك شغل عالي. بس قولي يا بيبرس، أنت مرتاح في شغلانتك دي؟ يعني سي الجوكر ده بيقبضك كويس؟ ليضحك بسخرية وقال ببعض الاستهزاء: "أهي شغلانة بتجيب فلوس حلوة كل ليلة. صحيح الواحد بيشوف مهانة وذل، لكن كمان أهو الواحد بيملي عينه بلحم أبيض يدوق له بوسة حضن وبقشيشها عالي أوي يا ست زيزي." أومأت بنعم وهي تبتسم باستهجان وقالت: "بس لامؤاخذة يعني، القرون مش مضايقينك؟ ليوقف السيارة فجأة ونظر لها

بغضب وقال من بين أسنانه: "أنا شغلتي بادي جارد في الكباريه مش قواد. ولا ليا قرون. والدليل إني بجيبك من بيتك وبرجعك بيتك صاغ سليم ومحدش بيلمس طرف شالك." شعرت بالخوف منه بسبب جسده الضخم والغضب الذي يرتسم على ملامحه. لتقول بصوت مرتعش: "مقصدتش حاجة وحشة يا بيبرس. لكن أنا قرفانة من خميس وعمايله وزنه عليا علشان أنزل أقعد زباين الصالة ولا أروح معاهم المشاوير إياها. ترتر مش بيبطل زن." تظهر معالم الصدمة على

ملامحه وقال بغضب مكتوم: "أنتِ بتقولي الصدق مش كده؟ أومأت بنعم. ليصلها لفظ نابٍ خرج من بين شفتيه. ثم قال بهدوء: "متقلقيش يا ست زيزي. أنا يوم ما جبتلك الشغل في الكباريه وعدتك إنك هتشتغلي رقاصة وبس. غير كده مش هيحصل. ودي مسؤليتي أنا." وعاد ليجلس في مكانه من جديد وأدار محرك السيارة حتى يعيدها إلى منزله.

لكن الحال بداخل كل منهم قد تبدل. هي ابتسمت بسعادة حين عادت إليها ثقتها في بيبرس. الرجل الذي كانت منذ صغرها تتمناه وهي تراه في الحارة يدافع عن المظلوم ويعاقب من ينظر إلى أي فتاة. والجميع يخشاه. وكانت دماء الغضب تثور بداخل عروقه. يتوعد خميس في سره. ولكن عليه التفكير بدهاء. وكان هو الآخر غارقًا في عيونها البريئة الذي أصبح يخشى تحولها وأن يرى بها ما يكره. يتذكر أيضًا ذلك الموقف. لكنه قال من بين أسنانه:

"أنا اللي جايبك هنا. ومش هقبل إني أبقى قرني وأسرحك. بموتك يا زيزي. أنتِ فاهمة؟ بموتك." وتركها وتحرك في اتجاه الباب. وقبل أن يفتحه نظر لها وقال: "هتخلصي رقص وهتلاقيني مستنيكي على الباب. مش عايز لكاعة وتأخير." عادت من أفكارها وعيونها تلمع بدموع لا تفهم سببها. هل خوف مما هو آت؟ أم هو ندم على ما أصبحت عليه؟ أم هو إحساس بالضياع يزداد يومًا بعد يوم، يفقدها هويتها ويسرق منها طريقها؟

تنهدت بصوت عالٍ. وبدون روح تحرك جسدها حتى تضع المال مع سابقيه داخل ذلك الدرج وتغلقه ببعض العنف وهي تقول بصوت هامس: "مبقاش فيه مجال للرجوع يا زيزي. وقعتي خلاص. ولسة لما بيبرس يعرف اللي أنتِ عملتيه مش بعيد يقتلك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...