الفصل 8 | من 34 فصل

رواية أو أشد قسوة الفصل الثامن 8 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
20
كلمة
5,307
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

يجلس في مكتبه يعمل بتركيز شديد، فقد اعتاد على العمل، يشعر أنه قد وجد نفسه فيه أكثر من الرياضة. العمل يجعل ذهنه دائمًا مشغولًا، وعلى الأقل يبقى نصف اليوم دون أن يخطر على عقله أي أفكار عن مرضه أو عن ظلال.

آه ظلال، دائه ودوائه. يستمع كل يوم إلى برنامجها الصباحي، لكن بمفرده بعيدًا عن جدته وأدهم، حتى يستمتع بصوتها، يبتسم مع ضحكتها. يشعر بالاختناق من مزاح مراد معها، ويتمنى أن يكون هو من يمازحها ويكون سبب ضحكتها. يبكي حسرة على خسارته لها، لكن قلبه الذي يعشقها بصدق ويتمنى سعادتها حتى لو مع غيره، يتألم بشدة لخسارتها. لكن لم يعد هناك شيء أهم منها ومن سعادتها، ليظل يبتعد ويبتعد حتى تصبح المسافة بينهم لا يستطيع أي منهم تقليلها، وليشفى قلبها من غرامه المسموم الذي لا أمل منه ولا فائدة.

ضغط الزر الموجود على المكتب ليدخل السكرتير الذي عينه أدهم له خصيصًا، حين رفض أن يعين فتاة كالعادة. وكم أراد أن يضحك بصوت عالٍ على هيئة أدهم المصدومة. مد يده بالأوراق وهو يقول: -سلم الورق ده لآنسة سليمة وقول لها عايزين توقيع باشمهندس أدهم بسرعة. أومأ الرجل بنعم وتحرك ينفذ ما قيل له. ليريح عدنان رأسه على قمة الكرسي وأغمض عينيه وهو يتنهد، ويدعو الله بالدعاء الذي يلتزم به منذ عرف بمرضه:

-اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. *** يجلسون في إحدى المقاهي كعادتهم منذ شهر تقريبًا، يتناولون إفطارهم بعد انتهاء بث الحلقة. هي تشعر بالسعادة وهي تجلس مع شخص مميز كمراد، لكنها لا تفهم سبب إصراره على هذا الأمر يوميًا. هل يتقرب منها أم يتصرف بتلقائية وكما هو متعارف عليه في الأوساط الفنية والإذاعية، الصداقات أمر عادي ولا يوجد شيء خاص؟ هي لا تفهم، لكن تصرفاته بها بعض الغرابة.

تتذكر أول مرة خرجا معًا بعد أن أخذت الإذن من جدتها في أن تتناول الإفطار معه، ووافقت شكران على مضض، خاصة وأن عدنان كان يجلس معهم حينها. وأرادت أن تزيد من نار الغيرة المشتعلة داخل عقله، وشاركتها ظلال الرغبة، لكنه صدمها بإظهار عدم المبالاة والاهتمام. ليزداد إصرارها على مقابلة مراد، علها تستطيع الخروج من دائرة عدنان إلى الأبد. في ذلك اليوم بعد انتهاء الحلقة، نظر إليها وقال بابتسامته الجذابة: -أخذتي الإذن؟

أومأت بنعم وهي تقول: -هنفطر فين؟ -في مكان حلو أوي وهادي بحب أفطر فيه ده لما بقرر أفطر وحابب إنك تيجي معايا هناك. قولتي إيه؟ قال بصوت هامس بعض الشيء ونظراته تحمل الكثير من المشاغبة، لتقول هي بضحكة شقية: -أحب جدًا.. أنا جعانة أوي. يقف وهو يقول: -يبقى يلا بينا. صعدت بجواره في السيارة بعد أن طلبت من السائق اللحاق بهم، ليقول مراد مستفهمًا: -هو أنتِ مش بتعرفي تسوقي ولا إيه؟ نظرت إليه وأجابت ببعض الحزن المصطنع:

-بعرف وجدًا كمان، بس آآبيه أدهم خايف عليها لأني بطلع بدري أوي من البيت علشان معاد الحلقة، فـ يكون معايا سواق أفضل علشان الطريق ومابقاش لوحدي، يعني كنوع من الحماية. وكمان علشان لو متوترة أو قلقانة أو براجع وبجهز نفسي للحلقة. -معاه حق طبعًا، أنا لو منه مكنتش خليت معاكي سواق، بس كنت عينت لك طقم حرس كامل.

قال كلماته وهو ينظر إليها بنظرات رفضت فهمها، أو تجاهلتها عن قصد، لكنه كان يقصد تلك النظرات، ومن داخله يشعر بسعادة كبيرة لكونها تجلس معه الآن في سيارته، وسيتناول معها الإفطار. سوف يقضي معها وقتًا أطول ويعود إلى بيته وتكون بطلة أحلامه ككل يوم، أحلامه الذي يتمنى أن تصبح حقيقة ملموسة يومًا ما.

حين وصلوا إلى المكان وترجلا من السيارة، فُتحت لهم الأبواب وكان الترحيب بمراد قوي ومبهج، ومن الواضح فعلًا أنه يأتي للمكان كثيرًا. لكن هي صدمت بالترحيب القوي بها هي، وكلمات المدح عن أسلوبها وكم هي مرحة ولطيفة. وأن البرنامج ازداد جمالًا بوجودها، وأكثر ما أسعدها هي ابتسامة مراد السعيدة بها وبكل هذا الحديث. فأكثر ما يميز مراد هو ثقته بنفسه وأنه يحب الخير لغيره. حين أصبحا بمفردهما، اقتربت منه قليلًا وقالت بعدم تصديق:

-معقول اللي حصل ده؟ أنا مش مصدقة. اتسعت ابتسامته وهو يقول بصدق: -تستحقي أكثر من كده يا ظلال.. أنتِ موهوبة وليكي مستقبل كبير جدًا، وبكرة هيكون ليكي برنامج خاص بيكي أنتِ لوحدك. كانت الابتسامة التي تزين ملامحها الرقيقة تجعله يشعر بالسعادة حقًا، وكأنه ملك الكون بكل ما عليه. ولمع بقلبه السؤال الأهم: هل يحبها؟ لكنه لم يفكر في الإجابة، يكفي وجودها معه جواره أمام عينيه. ليسألها باهتمام: -عجبك المكان؟

-جدًا.. راقي وهادي وكمان الناس هنا ظريفة جدًا. أجابته وعيونها تنظر في كل مكان، ليضحك وهو يقول برجاء: -تسمحيلي أفطرك على ذوقي؟ أومأت بنعم، ليفتح قائمة المأكولات وهو يشير إلى النادل ويخبره بما يريد. عادت من ذكرياتها على صوت مراد وهو يطلب الطعام كعادته كل مرة، يطلب هو الطعام. وفي الحقيقة كل مرة يبهرها باختياراته وذوقه. والأكثر من ذلك إنها تشعر وكأنه يجلس داخل عقلها، يعرف ماذا تريد؟ هل تريد شيئًا خفيفًا مع كوب قهوة؟

أم تريد تناول فطور دسم وتشعر بجوع شديد؟ كانت تنظر إليه بتفحص، ليقول هو دون أن ينظر لها: -حلوة الصورة؟ ضحكت برقة وهي تقول بتعجب: -أنت مين؟ وإزاي كده؟ لينظر لها بدهشة وقال ببساطة: -أنا مراد. لتضحك وهي تقول برقة يغلفها بعض الخجل: -مقصدش اسمك.. أقصد أنت إزاي كده.. إزاي بتفهمني وازاي بتعرف اللي أنا محتاجاه من غير ما أتكلم؟ لمعت عيناه ببريق خطف دقة من قلبها رغمًا عنها، خاصة حين قال:

-يمكن لأني حاسس إني عارفك.. كأني كنت شايفك حافظ تفاصيلك.. سامع دقات قلبك.. وراسم أفكارك.. من أول مرة شوفتك فيها خطفتني عينيك اللي كلها براءة وشقاوة.. عنيدة لكن وحيدة.. معرفش بس اللي بحسه نحيتك ديما بيطلع صح. داخل قلبها غصة ألم إنها تستمع لهذا الحديث من شخص آخر غير عدنان، لكن جزء منها سعيد. ها هي مرئية بتلك الصورة المميزة من شخص مميز كمراد. لماذا ظلت في الظل ولم ترها عيون عدنان؟ لكنها قالت بخجل:

-إيه الكلام الكبير ده يا مراد؟ -تستحقيه يا ظلال.. وتستحقي الأكتر منه كمان. قال كلماته وهو يتذكر كل الأيام التي مرت من أول مقابلة بينهم، وهي تجلس أمامه بمجموعة أحاسيس مختلفة بين خجل وثقة، تواضع وبعض من غرور يليق بها. كل هذا مختلط مع أنوثة مميزة.

ومنذ ذلك اللقاء وهي بطلة أحلامه، تعود معه إلى بيته، تتخلى عنها في كل شيء حوله، وهو يتناول قهوته في المطبخ، يراها تجلس في غرفة نومه تقرأ كتابًا وتمسك هاتفها تتحدث مع صديقتها، أو تجلس أمام المرآة تتزين. حتى أصبحت شيء هام لا يكتمل يومه إلا بها، لذلك سعى بكل طاقته أن تجمعه بها وجبة في اليوم يخلق بها الكثير من الذكريات. انتبه من أفكاره على صوتها وهي تقول: -هتقول نفس الكلام ده لو بقى ليا برنامج لوحدي وبقيت بنافسك؟

ابتسم بثقة وهو يقول: -في أقرب وقت هيكون ليكي برنامج وكبير كمان.. بس الأكيد إننا مش هننافس بعض يا ظلال.. هنكمل بعض. شعرت أن كلماته لها معنى مختلف غير مقصده، لكن عجبها حديثه للغاية ولمس بداخلها شيء ما، لتبتسم بخجل فطري يلمس قلبه في كل مرة. *** ممدد على الأريكة في عيادة عبدالله، ينظر إلى السقف منذ أكثر من خمسة عشر دقيقة، وعبدالله ينظر إليه بملل. يأخذ نفسًا عميقًا وينفخ الهواء من صدره، يكاد ينفجر من الغيظ.

وبعد مرور عشر دقائق أخرى، قال عبدالله بملل: -يا ابني لو أنت مش محتاج الوقت ده، في ناس تانية محتاجاه.. أنت جاي تتأمل السقف.. ساكت ليه؟ نظر إليه أدهم والحيرة واضحة في عينيه، قال بشرود: -بقالي شهر بفكر بس مش قادر آخد قرار إني أعرفهم يا عبدالله.. صعب أوي أقولهم حاجة زي دي.. أنت متخيل إن الشخص اللي المفروض يكون مسؤول عنهم دلوقتي، هما اللي المفروض يبقوا مسؤولين عنه ويراقبوه ويتعاملوا مع شخصية تانية ميُعرفوهاش.. وبعدين..

صمت غير قادر على متابعة وإكمال الحديث. ليعتدل عبدالله في جلسته، وظهر على وجهه الاهتمام، خاصة حين اعتدل أدهم جالسًا وقال: -وبعدين هي لو عرفت هتعمل إيه؟ -هي.. هي مين يا أدهم؟ سأله عبدالله باهتمام، ليقول أدهم بنفس الشرود السابق: -سليمة. قطب عبدالله حاجبيه وازداد الاهتمام حين أكمل أدهم حديثه:

-من كلامها فهمت إنها لاحظت الحالات اللي بتحصلي.. من شهر لقيتها عايزة تقدم استقالتها وبتقولي إني عكسها وهزأتها وأهنتها.. أنا لازم أتعالج يا عبدالله.. لازم. غادر عبدالله من خلف مكتبه وهو يقول: -يبقى لازم نبدأ من دلوقتي في العلاج.. جلسات العلاج النفسي ونعرف عيلتك.. وممكن كمان نقول لسليمة أنا شاي.. لم يكمل حديثه حين انقض عليه أدهم وأمسكه من ملابسه وهو يقول: -تقول لمين؟ أنت اتجننت؟ وبعدين اسمها آنسة سليمة، أنت فاهم؟

ليضحك عبدالله بصوت عالٍ وهو يقول بصعوبة: -آنسة سليمة.. خلاص يا ابني هموت في إيدك. ابتعد عنه، لكن نظراته الغاضبة لم تهدأ. ظل الموقف ثابتًا لعدة لحظات، ثم قال بتوتر: -هنقولهم إزاي.. يعني أنا اللي هقول ولا أنت.. شعر عبدالله بخوفه وخجله، فقال بدعم: -عيلتك بتحبك يا أدهم.. وصدقني كلهم هيدعموك وهيقفوا جنبك.. ويا سيدي نرتبها مع بعض.. وابقا معاك وأنت بتقولهم علشان لو محتاجين توضيح وشرح للحالة بالتفصيل. -حالة.. بقيت حالة خلاص.

ردد أدهم خلفه بحزن، ليقول عبدالله بقوة: -أدهم، حالتك النفسية مهمة جدًا في علاجك ولازم تكون جاهز لكل حاجة وكل الاحتمالات وتتقبل قدرك. أومأ أدهم بنعم ووقف حتى يغادر، ليقول عبدالله سريعًا: -هتقولهم امتى؟ نظر له بتشتت.. ثم قال: -بكرة.. بكرة.

وغادر والهموم ترتسم على ملامحه وكأن جبال فوق كتفيه. كان يتابعه وهو يسير في اتجاه باب العيادة، وكأنه كهل بظهر منحني وليس شاب في ريعان شبابه. تنهد بحزن، وهو يدعو الله أن يوفقه ويعينه حتى يستطيع مساعدة صديقه. *** لم يأتِ اليوم.. أين هو؟ ولماذا لم يحضر؟

أمره كله غريب. في الكثير من الأوقات تجده هادئًا طبيعيًا، كما كان انطباعها عنه في مقابلة العمل. وأحيانًا تجده عصبيًا لا يُحتمل. وأيام أخرى جريئًا وقحًا يتطاول عليها بالحديث أحيانًا. لكنها تذكرت تلك المرة التي أرادت فيها تقديم استقالتها، ورغم رفضه كتبتها وتركتها على مكتبه ورحلت. في صباح اليوم التالي لم تذهب إلى العمل لتجد هاتفها يرن برقم غريب وبإصرار. وحين أجابت، وصلها صوته يسأل بقلق:

-إيه اللي حصل يا سليمة علشان تقدمي استقالتك وتسيبها كمان على المكتب ومتجيش النهاردة؟ .. فيه إيه؟ شعرت بالذهول من كلماته، ألم تخبره بالأمس بأنها ستقدم استقالتها؟ هل فقد ذاكرته ولم يعد يتذكر ما فعله بها بالأمس؟ فقالت ببعض العصبية: -هو حضرتك عايزني أكمل شغل إزاي بعد اللي حصل امبارح، ولا هو أنت عايز تجنني.. وبعدين أنت امبارح هزأتني وأهنتني وقولت عليا غفير.

صمت ولم يستطع الرد على كلماتها.. هو لا يتذكر أي شيء من هذا، لكن كيف يقول لها شيء كهذا؟ بعد مرور عدة دقائق، قال بأسف: -أنا آسف يا سليمة.. أنا بجد مش عارف أعتذرلك إزاي وأقول إيه.. لكن أنا محتاجك يا سليمة، محتاجك بجد.. أرجوكي ترجعي الشغل.. وتصبري عليا شوية.. أنا آسف. شعرت بالخجل بسبب كلماته واعتذاراته، فقالت بصوت مرتعش: -حاضر يا باشمهندس.. نص ساعة وهكون في المكتب.

عادت من ذكرياتها وهي تتنهد ببعض الحزن، أن حاله غريب. أصبح كثير الشرود، وكأنه كبر في العمر فجأة. أضاءت شاشة هاتفها باسمه الذي سجلته على هاتفها بعد محادثته لها. أجابته بلهفة حاولت مداراتها قدر الإمكان: -السلام عليكم يا باشمهندس. أجابها بإجهاد واضح: -وعليكم السلام ورحمة.. أنا مش هقدر أجي النهاردة.. أي شغل متعلق خلي عدنان يشوفه.. ولو في حاجة مش هيقدر عليها، ألغيها أو أجليها. شعرت بالخوف وألم قوي في قلبها، فقالت بصدق:

-حضرتك كويس؟ -لا يا سليمة.. مش كويس.. مش كويس خالص.. ادعيلي أرجوكي.. أنا بجد محتاج دعاكي ودعمك ليا. أجابها بصدق، لينبض قلبها بألم وهي تقول بحزن: -ربنا يصلح حالك ويروق بالك ويشفي قلبك من الوجع ويطيب روحك. تأوه بصوت واضح وهو يؤمن خلفها: -آمين يارب.. ربنا يخليكي ليا. وأغلق الهاتف قبل أن يضعف ويخبرها بكل شيء. وظلت هي تضع الهاتف فوق أذنها غير منتبهة لدموعها التي تغرق وجهها. ***

اليوم تشعر بألم قوي في معدتها، لم تستطع النوم حتى لساعة واحدة بعد عودتها من الملهى، ولا تعرف السبب. أمسكت هاتفها واتصلت به، فلا تستطيع الاتصال بغيره. لكن الرنين توقف وهو لم يجب. لتعاود الاتصال مرة أخرى، وأيضًا لم يجب. لكن قبل أن تضع الهاتف على الطاولة، رن الهاتف وأضاءت شاشته باسمه. لتجيب بسرعة وهي تقول: -الحقني يا بيبرس مش قادرة.. هموت.

ظل صامتًا لثوانٍ، فهو استيقظ على صوت الرنين ولم يكن قد استعاد وعيه بالكامل، لكنه انتفض واقفًا وهو يقول: -مالك فيكي إيه؟ حاسة بإيه؟ -بطني بتتقطع.. حاسة إني هموت من الوجع. أجابته وهي تبكي وتتأوه بصوت عالٍ، ليضع قدمه في خفه وركض إلى الخارج، وهو يقول بلهفة: -هقفل معاكي على ما تلبسي وتنزلّي علشان أوديكي المستشفى. -الناس هتقول إيه لو شافونا سوا.. أنا هطلع على أول الشارع. قاطعته قائلة بألم قوي، ليصرخ بها:

-أنتِ مش قادرة تتكلمي هتمشي إزاي.. أنا هدخل البيت من غير ما حد يشوفني. لتصرخ به: -يالهووووي يالهووووي هتفضحني في وسط الحارة.. أنا هخرج برة الحارة يا بيبرس اسبقني على هناك زي كل يوم. ليعود إلى البيت مرة أخرى ويبدل ملابسه سريعًا، وعاد يركض إلى خارج الحارة حين لمحها تغادر باب بيتها وهي تحاول السير بصعوبة. فلم يتحمل قلبه حالتها تلك، ليوقف توك توك وقال له: -شايف الست اللي هناك دي وصلها لأول الشارع.

وأعطاه ورقة مالية من الفئة الكبيرة، ليبتسم الشاب الصغير بسعادة وأدار التوك توك عائدًا إلى زيزي التي صعدت في الكرسي الخلفي وهي تكتم صرخات الألم بصعوبة. *** يقود السيارة بجنون وسرعة، ينظر إليها كل لحظة وأخرى وهو يقول: -قربنا نوصل. وهي لا تجيب بشيء، فقط تصرخ صرخات مكتومة من الألم القوي. لكن حين أوقف السيارة أمام المستشفى، مدت يدها له ببعض المال وهي تقول: -خلي دول معاك.

نظر إلى يدها التي تحمل رزمة كبيرة من الأوراق المالية الفئة الكبيرة باندهاش وصدمة. اندهاش من كونها تملك هذا المبلغ الكبير، وصدمة من كونه نسي تمامًا أمر المال ولم يحضر معه أي نقود.

أخذهم منها وغادر السيارة ودار حولها بسرعة، فتح بابها وانحنى يحملها بين ذراعيه وبخطوات سريعة دخل إلى المستشفى يصرخ بصوت عالٍ أن يساعده أحد. وبالفعل اقترب بعض الممرضين ومعهم سرير متحرك، وضعها عليه وتحركوا من أمامه حتى دلفوا إلى أحد الغرف وأغلقوا الباب. ليشعر أن قلبه سيتوقف من الخوف والعجز، لكنه ظل واقفًا مكانه ولم يتحرك، عينه ثابتة على الباب ينتظر أن يفتح. وبعد الكثير من الوقت، فُتح أخيرًا ليخرج الطبيب وتحدث بعملية

شديدة تصل حد البرود: -لازم تعمل عملية.. الزايدة عندها على وشك الانفجار.. انزل الحسابات على ما نجهزها للعملية. وتركه وغادر. ظل بيبرس واقفًا في مكانه لعدة ثوانٍ، الصدمة ترتسم على ملامحه. ثم تحرك من فورِهِ يبحث عن الحسابات، وإحساسك بالصدمة والخوف عليها يجعله لا يعلم ماذا عليه أن يفعل؟ ولكن عليه أن يتحرك سريعًا وعليه أيضًا أن يتصل بالجوكر ويخبره بما سيحدث. ***

يقف في شرفة غرفته ينظر إلى حديقة القصر الواسعة، لكنه لا يرى أي شيء منها. عقله غارق في التفكير، يريد أن يتخذ القرار، لكن كل ما يشعر به هو الخوف فقط. فماذا يفعل؟ نظر إلى السماء لعدة لحظات، ثم أخرج هاتفه من جيب بنطاله واتصل بعبدالله وطلب حضوره إلى القصر. وبعدها اتصل بعدنان وطلب منه أيضًا الحضور فورًا إلى القصر ودون تأخير. وصوته الجدي لم يسمح لعدنان بالسؤال أو المزاح.

ثم عاد إلى غرفته ومباشرة إلى الحمام، توضأ ووقف يصلي. ثم نزل إلى الأسفل ووجد جدته تجلس في مكانها المعتاد وجوارها ظلال، وبين يديها صحن كبير من الفشار يشاهدون أحد المسلسلات التركية الطويلة بانتباه شديد وتركيز، حتى أنهم لم ينتبهوا له ولوجوده. ظل يتأملهم وابتسامة صغيرة ترتسم على فمه رغم الحزن الساكن في عمق عينيه. نظرت إليه جدته وهي تقول بسعادة:

-رغم إني مندهشة جدًا من الإجازة الغريبة دي، لكن بصراحة مبسوطة علشان شوفتك واطمنت عليك. ظلت الابتسامة تزين ملامحه الرجولية وهو يقول بصدق: -كنت حاسس إنكم وحشني وحبيت أقعد معاكم شوية. اعتدلت ظلال في جلستها وقالت بسعادة: -أحلى حاجة عملتها والله يا آآبيه.. أنت كمان واحشني جدًا وكان نفسي أشوفك وأقعد معاك.. عندي حاجات كتير عايزة أتكلم معاك عنها وآخد رأيك في كذا حاجة.

وبدأت في الثرثرة دون توقف، حتى أنه انشغل تمامًا عما كان يشغل عقله ويفكر فيه. بعد مرور بعض الوقت، دخل عدنان يقول بقلق: -خير يا أدهم.. في إيه؟ .. قلقتني. لينظر إليه أدهم وقال بهدوء: -اقعد وهتفهم كل حاجة دلوقتي.

مر من جانبه وجلس بجانب شُكران من الجهة الأخرى دون أن يلقي ولو نظرة على ظلال التي تجمعت الدموع في عيونها، فمنذ آخر مواجهة وهو يتجنبها تمامًا. لم يعد يجلس معهم على طاولة العشاء، ولا يجلس في مكانه المفضل بالحديقة، حتى أحاديثه مع الفتيات قد اشتاقت لها رغم وجع قلبها. ولم يكن هو بحال أفضل، فقلبه الذي اشتاق لرؤيتها يؤلمه الآن ويريد أن يذهب إليها يرتاح بين كفيها، يشعر بدفئها.

كانت شُكران تشعر من داخلها بالحزن. كم تمنت أن يتزوج عدنان من ظلال، وتمنت أن ترى أدهم يتزوج من فتاة رقيقة تسعد قلبه وحياته، وتعوضه بعض الشيء عن كل تلك السنوات التي مرت عليه صعبة وقاسية. وكان أدهم ينظر إليهم بحزن ويرسم بداخل عقله ردود أفعالهم حين يسمعون الخبر. لكن قطع تفكيرهم دخول عبدالله بابتسامته البشوشة وهو يقول: -جدتي شُكران وحشتيني جدًا جدًا. لتبتسم له وهي تقول بلوم:

-لو وحشاك صحيح كنت تيجي تزورني وتجبلي مراتك وولادك علشان أشوفهم. ل يجلس أمامها على ركبتيه يقبل يدها وهو يقول بحزن مصطنع: -أشوفهم أنا الأول ومن عنيا حاضر. لتضربه على كتفه وهي تقول بلوم مرح: -مش هتتغير ولا هتعقل أبدًا.. الله يكون في عون مرضاك. اعتدل واقفًا وهو يقول: -والله أنا بقيت مريض أكتر منهم.. بس هنقول إيه. ومد يده بسلام لعدنان وهز رأسه بتحية بسيطة لظلال، وتوجه إلى أدهم وجلس جواره. خيم الصمت على الجميع للحظات،

حتى قال أدهم بجدية: -في موضوع مهم لازم أتكلم معاكم فيه.. من حقكم تعرفوه.. وكمان أنا محتاجكم جدًا ومحتاج دعمكم. ظهر الاهتمام والقلق على جميع الوجوه، ليكمل أدهم بعد أن ربت عبدالله على ساقه بدعم: -أنا عندي مشكلة صحية.. والموضوع مش بسيط. لتشهق ظلال بصدمة وخوف، وقالت شُكران بقلق: -مالك يا أدهم؟ فيك إيه يا ابني؟ ليقول عبدالله بدلًا من أدهم: -أنا هفهمكم.

وبدأ يشرح لهم مرض أدهم وما يحدث له، لتظهر على وجه عدنان لحظة إدراك وهو يتذكر كل ما حدث من أدهم سابقًا وما لاحظه عليه.. إذًا كان بشخصيته الثانية. بكت ظلال بصوت عالٍ وبدأت شُكران في الحوقلة بصوت مختنق. لم يتحمل أدهم كل ذلك ليغادر الغرفة والقصر بأكمله. كاد عدنان أن يلحق به، لكن عبدالله منعه قائلًا: -سيبه لوحده يا عدنان.. إنكم تعرفوا الموضوع ده ويبقى محتاج مراقبة منكم كلكم مش سهل عليه.

نظر له عدنان بعجز وبداخله حرب قوية، يريد أن يصرخ هو الآخر "أنا كمان مريض.. أنا كمان محتاج رعاية واهتمام.. محتاج أشبع منكم كلكم قبل ما أموت" لكنه لم يقل شيئًا وعاد يجلس في مكانه من جديد، ليقول عبدالله بهدوء: -في حاجة لازم تعرفوها وتفهموها كويس.. التعامل مع الشخصية التانية يكون طبيعي.. يعني متحاولوش تفهموه إنه أدهم ولازم يرجع لطبيعته خالص.. هتتعاملوا مع الشخصية التانية باسمها وطباعها لحد ما يمشي بمزاجه.

كان الجميع صامتًا وكأن على رؤوسهم الطير. ليغادر عبدالله بعد أن أكد عليهم طريقة التعامل، وأن يخبره بطبيعة هذه الشخصية، وأن أمكن يتصلوا به حتى يتحدث معها. ظل الثلاثة جالسين في مكانهم لا يجدون ما يقولونه. لم تتوقف ظلال عن البكاء، ولم تتوقف شُكران عن الدعاء والاستغفار، ولم يتوقف عدنان عن الصراخ بداخله "أنا كمان مريض.. أنا كمان محتاج رعاية واهتمام.. أنا كمان محتاج أشبع منكم كلكم قبل ما أموت". ***

ظل بيبرس جالسًا أمام غرفتها بعد أن تم نقلها إلى غرفتها، يفكر ماذا عليه أن يفعل الآن؟ فوالدها في المنزل بمفرده، لم يأكل شيئًا ولم يأخذ دوائه وهي مازالت تحت تأثير البنج. هل ينتظر إلى أن يحل الليل ويحاول الدخول إلى بيتها وإعطائه الدواء؟ ومهما أطال التفكير لا يجد حلًا آخر غير ذلك. نفخ الهواء من صدره بملل وضيق، فالجوكر لم يجب على اتصالاته المتكررة، ولا يعلم ماذا عليه أن يفعل الآن. لكن كل شيء يهون إذا كانت هي بخير.

أراح رأسه إلى الحائط وأغمض عينيه بإرهاق، لكن للجوكر رأي آخر حين رن صوت هاتفه وكان المتصل الجوكر. أجابه بيبرس بإرهاق وشرح له الوضع، ليصرخ فيه الجوكر بصوت عالٍ: -وأنت ماشي بدماغك مش تكلمني الأول. ليقف بيبرس وقال بغضب لم يستطع السيطرة عليه: -كنت هستنى منك الإذن وهي ممكن تموت والزايدة تنفجر جوه بطنها.. وبعدين هو ممنوع عليها المرض ولا أنت أصلًا مش مصدق.. لو الموضوع كده احنا موجودين في مستشفى..

وأغلق الهاتف، ورفع يده يريد أن يقذف به ليصطدم بالحائط ليتحطم أمامه إلى ألف قطعة. حضر الطبيب ليطمئن عليها، وبعد أن دخل إليها وفحصها خرج إلى بيبرس وقال: -هي هتفضل نايمة النهاردة.. وإن شاء الله هتفوق بكرة فممكن تروح وبكرة تبقى تجيلها. -لا أنا هفضل معاها بس هروح أجيب حاجة في السريع وراجع على طول.

قال بيبرس بسرعة موضحًا، ليومئ الطبيب بنعم وغادر، ليقترب بيبرس من باب غرفتها وفتحه برفق يتطلع إلى وجهها الشاحب لعدة لحظات، وبداخله يتمنى أن يقترب منها يضمها إلى صدره يستنشق ريحها، لكنه تحرك ليغادر حتى يطمئن على والدها ويعود إليها.

صعد إلى سيارته ومباشرة توجه إلى حيه. أوقف السيارة في مكانها على مدخل الحارة وسار بخطوات ثابتة للداخل، يحاول حصر كم شخص بالشارع، ويفكر في طريقة لدخول البيت دون أن يراه أحد. وصل أمام البيت ليقف على أحد جدرانه يستند بظهره عليه، ورفع إحدى قدميه على الجدار ينتظر أن يقل عدد المارة بالشارع. مرت أكثر من نصف ساعة وهدأت الحارة قليلًا ليتحرك في اتجاه البوابة، ونظر حوله نظرة سريعة ثم عبر البوابة، غير منتبه لتلك العيون التي تراقب بيت زيزي دائمًا بغضب وكره، والآن تبتسم بتشفٍ فقد وجدت مرادها.

*** ظل يقود سيارته في شوارع العاصمة على غير هدى، لا يعلم أين هو أو إلى أين يذهب، لكنه يريد أن يركض ويركض حتى يختفي ولا يجده أحد. أوقف السيارة فجأة حين شعر بألم قوي في رأسه، ومن شدته أراح رأسه على المقود ليشعر بتثاقل جفنيه، وبعدها لم يدرك أي شيء. فتح عينيه بعد الكثير من الوقت ينظر حوله باندهاش، أين هو؟ ولماذا يقف في مكان نائي مثل هذا؟ وما هذا الألم في رأسه؟

مد يده يفتح ذلك الدرج الموجود في تابلوه السيارة وأخرج علبة السجائر وأخرج منها واحدة، أشعلها وأخذ نفسًا عميقًا منها. ثم أعادها لمكانها وأخذ زجاجة صغيرة كانت تجاور العلبة وفتحها، تجرع منها القليل وهو يقول: -أهو كده نعدل المزاج. ثم أدار محرك السيارة وهو يتصل بذلك الرقم المعتاد، لكنها لم تجب، ففهم أنها مازالت تعمل. إذًا ليعود إلى المنزل ويقوم هو بطقوسه الخاصة التي تسعده بشدة.

أدار محرك السيارة وانطلق بعد أن رفع صوت مشغل الموسيقى لتعلو أغنية شعبية بكلماتها الغريبة: (إحنا الواجهة قيمة وقامة.. باجي بشوق مش زيك باجي بماما) كان يغني معها بصوت عالٍ، والابتسامة لا تفارق وجهه. حتى وصل وجهته، أوقف السيارة وترجل منها يلقي التحية على حارس العقار الذي نظر له بضيق وهو يرد التحية ودخل إلى المصعد. ***

خرجت من باب المنزل تضع الطعام والماء لتلك الهرة الصغيرة التي تجلس أمام بيتها ككل يوم. بعد أن انتهت ظلت مكانها تتابعها بهدوء وابتسامة وهي تتناول الطعام بنهم. كانت تمرر يدها على ظهرها بحنان. حين فُتح باب المصعد وخرج منه شاب صاحب عضلات قوية، يرتدي ملابس رياضية سوداء متوجهًا إلى الشقة المجاورة لها. كانت تنظر إليه وهي تفكر، إذًا هذا هو الجار الغامض؟ هل حانت اللحظة لتتعرف عليه؟

لكنه لم ينظر إليها ولو لمرة. سار بخطوات ثابتة في اتجاه شقته وهو يغني بصوت ليس بسيء وأيضًا ليس بجيد، لكن به شيء مميز يلمس قلبها. شهقت بصوت عالٍ حين قامت القطة بخدش يدها، لينظر في اتجاهها، لتجحظ عيونها بصدمة وهي تقول بذهول.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...