وصل أدهم إلى المستشفى ومباشرة إلى غرفة الطبيب. أراد أن يتحدث معه بشكل مفصل ودقيق، لأن ذهنه كان صافيًا ويستطيع ترتيب أفكاره لما في صالح عدنان، بل بما في صالح العائلة. حديثه مع سليمة ربت على قلبه، مده بالقوة والثبات. أعطاه القوة التي تجعله قادرًا على فعل المستحيل.
جلس أمام الطبيب الذي بدأ يشرح بعض الأمور بتفصيل، كالموانع والمسموح به في التعامل مع مريض HIV، والذي كان يعرفها تقريبًا أدهم. فخلال طريق العودة كان يستمع لفيديوهات طبيبة تشرح كل شيء يخص مرض HIV. وبعد حديث مطول بالتفصيل في كل نقطة، قال الطبيب بإقرار:
"وجود أستاذ عدنان هنا سيجعل الموضوع يُعرف كما قلت لك قبل ذلك. فقدام حضرتك حل من اثنين. لو فيه قدرة مادية، نصنع له غرفة رعاية كاملة والممرضة التي كانت معي تتابع حالته أربعة وعشرين ساعة، وأنا أتابع حالته يوميًا. أو الحل الثاني، أنك تسفره بره، وأكيد حضرتك تقدر توفر له طيارة طبية خاصة. وأنا برجح الحل الثاني لأكثر من سبب. الأول، الإمكانيات التي يمكن أن تتوفر له بره مؤكد أكثر بكثير من الذي يمكن أن نوفره ونقدمه له هنا. كمان علشان السرية وأن الخبر لا ينتشر."
كان أدهم يستمع ويفكر في الحلول المقترحة، أيهم أفضل. كان له أسباب أخرى يفكر بها. فإذا بقي بالبيت، ستعلم جدته وأخته بالأمر، وهما الأهم بالنسبة له من أي أحد آخر. وإذا جعله يسافر إلى الخارج، ستكثر الأسئلة، لكن ذلك أقل وطأة عليهم من معرفتهم بحقيقة الأمر. أخذ نفسًا عميقًا ونظر إلى الطبيب وقال:
"جهز كل الإجراءات لسفره. وأنا هتولى أمر الطيارة. ولو ينفع حضرتك ترافقه للخارج، أبقى شاكر جدًا، وباللي أنت تحدده طبعًا. وسفرك وإقامتك على حسابنا." ابتسم الطبيب وهو يقول: "متقلقش يا أدهم بيه. خلال ٢٤ ساعة كل حاجة هتكون جاهزة." خرج أدهم من غرفة الطبيب وعاود الاتصال بعبدالله، الذي أجابه بصوت ناعس: "أيوة يا أدهم." بصوت جاد قال: "أنا في طريقي ليك. انزل." وأغلق الهاتف ليشعر عبدالله بالقلق والاندهاش. وظل ينظر إلى الهاتف،
لتقول لبنى بقلق: "في إيه يا عبدالله؟ "أدهم جاي وعايزني أنزله. صوته قلقني." نظر لها وقبل جبينها وهو يقول بابتسامة صغيرة: "ارجعي كملي نومك. وأنا هنزل أشوفه عايز إيه. وربنا يستر." أومأت بنعم وعادت تضع رأسها على الوسادة، وأغمضت عينيها مستسلمة لنوم هانئ بعد جولة حب، وعودة عبدالله التي تعشقها لها من جديد. ~~~~~~
وقف يستند على سيارته، ينتظر صديقه الذي أقلقه ولا يستطيع تخمين ما حدث. والذي زاد من قلقه أكثر أنه لا يجيب على الهاتف. لكنه بعد عدة دقائق اعتدل حين اقتربت سيارة أدهم منه وترجل منها بجسده الرياضي وهيبته. لم تقل يومًا هيبته سببها وقار أدهم وملامحه الرجولية. وفوق كل هذا، لديه جاذبية لا ينكرها أحد. لكنه الآن يبدو مهمومًا، متهدل الأكتاف، وكأنه يحمل فوق كتفيه جبلًا ضخمًا. حين وقف أمام عبدالله، قال بشكل مباشر:
"عدنان عمل حادثة وعايز أسفره بره." اعتدل عبدالله وهو يقول بصدمة: "حادثة وتسفره بره! هي حالته خطيرة للدرجة دي؟! أخذ أدهم نفسًا عميقًا والتفت ينظر إلى الجهة الأخرى وقال بصوت واهن: "لا، الحادثة بسيطة الحمد لله. شوية كسور على جروح. لكن المشكلة مش هنا. المشكلة أن عدنان مريض HIV، وأنت فاهم طبعًا ده معناه إيه. علشان كده عايز أسفره بره."
شهق عبدالله واتسعت عيناه بصدمة. وخيم الصمت على الصديقين لعدة لحظات. ظل خلالها أدهم يعطي لصديقه ظهره، لكن عبدالله فهم الآن ما يمر به صديقه. شعر بالشفقة عليه، لكن هذا ليس وقتها. ليقترب منه ووضع يده فوق كتف أدهم وضغط عليه ببعض القوة كنوع من الدعم وقال: "تمام يا أدهم، أنا هرتب كل حاجة. قولي بس هو فين دلوقتي وكل حاجة هتكون جاهزة في أقرب وقت." لينظر له أدهم بحزن شديد وقال برجاء:
"مش عايز حد يعرف يا عبدالله. حتى ظلال وشُكران. مينفعش حد يعرف الموضوع ده. إمبراطورية الخشاب هتنهار وتنتهي يا عبدالله. محدش عرف الموضوع ده غير انت وسليمة. إنتوا أكتر اتنين أنا بثق فيهم." ليربت على كتفه من جديد وقال بتفهم، رغم أن هناك الكثير من الكلام الذي يريد أن يقوله تعليقًا على ثقته في سليمة السريعة والقوية: "فاهم يا أدهم، متقلقش." أومأ بنعم وتحرك في اتجاه سيارته وهو يقول:
"هبعتلك عنوان المستشفى واسم الدكتور علشان ترتبوا كل حاجة." صعد إلى السيارة ليقترب منه عبدالله وهو يقول مستفهمًا: "رايح فين؟ رفع عينيه لصديقه وقال بإرهاق واضح: "على القصر عايز أمهد الموضوع لجدتي وظلال وأشوف كذبة مناسبة لموضوع سفره ده." أومأ عبدالله بنعم ليتحرك أدهم مغادرًا، ليظل عبدالله واقفًا لعدة لحظات في مكانه يشعر بالهم. ليهمس بدعاء: "الله يعينك يا صاحبي." ثم صعد إلى شقته، التفكير يفتك به. كيف حدث هذا؟
صحيح عدنان له الكثير من المغامرات النسائية، لكن ليس لهذه الدرجة التي تجعله يصاب بهذا المرض. دلف إلى غرفته وعقله شارد بين الكثير من الأفكار، حتى أنه لم ينتبه لأن لبنى تجلس على السرير تنظر إليه بقلق. جلس على الأريكة بإنهاك. والسؤال الأهم يدور في رأسه. إذا كان هذا حاله حين علم بالأمر، فما حال أدهم؟ كيف استقبل الخبر؟ وكيف سيكون حاله وهو يكذب على جدته وأخته؟ شعرت لبنى بالخوف الشديد بسبب حالته تلك. غادرت السرير واقتربت
لتجلس جواره وهي تسأل بحذر: "فيه إيه يا عبدالله؟ مالك؟ أدهم كويس؟ نظر لها لعدة لحظات بصمت ثم قال: "عدنان ابن عمه عمل حادثة وحالته خطيرة وهيحتاج يسافر بره. علشان كده أدهم محتاج مساعدتي في الإجراءات." "لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يشفيها." اعتدل ليواجهها بكامل جسده. ومد يده يمسك يدها وهو يقول باعتذار: "أنا آسف يا لبنى، بس أنا لازم أنزل أدهم لوحده ومحتاجني جدًا." ووضعت يدها على فمه وقال بلوم:
"مش محتاج تعتذر ولا تبرر. يا عبدالله، أنا قلت لك أنا مش عايزك تفضل قاعد جنبي. لا، أنا بس عايزك تقسم وقتك. وقت لشغلك ووقت ليا ولولادك ووقت حتى لنفسك. وبعدين دلوقتي صاحبك الوحيد في مشكلة، طبعًا لازم تكون جنبه وتسانده." ليقبل يدها برقة لتكمل كلماتها وهي تساعده على الوقوف: "قوم خد دش على ما أجهز لك الهدوم."
أومأ بنعم وتحرك إلى الحمام، لتفتح الخزانة وأخرجت ملابسه ووضعتها على السرير، ثم توجهت إلى المطبخ تعد له إفطارًا خفيفًا، فهي تعلم جيدًا أنه لم يهتم بتناول أي شيء طوال انشغاله مع صديقه. ~~~~~~ عادت شُكران إلى وعيها، لكنها مازالت غير قادرة على التحدث أو الحركة. لذلك لم يستطع مراد ترك ظلال بمفردها وظل معها بالقصر.
كانت هي تجلس أرضًا جوار جدتها، ويجلس هو على الأريكة المقابلة يقاوم النعاس بشق الأنفس، لكن في النهاية استسلم للنوم. لتبتسم ظلال وهي تتوجه إلى غرفة جدتها، وعادت من جديد وهي تمسك بين ذراعيها شرشفًا خفيفًا، وضعته فوقه. لكنه لم يشعر بها، فقد كان يومه شديد الإرهاق، فاستسلم لسلطان النوم سريعًا. عادت تجلس جوار جدتها بعد أن عدلت الغطاء فوق قدميها. أراحت رأسها على قدم جدتها وأغمضت عينيها واستسلمت هي أيضًا لسلطان النوم.
دلف أدهم من باب القصر ليصدم بما رآه، لكنه ظل واقفًا في مكانه يحاول تحليل الأمر، لكن عقله لم يكن في حالة جيدة ليستوعب أي شيء. أقترب من أخته وجدته وجلس على إحدى ركبتيه وهو يهمس: "ظلال... ظلال." فتحت عينيها بتثاقل، وحين اتضح وجه أدهم لها قالت بلهفة: "عدنان كويس؟! أومأ بنعم. ثم قال باستفهام: "هو مراد بيعمل إيه هنا؟ اعتدلت في جلستها وقصت عليه كل ما حدث، ليقول بقلق وهو ينظر إلى جدته: "طيب متصلتيش ليه؟
كنا نقلناها المستشفى." "متقلقش يا أدهم، أنا كنت متابع مع دكتور صديقي وهو طمنا." كان هذا صوت مراد الذي استيقظ منذ بداية حديث ظلال وأدهم. ليعتدل أدهم ينظر إليه وقال بإمتنان رغم عدم استساغته للموقف: "شكرًا يا مراد على وقفتك مع ظلال وأنك مسبتهاش لوحدها." أبعد الشرشف عنه واعتدل واقفًا وهو يقول: "همشي أنا بقى. ولو احتجتم حاجة أنا موجود وفي الخدمة."
وقف أدهم ليحيه وجدد شكره من جديد، ليغادر مراد القصر. ليعود أدهم إلى ظلال وساعدها في إدخال جدتهم إلى غرفتها. وحين غادروها وأغلق الباب، وقف أمام ظلال وقال بهدوء قدر استطاعته: "عدنان محتاج يسافر بره... علشان الكسر اللي في دراعه ميأثرش عليه وعلى لعب الملاكمة." لتمسك يده وهي تقول بتوسل: "عدنان هيبقا كويس يا آبيه، مش كده؟ أنت مش بتكذب عليا، صح؟ ليضمها إلى صدره بحنان وهو يقول:
"متقلقيش يا حبيبتي، كل حاجة هتبقى كويسة. صدقيني." لكن بداخله يدعو الله أن يسترها معه، وأن يمر كل شيء بخير. فهو يشعر أنه لم يعد لديه طاقة لتحمل أي شيء آخر. ~~~~~~~~ هناك في وسط ذلك الظلام الدامس، يشعر بأنه مقيد وكأنه مكبل الذراعين والساقين. لكن بطريقة تجعل كل طرف من أطرافه في اتجاه، وجسده معلق في الهواء. لا يرى أي شيء، لكنه يشعر بالخوف، يشعر بالرهبة. وهناك إحساس آخر لا يستطيع وصفه الآن، لكنه يطغى على أي شعور آخر.
كان يحاول استبيان أين هو وماذا يحدث معه؟ ومن فعل به هذا؟ حاول استجماع قوته حتى يحرر نفسه من تلك القيود، لكن حين حاول التحرك سمع صوتًا قويًا له صدى يهز القلوب، يحمل الكثير من الغضب، يقول بأمر: "أثبت مكانك." توقف عن الحركة، لكن رغمًا عنه ارتعد جسده بقوة. رهبة وخوفًا. ليعود الصوت من جديد يقول بصوته القوي صاحب الصدى:
"كنت فاكر إنك هتعيش حياتك بالطول والعرض وتستحل ما حرمه الله. تستحل أجساد حرمت عليك إلا بالحق. ناسي إن ربنا شايفك ومطلع عليك وعلى أعمالك. وأن كل ده هيعدي من غير عقاب." انحدرت دموع عدنان وهو يقول بحزن شديد وأسف: "عارف إني غلطان. عارف إني زاني. عارف إني استحليت المتع المحرمة وشيطاني غواني وضحك عليا ونفسي الأمارة بالسوء سهلت لي الحرام."
خيم الصمت الموحش على المكان ليزداد خوف عدنان وارتجاف جسده. لتصدر تلك السلاسل صوتًا عاليًا. ليعود الصوت من جديد هادرًا: "أثبت مكانك." ليعود الصمت يغلف كل شيء ويسبب الرهبة في القلوب. ليقول الصوت من جديد في نفس اللحظة التي اشتعلت تلك السلاسل التي تكبل ذراعيه وساقيه والنيران تتصاعد حتى كادت أن تصل إلى جسد عدنان.
"يا ترى أنت مستعد للحظة نزولك القبر والملايكة تسألك." ليهز عدنان رأسه بلا عدة مرات والخوف يسيطر عليه بشدة. خوف من احتراقه بالنار وخوف من الله وحسابه. ليعود الصوت من جديد وهو يقول: "من ربك؟ ما هو دينك؟ من هو نبيك؟ ليصرخ عدنان بصوت عالٍ والنار تطول جسده تلتهمه جزءًا جزءًا. ليعود الصوت من جديد وهو يقول: "من ربك؟ ما هو دينك؟ من هو نبيك؟ ليصرخ عدنان بصوت عالٍ والنار تلتهمه بالكامل وصدى الصوت المخيف يتردد في أذنه. "من ربك؟
ما هو دينك؟ من هو نبيك؟ في وسط كل هذا، كان جسده الموصول بالأجهزة ينتفض بقوة، وكأن أصيب بمس كهربائي يسير في جسده بقوة كبيرة. ليركض الطبيب إلى غرفة الرعاية يحاول السيطرة على تلك الحالة الغريبة غير المفهومة. وبعد معاناة استطاع تهدئة الوضع قليلًا.
لكن عدنان كان مازال يعاني. مستوى الأكسجين يقل. وجسده مازال ينتفض حتى لو بدرجة أقل. ويديه في حالة تشنج. كان الطبيب يحاول فتح عينيه، لكنه يغلقهما بقوة شديدة. وقبل أن يبتعد الطبيب حتى يحضر قناع الأكسجين، فتح عدنان عينيه على اتساعهما وهو يقول بصوت عالٍ: "ربي الله. ديني الإسلام. محمد بن عبدالله رسولي." ليبتعد الطبيب برهبة إلى الخلف. وظل عدنان لدقيقة كاملة يردد تلك الكلمات.
حين استعاد الطبيب ثباته مما كان يحدث، اقترب من عدنان وقال في محاولة لتهدئته: "أهدى يا عدنان، أهدى. أنت لسه عايش. ربنا كتب لك عمر جديد. أهدى." لينظر له عدنان وعيناه تمتلئ بالدموع وهي يقول بصوت متهدج: "لسه عايش... عمر جديد... لسه عايش." ليخرج الطبيب من الخزانة الجانبية حقنة مهدئة، وحقن بها عدنان وهو يقول له: "أهدى. كل حاجة هتبقى كويسة."
لتبدأ أنفاس عدنان في الهدوء تدريجي وجفنيه في التثاقل، حتى عاد الهدوء من جديد داخل غرفة الرعاية. ليتنهد الطبيب ببعض الراحة. وتحرك باتجاه الباب، لكن قبل أن يخرج نظر مرة أخرى تجاه عدنان ثم خرج وهو يقرر الاتصال بأدهم ليخبره بكل ما حدث. فجسده مازال ينتفض بصدمة وخوف. فما حدث بالداخل يثير الرهبة في النفس والخوف. كيف فوق ذلك الجسد الذي سقط أرضًا منذ لحظات فاقدًا للحياة بعد تلك الرصاصة التي اخترقت قلبه دون خطأ.
ينظر إليه بتشفي ورأسه الساقطة بين قدميه بلا حول ولا قوة بعد غرور وتكبر وتلك النظرات التي كان ينظر بها لكل من هم أقل منه، وكأنه خلق من طينة مختلفة غير باقي البشر. ابتسم بتشفي، فها هو لقد تخلص الآن من الباشا، ودور الجوكر هو القادم. أخذ نفسًا عميقًا وهو يتذكر حديثه من الجساس: "اسمعني يا صلاح، أنا عايز منك خدمة." اقترب صلاح من سرير بيبرس وقال بصدق وهو يضرب بيده على عنقه: "أنت عارف إن رقبتي ليك سداادة يا بيبرس. وفي ضهرك."
ليغلق بيبرس عينيه لثوان ثم حاول الاعتدال ليساعده صلاح وهو يقول بلوم: "الجرح لسه حي يا بيبرس." "مفيش وقت أفكر في خدش صغير زي ده. وفيه حياة واحدة بريئة كل ذنبها إنها وثقت في ندل زيك." قاطعه بيبرس وهو يقول بألم. ليجلس صلاح على طرف السرير وقال باهتمام: "وأنا معاك وسداد يا بيبرس. قولي المطلوب إيه." أغمض عينيه لعدة لحظات بحزن ثم تحولت لغضب عاصف وهو يقول:
"الجوكر لعب معايا وعمل الدنيئة. طلع واطي وشمال. ماشي في طريق الحرام كل اللي ممكن تتخيله، حتى إنه بيبيع نفسه ليدفع ثمن متعته. ودلوقتي عايز يدمر بنت غلبانة ظروفها صعبة والعوز والحاجة رموها في طريقي، وبدل ما أساعدها شوفتلها شغل مكسبة سريع عند كلب زي الجوكر ميعرفش الرحمة. اشتغلت رقاصة وبسببها الصالة زباينها زادت، لكن هو طمع في فلوس الشمال. والرجالة اللي ريلت عليها وعايزة تدوق من جرة العسل. ولما وقفتله قرر يقتلني ويخلص عليا بمساعدة الباشا علشان يستفرد بيها ويبعها للي يدفع أكتر."
وعند ذكر الباشا كانت مصاحبة لكلماته غمزة فهمها صلاح دون الحاجة لتفسير. فمن يعمل في مجالهم يعرف جيدًا من هو الباشا، وما يستطيع القيام به، ومدى نفوذه وقوته. لكن رغم كل شيء كان يستمع إلى كلماته ونار حارقة تشتعل داخل صدره. يتخيل أخته، أو ابن عمه، أو أي فتاة من معارفه في هذا الوضع. شعر بقبضة يده المضمومة تكاد تتهشم، ليقول من بين أسنانه: "خطتك إيه؟ "اسمعني كويس."
وها هو نفذ أول خطوة في الخطة. اصطاد الباشا وهو يغادر إحدى البيوت المشبوهة، وبرصاصة واحدة من سلاح يخص رجل من رجال الباشا اخترقت قلبه دون رحمة. وسقط جثة هامدة. نظر إلى صلاح الذي يقف في إحدى الحارات المظلمة يبتسم بسعادة. ليتحرك بيبرس في اتجاهه وهو يقول: "خلينا ننفذ الخطوة الثانية. قبل خبر خروجي من المستشفى ما يوصل للجوكر." ~~~~~~~~
جلست سليمة جوار والديها يشاهدون التلفاز بعد تناول العشاء. لكنها كانت في مكان آخر. لا تعي لما يعرض أمامها، أو إلى الحوار الدائر بين والديها. نظرت إلى والدها نظرة خاطفة، ثم نظرة تشبهها لوالدتها، وقالت فجأة: "أنا داخلة أنام." لينظر والديها إليها باندهاش وقال والدها بتعجب: "مالك يا سليمة؟ بقالك فترة متغيرة. حالك مش عاجبني يا بنت فاطمة." لتنظر إليه بخجل وقبل أن تقول أي شيء، قالت والدتها وهي تربت على ظهرها بحنان:
"مالك يا بنتي؟ إيه اللي قالب حالك كده؟ ومخليكي ديما سرحانة وكأنك في وادي تاني." اخفضت سليمة رأسها بخجل وحيرة. بداخلها الكثير والكثير التي تريد أن تخبر به والديها. لكن كيف تقوله؟ إنها لا تستطيع توقع ردود أفعالهم. لكنها قالت بصدق: "الحقيقة في كذا موضوع عايزة أتكلم فيهم معاكم. بس كمان مش عارفة هو صح أتكلم دلوقتي ولا لازم أستنى شوية." تنهدت بهم ثم رفعت عيونها إلى والدها وقالت برجاء: "حضرتك بتثق فيا ولا لا؟ ليربت والدها
على يدها وهو يقول بصدق: "بثق فيكي، ثقتي في نفسي يا سليمة." ربتت والدتها على يدها الأخرى كأنها تقول "وأنا أيضًا". لتبتسم سليمة ابتسامة صغيرة وهي تقول بتوسل: "ممكن بس تدوني شوية وقت وأنا لوحدي هاجي وأقولكم على كل حاجة." أومأ والدها بنعم رغم ذلك الإحساس الداخلي الذي يخبره أن هناك أمرًا كبيرًا يحدث مع ابنته. يشعر أن هناك ما يجب فعله من أجلها. وكأن هناك خطرًا ما يحيط بها هو لا يراه، لكن يشعر به بقلبه.
اتسعت ابتسامتها ووقفت حتى تقبل رأسه وبداخلها تعتذر منه عن صمتها، عن إخفاء كل ما تمر به عنه. وفعلت المثل مع والدتها وقالت بصوت منخفض: "تصبحوا على خير." ليردوا لها تحية المساء بصوت هامس وكل منهم ينظر إلى الآخر بقلق وحديث صامت ينصت له كلا القلبين ويفهمه، يدل على خوف كبير مشترك على وحيدتهم. لكن لينتظروا بعض الوقت عل الأمور تكون بخير.
توجهت سليمة إلى غرفتها بخطوات ثقيلة. لكنها ظلت واقفة هناك لعدة دقائق تنظر لهم بحزن وإحساس بالذنب. لكن ما جعلها تتحجر في مكانها حين سمعت والدتها تقول: "هو ميعرفش الساكن ده هيجي إمتى؟ "أنتِ عارفه بواب عمارتنا حشري أوي وبيدخل في كل حاجة وعامل نفسه فاهم في كل حاجة. لكن مع الساكن ده بالتحديد شكلة كده مش عارف ياخد منه لا حق ولا باطل." لتضحك فاطمة ببعض المرح وقالت بشماتة واضحة:
"تصدق فرحانة فيه. بس برده هيجي إمتى ده نفسي أعرف مين ده اللي قدر يقنع إحسان ببيع الشقة. يمكن نقدر نقنعه يبيع لينا الشقة علشان خاطر سليمة." لم يعلق على كلماتها، فعقله سارح في حال ابنته. أما هي فـتنهدت بعد أن استمعت لحديثهم. "ثامر". لقد اشتاقت له ذلك العابث، مقطب الجبين، وقح النظرات. رغم كل هذا، إلا أنها اشتاقت له، فهو جزء لا يتجزأ من أدهم. لذلك هي حقًا تحبه.
دخلت إلى غرفتها وهي تنتظر الغد بشوق ولهفة. وسؤال هام يدور في رأسها. هل سيحضر إلى الشركة غدًا؟ لكنها ابتسمت وهي تقول لنفسها: "حتى لو مش هيجي ممكن أتصل بيه أسأله هو مجاش ليه؟ أو أسأله عن أي حاجة في الشغل وأسمع صوته." خرجت من أفكارها على صوت وصول رسالة على إحدى تطبيقات الدردشة. لتمسك هاتفها بلهفة واتسعت ابتسامتها وهي ترى اسمه أمامها. فتحت الرسالة بسرعة ولهفة لتجدها رسالة صوتية. زادت دقات قلبها. ها هي ستستمع لصوته.
"السلام عليكم... سليمة، أنا مش هقدر آجي المؤسسة بكرة. عايز أخلص موضوع سفر عدنان. وجدتي كمان تعبت جدًا علشان قلقها عليه. ومحتاج أنام شوية. الصداع هيفرتك دماغي وحاسس إني هفقد أعصابي. الغي كل مواعيدي وأجل أي شغل. المهم خلي بالك من نفسك ولو احتجتي أي حاجة كلميني، وحتى لو محتاجتيش كلميني برده. تصبحي على خير."
ظلت تستمع لصوته مرارًا وتكرارًا. وابتسامة سعادة ترتسم على وجهها وعينيها تخرجان الكثير من القلوب الحمراء، خاصة مع كلماته "خلي بالك من نفسك ولو احتجتي حاجة كلميني، وحتى لو محتاجتيش كلميني برده." وظلت على هذه الحالة عدة لحظات حتى انتبهت أن عليها الرد على تلك الرسالة. لكنها لن تستطيع تسجيل رسالة صوتية. سوف تخجل. وأيضًا هي في الأساس لا تجد صوتها، فقد هرب منها من كثرة السعادة التي تشعر بها. نظرت إلى هاتفها وأعادت
التسجيل من جديد ثم كتبت: "وعليكم السلام. مفيش مشكلة خالص يا باشمهندس. أنا هلغي كل المواعيد. ربنا يعينك ويقويك ويشفي أستاذ عدنان وجدة حضرتك. وخلي بالك من نفسك. كان الله في عونك." ضغطت على سهم الإرسال ثم أغمضت عينيها بخجل. لكنها فتحتهم على اتساعهم حين سمعت صوت وصول رسالة جديدة. وكانت رسالة صوتية أيضًا. فتحتها سريعًا ليصلها صوته الغاضب وهو يقول: "باشمهندس وحضرتك في جملة واحدة. ماشي يا سليمة، حسابك معايا بعدين."
لتضحك بمرح وسعادة وهي تضم الهاتف إلى صدرها ثم رفعته إلى فمها تقبله عدة مرات. والقت بنفسها فوق السرير وأغمضت عينيها وهي تقول: "هو النهار أتأخر ليه؟ ~~~~~~~~ بداخل تلك السيارة الصغيرة التي تتسع لأجسادهم الضخمة بصعوبة، يتجهون إلى تنفيذ الجزء الثاني من الخطة. القضاء على رأس الأفعى. لكن هناك شيء واحد ناقص وعليه أن ينهيه أيضًا.
أخذ هاتف صلاح الملقى أمامه على تابلوه السيارة واتصل بها. عليه أن ينهي الأمر ويلهيهم بشيء أكبر من مجرد قضية قتل. فضيحة مدوية تأتي بالجميع وتسقط كل الأقنعة. اتصل برقمها ووضع الهاتف على أذنه ينتظر ردها. لكنها تأخرت. فاتصل مرة أخرى وقبل أن ينقطع الاتصال أجابته بصوت لاهث: "السلام عليكم... أيوه يا بيبرس." "أنتِ كنتِ نايمة ولا إيه؟ سألها ببعض القلق لتجيبه بعد تنهيدة بسيطة: "لا، كنت بصلي."
ليحل الصمت عليهم عده لحظات. يشعر فيها هو بقدسية تلك الكلمة "كنت بصلي". وارتجف جسده وكأنه يشعر بالبرد. الصلاة، تلك الكلمة الذي لم ينطقها لسانه يومًا. ذلك الفعل الذي لم يقوم به ولو لمرة واحدة. لتكمل هي ببراءة غافلة تمامًا عن ما يشعر به:
"زمان مكنتش بفوت فرض يا بيبرس، بس شيطاني غلبني وبعدني عن ربنا. خلاني استسهل الحرام وأدور على حل بين إيدين البشر مهما كان حرام ويغضب ربنا. ورب البشر هو القادر على كل شيء. رجعت له يا بيبرس، رجعت له ومتأكدة من رحمته ومغفرته وإنه أكيد هيتقبلني ويغفر لي ومش ناوية أبعد تاني يا بيبرس، مش هبعد أبدًا."
تجمعت الدموع في عينيه. وانحشر صوته في حلقه غير قادر على الكلام. لتكمل هي كلماتها التي تلمس قلبه وكأنها عصا سحرية. تذيب ذلك الجليد الذي يغلف قلبه منذ سنوات. وتلك القسوة التي تسبب بها الحرام. وقشرة الذنوب التي تمنع دخول النور إلى قلبه.
"ولو تعرف حسيت بإيه وأنا بتوضى وبصلي كأني بتسلخ من جلدي القديم. بطهر الجسم اللي لوثته نظرات الناس في الحرام وأنا بتمايل قدامهم علشان يدفعوا الثمن. ناسيه النار اللي هتحرق الجسم ده يوم القيامة. فضلت أعيط وأعيط وأنا بدعيله من قلبي إنه يغفر لي كل اللي فات ويسترني دنيا وآخره." انحدرت دمعة وحيدة من عينيه وكادت أن تلحقها أخرى وأخرى، لكنه حاول التماسك قدر الإمكان. اجلاء صوته وقال بحشرجة: "ربنا يتقبل منك يا ست زيزي." وصمت
للحظة ثم قال ببعض التوتر: "اسمعيني كويس." صمتت تستمع لكلماته ثم قالت بتوتر وخوف: "حاضر، هعمل كده حالًا. بس... "بس إيه؟ سأل ليحثها على إكمال كلماتها لتكمل بصوت قلق: "أنت هترجعلي مش كده؟ مش هتأذي نفسك." ظل صامتًا لثوان ثم قال بابتسامة صغيرة:
"أنا كل حاجة هعملها النهاردة علشان خاطرك يا زيزي. علشان متخسريش نفسك ولا تقعي تاني في الغلط. ومتبعديش تاني عن ربنا. ومتخسريش الطهر اللي أنتِ فيه. أوعي تبطلي صلاة مهما حصل. أوعي تبعدي عن الطريق الصح تاني أبدًا مهما حصل. أوعديني." "أوعدك." قالتها بصوت مرتعش باكي ليغلق الهاتف بعد أن أكد عليها تنفيذ ما طلبه منها. في هذا الوقت، كان صلاح يستمع لكلماته ويرى تعابير وجهه المتألمة. ليقول بإبتسامة صغيرة محاولًا
إخراجه من تلك الحالة: "عشت وشوفتك بتحب يا بيبرس." ليبتسم بيبرس بسخرية وهو يقول بتأكيد: "طلع مفيش حد كبير على الحب ومفيش حد قلبه في إيده. سبحان مقلب القلوب كيفما يشاء." "طول عمرك بذرتك نظيفة وطاهرة يا بيبرس. شبه بذرتي، لكن الظروف الصعبة وإحنا طلعنا أضعف بكتير مما كان متخيلين. فاكرين نفسنا أشطر من الشيطان وقادرين نغلبه." قال صلاح بإقرار وكأنه في جلسة اعتراف. ليومأ بيبرس بنعم ليكمل صلاح كلماته:
"لما نخلص مهمتنا النهاردة. وعد، همشي عدل. هتوب وأتجوز وأعيش حياة نظيفة بعيد عن كل الهم ده. لو هشتغل كناس ولا حتى بواب عمارة أو حتى بياع سريح، المهم شغلانة حلال." تنهد بيبرس بتثاقل وهو يقول: "نرجع بس بالسلامة." لينظر له صلاح ببعض القلق. لكن الإصرار هو ما كان يرتسم داخل عيونهم. فقد قررا إنهاء الأمر ولن يتراجعوا أبدًا. ~~~~~~~~
وصلوا أمام الملهى الليلي وفي أكثر الأماكن ظلمة، أوقفوا السيارة. ينتظرون اللحظة المناسبة لتنفيذ مخططهم مع وصول شخص ما يحمل شيئًا مهمًا لهم. لن تكتمل خطتهم دونه. إن بيبرس ينوي تفجير قنبلة كبيرة. سوف تلتهم كل شيء. هو لن ينتقم له فقط، سوف ينتقم لكل من طغى عليهم الجوكر أو ظلهم أو سلب منهم شرفهم، مستغلًا ظروفهم الصعبة واحتياجاتهم للمال والعمل.
نظر إلى صلاح الذي يظهر الحماس على ملامحه، غير عابئ بحياته أو مهتم إذا كان الأمر سينتهي وقد كتب لهم عمر جديد أو تنتهي حياته في تلك الليلة. وكل هذا من أجل شيء لا يخصه ولا يمسه، هو فقط يدعم صديقه، يساندة بكل إخلاص. شيء جديد يكتشفه في نفسه وفي من حوله. أن له صديقًا حقيقيًا يسير معه للموت دون خوف. والفضل من جديد يعود لزيزي. ~~~~~~~~ وصل عبدالله إلى المستشفى ومباشرة سأل عن الطبيب الذي أرسل أدهم اسمه له. طرق على
باب المكتب ودلف وهو يقول: "دكتور مختار؟ "أيوة يا فندم، مين حضرتك؟ رفع الطبيب رأسه عن الكتاب الذي بين يديه وأجابه بهدوء. ليدخل عبدالله وأغلق الباب خلفه وهو يقول بعملية شديدة: "أنا دكتور عبدالله السعيد، من طرف أدهم الخشاب. وجاي علشان أنسق معاك كل حاجة تخص عدنان وسفره." ليقف الطبيب يرحب به وبدأ يخبره بكل ما قام به. ليقول عبدالله:
"تمام، هتأكد من تجهيز الطيارة على ما تتواصل مع المستشفى وتأكد الحجز معاهم. أنا كلمتهم واتفقت على كل حاجة. لكن لازم تكلمهم علشان لو فيه أي شيء محتاج يكون متوفر وقت وصول عدنان." وأعطاه ورقة صغيرة مكتوبًا بها تفاصيل المستشفى وطرق التواصل. ليومأ الطبيب بنعم وبدأ في التنفيذ. ليخرج عبدالله هاتفه واتصل بأدهم الذي أنهى صلاته للتو بعد أن أخذ حمامًا دافئًا عله يهدئ من ذلك الألم الذي يؤن في جميع أنحاء جسده. "أيوة يا عبدالله."
"استمع لكلمات عبدالله المتسائلة عن موضوع الطائرة الطبية التي ستنقل عدنان إلى الخارج. ثم قال: "متقلقش، أنا اتصلت باللي هيخلص الموضوع واديتة رقمك علشان يتواصل معاك. وأنا هنام ساعتين بس وهجيلك." صمت مرة أخرى ثم قال: "تمام، إن شاء الله خير. أنا عرفت ظلال إنه محتاج عملية خطيرة في دراعه علشان يقدر يكمل لعب الملاكمة. وشُكران سكرها عالي جدًا ونايمة. ربنا يستر لما تصحى وتعرف." استمع من جديد لكلمات عبدالله ثم قال:
"تليفوني مفتوح لو فيه أي حاجة كلمني عبدالله. أنا زي ما قلت لك هنام ساعتين وهتلاقيني عندك. وعارف إنك قدها وقدود." أغلق الهاتف وتوجه إلى السرير وأغمض عينيه يحاول أن ينام، لكن هيهات. فالأفكار تعصف به من كل الاتجاهات. لكنه ظل ممدد جسده على السرير مغمض العينين عله يحصل على بعض الراحة. وعند عبدالله نظر إلى الطبيب الذي كان منهمك في شيء ما. فقال حتى ينبه لانتهاءه: "عملت إيه؟
"تمام، بعت الميل وتم الرد وكل شيء جاهز. الطيارة تبقى جاهزة نتحرك على طول." كل هذا كان يقوله وهو ينظر لبعض الأوراق. ثم رفع عينيه وهو يقول: "أنا بس هروح البيت لمدة ساعة أجيب حاجاتي وأرجع. أنا كلمت أمي وهي جهزت كل حاجة. هروح أجيبهم وأرجع." ليقترب عبدالله من المكتب وقال بتوضيح: "أنا مش عايزك تسيب المستشفى خالص. مش عايز حد يدخل لعدنان غيرك. مش عايزين أي مجازفة. قولي عنوانك فين وأنا هروح أجيبه." ليقف الطبيب
ودار حول المكتب وهو يقول: "تمام، مفيش مشكلة. بس أكد لها إن حالة المريض اللي أنا مسؤول عنه حرجة جدًا وإني مش قادر أسيبه. هي عارفة بس أكد لها الكلام علشان تبقى مطمئنة." أومأ عبدالله بنعم وغادر بعد أن أخبره بالعنوان. وبعد نصف ساعة عاد ومعه الحقيبة الخاصة بالطبيب. بعد ثلاث ساعات كان الجميع في المطار وانتهت كل الإجراءات. وها هو سرير عدنان يدخل الطائرة استعدادًا للسفر. ليوقف أدهم الطبيب وقال له برجاء وتوسل:
"أرجوك خلي بالك منه. هنبقى أنا وعبدالله على تواصل يومي معاك. ومؤكد هنيجي زيارات كمان. ولو احتجت أي حاجة اتصل فورًا." أومأ الطبيب بنعم وقال لأدهم بعملية شديدة: "متقلقش يا أدهم بيه. كل شيء هيكون كويس. وأصلًا حالته مش خطر. إحنا كل الحكاية علشان الناس والإشاعات اللي ممكن تطلع أو الخبر ممكن يتسرب. كمان المستشفى دي متخصصة في الأمراض المناعية يعني أستاذ عدنان هيكون هناك في إيد أمينة."
تركهم وتوجه إلى الطائرة لينغلق بابها وبدأت في التحرك استعدادًا للإقلاع. ليربت عبدالله على كتف أدهم ببعض الدعم وقال بمواساة: "إن شاء الله خير. متقلقش، هيقوم ويبقا زي الفل." لينظر له أدهم بنظرة غائمة وقال بألم: "لو على شوية الكسور ف أكيد هيبقا كويس. لكن اللي أنا وأنت وهو عارفينها، فهو عمره ما هيبقى زي الفل." أومأ عبدالله بنعم لكنه ربت على كتفه من جديد وهو يقول بإقرار:
"كل حاجة ليها حل يا أدهم. وفيه وسائل كتير ممكن تخليه يعيش حياته بشكل طبيعي زيه زي أي حد." نظر إليه لعدة لحظات ثم أومأ بنعم وتحرك ليتوجه إلى السيارة. يتذكر كلمات شُكران حين علمت بالأمر. صوتها الضعيف، وجهها الشاحب، والدموع التي تلمع داخل عيونها. "قولي الحقيقة يا أدهم. أنا هستحمل بس متخبيش عليا. حفيدي ماله؟ لـيجـثـو على ركبتيه أمامها وامسك بيدها يقبلها عدة مرات وهو يقول بصدق خاصة وهو ينظر في عيونها
حتى ترى صدقه ويرتاح قلبها: "والله هو كويس. بس أنتِ عارفة الملاكمة عنده إيه. وعشان أما يخف إن شاء الله يقدر يرجع يلعب من غير مشاكل ولا علاج طبيعي. ولا قدر الله ميقدرش يلعب تاني. قررت أسفره علشان يهتموا بيه ويرجع زي الفل." ظلت صامتة تحدق في عينيه ثم قالت بقلب أم يتألم: "يعني هو كويس؟ "والله كويس. متقلقيش. والدكتور معاه وأنا هخلص حاجات مينفعش تتأجل وهسافر له على طول."
عاد من أفكاره يشعر أن العالم بكل ما فيه من اتساع يضيق به ويراه كنفق ضيق مظلم وهو بداخله يشعر بالاختناق. نظر حوله ليجد أن خيوط النهار بدأت تبدو ظلمة الليل. صحيح مازال الوقت باكرًا، لكنه قرر الذهاب إلى الشركة. هو غير قادر على مواجهة جدته وأخته والأسئلة التي لا تتوقف حتى دون أن ينطقون بكلمة واحدة. وصل إلى الشركة فلم يكن هناك أحد غيره والأمن. الذين شعروا بالاندهاش من حضوره باكرًا، لكن لم يعلق أي منهم ولو بحرف.
وصل إلى مكتبه وحين دخله أغلق الباب خلفه وظل واقفًا في مكانه عدة لحظات ثم توجه إلى الأريكة بجسد منهك وتمدد عليها واضعًا ذراعه على عينيه. وخلال لحظات غط في نوم عميق. ~~~~~~~~ وصلت إلى الشركة في معادها كلها حماس وشغف للعمل. صوته العصبي في آخر رسالة له، وهو يتوعدها. "باشمهندس وحضرتك في جملة واحدة. ماشي يا سليمة، حسابك معايا بعدين." جعل الابتسامة ترتسم على ملامحها منذ البارحة. تشعر أن الحياة مختلفة وبها شيء ما يلمس روحها.
وضعت حقيبتها على المكتب وبدأت في عمل روتينها اليومي في تنظيف مكتبها وترتيب الأوراق وتعطير المكتب حتى تشعر بالراحة وهي تعمل ما تحب. لكن اليوم تريد أن تفعل المثل في مكتبه. صحيح هي كانت تعطره يوميًا حتى أنه في أول مرة تقوم بهذا قال لها برقة لمست قلبها: "وجودك في الشركة فرق حتى في جوها وريحتها. المكتب بقى مكان مريح للأعصاب وكأننا في الجنة."
لتبتسم لتلك الذكرى. وبحماس توجهت إلى مكتبه. فتحت الباب ودلفت مباشرة إلى المكتب ترتب الأوراق. وتضع الملفات على جوانب المكتب والأقلام في مكانها. عدلت من وضع الجهاز اللوحي والهواتف ومن وضع الكرسي. وأمسكت المعطر وقبل أن تفعل أي شيء شهقت بصدمة حين وقعت عينيها على جسده الممدد على الأريكة غارقًا في النوم.
أقتربت بهدوء منه تتأمله. رغم أن ذراعه يخفي عينيه، إلا أن الإرهاق واضح عليه، خاصة مع نومه هنا بتلك الطريقة. شعرت بالشفقة على ما يمر به وكل ما يعانيه. رفعت يدها تود لو تستطيع أن تمسح على رأسه بحنان. أو تربت على كتفه بدعم. أو تضمه إلى صدرها يختبئ بين ضلوعها بعيدًا عن كل ما يؤلمه ويرهق قلبه وروحه. لكن يدها ظلت معلقة في الهواء.
انتبهت أن الشمس تكاد تصل إلى جسده وقد تقلقه. فبهدوء شديد توجهت إلى النافذة واغلقت الستائر. ثم أشعلت مكيف الهواء لكن على درجة منخفضة. وغادرت المكتب بحذر حتى لا يستيقظ ويأخذ ما يحتاجه من الراحة. ~~~~~~~~
بعد أكثر من ساعة فتح عينيه بتثاقل ورفع ذراعه عن عينيه يحاول إدراك أين هو. ليتذكر أنه بالمكتب. اعتدل جالسًا يفرك جبينه ليشعر بنسمة هواء خفيفة تأتي له من المكيف. ليشعر بالاندهاش. هو يتذكر جيدًا أنه لم يكن قادرًا على فعل أي شيء، فقط تمدد على الأريكة ولم يدرك أي شيء آخر.
ظل ينظر إلى المكيف والستائر وابتسم بسعادة مؤكدة سليمة هي من فعلت هذا. أغلقت الستائر وأشعلت المكيف حتى يرتاح في نومه. إن وجودها في حياته يجعل كل شيء مريح ومميز. توجه إلى الحمام الصغير الموجود في مكتبه غسل وجهه حتى يستعيد نشاطه وأعاد ترتيب خصلات شعره وملابسه. وعاد يجلس خلف مكتبه بعد أن فتح الستائر. رفع سماعة الهاتف وطلبها أن تحضر له. لكنها قبل أن تدلف إليه اتصلت بالكافتيريا وطلبت له بعض الشطائر وكوب من العصير.
ودخلت إليه وهي تحمل بين يديها الأغراض ليبتسم بسعادة لا يستطيع وصفها. ذلك الاهتمام منها بالتحديد يلمس قلبه وروحه. وضعت ما بين يديها أمامه وهي تقول: "أكيد حضرتك مأكلتش حاجة. علشان كده جبت لحضرتك السندوتشات دي والعصير. علشان يديلك الطاقة ونشاط." كان ينظر لها بهدوء ولكن من داخله سعيد. وحين انتهت من كلماتها قال لها من بين أسنانه: "اتنين حضرتك في جملة واحدة يا سليمة. على العموم، هعديها لك."
قال آخر كلماته وهو يمد يده يأخذ أحد الشطائر وبدأ في تناولها وأكمل قائلًا: "علشان اهتمامك بيا بس مش هعاقبك على كل حضرتك والرسمية في الكلام. وبجد... أنا متشكر أوي يا سليمة. مش بس علشان السندوتشات. علشان الستارة والتكييف وإنك سمعتيني. شكرًا على وجودك في حياتي اللي مهون عليا كل اللي أنا فيه." شعرت بالخجل من كلماته ولم تستطع الرد أو قول أي شيء. لم يرد أن يخجلها أكثر وظل يتناول الشطائر بصمت حتى استعادت قدرتها على
الحديث وقالت بصوت مرتعش: "تحب حضرتك أظبط المواعيد ولا زي ما قولتلي امبارح؟ "لا، الغي كله. أنا فعلاً مش قادر أتعامل مع أي حد. هاتيلي بس الأوراق اللي عايزة توقيع. وظبطي اجتماع مع المهندسين علشان أشوف آخر تطورات المشاريع. مش عايز أحل حاجة أو يبقى فيه أي تقصير لأني يمكن أسافر لعدنان." قال كلماته وهو يتناول كوب العصير. لتقول ببعض الشرود فقط شعرت بوغزة مؤلمة في قلبها مع ذكره لكلمة سفر: "حاضر."
أخذت الأغراض وغادرت المكتب وبعد لحظات دخل موظف المطبخ بكوب قهوة قد طلبها له حتى يستعيد نشاطه بالكامل. ~~~~~~~~ بعد مرور ثلاث أيام كان يقف أمام الطبيب يستمع لما يقوله بصدمة. ما هذا الذي يهذي به ذلك الطبيب. كيف يخبره بكل هذا البرود أنه على وشك خسارة أخيه. ماذ عليه أن يفعل أو يقول الآن. "لله الأمر من قبل ومن بعد. إنا لله وإنا إليه راجعون." تتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!